القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬وموقعها‭ ‬في‭ ‬نظريات‭ ‬السرد‭ ‬‮ ‬

رغم أن القصة القصيرة جنس سردي يمتلك تقاليد خاصةً، وبنيةً شديدة الإحكام، فإنها، مقارنةً بالرواية، لم تأخذ مكانةً لائقةً في نظريات السرد، والتاريخ الأدبي‭.‬ وقد بدأت في العقود الأخيرة تُثار أسئلة كثيرة، في الملتقيات والندوات التي تقام في العالم العربي، حول ما يميزها عن الرواية، أو عما إذا كانت تمتلك شعريةً (بمعنى “البويطيقا”)، تشكّل خصائصها الفنية وفرادتها بين الأجناس الأدبية الأخرى‭.‬

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(96)]

لوحة: حسين جمعان
القصة القصيرة موجة وسط النهر

يشبّه بعض دارسي السرد الأدبي الرواية بالنهر الذي يسيل من منبع إلى مصب، في حين أن القصة القصيرة تمثّل موجةً وسط النهر‭..‬ وهي ليست في الوقت نفسه جزءاً ولا فصلاً من الرواية، ففي القصة القصيرة يقارب الكاتب مشهداً أو عدة مشاهد متخيّلة لها صلة وثيقة بالواقع، أو بما يحتمل وقوعه، ويقتصر على سرد حادثة يتألف منها موضوع مستقل، لكن رغم قِصره يجب أن يكون كاملاً ناضجاً من وجهة التحليل والمعالجة‭.‬ ولا يتهيأ هذا إلاّ ببراعة يمتاز بها كاتبها، إذ أن المجال أمامه ضيّق محدود يتطلب التكثيف والتركيز الفني الدقيق‭.‬

ويرى دارسون آخرون أن القصة القصيرة لا تحتمل غير حدث واحد، وربما تكتفي بتصوير لحظة شعورية واحدة نتجت عن حدث وقع بالفعل أو متوقع حدوثه، ولا يدهش القارئ إذا انتهى من القصة، ولم يعثر فيها على حدث؛ إذ يمكن أن تكون مجرد صورة أو تشخيص لحالة محددة أو رحلة عابرة في أعماق شخصية‭.‬

القاص والشاعر الأميركي إدغار ألان بو من أوائل الذين كتبوا بعض المبادئ المتعلقة بالقصة القصيرة، من خلال تجربته في كتابة القصة البوليسية، فقد ذهب إلى أنها يجب أن تمتلك “وحدة التأثير أو الانطباع″، وأن تُقرأ في نصف ساعة، أي في جلسة واحدة، في تأكيده على أهمية التأثير الواحد، ووحدة الحبكة، والشخصية، والمزاج، واللغة‭.‬ وبربطه بين القصة والأغنية الشعرية وضع بو القول الفصل، الذي سيصبح حاسماً للقصة القصيرة التي تدين بالكثير لكثافة الشعر الغنائي ووحدته‭.‬

التنظير للقصة القصيرة

من المراجع المهمة التي نظّرت للقصة القصيرة كتاب “نظريات القصة القصيرة: منظور القرن الواحد والعشرين” (2012)، تحرير فيوريكا باتيا، ودراسة “نظرية القصة القصيرة” للناقد جيمس كوبر لورانس، ودراسة “القصة القصيرة: نظريات وتعريفات” لدومينيك هيد في كتاب “حداثة القصة القصيرة: دراسة في النظرية والتطبيق” (1992)، وكتاب “نظريات القصة القصيرة الجديدة” (1977)، المترجم إلى العربية بعنوان “نظريات القصة القصيرة الجديدة في مفترق طرق”، وفيه دراسة ممتازة لمحرره الناقد الأميركي شارلز ماي، بعنوان “التحفيز الاستعاري في القصة القصيرة”، ركز فيها على جوانب أساسية ميزت شعرية القصة القصيرة منذ نشأتها في بداية القرن التاسع عشر، من خلال تحليله لنماذج قصصية ترجع الى مرحلة النشأة‭.‬

يقصد شارلز ماي بالقصة ما حدده الشكلانيون الروس، أي أنها متوالية من الأفعال السابقة في وجودها، والمستقلة عن أي تقديم كلامي للأحداث، وبهذا يجري تمييزها عن الحبكة والخطاب‭.‬ وهو يستخدمها إجرائيا بطريقتين مختلفتين، وإن كانتا مرتبطتين: طريقة تاريخية ليشير بها إلى أسبقيتها كأسطورة على كونها خطاباً، وطريقة نظرية ليستغل الأسبقية المعروفة لها كمتوالية على الخطاب كتقديم بلاغي‭.‬ كما يستخدم الاستعارة أيضاً بطريقتين مختلفتين: الأولى ليشير بها إلى “الظاهرة الدينية-الأسطورية”، والثانية بالمعنى الجمالي‭.‬ أما التحفيز فيقصد به الفكرة العامة عمّا يصنع فعلاً شخصياً بطريقة خاصة، ويستخدمه أيضاً بالمعنى الجمالي لدى الشكلانيين الروس، وذلك لكي يشير به إلى شبكة التقنيات الأدبية التي تسوغ تقديم الموتيفات (التحفيزات) الفردية، أو الجمعية في عمل ما‭.‬

يتفق شارلز ماي مع إيخنباوم -أحد اقطاب الشكلانية- على أن القصة القصيرة شكل أساسي أوّلي، بل إنه يشير إلى أنها شكل له صلة وثيقة بالسرد البدائي الذي يجسد التصور الأسطوري ويلخصه، والذي يكون من سماته التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتت‭.‬ وبدلاً من تقديم التفاصيل بشكل خارجي تماماً وبطريقة ثابتة في الزمان والمكان، فإن القصة لا تستغل إلاّ تلك التفاصيل الضرورية والنافعة لها، ويبدو التقدم فيها وكأنه متجه إلى هدف وحيد‭.‬ وفي شكلها الفني يصبح التوتر بين المتطلبات الجمالية ومتطلبات مشابهة الحقيقة أكثر حسماً منه في الرواية؛ ذلك أن قصر القصة القصيرة يتطلب شكلاً جمالياً أكثر مما يتطلب شكلاً طبيعياً أو أساسياً‭.‬ وهي تظل -أكثر من الرواية- أقرب إلى أسلافها في بناء القصة الأسطورية، كما أنها أكثر ارتباطاً بصيغة الرومانس منها بالصيغة الواقعية، ومن ثمة فإن الشخصيات فيها أقرب إلى أن تكون -كما يشير الناقد الكندي نورثروب فراي- شخصيات مؤسلبة أكثر منها أناساً حقيقيين، فهي تبدو كأنها تشتغل وفقاً لتقاليد مشابهة الحقيقة والمعقولية، لكن لأن قصر الشكل يمنع من التقديم الواقعي للشخصية عن طريق التفاصيل الكنائية الشاملة، وبما أن تاريخ القصة القصيرة هو التاريخ الذي تلتقي فيه الشخصية بحادثة حاسمة أو أزمة أكثر مما تتطور عبر الزمن، فإن الشكل والتراث الخاصين بالقصة القصيرة يعملان بقوة ضد التقاليد المحورية في الواقعية‭.‬

إن الشخصيات في القصة القصيرة، كما يذهب ماي، هي في الوقت نفسه أقنعة اجتماعية في قص واقعي، وتجليات رمزية في قص رومانسي، وتتحول في عملية السرد إلى مجاز، أي أنها تصبح واقعةً في خطاب من صنع مجازها وهاجسها الخاص‭.‬ وهذه هي العملية التي يحوّل بها التحفيز الواقعي والعرض الرومانتيكي قصة الرومانس القديمة إلى خطاب قصصي جديد‭.‬

من جانب آخر تشكّل القصة القصيرة، في رأي ماي، الجوهر البنائي لكل قص، وذلك في أخذها عن الحكاية الشعبية والأسطورة، بل إنها، رغم استمدادها مباشرةً من هذه الحكاية، وذلك التراث الجمالي للرومانس، فإن ظهورها في بداية القرن التاسع عشر كان محكوماً بالضرورة بفرضيتين حول علاقة الفن بالواقع: الفرضية الواقعية، والفرضية الرومانتيكية، وقد ائتلفتا في القصة القصيرة بطريقة خاصة لتخلقا قيمةً نظريةً في التمييز بين الميل إلى ما يسمّيه فراي “التمثيلي” و”المزاح” من ناحية، والميل إلى الوحدات الأسطورية والمجازية المحفوظة من ناحية أخرى (بين الحقيقة والخيال)، كما أن لها قيمة تاريخية في التذكير بأن القصة القصيرة في القرن التاسع عشر، رغم أنها استُمدت من الأسطورة البدائية، ورومانس القرون الوسطى، كان لا بد أن تدخل في علاقة مع الواقعية في رواية القرن الثامن عشر، والخيال اليقظ في شعر القرن التاسع عشر‭.‬

على غرار تأكيد جوناثان كلر، يؤكد ماي على أنه، رغم التفكير السائد في القصة عادةً وكأنها وجود سابق على الخطاب، فإن ثمة حالات تكون فيها القصص نفسها تشكك في هذه الأسبقية أو تدمرها من خلال تقديم الأحداث، لا بوصفها أحداثاً معروفةً، بل نتاجاً لقوة الخطاب أو متطلباته‭.‬ ورغم أن كلر يقول بأن هذين المنطقين لا يمكن أن يجتمعا لأن كلاً منهما يعمل على تدمير الآخر، فإن ماي يتفق مع بيتر بروكس على أن ما يصفه كلر هنا هو المزج بين الاستعاري والكنائي، ذلك المزج الذي يشكل الطبيعة الخاصة للسرد‭.‬ ونظراً لمحاولته المتعمدة للجمع بين البنية الاستعارية للرومانس القديمة، والبنية الكنائية في الواقعية الجديدة، فإن هذا المنطق “المزدوج” يصبح حاسماً على وجه الخصوص في تطور القصة القصيرة‭.‬

القصة القصيرة من وجهة نظر عربية

تتباين آراء القصاصين والنقاد العرب ومواقفهم من مكانة القصة القصيرة، مقارنةً بالمكانة التي باتت تحتلها الرواية، فثمة عدد غير قليل من القصاصين يرى أنها لا تزال مزدهرةً، وتحظى بإقبال القراء، ولها كتّابها الممتازون، ويضرب بعضهم مثلاً على الازدهار الذي تشهده القصة القصيرة بصدور مجموعات قصصية لكبار الكتاب في السنوات الأخيرة، وانتشارها على نحو واسع بسبب كثرة كتابها وتعدد الوسائط والمنابر الثقافية التي تطلبها: الصحف اليومية والأسبوعية، المجلات الشهرية والفصلية، وكذلك المواقع الإلكترونية‭.‬ وثمة قصاصون في الوطن العربي على قدر عال من الاقتدار والموهبة، ولديهم نصوص قصصية لها مستوى فني متقدم، غير أن المعضلة التي تواجه القصة القصيرة تتمثل في تجاهل أغلب النقاد لها وانصرافهم عنها إلى الرواية، وكذلك تفضيل دور النشر للرواية على المجموعة القصصية‭.‬⊇وفي “ملتقى الشارقة السابع للسرد العربي”، الذي عُقد قبل سنوات أكد العديد من القصاصين المشاركين أن القصة القصيرة العربية في راهنها مزدهرة ومواكبة لتقنيات القصة في العالم‭.‬

على العكس من ذلك، ثمة روائيون عرب، وقصاصون أيضاً، يعزون تراجع فن القصة نسبياً أمام الرواية إلى أن العالم العربي يعيش في واقع اجتماعي وسياسي أفرز حالة من اللايقين، بعد سلسلة الهزائم المتتالية، على أكثر من صعيد، ما أدى إلى ما يشبه حالة الخواء الروحي، الذي يصعب على القصة أن تملأه، والعمل الروائي يتيح للقارئ أن يجمع شتات نفسه، حيث يعيش تجربة روحية واحدة مع عمل واحد، بينما التنقل من قصة إلى قصة في المجموعة الواحدة لا ينقذ القارئ من حالة التوهان واللايقين والشعور بالضياع السياسي والفكري‭.‬

أما النقاد فإن أغلبهم يرى أن القصة القصيرة أصبحت نوعاً أدبياً هامشياً يقيم على أطراف الحياة الثقافية العربية، وأن وضعها يدعو إلى التساؤل والقلق‭.‬ ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك مؤكداً أن القصة القصيرة ميتة مجازياً وثقافياً، وقد سلّمت الراية إلى فن الرواية، ويجد أن من الاستحالة على القصة القصيرة الارتقاء إلى رتبة النوع القابل لتحولات حقيقية في بنيته ووظيفته الدلالية، فهي ما زالت أسيرة أصلها الحكائي وشكلها المغلق في عصر أصبح كل شيء فيه مفتوحاً، ومحاولة الانفتاح فيها ستجعل منها مشهداً سردياً في نص روائي‭.‬

معظم الناشرين العرب لا يختلف رأيه عن رأي النقاد، لذا فإن مَن يوافق منهم على نشر مجموعة قصصية يفرض على كاتبها دفع تكاليف النشر كاملةً مقابل حصوله على نسبة من النسخ، وثمة الكثير من القصاصين يرضخون، للأسف، لهذا الفرض اضطراراً، رغم أن بعضهم من الأسماء اللامعة!


كاتب من العراق