القتل باسم الرب في المسيحية والإسلام

عقب الأحداث الأليمة التي هزّت فرنسا في أواخر العام المنصرم هزّا عنيفًا، حتى أن الرئيس فرنسوا هولاند أعلن حالة طوارئ مثلما أعلن الحرب على داعش، عاد الجدل حول الإسلام إلى الواجهة، بين مهاجم ومدافع، ومحايد يحاول أن يحلل أو يصل الحاضر بالماضي‭.‬ فالخصوم يرون أنه في جوهره دين عنف وكراهية، والمسلمون يردّون بأن دينهم هو دين سلام ومحبة وتآخ، وكلاهما لا يصيب الحقيقة، لأنه يتجاهل ما يجلل تاريخ ديانات التوحيد الثلاث من حروب وقتل ودمار، باسم ربّ واحد، تشترك في عبادته‭.‬

الجديد  بكر‭ ‬الحكيم [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(157)]

إحراق الكساسبة: القتل باسم الرب في العصور الحديثة
يذهب بعضهم إلى القول إن الدين ‭-‬ كثقافة وحضارة وأخلاق ‭-‬ شيء، والنصوص شيء آخر، ولا يمكن بالتالي أن نأخذ السواد الأعظم من المسلمين بجريرة فئة قليلة، تغفل عن تاريخية النص الديني، فتؤوّله على هواها وفق قراءة حَرفية تثبّته في لحظة عفا عليها الزمن، ولكن آخرين يؤكدون أنها إنما اتّبعت تعاليم كتاب قيل إنه كلام الله في نسخته الأصلية لم يُخرم منه حرف واحد‭.‬

وفي ردّه على الذين يستلّون من القرآن آيات تقيم الدليل على تمجيد العنف والدعوة إلى القتل، يقول وليم ماركس، أستاذ الأدب المقارن بجامعة باريس العاشرة، إن كتاب المسلمين لا يختلف عن الكتب السماوية الأخرى من حيث احتواؤه على آيات تحرّض على القتل، ففي العهد القديم، وخاصة كتبه الخمسة الأوائل pentateuque أي التوراة لدى اليهود، وصايا فظيعة كجَلد النساء وتهشيم رؤوس الأطفال، وإشادة بإبادة عبدة الأصنام، ما يعكس صورة ربّ منحرف يغلّظ عمدًا قلوب غير المؤمنين كي يطمئن على سقوطهم‭.‬ والعهد الجديد، وإن بدا ألطف، يحوي أخبارا عن توعّد عيسى أعداءه حيثما كانوا بـ‭"‬البكاء وكزّ الأسنان‭"‬، فيما كان الحواريون يشكرون الرب الذي أغرق أمام عيونهم مسيحيين سيئين‭.‬ وباسم اللطف الإنجيلي كان المسيحيون على مرّ التاريخ أكثر ارتكابا للجرائم من اليهود والمسلمين‭.‬ فيما يرى الفيلسوف الألماني توماس رومر أن ديانات التوحيد غالبا ما اختارت الإقصاء والنزعة العدوانية‭.‬ فموسى في قصص كثيرة يبدو عنيفا‭.‬ في قصة العجل الذهبي مثلا، يحطم ما صنعه أخاه هارون، ويقتّل جانبا كبيرا ممن عبدوا صنم يهوه ممثّلا في هيئة عجل‭.‬ بل إنه يحرض أتباعه، في الكتاب الخامس من العهد القديم الذي صاغه كوصية دينية، على الانفصال عن الشعوب الأخرى وعدم الزواج منها، وتدمير معابدها وأدوات تعبّدها، وحتى إبادتها‭.‬

فهل أن غزوَ يشوع لكنعان باسم ربّ الجيوش، والحروبَ الصليبية ومحاكمَ التفتيش باسم أبينا الذي في السماوات، والجهادَ باسم العزيز الجبّار هي أمراض موروثة من كتب التنزيل، أم انحرافات عن عقيدة توحيد هي في الأصل مسالمة ومنزوعة السلاح ؟ أليست فكرة قوة عليا وحيدة هي مبعث الفظائع التي جللت تاريخ العقيدة ؟

يقول الألماني يان أسمان إن العنف الديني هو عنف باسم الرب، تمارسه ديانات تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكي تنكر وتدمّر التقاليد الأكثر قِدما ورسوخا‭.‬ نجده في اليهودية، ولو أنها لا تخص، في رأيه، سوى المرحلة التي فرض فيها الشعب المختار إرادته على الكنعانيين الذين يسكنون أرض الميعاد، وقد قابلهم بالنفي والإبادة، مثلما نجده في المسيحية والإسلام حيث يحتل العنف ذو الدوافع الدينية مكانة بارزة في تاريخيهما، إذ غالبا ما مورس ضد الهراطقة والمشركين والكفار، أي الذين لا يتبعون تعاليم هذه الديانة أو تلك‭.‬

وما يأتيه تنظيم داعش، على فظاعته، لا يختلف عما جرى في ديار الإسلام والمسيحية منذ غابر العصور، إذ كان كلاهما، في مراحل تاريخه المتقلب، يخوض حربا ضد دين ‭"‬معاد‭"‬ أو ‭"‬منافس‭"‬، وحربا أخرى داخل الدين الواحد بعد انقسامه إلى مذاهب ونِحل، ومارس خلال هذه الحرب أو تلك جرائمَ كالتي اكتسحت صورُها المواقعَ الاجتماعية والجرائد الإلكترونية بدءًا بـ ‭"‬دابق‭"‬ مجلة داعش سيئة الذكر‭.‬ وفي نظر بعضهم إن هذا التنظيم الإرهابي لا يختلق شيئا إذن حين يسوّغ جرائمه بالسير على منهاج المسلمين الأوائل، من الصحابة والتابعين، سواء في حروبهم ضد اليهود والنصارى، أو في حروب المسلمين بعضهم ضد بعض، خصوصا بعد أن انقسموا إلى شيعة وسنّة، وهي الأكثر بشاعة وسفكًا للدماء وتمثيلا بالجثث، وحسبنا أن نسوق مصرع عبد الله بن الزبير، والحسين بن علي على سبيل الذكر لا الحصر‭.‬ في مقالة له بعنوان ‭"‬تحولات الجهاد‭"‬ يرى الباحث عباس زواش المتخصص في الشرق القروسطي، أن القرآن اكتفى بذكر القتال في سبيل الله دون تحديد لمفهوم الجهاد، والتنظير له جاء عقب الفتوحات الكبرى، أي ما بين القرنين الثامن والعاشر بالتقويم الميلادي، نجده عند مالك في الموطّأ وعند الشعبي وابن مبارك ومحمد الشيباني والسلامي، وقد استندوا في صياغة نظرياتهم إلى الحديث الشريف والسيرة النبوية‭.‬ وكلها تعتبر الجهاد فرض كفاية، ثم فرض عين إذا استنفر الحاكم رعيته‭.‬ فلمّا كان القرن العاشر، تفتّتت الخلافة في بغداد إلى أكثر من كيان، وتقوّض مفهوم الأمة الواحدة، وبرزت الدولة الفاطمية الشيعية كمنافس عتيد للعباسيين، ما حدا بفقهاء الطرفين إلى تشريع الحرب بين المسلمين، وصار الجهاد قابلا أن يخاض ضد المارقين والخوارج والرافضة، بل إن الغزالي، الذي عاش في فترة الحرب الصليبية الأولى، دعا إلى قتال الشيعة بدل الصليبيين‭.‬ أما ابن تيمية، الذي جاء بعده بقرنين، فقد اعتبر أن محاربة كل خارج عن ملة الإسلام من شيعة ودروز ومغول تعادل من حيث شرعيتها محاربة المسيحيين‭.‬

إن العلاقة بين الرعب والدين لم تعد بحاجة إلى دليل، إذ أن ‭"‬كل ديانة تقوم على كبش فداء‭"‬، كما يقول الفيلسوف رنيه جيرار ‭(‬1923-2015‭)‬ الذي شكلت مسألة العنف والمقدس جوهر فكره‭.‬ كبش الفداء هذا عادة ما ألصقت به تهمة الهرطقة، أي الخروج عن الإجماع، حتى وإن حاد ذلك الإجماع عن الأصل‭.‬ فالهرطقة كانت مصدر عنف عبر تاريخ ديانات التوحيد، كما هي الحال في حروب السنة ضد الشيعة التي أذكى نارها بعد خمودٍ ملالي إيران، والكاثوليك ضد البروتستانت التي لا نزال نشهد فورتها أحيانا في بلفاست، فالمواجهات بينهما دموية كحال المواجهة بين ديانتين غريبتين عن بعضهما بعضا‭.‬ تلك المواجهات بين الكنيسة الكاثوليكية ومن تتهمهم بالهرطقة تجد جذورها في الإصلاح الغريغوري ‭(‬نسبة إلى البابا غريغوريوس السابع ‭)‬ الذي منح رجال الدين زمن بابويته في القرن الحادي عشر نفوذا زمنيا وسماويا اعترضت عليه طبقة ناشئة في جنوب فرنسا كانت ترفض أن تمر عبر الكنيسة لقراءة الأناجيل وطلب الخلاص، فالبروتستانت يعتبرون الدين مسألة روحية ذاتية لا تحتاج إلى وسيط‭.‬ ولما عمّت عدواها أرسل خلفُه البابا إنّوسنت الثالث جيشا عتيدا في ‭"‬أو ل حملة صليبية داخلية‭"‬ لقتال معتنقي ذلك التيار المحتج، ولم يُقض عليها إلا بعد حملات متكررة وحروب دامت أكثر من عشرين عاما‭.‬ وبالرغم من إنشاء البابا غريغوريوس التاسع محاكم تفتيش، فقد انتشر ذلك التيار في أوروبا، حيث اندلعت في فرنسا سلسلة حروب بين الكاثوليك والبروتستانت دامت أربعين عاما ‭(‬1562-1598‭)‬ وبلغت ذروة توحشها ليلة 24 أغسطس 1572 أو ليلة سان بارتيليمي، قبل أن يعلن مارتن لوثر عام 1517 تحديه الأكبر للكنيسة التقليدية، في ما عرف بالإصلاح البروتستانتي الذي سيكون سببا في حروب شملت أوروبا واختلطت فيها المطالب الدينية بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية، وظلت الفتنة على أشدها حتى اندلاع حرب الثلاثين عاما ‭(‬1618-1648‭)‬ التي راح ضحيتها ربع سكان الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الجرمانية‭.‬

التعذيب باسم الرب في القرون الوسطى الأوروبية

بدأ استعمال الدين لمقارعة المسلمين منذ منتصف القرن التاسع عند غزو العرب كنيسة القديس بطرس في روما، وتواصل مع ملك أستورياس ألفونسو الثالث بطل معارك الاسترداد ‭"‬ريكونكيستا‭"‬ في الأندلس، ثم من خلال الحملات الصليبية ضد ملوك الطوائف في عهد البابا أوربان الثاني في نهاية القرن الحادي عشر، قبل أن تتحول الأنظار إلى الشرق لـ ‭"‬تحرير القدس‭"‬‭.‬ وإذا كان المؤرخون قد اختلفوا في وصف مجازر تلك الحملات بحسب الانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك، ما يترك باب المبالغة مفتوحا من هنا وهناك، فإن حروب الكاثوليك والبروتستانت قد فصّل فيها مؤرخو الغرب القول بنزاهة، وإن تباينوا ففي بعض التفاصيل‭.‬ كلهم أجمعوا على استهانة الطرفين بالقيم الإنسانية التي تدعو إليها الأناجيل، ولو أن المؤرخ جان ماري لوغال، أستاذ التاريخ بالسوربون، يؤكد أن العنف يختلف باختلاف المذهب، فالبروتستانت كانوا يستهدفون كل ما هو مقدس لدى الكاثوليك، بدءًا بالأنفس، كالقساوسة والرهبان إذ كانوا يقتّلونهم ويبقرون بطونهم ليثبتوا للناس أن هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم كائنات مميزة تتوسط بين الرب وعبّاده، هم في الحقيقة بشر كعامة الناس‭.‬ وعندما يستولون على إحدى المدن، يطهّرون كنائسها من الصور والمآثر القديمة والأصنام فما هي في نظرهم سوى محامل تطيّرٍ لا علاقة لها بالديانة الحق‭.‬ أما الكاثوليك فيستهدفون البروتستانت بلا تمييز، رجالا ونساء وأطفالا، لأن هؤلاء في نظرهم يدنّسون المملكة ويثيرون غضب الرب‭.‬ ولا بدّ إذن من عقابهم أشنع عقاب، بقطع أيديهم، وكشف عوراتهم، وحرق جثثهم أو رميها في الأودية والأنهار‭.‬

وعلى غرار مجرمي داعش، كان الذين يقتلون باسم الرب يختالون تيهًا وأيديهم ملطخة بالدماء، ويعرضون جثة العدو بعد بتر أعضائها حتى يفقدوها هيئتها الآدمية، لكي لا تشبه هيئة الرب الذي خلق الإنسان على صورته، كما يقول دوني كروزيه، المتخصص في حروب الدين، وفَري أمعائها باعتبار البطن مصدر الآثام، وأنواع أخرى من التعذيب ثم التمثيل بالجثة لا تخطر إلا بذهنٍ مريض‭.‬ والفارق بين الطرفين أن الكاثوليك ينكّلون بالعدو في حفل شعائري جادّ يتقربون من خلاله إلى الرب، فيما البروتستانت يؤدون جريمتهم في نوع من السخرية من هذا ‭"‬البابوي‭"‬ المضحك الذي سيفارق الدنيا ويتركها تعبد الرب وتباركه‭.‬ وفي شتى الأحوال يعتبر الجسد لديهما وسيلة للتصالح مع الرب‭.‬

ما ييسر الدخول إلى العنف لدى أفراد ليس لديهم نزوع مرَضي إلى القتل هو تسرّب عدوى إيديولوجيا حربية إلى الخطاب الديني‭.‬ يذكر كروزيه مثلا أن وعّاظًا في الكنيسة الرومانية في القرن السادس عشر كانوا يقولون إن رغبة الحرب والعنف هي طريقة مثلى كي نظهر للرب أننا ملك له، وأوفياء له‭.‬ هكذا تشبّع المخيال المسيحي بثقافات حرب دينية ترى أن التسامح مع الآخر ‭"‬المهرطق‭"‬ ينزل لعنة الرب على الناس أجمعين‭.‬ وأن تدمير هذا الآخر هو الوسيلة الوحيدة التي تسمح بتحقق الإرادة الإلهية‭.‬ أي أن حرب الدين حوار مع الرب‭.‬ عندما نقتل، فإنما نروم من وراء ذلك أن نبين له أننا نتصرف باسمه، من أجل مجده‭.‬ وأننا نمهد لخلاصنا في الآخرة، لأن الرب لن يغفر يوم القيامة إلا للذين لم يشكّوا ولم يبخلوا عن تقديم أرواحهم من أجله‭.‬ ومن ثَمّ فإذا كانت الضحية شيطانية فإن القاتل بريء‭.‬ ومن الأمثلة على ذلك أن بعض الطوائف الكاثوليكية كانت إذا ظفرت ببروتستانتي سلمته إلى الأطفال كي يرجموه حتى الموت، لأنهم كما جاء على لسان المسيح أكثر الكائنات براءة، وقتل الأسير على أيدهم البريئة إنما هو من عمل الرب، ما يعني أنه عمل طاهر‭.‬

إن ما يميّز حرب الدين عن النزاعات الأخرى هو مسرحة الفظاعة، وجعل العدو في منزلة بهيمية، بذبحه وسلخه وتقطيع أوصاله وحتى شيّه وتوزيع لحمه المشويّ على الناس كما روى شهودُ عيانٍ فارّون من جحيم داعش‭.‬ أي أن الأديان كلها لها مخزون من العنف، لا ندري متى يتفجّر‭.‬ يقول الإثنولوجي مارك أوجي ‭:‬ غالبا ما نسمع اليوم مواجهة الراديكاليين والمتطرفين بـ ‭"‬الديانة الحق‭"‬، ولكن ما يميز المتشددين جميعا هو استهانتهم بالحياة في أبسط معانيها.


كاتب من تونس مقيم في باريس