‬وقائع‭ ‬سقوط‭ ‬المثقف‭ ‬الماركسي

‮«‬المبتسرون‮» ‬لأروى‭ ‬صالح

الجديد  ممدوح فراج النابي [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(150)]

عندما صدر كتاب «المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية» من قبل في طبعتيْن الأولى عام 1995 والثانية عام 1997 عن دار النهر للنشر، أثار ضجة كبيرة، بل احتدمت حوله المناقشات بسبب جرأة ما أعلنته الكاتبة، فقد كان بمثابة الرصاصة التي أَطلقتها علي جيل السبعينات من الماركسيين، وقبلها على نفسها‭.‬ قبل شهور قليلة أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب طباعة الكتاب من جديد ضمن مشروع مكتبة الأسرة 2015؛ ليتحقّق الانتشار مِن الكتاب والهدف الذي أرادته الكاتبة فقد حرصت على تقديم تجربتها للأجيال التالية للاستفادة منها وعدم تكرار أخطاء الأجيال السَّابقة‭.‬

الكيتش النضالي

يحتوي الكتاب على الرغم من صغر حجمه (118 صفحة من القطع المتوسط) على ثلاثة فصول؛ الأوّل بعنوان «المُثقف مُتشائمًا»، والثاني عن «مصائر جيل الحركة الطلابيَّة» والثالث «المثقف عاشقًا»، كما تضمن مقدمتيْن وملحقيْن في نهايته‭.‬ تتطرُّق الكاتبة في مقدمة الكتاب الأصليِّة لتجربة جيل الحركة الطُّلابيّة، ودوافع تَشكُّل هذه الحركة بين طُلاب الجامعات المصريّة في عامي 1972 و1973‭.‬ وتقرّ بأنّ الكتاب عودة لزمن الهزيمة، إلا أنّها تؤكّد أنّه لا يستحضر هذا الزمن كله، ولا يتناول فئات الشّعب كلها‭.‬ فهو بمعنى أدق عن الحلم المُجهض، وعن الظروف التي رافقت اندلاع الحركة الطلابيّة ثمّ الانقطاع الفجائي في تيارها، والتجربة التي مرّ بها أولئك القادة، وعن علاقة هذا الجيل بالجيل السّابق له من جيل الستينات من المثقفين واليساريين المصريين والملامح التي اكتسبوها وميّزتهم كجيل مِن قلب المشهد التاريخي‭.‬

لا ينتمي الكتاب إلى جنس بعينه بقدر ما يُقدِّمُ «خبرات ومسارات جيل له ملامح متميزة عمّا سبقه من أجيالٍ نشطت في الحياة السياسية والفكرية» وبقدر ما يأخذه من التاريخ من مادة إلاّ أن موضوعه ليس التاريخ والسياسة وإن تعرض لهما، فالكتاب بمثابة «رؤية شخصيّة للأحداث التي عاشها جيل تنتمي إليه الكاتبة»‭.‬ فمنذ البداية والكاتبة تعي هذه الإشكالية لذا تقول «لقد كتبته دون قرار مُسبق بشأن شكله، كنتُ معنية بنقل تجربة ونقلتها كما أحسستُ بها دون أن تحكمني أيّ اعتبارات أدبيّة… »‭.‬

المثقف متشائما

في الفصل الأوَّل الذي عنونته بالمثقف مُتشائمًا، تُقدّم تصورات لهذا المُثقف المشوّه الذي سبّب لها صَدمة حقيقية، فهذا المثقف بادئ ذي بدء يرفض أخلاق كلّ الطبقات في مجتمع يدينه، وتُقارن بين فشل هذا الجيل في تحقيق أحلامه في مقابل ما حقّقه الجيل الذي سبقه أي جيل الستينات، ومع الفوارق بينهما إلا أنّ ثمّة مُشتركًا يجمع بينهما رغم اختلاف السياق الثقافي والتاريخي بينهما يتمثّل في الهزيمة؛ ففي حالة جيل الستينات كان الحاكم يتصرف باسم الشعب ولأجل الشعب وبقمع الشعب بالذّات، فسقط هذا الجيل فريسة النقلة الضارية بين زمنين كان الدفاع عن أيّهما مرّا‭.‬ فصار عاجزًا عن أن يكون عدوًا لنظام يخوض معارك ضدّ الاستعمار‭.‬ أما في حالة جيل السبعينات، فالنظام الذي حقّق الانتصار على مستوى الخارج أعقبه بهزيمة على مستوى الداخل‭.‬ ومع أنّها تكشف أن الحركة الطلابيّة بدأت مع نهاية عهد عبدالناصر وصارت بطلة هذه المرحلة، لكن المؤسف أنّ الحركة صارت احتجاجًا هُلاميًا لأنّها تواجه واقعًا غير واضح المعالم؛ فلا أعداؤه واضحون ولا أنصاره أيضًا‭.‬ حالة الهلامية كانت سببًا رئيسًا في أن تفقد الحركة الطّلابيّة وزعماؤها الرّشد، بل وجد زعماؤها أنفسهم في العراء ليذوقوا نفس المهانة التي طالما تجرّعها جيل الستينات حيث أصبحوا زعماء بلا جمهور وعرفوا معنى الترهُّل واليأس‭.‬ الصّدمة الحقيقية تمثلت في تشككيها في حرب 1973، حتى غدت بالنسبة إليها «علقة للشعب» فما أتى من الحرب لم يكن حقوقًا مُستعادة حقًا، وتستشهد بسيناء التي «تحوّلت إلى سوط يُسيّرنا بالأدب لحساب الغرب»‭.‬

جمود عقائدي

تؤكِّدُ الكاتبة أن حالة الخضوع التي ظهر بها اليسار ليست جديدة عليهم، فهي تمتد إلى زمن عبدالناصر الذي وضعهم في إطار حركة أدبيّة مُسيّجة حدّد إطارها النظام، فأرغمهم على حديث الرمز والإشارة وترك فيهم إحساسًا لا يُمحى بالقهر، هذا بالنسبة إلى الموهوبين من اليسار، أما أنصاف الموهوبين فقد جلسوا على المقاهي متفرغين يمضغون مرارة الهزيمة ويشبعون الموهوبين لومًا، إلى أنْ منّ الله عليهم بالحركة الطلابيّة وعندما استقبلوها كانوا مع الأسف قد قطعوا شوطًا كبيرًا من العمر بلا نضال، وإنما حياة متناقضة بين أفكار ماركسيّة صاغها مُؤسِّس في زمن مدّ ثوري عالمي يملأ لغتها قوة وتفاؤلًا، وبين واقع هزيمة لم يتح لأصحابها حتى شرف النزال‭.‬ التناقض الثاني أنّ الزمن بالنّسبة إليهم كان خاملاً، بينما هو عند الشعب يمور بالحيوية ومفعمٌ بالأمل والثقة‭.‬ لكن المفاجأة أنّ الزمن للمرة الثانية سَخَرَ منهم، فقد جلبت الحركة الطلابيّة جمهرة من اليساريين البرجوازيين الصِّغار، الذين كانوا على حدِّ تعبيرها أشبه بمجموعة من الأطفال لم تتعلم النُّطق بعد، ومع ذلك كانت تعتقد أنّها زعيمة الشّعب المصريّ، كان الخطأ الفادح في بداية الحركة الطلابيّة أنّ هؤلاء الشباب المتحمسين (قادتها كانوا في أوائل العشرينات) والذين امتلأوا غرورًا ساذجًا من قيادة الجماهير، أنّهم التفوا حول القادة الماركسيين القادمين من زمن عبدالناصر وهم في الأصل مُنْتَهَكُون فيه، ثمّ حدثت الانقسامات بين جيل حركة الطّلاب بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، بتبادل الاتهامات والكراهية، دون أن يكون هناك داع للانقسامات؛ لأنّها لا تُعبِّر عن واقع خارجها أو عن اختيارات مطروحة في صفوف الشّعب (كمطلب استرداد الكرامة الوطنية) وإنما كانت خلافات هي امتداد لمعتقلات عبدالناصر، حيث اختلف الشيوعيون حول الموقف منه‭.‬ وهي تصفهم أنهم اتخذوا حفنة من الناس بغرض تصفية حسابتهم‭.‬ ومن ثمّ لا غرابة أنْ اتسمت هذه الحركة بالجمود العقائدي‭.‬

على الجملة تقول إن ماركسية جيل الستينات كانت ماركسية مثقفين معزولين دهسهم الواقع فحرمهم كلّ خيال‭.‬ حالة الانفساخ التي مُنِي بها المثقف الماركسي، لا تردُّها إلى ما فعلته سُلْطة ناصر التي جمعت البرجوازية الصغيرة حولها، وجعلتهم يقعون في تناقضات حول ما آمنوا به، وما ردّدوه من شعارات وما قدّمته لهم من أدوار اجتماعيّة ومراكز طبقية في عملية مقايضة بخسة دفعت ثمنها الحركة النضالية برمتها، وليس مَن اختاروهم من الموهوبين، وإنما كان أيضًا للمؤسسات الثقافيّة الخليجيّة التي امتصت كلّ من ظلّ موهبة في عمل ثقافي، كان أثره الوحيد الحقيقي هو تحويلهم إلى باعة ثقافة‭.‬

نساء قرابين البرجوازية

أخطر مراحل التفسّخ كانت خاصّة بالأسرة، فبعد أن كان ثمّة أرضية مشتركة ساعدت البعض من الحركة الطلابيّة في السبعينات على أن تكون أكثر وفاء مع تحقيق مشترك آخر بالأسرة يدعمه الحبّ والتمرد، إلا أن سطوة الواقع جعلت من هذا الحلم يتغيّر وَيُفسح للخوف المشترك مكانًا من عدم الأمان الاقتصادي، ومع تآكل الأرضية المشتركة التي جمعت الأحباء ذات يوم، قويت مؤسسة الأسرة بعد أن تحوّلت إلى العلاقة الاجتماعية السائدة، أيّ كمؤسَّسة يحتمي بها الزوجان، لكن حالة الملل والصَّراعات الزوجيّة بدأت تأخذ لها متنفسًا عبر الطريق القديم المطروق وهو الخيانة الزوجية، وبعد تفسُّخ العلاقات المصلحية التي تجمع الاثنين، تحوّلت العلاقة بينهما إلى اغتراب، وبهذا اكتملت الهزيمة لهذا الجيل‭.‬

في الفصل الثالث الذي عنوته بالمثقف عاشقًا، تسقط ورقة التوت الأخيرة عن ادعاءات المثقفين، وتكشف عن خداعهم للفتيات باسم وَهم الحبِّ وشعارات التحرّر والتمرد، وكلّ هذا مِن أجل غرضٍ وحيدٍ، هو ممارسة الدعارة الفكرية إلى جانب الدعارة الجسدية، لا تتوانى أروى عن كشف حيل الخداع والإغراء، فهؤلاء اليساريون استقبلوا تجاربهم مع المرحلة في إطار حلم الصعود الطبقي بنفسية الوسط الثقافي الذي صنعهم لا بمبادئهم، وقد حَصَرَوا تجاربهم في إطاريْن إما زواج تقليدي أو تجارب في الانحلال‭.‬ تُجمل أروى هدمها للمعبد على رؤوس الماركسيين بقولها «إن المثقف في علاقته بالمرأة يسلك كبرجوازي كبير، أي كداعر، ويشعر ويفكِّر نحوها كبرجوازي صغير، أي كمحافظ مفرط في المحافظة»، وفي إدراكه لهذه الحقيقة يسقط الوجه الرومانتيكي كوهم من أوهام الشّباب، ولا يبقى للعلاقة بين الرجل والمرأة بعد أن تتبخر الرومانتيكية سوى وجهين الحسابات من جهة والرذيلة من جهة أخرى‭.‬

الكتاب بما يحمله مِن هزيمة أروى وجيلها حتى لو لم يعترف بها الكثيرون من أبناء هذا الجيل، فإن توقيت نشره الآن بالغ الدلالة بعد هزيمة الثورة المصرية ووصفها بكثير من الألفاظ البذيئة من قبل مناهضيها، فتكون الحالة الثورية التي عايشوها أيام الثورة بمثابة الكيتش الذي يسعى إليه جيل ثورة يناير فرارًا من الهزائم المتلاحقة التي لاحقتهم.


كاتب من مصر