قلم الكاتب ومخيلة القارئ

‬في‭ ‬رواية‭ ‬محمد‭ ‬حياوي‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”

الجديد  عباس داخل حسن [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(152)]

ليس مصادفة أن يقدّم الروائي نصه الاستثنائي هذا بمقطع شعري لشاعرة أفغانية شابّة قتلها مسوخ طالبان “جسدي طازج مثل أوراق الحنّاء‭..‬ أخضر من الخارج لكنّه لحم نيئ من الداخل”، رحيلة موسكا، الشابّة الأفغانية المجهولة والمغتصبة والجميلة، التي استلّها الكاتب في حومة غوصه العميق في النصوص المكتوبة باللغة الفارسية، ربما وجدها تشبه إلى حدٍ كبير بطلاته المظلومات من بائعات الهوى الشابات في “الحيدرخانة”، قاع المدينة وخلاصة حياتها السرّية، حيث البيوت القديمة الآيلة للسقوط تحتضن بين جدرانها حطام الأحلام والأمنيات المُحبطة‭.‬

“خان الشّابندر” هي حكاية غانيات الكاتب الطيّبات اللواتي تحوّلن إلى ملائكة من فرط محبتهن وعفويتهن وبساطتهن المتناهية‭.‬ قصصهن صادمة وشخصياتهن ضوئية كما لو كنّ سقطن من عربة الأحلام الصاعدة نحو السماء، كل واحدة منهن عالم قائم بذاته، يتفاوتن بالوعي والجمال ويتوّحدن في الحب، أحلامهن بسيطة للغاية، النجاة من الموت‭.‬

ولعل المقطع الاستهلالي القصير الذي يفتتح الكاتب فيه نصه، والمكتوب بلغة شاعرية خاصّة للغاية، يلخص فحوى الرواية كلها بشكل مكثف للغاية، يُمهد القاري ويعصف بذهنه ويوقظه ليكون مستعداً لما سيأتي من أحداث متتالية، كما لو كان وعيداً وحزمة نصائح فادحة توجهها “هند” بطلة الرواية، ليس للكاتب وحسب، بل للقارئ أيضاً، وهي تحدّثه عن البحث الواهم عن الكمال الذي سيفقد الحياة متعتها، “تلك الحياة التي أفقدتنا الوصايا متعتها”، أو “لن نعود كما كنا أبداً”، أو”الغرق في الحياة الفاسدة حيث يلتهم عقلك روحك”، هذه الإحالات الفلسفية البسيطة ستكون لاحقاً المُحرّك التحتاني لثيمة الرواية، وان لم يشعر بها القارئ بشكل مباشر، فالوصايا والحدود والعيب والتردّد والخجل والخوف، كلّها مفسدات للمتعة والحياة البسيطة والقصيرة أو العابرة، على الأقل من وجهة نظر “هند”، حتى يأتي تحذيرها الأخير الذي توجهه للكاتب أو العاشق أو بطل الرواية “علي” المسحور بجمالها وجمال عالمها، ومن خلاله إلى القارئ أيضاً‭..‬

“استعد واترك تخاذلك وجبنك وتهيأ لاحتراق روحك في كانون محبتنا الموجعة‭..‬ فبعد تلك الساعة لن تعود كما كنت ولن تعود الحياة كما عرفت”‭..‬ نعم، من وجهة نظري يتوجب على قارئ “خان الشّابندر” أن يستعد منذ البداية لاحتراق روحه وهو يوغل في عالم محمد حيّاوي الجديد الساحر هذا، كما لو كانت سلسلة طويلة ومتتابعة من الوجع والشغف والترقب والغموض‭.‬

عن الكتابة، كما يقول في لقاء تلفزيوني أجري معه، عندما ترك العراق مُرغماً‭.‬ تعطّلت ذاكرته في المنفى لأكثر من عشرين سنة، ورفض إعادة نشر أعماله السابقة ما لم يصدر جديده، لكنّه عندما عاد للعراق بعد ذلك الغياب وَمَضْت في مخيّلته الحكايا وهو يتجوّل في بغداد المُخرّبة والمُهملة، فثمة في كل زاوية “زينب” بيّاعة الكعك التي لمحها في أزقّة الصدرية أثناء مرور عابر، و”أبو حسنين” المصري مُصلّح المدفآت، و”نيفين” المسيحية الأخيرة‭.‬ لكن الومضة الكبرى كانت عندما اصطحبه أحد أصدقائه إلى منطقة “الحيدرخانة”، حيث بيوت المتعة القديمة المهجورة وسطوحها الغامضة التي تطلّ على خرائب خان الشابندر المهولة، ليعيد خيال الروائي بناء تلك العوالم من جديد، فتستقيم جدران الخان وتُفرش أرضياته بالبسط وسجاجيد الكاشان ويعبق البخور في أجوائه ويؤدي المندائيون صلواتهم في المندل وتبرق عيون الفضة، ليستخدم الكاتب هذه العوالم كخلفية لأحداث روايته، فلا يكاد المكان ينفصل عن الزمان المتقلب بين الماضي والحاضر، ولا يكاد الواقع ينفصل عن الخيال حيث لا حدود لعالم الملائكة وعالم العاهرات الطيّبات كما ذكرت، لتأتي النهاية صادمة ومفاجأة عندما يقتل رجال الميليشيات المتصارعون على مناطق النفوذ الفتيات بائعات الهوى بطريقة بشعة ويقطعون رؤوسهن ويضعونها فوق ركام بيتهن المنسوف ليغسل المطر بقايا الدم وتلتصق الشعور على الوجوه التي كانت تنضح محبة وطيبة وجمالاً، ولا ندري في الحقيقة متى حدث ذلك، في الماضي حين كان البطل يزور تلك البيوت ويكتشف رجولته الأولى فيها، أم في الحاضر الملتهب حين عاد غريباً إلى مدينته التي تغيّرت وفقدت ملامحها والتي “ما تزال تدهشه بسحرها الممزقّ بالقنابل”، حين تقول له “نيفين” صديقته الصحفية مُحذرة “لقد طلبت منك الكف عن تجوالك الغريب في تلك الأماكن المعزولة‭..‬ أخبرتك أكثر من مرَّة أن المدينة تغيَّرت”، لكن السحر كان أقوى فأجبره على المضي قُدماً في مغامرته الموجعة تلك‭.‬
“خان الشّابندر” رواية عراقية جديدة تبتكر شكلها ونمطها البسيط والمُعقد في آن وتمسك بتلابيب القارئ وتضطره للمُضي فيها حتّى النهاية، لعذوبة السّرد فيها وتتابع أحداثها الآسرة، ولا أعتقد بأن عرضاً سريعاً كهذا سيفيها حقّها في الاستبطان أو الاكتشاف النقدي العميق، لكنّها على الأقل تعطي بعض المفاتيح البسيطة التي أراها ضرورية للقراءة، فثمَّة الكثير الذي يتطلب بحثه على صعيد شخصياتها، مثل “مجر” المُدهش والحكيم والغامض والفيلسوف، وعلى صعيد أحداثها التي تركها الكاتب منقوصة لتبتكر تكوّنها الغريب في مخيلة القارئ نفسه‭.‬

بالتأكيد سيُكتب عن هذه الرواية الكثير لاحقاً، لا سيما عندما تُقرأ في العراق والعالم العربي، كما أمنّي النفس شخصياً بالعودة للكتابة عنها بشكل أكثر تفصيلاً في محاولة لاستنباط تقنياتها السّردية المُثيرة، وحتى ذلك الحين تبقى “خان الشّابندر” نموذجاً عميقاً للرواية العراقية الجديدة ما بعد التغيير المجتمعي والسياسي الكبير الذي حصل في العراق، وواحدة من أهم التجارب التي تجسد ملامح تلك الرواية.


كاتب من العراق