طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد

هشام‭ ‬جعيط‭: ‬في‭ ‬الأسئلة‭ ‬والأجوبة‭ ‬والأفكار

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(70)]

لوحة: ياسر صافي
عندما نقرأ حوارات مع كبار المفكرين، عربًا وأجانبَ، عادة ما نخرج بفوائد تعادل استماعنا لمحاضراتهم أو مطالعتنا مصنّفاتهم، وقد نجد فيها إحالات على كتب مرجعية لا نعرفها، ومقولات أعلام غابرين لم يسبق لنا الاطلاع عليها، وقد نتخذ من تلك الأحاديث مرجعا نعود إليه في مقالاتنا للحجاج والاستدلال‭.‬ وعندما نحاورهم لا يهمّنا أن نعرف بداياتهم ودوافع اختيارهم هذا الحقلَ المعرفيّ دون سواه، فهي معروفة بعد أن غَدَوا أعلامًا، يتداول الناس كتبهم في مشرق الأرض ومغربها، بقدر ما نودّ أن نعرف موقفهم من قضايا جوهرية لم يُحسَم فيها الجدل، ونظرتهم إلى مسائل جارحة اختلفت فيها الآراء واشتبكت حتى صارت عصيّة على الفهم‭.‬

على المؤسف ألا نعثر على شيء من ذلك في الحديث الذي أجرته “الجديد” مع المفكر والمؤرخ التونسي هشام جعيّط، وهو من هو‭.‬ حديث لا يرقى إلى إسهاماتِه الجليلة في عقلنة التاريخ الإسلامي وتخليصه من شوائب كتب الأخبار القديمة، ولا مكانتِه العلمية التي بوّأته مديرًا لبيت الحكمة، أي المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، وحدَت بالمؤسسة العربية للدراسات والنشر إلى اختياره شخصيةَ العام الثقافية لسنة 2015 ‭(‬وليس 2016، كما ورد في مقدمة الحوار‭)‬‭.‬ فقد جاء في لغة مهلهلة، أقرب إلى لغة الأعاجم غير المتمكنين من لغة الضاد، كقوله “في الأصل منذ القديم، كنت أحب علم التاريخ”، وقوله “فلا يمكن لي أن أقوم بدكتوراه إلا بهذه اللغة”، وقوله “ولم يكن دائما المستشرقون مؤرخين جيدين” أو قوله “هناك كبار مستشرقين لكن كتاباتهم ليست جيدة”، وقوله أيضا “كتبتها رأسا بالعربية، وترجمة على العكس بالفرنسية”، كما أنه مشحون بأخطاء لا يمكن أن يرتكبها من هو “متمكن من العربية” كقوله “فاهتمامي الأكبر كان منصبّ ‭(‬كذا‭)‬ على علم التاريخ”، وقوله “أول عمل فكري كتبته‮…‬ على ‭(‬كذا‭)‬ مشكلة الهوية”، وقوله “وكانوا يخاطبون جمهور ‭(‬كذا‭)‬ أعمّ”، وقوله كذلك و”أن العربَ والمسلمون ‭(‬كذا‭)‬ مهتمون‮…‬” حتى لنحار في معرفة اللغة التي دار بها الحوار، هل هي العربية، أم أن الحديث جرى بالفرنسية ثم صيغ في ترجمة رديئة‭.‬ وفي كلتا الحالتين كان من المفروض مراجعة النص لتنقيته من هناته، لأن المنطوق غير المكتوب، سواء دار بهذه اللغة أو تلك‭.‬ ولو أن جعيّط، كأغلب الفرنكفونيين المغاربيين، له أسلوب مطبوع ببنية الجملة الفرنسية، حتى لتحس أنه يفكر بالفرنسية ويكتب بالعربية‭.‬

أما الأفكار، على خطورتها، فقد وردت فيما يشبه رؤوس أقلام، كتصريحات رجال السياسة، تلقى على الملأ دون تفسير أو تحليل، وليتنافس في فهمها المتنافسون، وشملت موقفه من المستشرقين، وصعوبة إرساء الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي، والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها نهضة عربية إسلامية حديثة، وأسباب ظهور التيارات الراديكالية، ودور المثقف في النقد والتوعية، ودوافع الكتابة باللغة الفرنسية‭.‬

المستشرقون وتأريخ الإسلام

عُرف عن هشام جعيّط تحفُّظُه على كتابات المستشرقين، وإن ظل هذا التحفظ فيما نعلم محصورا في الحوارات الإعلامية، ولم يتخذْ شكل ردّ عنيف في مصنف مخصوص على غرار “إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث” لمالك بن نبي، أو يُصَغْ بأسلوب نقدي ذي منهجية علمية كما هو الشأن في كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد‭.‬ وكنا نودّ لو تفضّل بتفصيل القول في أسباب هذا التحفظ، غير أنه اكتفى بالقول “إن كتاباتهم لم تكن دائما جيّدة من الناحية المنهجية” رغم أنه يعترف بكونهم كبارا، ولا نفهم كيف يحوزون منه هذا الصفة والحال أن كتاباتهم في نظره ليست جيدة، كما لا نعلم منه إلا أنهم ماتوا، دون أن نعرف من المقصود منهم، وهم من الكثرة بمكان، فـ”الاستشراق، كما يقول مكسيم رودنسون، ليس كتلة واحدة، والمستشرقون ليسوا فريقًا واحدًا، وليست غاياتهم واحدة؛ وبالتالي فإن التعميم لا يمكن أن يؤخذ به كأساس في اتهام المستشرقين الذين أعطوا الكثير من جهدهم لثقافات الشعوب الأخرى”‭.‬ وبغض النظر عن كل الانتقادات الموجهة إلى المستشرقين، فلا بدّ من الإقرار بأنهم أدّوا دورا كبيرا في إحياء عدد هام من كتب التراث الإسلامي، وبالتالي حفظوها من التلف والضياع، ووفروا للمهتمين بدراسة تاريخنا وتراثنا مادة أولية تسمح لهم بإنجاز بحوثهم ودراساتهم، كالألماني كارل بروكلمان والإيطالي فرنشيسكو غابرييلّي والفرنسي إيفاريست ليفي بروفنسال على سبيل الذكر لا الحصر‭.‬ وهشام جعيّط نفسه مدين لهم في وجه من الوجوه، فما كان له أن ينجز ما أنجز عن تاريخ العرب والمسلمين لولا المراجع والمخطوطات المحفوظة في مكتبات الغرب من برلين إلى مدريد وباريس ولندن، ولولا أساتذة السوربون الذين أخذ عنهم علم التاريخ ومناهج بحثه‭.‬

والمفكر جعيّط لا يجانب الصواب حينما يدعو العرب والمسلمين إلى كتابة تاريخهم بأنفسهم حسب منهجية علمية تخالف السرديات الأسطورية القديمة، ولكنّ المشكل الذي يواجه المؤرخين العرب المحدثين هو مدى تقبل المجتمعات العربية الإسلامية لخلخلة حقائق ووقائع جرت في المخيال الجمعي مجرى التقديس، وهو ما يفسر تفضيل أغلبهم الاهتمام بالتاريخ الحديث على إعادة قراءة تاريخ إسلامي مؤسطر، قد تصبّ عليهم نار الإخوان وتجلب لهم تهمًا ليس أقلها التكفير والردة، خصوصا في هذا الظرف العكر‭.‬ وحسبنا أن نراجع مواقف العامة وحتى النخب المثقفة من الكتابات الأخيرة للمفكرين التونسيين المهتمين بالتاريخ الإسلامي كمحمد الطالبي ويوسف الصديق وعبدالمجيد الشرفي وألفة يوسف وآمال القرامي، بل إن الطالبي نفسه ألّف كتابا عنوانه “ليطمئنّ قلبي” شنّ فيه هجوما عنيفا على تلميذه عبدالمجيد الشرفي الذي حاول أن ينظر إلى مسألة الوحي والتنزيل نظرة مغايرة، ووصفه بـ”انسلاخ إسلامي”، أي المنسلخ عن الإسلام، بما يعني المرتدّ، ونحن نعرف حكم الردّة في الشريعة الإسلامية، وأشهر ضحاياها في هذا الزمن العربي العجيب المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد‭.‬ فالمسافة بالنسبة إلى المؤرخ ضرورية، كما يقول جعيّط، ولكنها في رأينا ليست مسافة زمنية فقط بل جغرافية أيضا، ولا نتصور أن مؤرخا عربيا يقيم بين أهله في المشرق أو المغرب يملك جرأة المستشرقين في وضع مجريات تاريخنا كله موضع مساءلة‭.‬ فهل يستطيع مؤرخونا، مثلا، التأكيد على أن الفتوحات الإسلامية الكبرى لم تكن لنشر الإسلام بل لجمع الغنائم، على رأي الباحثة الفرنسية جاكلين الشابي؟

صحيح أن تأصيل الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي صعب، يرجع جعيّط أسبابه الراهنة إلى تدخل القوى الخارجية والقوى الإسلامية “الجديدة”، ولكنه ليس مستحيلاً، فحركة التاريخ لا تتوقف، ولا ندري ما تخبئه حلقاته المقبلة

العرب والديمقراطية

في ردّه على سؤال جاء فيه بالحرف الواحد “هل تؤيد من يذهب إلى أن الوعي الجمعي العربي يرفض الديمقراطية وأن هذه المنظومة غير قابلة للتطبيق في عالمنا العربي ؟” يؤكّد جعيّط حرفيّا أيضا “نعم بالفعل هو غير قابل “‭(‬كذا‭)‬‭.‬ فالسائل والمجيب ينطقان هنا في وثوق من يملك الحقيقة المطلقة، ولا ندري ما هي استطلاعات الرأي التي اعتمد عليها الأول في إقرار رفض العرب كافةً للديمقراطية، ولا المعطيات الموضوعية التي استند إليها الثاني في إصدار حكم باتّ بأن الديمقراطية غير قابلة للتطبيق في الوطن العربي، والحال أنهما من تونس، البلد الذي يعيش مخاض تجربة ديمقراطية ناشئة، تعاني تعثرات المبتدئين لا محالة، ولكنها تثبت خطل الرأي القائل إن العرب والديمقراطية خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدا‭.‬ فالذين يرفضون الديمقراطية فعلا هم الإخوان ‭(‬وإن خاضوا الانتخابات في الجزائر ثم في فلسطين وتونس ومصر، فللوثوب على السلطة بغرض فرض نمط مجتمعي معين يقوم على الشريعة‭)‬ وسائر التنظيمات الجهادية التكفيرية‭.‬ ولا نحسب أن العرب ينبذونها لذاتها، وإنما مردّ غيابها إلى أنظمة استبدادية أزلية تقدّم مصالحها الخاصة على مصالح شعوبها، وتستقوي بالقوى الخارجية لضمان بقائها ودوامها، وتبتدع صيغا من المغالطات لتبرير انفرادها بالسلطة‭.‬

والحق أن مثل هذه الآراء هي صدى لما يضطرم في الغرب من معارك حول الإسلام بعد ظهوره إلى العلن في شكل زيّ طائفي أو دعوات تروّجها حركات الإسلام السياسي، فمنذ ظهور قضية الحجاب في فرنسا حتى الاعتداءات الإرهابية الأخيرة، والجدل حامٍ بين اليمين واليسار، وأحيانا داخل الشق الواحد حول مدى تلاؤم الإسلام والديمقراطية‭.‬ فريق يرى في الديمقراطية إنتاجا غربيا صرفا،‭(‬وهو ما يؤكده جعيّط، بما يوحي أن العرب لا يحق لهم استيراده، ولا تثريب فيما عدا ذلك مما يجعلنا نحيا حياة مدنية عصرية، أي كل شيء‭!)‬ وفي الإسلام ديانة جامدة من حيث لازمنيّتها وطبيعتها التي لا تتلاءم مع الحداثة السياسية، فيما يرى فريق آخر أن الإسلام بنية تاريخية، قد تشرّع تبعا لذلك منظومة ديمقراطية أو نظاما استبداديا بحسب الخيارات السياسية‭.‬

صحيح أن تأصيل الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي صعب، يرجع جعيّط أسبابه الراهنة إلى تدخل القوى الخارجية والقوى الإسلامية “الجديدة”، ولكنه ليس مستحيلاً، فحركة التاريخ لا تتوقف، ولا ندري ما تخبئه حلقاته المقبلة‭.‬ فمن كان يتصوّر أن يتمرد التونسيون على حكم بوليسي قامع، أو يثور السوريون ضد أعتى الدكتاتوريات في المشرق؟ ومن كان يتوقع أن تتفكك الإمبراطورية السوفييتية بمثل تلك السرعة؟ ومن كان يتخيّل أن يختار الأميركان رجلا أسود رئيسا لهم ولم يمض نصف قرن على الجرائم العنصرية التي كانوا يرتكبونها ضد السود؟

النهضة العربية والحداثة

بعد أكثر من نصف قرن على استقلال أغلب الأقطار العربية، ما زلنا نعلّق فشلنا في شتى المجالات التنموية والعلمية والاقتصادية والصناعية على شمّاعة الاستعمار، فهو سبب تخلّفنا، ولا يمكن أن نقارن أوضاعنا باليابان والصين لأنهما لم تخضعا مثلنا للهيمنة الاستعمارية المباشرة‭.‬ كذلك يفسّر جعيّط تخلف العرب والمسلمين ناسيًا أن بلدانا أخرى استطاعت أن تكسب معركة النمو والتطور، رغم خضوعها زمنا طويلا هي أيضا للاستعمار البريطاني كماليزيا وسنغافورة والهند، أو الهولندي كإندونيسيا، أو البرتغالي كالبرازيل‭..‬ فقد استطاعت تلك البلدان بعد الاستقلال أن تلحق بركب الحضارة، بفضل سياسات رشيدة راهنت على العلم والمعرفة، واهتمت بالبحث العلمي والتصنيع الميكانيكي والتكنولوجي، فدخلت عالم الحداثة بقدم ثابتة‭.‬ أما العرب فليس لهم من كل ذلك غير تحديث مظهري، فهم لا ينتجون تقريبا أي شيء ولا يزالون يتواكلون على الأجنبي حتى في غذائهم وكسائهم ودوائهم‭.‬

من جانب آخر، عزا المفكر التونسي فشل مشروع النهضة إلى تركيز أعلامها جهودهم على مسائل فقهية وسياسية بدل البحث عن الوسائل الكفيلة بتحرير بلدانهم من الهيمنة الغربية، وفي مقدمتها التصنيع أسوة بهذا الغرب نفسه‭.‬ صحيح أن الحداثة الغربية قامت على التصنيع والاقتصاد فيما عرف بالثورة الصناعية، حيث انتقلت مجتمعات ذات طبيعة إقطاعية زراعية شيئا فشيئا إلى الصناعة والتجارة والاختراعات خلال القرن التاسع عشر، كما يؤكد فريدريخ أنغلز وأرنولد توينبي، ولكن تلك الحركة الواسعة سبقتها حركة فكرية وعلمية وثقافية عمّت أوروبا ونعني بها “قرن الأنوار” من 1715 إلى 1789 وفي رواية أخرى حتى 1820‭.‬ وهو ما لم يتوافر للنهضة العربية لأسباب أجملها هشام جعيّط في ضعف الإمكانات والسيطرة الأوروبية‭.‬ ولا نحسب أن دعوته اليوم إلى ثورة تكنولوجية وصناعية وحتى عسكرية في متناول دول يعيش أغلبها على القروض الأجنبية‭.‬ فالتصنيع القوي والجريء الذي ينصح به فوق طاقة بلدان لم تكسب بعد معركة محو الأمية، فما البال بنشر الفكر العلمي والتكنولوجي والصناعي‭.‬ ثم إن هذا التحديث الصناعي والتكنولوجي الذي يدعو إليه ليس من اختصاص المفكرين كما نفهم من كلامه، بل من مشمولات أصحاب القرار السياسي، فهم الذين يرسمون الخطط ويهيئون المناخ الكفيل بنهضة صناعية، عبر إنشاء المصانع ومراكز البحث وتحفيز الشباب المتعلم على الخلق والابتكار‭.‬

أسباب الإرهاب

يرى جعيّط أن ظهور الحركات الإسلامية الراديكالية جاء كردّ فعل على الابتعاد عن الدين إذ يقول صراحة “وقع ابتعاد عن الدين في عدة بلدان، لكن وقع كرد فعل، على غرار ما حدث في إيران وظهور هذه التنظيمات الإرهابية”، ولا ندري من المعنيون بالابتعاد عن الدين، أهي الأنظمة أم الشعوب؟ فأما الأنظمة فقد اختارت في نطاق مشروعها التحديثي أن تنأى بالدولة ومؤسساتها عن الدين ‭(‬دون أن يكون ثمة فصل بيِّنٌ بين الدين والدولة على غرار العلمانية الغربية‭)‬، باستثناء بلدان تيوقراطية قليلة جعلت الشريعة الإسلامية دستورا لها، دون أن يعني ذلك إلغاء الدين من حياة الناس، ولا من إقامة الشعائر أثناء الأعياد بصفة رسمية‭.‬ وقد عُدّ ذلك عملا جريئا تجشّمه قادة متنورون، مثل مصطفى كمال في تركيا والشاه رضا بهلوي الأول في إيران والحبيب بورقيبة في تونس، وكلهم ثاروا على التقاليد البالية التي تعطل تقدم شعوبهم، ووفروا لمواطنيهم ومواطناتهم حقوقا تنكرها عليهم المجتمعات الذكورية البطريركية، فلولا “مجلة الأحوال الشخصية”، التي وقع إقرارها قبل سنّ الدستور في تونس مثلا،ما كانت المرأة التونسية لتنعم بما تنعم به اليوم من مساواة مع الرجل‭.‬ حتى في فرنسا، التي تقوم فيها اللائكية مقام الديانة، لم يجبر قانون 1905، المنظم للفصل بين الكنيسة والدولة، الناس على التخلي عن دينهم ولا عن ارتياد الكنائس‭.‬ ومن ثَمّ فإن القول بأن ظهور الحركات الإسلامية المتطرفة جاء كردّ فعل على الابتعاد عن الدين بعيد كل البعد عن الحقيقة، لأن تلك التنظيمات، على اختلاف مشاربها ومصادر تمويلها، إنما اختارت الدين كأيديولوجيا سياسية لانتزاع السلطة، ثم إقامة دولة تيوقراطية تنكر على شعبها حقه في المواطنة، سواء في تونس أو مصر أو سواهما‭.‬ فإيران التي يسوقها كمثال، مثلما يذكر القوميين العرب في سياق آخر، إنما قامت الثورة فيها لأسباب سياسية، بعد أن استشرى الفساد وعمّ القمع الذي كان يمارسه جهاز السافاك ضدّ المعارضين للشاه، بتعذيبهم وتجويعهم داخل السجون وتصفية رموزهم جسديّا‭.‬ أما عن أعمال العنف التي تقوم بها تلك التنظيمات الإرهابية ضدّ الغرب، والتي يفسرها جعيّط بكونها محاولة للتحرر من الهيمنة الغربية، ولا يؤمن بجدواها، فما هي سوى تضليل يريد المتطرفون من ورائه إيهام المسلمين بأنهم وجدوا أساسا لمحاربة الغرب الكافر ونشر راية الإسلام، لأن المستهدف الأول لإرهابهم هو الشعوب العربية والإسلامية حيثما كانت في دار الإسلام الواسعة‭.‬ وغنيّ عن القول إن حركة الإخوان والأصولية الوهابية، المرجع الأساس للتيارات الراديكالية العنيفة، لم تنشأ في بيئة تخلى أهلها عن الدين‭.‬

ما زلنا نعلّق فشلنا في شتى المجالات التنموية والعلمية والاقتصادية والصناعية على شمّاعة الاستعمار، فهو سبب تخلّفنا، ولا يمكن أن نقارن أوضاعنا باليابان والصين لأنهما لم تخضعا مثلنا للهيمنة الاستعمارية المباشرة

دور المثقف

يقدّم جعيّط صورة عن المثقف صارت نمطية، يعرفها القاصي والداني، وكنا تناولناها هنا بكثير من التفصيل في نقاشنا للمفكر السوري جاد الكريم الجباعي، وخلاصتها أن المثقف، على غرار ما كان موجودا في القرن العشرين في فرنسا ‭(‬سارتر، كامو، ريمون آرون، فوكو، بورديو‭..‬‭)‬، هو ذاك الذي لا يكتفي بمنجز علمي أو فكري أو أدبي جلب له صيتا وسمعة، بل يشفعه بالتدخل في القضايا الخاصة والعامة، أي أن يكون فاعلا في الساحة الثقافية والسياسية، لا عن طريق الانخراط في حزب من الأحزاب، أو الترشح لمنصب سياسي، بل من خلال الجهر بصوت جريء ناقد ينير الرأي العام من جهة، والنزول إلى الشارع منددا بظلم أو مؤيدا لمطالب يعتبرها مشروعة‭.‬ وجعيّط، وإن أبدى احترازه في البداية قائلا إن “الحديث عن المثقف العربي إجمالا أمر صعب”، عاد ليؤكد أن هناك “انحطاطا في دور المثقف”، ‭(‬و”انحطاط” هي ترجمة غير صائبة للعبارة الفرنسية déclin، أي تراجع دوره وضمور حضوره وتدني وزنه‭)‬، حينما عدل عن مهمته الأساس في أن يكون ضمير الأمة، فانخرط في العمل السياسي أو الحربي‭.‬ وفي رأيه أن المثقف لا يكون له دور إلا إذا كان صوته مسموعا داخل مجتمعه، سواء على المستوى القطري أو المستوى العربي‭.‬ وكنا نودّ لو تفضل بشرح الأسباب التي جعلت أغلب “مثقفينا” يكتفون بكتابة التحاليل في الصحف والمجلات المهجرية‭.‬ هل كان بإمكانهم أن ينزلوا إلى الساحات العامة، ويُعلوا أصواتهم بقولة الحق في ظل أنظمة توتاليتارية قامعة تصادر كتبهم وحرياتهم، وراديكالية ظلامية تحاسبهم حتى على استحضار ما هو مدوّن في كتب التراث، ولم يعترض عليه القدامى‭.‬ وحسبنا أن نذكر ما تعرضت له الأكاديمية التونسية آمال القرامي مؤخرا من إيقاف وإهانة في مطار القاهرة قبل ترحيلها، ثم من عنف شديد في مقهى بأحد ضواحي مدينة تونس، لمجرد أنها قاربت الموروث الديني من منظور عقلاني، لتبين بالحجة تسامح الرسول مع المثليين‭.‬ فالمثقف في بلاد الغرب لا يهان ولا يعتدى عليه حتى ولو وجد للإرهابيين أعذارا، كما فعل الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري بعد اعتداءات باريس الأخيرة، فمقارعته لا تكون بالمقامع والسياط والسجن والتعذيب، بل بالحجة‭.‬ عندما يتوافر للعرب ما يتوافر لسواهم في الأمم المتقدمة من حصانة تكفلها المؤسسات والقيم الديمقراطية، يمكن أن يكون للمثقف العربي دور وأيّ دور‭.‬

والخلاصة أنه حديث لا يخرج عن “طاحونة الشيء المعتاد” بعبارة الأديب الليبي عبد الله القويري، ولا يمكن أن يجني منه القارئ أدنى فائدة.


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس فرنسي
  • خارج‭ ‬الجنة‭ ‬الفرنكفونية
  • ماذا يتبقى من مايو 68؟
  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية