‬الأدب‭ ‬الناقد‭ ‬وخلخلة‭ ‬مركزية‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي

قراءة‭ ‬في‭ ‬نصوص”72‭ ‬ساعة‭ ‬عفو”‭ ‬ لوليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين

الجديد  تامر فايز [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(146)]

الحرية هدف مشترك بين المبدع والمتلقي والناقد؛ فإن كان الأول يبحث عنها في أفكاره التي يبثها عبر إبداعاته الأدبية، فإن الثاني يجد ضالته في هذه الأفكار المراوغة التي يقدّمها له الأول، بينما تصبح مهمة الثالث/الناقد -في طريق الوصول إلى الحرية- أكثر تركيبًا، بل تصل في بعض الأحايين إلى حالة من حالات التعقيد. فالناقد المتخصص دائمًا ما يقع في حيرة بيِّنةٍ بين تخصصه الذي ألزمه بمجموعة من المقومات والضوابط التي تتيح له التعامل النقدي المقبول من المؤسسة النقدية الرسمية مع النصوص، وبين تلك الخروجات التي يستعصي عليه تصنيفها في كثير من الحالات الإبداعية التي يتعامل معها.

إذن، ما المَخرجُ الذي يمكن من خلاله أن يجد المبدع حريته فيما يبدع والناقد فيما يحلل من أعمال إبداعية؟

يبدو لمن يقارن حالة الإبداع بالنقد في حضارة معينة ونوع أدبي بعينه أن المبدع تسهل مهمته عبر استعارات رمزية شكلية ومضمونية مكنته -بشكل أو بآخر- من تحقيق ضالته في التحصل على الحرية الإبداعية؛ فاتخذ بعضهم من التراث رموزًا استعارية ستائرية يتقنعون بها من بطش أيّ سلطة قد تعترض على مضمون العمل الأدبي، بينما يتخطون حدود النوع أو الجنس الأدبي المكتوب ويعمدون -أحيانًا- لاستعارات أساليب وتكنيكات من مجالات وأشكال أخرى فنية عامة أو أدبية خاصة تخلصًا من قيود النوع وسعيًا تجاه الحرية الإبداعية خاصة والحرية بمفهومها الشامل عامة‭.‬

أما الناقد فمشكلته تبدو أعمق؛ إذ هو مضطر -كجزء من تحمل المسؤولية أمام المؤسسة النقدية- للالتزام بحدود النوع الذي يتعامل معه بصيغه النقدية المستقرة، تلك التي أقرها الاستخدام النقدي عامة والعربي على وجه الخصوص؛ حيث “يستخدم النقد العربي كلمة النوع أو الجنس (genre) كمصطلح يميز الأعمال الأدبية، على أساس انتماء كل منها إلى فصيلة معينة، يشترك أفرادها في خصائص شكلية عامة‭.‬ ويعني الشكل هنا الصورة التي عليها العمل الأدبي، والتي تبنى من عناصر معينة، وتهدف بشكلها الكلي إلى إحداث تأثير معين” (إبراهيم حمادة، على هامش الأنواع الأدبية، مجلة القاهرة، العدد 84، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص3)‭.‬

وبناء على هذا، يسعى كل ناقد -يتعامل مع النص الأدبي- إلى ضم هذا العمل إلى مدرسة نقدية ما، تقوم في أساسها على مجموعة من المكونات والاصطلاحات والآليات النقدية التي يُتعامل بها مع الأدب من وجهة نظر هذه المدرسة أو التوجه النقدي‭.‬ لكن السؤال الجدير بالذكر في هذا الصدد هو، هل يضع المبدع في ذهنه توجهًا أو مدرسة أدبية معينة يصوغ عمله الإبداعي على أساسها؟ يُظَنُّ هنا أن الإجابة ستكون بالنفي في معظم الحالات؛ إذ المبدع ينطلق من فكرة أو موضوع يدفعه في الأساس لصياغة عمل أدبي، يَعرف المبدعُ الصورةَ الكليةَ أو الشمولية لأهم عناصره الشكلية، دون تعمد لتشكيل عمله عبر استخدامها بشكل قصدي واضح‭.‬

وهنا، يأتي دور الناقد تاليًا لدور المبدع، محاولاً تصنيف العمل تبعًا لغلبة العناصر أو المقومات الشكلية على العمل الذي يتعامل معه بوجهة نقدية متخصصة، وهو ما يصنع حالة من مركزية الأنواع الأدبية ما بين النقد والإبداع؛ والمقصود بمركزية النوع هنا، ما أصبح مستقرًا في الممارسات الإبداعية والنقدية حول نوع أدبي معين، حتى الخروجات التي تحدث في هذا الإبداع إنما تُرَدُّ في المدارس النقدية الحديثة لأحد التوجهات‭.‬ ففي حالة المسرح تُنسَب معظم المقومات الشكلية إلى المدرسة الكلاسية التي صاغها أرسطو وتابعوه عن شكل العمل المسرحي، وأية خروجات عن هذه الضوابط الكلاسية إنما ينسبها الناقد للمسرح الرومانسي أو أحد التوجهات النقدية الحديثة، مثل: التوجه الملحمي أو البرانديللي أو غيره من التوجهات المعاصرة‭.‬

ويمكن تفسير هذه الطريقة في التعامل النقدي مع الإبداع الأدبي عبر فهم أولوية التقويم على التفسير كهدف للناقد من تعامله مع الإبداعات الأدبية؛ حيث يمكن -عبر التفريق بين وظيفتي الناقد المُقوم والناقد المُفَسِّر- التفريق بين ما يخضع إليه العمل الأدبي في الممارسة النقدية لشروط أو ضوابط تنتمي بالضرورة إلى توجّه نقدي معين، وبين ما يَسِمُ خصوصية العمل الأدبي المنتقد في حد ذاته، دون مقارنته الصارمة بالحقل الأدبي الذي يصنف العمل الأدبي بداخله من قِبَل النقاد‭.‬ وهذا ما أكد عليه الناقد الكبير شكري عياد، عندما فرق في الممارسة النقدية بين التقويم والتفسير في عمل الناقد؛ حيث أن “المقوِّم يبحث عن مدى اقتراب العمل الأدبي من شكل نموذجي في نظره: سواء أكان هذا الشكل هو شكل المسرحية أو الرواية أو الترجمة الذاتية، إلخ‭.‬ أما المُفَسِّر فإنه مع معرفته بهذه الأشكال لا يعترف بشكل واحد نموذجي‭..‬، عمل المفسر أخصب من عمل المقوم؛ لأن المقوم ينظر إلى الشكل من حيث هو ظاهر فقط، ولا سبيل له إلى غير ذلك مادام يقارن بين أعمال بينها اختلاف ذاتي‭.‬ أما المُفَسِّر فإنه ينظر إلى الشكل الظاهر من حيث دلالته على فكرة جوهرية أكثر كمونًا‭.‬ ومن ثم فهو يستخرج من العمل معاني ضمنية غزيرة، بل إنه يحفّز عقل قارئه على استخراج المزيد من هذه المعاني‭.‬ وعمل المفسّر أدق من عمل المقوّم، لأن القانون الذي يصل إليه مناسب للعمل الذي يدرسه، إنه قانون ذاتي في الحقيقة، بعيدًا عن عمومية القانون العلمي ولا ذاتيته‭.‬ ومثل هذا القانون الذاتي هو وحده الذي يصلح للدراسة الأدبية” (شكري محمد عياد، عن النقد التفسيري، مجلة المجلة، العدد 160، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1970، ص6)‭.‬

من هذا المنطلق، يمكن الجمع بين نوعين من النقد الذي يوجه للعمل الأدبي، وهما: النقد المؤسسي؛ ذلك الذي ترتضيه المؤسسة النقدية، والذي يتوافق مع ما أقرَّته في أعرافها النقدية المعمول بها، والنقد التفسيري الذي يبحث عن الخلخلة التي صنعها المبدع في عمله الإبداعي للأدب المؤسسي‭.‬

وبناء على هذا، فإن من يطالع الثلاثية المسرحية “72 ساعة عفو” للشاعر والكاتب المسرحي المصري وليد علاء الدين، الصادرة في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يلحظ أن التعامل النقدي معها إنما لا بد أن يتم عبر هذه الثنائية من التعامل النقدي سالف الذكر؛ حيث ظهر في هذه الثلاثية مدى التزام الكاتب بمركزية النوع الأدبي/المسرح من ناحية، وخلخلة هذه المركزية عبر الخروج عليها من ناحية ثانية‭.‬

أما الالتزام بمركزية الشكل المسرحي فقد تبدّت جلية في التزامه بمجموعة من المقومات الخاصة بالكتابة المسرحية، مثل: تكثيف الحوار المسرحي كما تبدّى في كثير من مواضع مسرحياته الثلاث، ووجود نوع من أنواع الصراع الداخلي أو الخارجي في كل مسرحية من هذه المسرحيات، مع تشكيل المسرحيات لمجموعة من الشخصيات التي تحتلّ أدوار البطولة أحيانًا أو التي تسهم في إتمام الحدث كشخصيات ثانوية في أحايين أخرى‭.‬

لكن المُطَالِع لهذه المسرحيات يلحظ بوضوح أن الجانب الأجلى في تشكيل هذه النصوص إنما يتضح فيه نوع من الخلخلة أو الحراك الإبداعي لهذه المقومات التشكيلية المؤسسية التي تظهر في تكوين العمل الأدبي لوليد علاء الدين‭.‬ حيث يظهر من الوهلة الأولى أنه كتب نوعًا من المسرحيات التي يمكن أن تُصَنَّف تبعًا لتوجه نقدي محدد، هو مسرح العبث، وهو نوع من الكتابة المسرحية يعبث فيه المبدع بكثير من مقومات مركزية المسرح كنوع أدبي؛ إذ يخالف الكتَّابُ في هذه الكتابة العبثية نوعية الصراع الكلاسي المسرحي وتشكيل الشخصية المسرحية وكذلك لغة المسرحية الكلاسية، كما يستلهمون مجموعة من التكنيكات المتنوعة التي تفارق وتخلخل من وجود التقنيات التقليدية للمسرح الكلاسي‭.‬

لقد سعى وليد علاء الدين -بعمد أو بغير عمد- لإظهار عبثية الحياة عبر عبثية عناصر مسرحياته “صورة يوسف”، و”72 ساعة عفو”، و”البحث عن العصفور”، وهو ما تبدَّى في مجموعة من العناصر التي مثّلها مسرحه كنوع من أنواع الكتابة العبثية، مثل:

• سعي هذه المسرحيات لإبراز “الاغتراب التام للإنسان، ووحدته في كون يناصبه العداء، ويبدو وكأنه ينكر عليه حق الوجود‭.‬ فمسرح العبث يقدّم لنا شخصيات منبوذة، لا منتمية، لفظتها الحياة‭.‬ وهو يضع هذه الشخصيات في صراع دائم يخلو من المنطق والتبرير مع محيط وجودها المادي والمعنوي، ينتهي باستسلامها في قنوط” (نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ص 127) وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في تشكيل شخصيات مسرحيات وليد علاء الدين؛ فشخصيتا الرجل والطفلة الباحثين عن العصفور، وكذلك شخصيتا الشابين الجالسين على خشبة المسرح؛ إنما هي شخصيات عبثية تبعًا للمعنى السابق للعبث، فلم تُظهِر مسرحية البحث عن العصفور هدفًا للبحث عنه، كما أن الشابين يفتقدان بجلاء لفلسفة الوجود كما أبرزتهما المسرحية فهما لا يعرفان سبب وجودهما ولا كنهه، (الكتاب ص 103):

الطفلة: (بخبث) ألا تريد أن تعرف من أنت؟

شاب (1): بلى‭.‬

الطفلة: ألا تريد أن تعرف اسم هذا المكان‭.‬

شاب (1): بلى‭.‬

يضاف إلى هذا، أن الهدف والصراع الأساسيين في مسرحية البحث عن العصفور ليس له مغزى واضح في المسرحية سوى في البحث عن حرية مفتقدة تضاهي افتقاد معرفة المغزى العام للوجود‭.‬ وكذلك لا تفارق شخصية يوسف في مسرحية “صورة يوسف” هذا الإطار؛ إذ تبدو معظم أفعاله عبثية وبشكل واضح‭.‬

• تعرض هذه المسرحيات أيضًا “فكرة اللاجدوى التي تسيطر على كل شيء‭.‬ فمسرح العبث يرى أن كل الأفعال والأنشطة التي يقوم بها الإنسان، وكل الخبرات التي يكتسبها، مهما بالغ في فلسفة قيمتها ونفعها، ما هي في حقيقة الأمر سوى ألعاب تسلية لا طائل من ورائها، ولا تغيّر من شيء، وفائدتها الوحيدة هي قطع الوقت، وقتل الملل، في انتظار خلاص لا يجيء، في الرقعة الجدباء بين ميلاد لا اختيار للإنسان فيه، وموت كثيرًا ما يستعصى عليه، وإذا جاء لا يمثل خلاصًا أو مولدًا جديدًا بل يمثل العدم الكامل” (نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، مرجع سابق، ص 128) فمسرحية “72 ساعة عفو” تقوم في الأساس على فكرة عبثية تُعنى بتعطيل عقوبة القتل لمدة 72 ساعة، أملاً في اختبار حرية منشودة لدى المواطنين‭.‬ لكن هل أفلحت الفكرة وتمكّن المواطنون من التحصل على الحرية وممارسة هذا الحق؟ يظهر من المسرحية وتشكيلها أن هذا لم يحدث؛ إذ يكشف الكاتب للمتلقّي في نهاية المسرحية كيف أن كل ما جرى في هذه المسرحية من أحداث كان حلمًا سلبيًا اختتم بمحاولة زوجة الحاكم نفسه استغلال هذا التعطيل للقانون كي تتخلص من زوجها الذي سعي لإقرار القانون بنفسه‭.‬

ج- استخدمت بعض هذه المسرحيات مجموعة من التكنيكات التمثيلية وغيرها، التي دعّمت بجلاء فكرة العبث بشكل أو بآخر؛ فإذا كان مسرح العبث يهتم “بمحاكاة أسلوب السينما الصامتة…، في ترجمة الرؤية العبثية إلى تشكيل مسرحي” (نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، مرجع سابق، ص 128)، فإن هذا هو عين ما استخدمته مسرحية “صورة يوسف”؛ حيث يناقش الكاتب قضاياه في هذه المسرحية عبر مزج الحدث المسرحي بمجموعة من المشاهد السينمائية التي تقطع الحدث ثم ما تلبث أن تعود للحدث الرئيس مرة أخرى، وهو ما دعَّم الأسلوب العبثي الذي سيطر على تشكيل النص المسرحي‭.‬ كما أن تكنيك التقسيم المكاني، عبر استخدام مجموعة من الصناديق الخشبية على المسرح وتسليط الأضواء عليها حسب دوران الحدث في كل صندوق، إنما يدفع أيضًا لتوصيل إمكانية استخدام تقنيات جديدة في تشكيل المسرحية، وهو ما يدفع المتلقي -عند انطفاء الأنوار عن صندوق تلو الآخر- إلى إدراك عبثية الحدث المسرحي بشكل من الأشكال‭.‬

وبهذا، فإن نوعًا من الخلخلة لمركزية النوع الأدبي/المسرح قد تجلت في تشكيل هذه المسرحيات؛ وهو ما لا ينفي أن هذه المسرحيات مثلت نوعًا من الأدب الناقد من ناحيتين: فهو ناقد لضرورة التمسك بعناصر وتقنيات معينة في بناء النص المسرحي، وهو أيضًا ناقد لكونه برز مناقشًا لمجموعة من القضايا المحورية التي تهم المجتمع، وتمثّل المسرحيات نقدًا لها، كقضية: التسامح الديني في مسرحية “صورة يوسف”، وجدوى الحرية في “72 ساعة عفو” والبحث عن الأمل أو الحرية المنشودة في “البحث عن العصفور”‭.‬

وهكذا يضحى المسرح فنًا متحركًا بالفعل كما يطلق عليه، من حيث عدم الثبات على تقنيات وتشكيلات معينة في الكتابة المسرحية، كما أنه فنّ متحرك مع المجتمع وبه، متمسكًا بالدفاع عن قضاياه، معبرًا عن رؤية المبدع وموقفه من قضايا مجتمعه، كممثل لواحد من أبناء الجماعة الثقافية عامة والجماعة المبدِعة خاصة.


ناقد وأكاديمي من مصر