حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت

هل‭ ‬جددت‭ ‬العواصف‭ ‬أسئلة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(6)]

لوحة: تمام عزام
جرى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬العربية،‭ ‬ومازال‭ ‬يجري،‭ ‬مهولاً‭ ‬في‭ ‬صوره‭ ‬وأخباره،‭ ‬هزّ‭ ‬شجرة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬ورجّ‭ ‬الرؤوس‭ ‬بالأسئلة‭ ‬وأصاب‭ ‬الوجدان‭ ‬بجروح‭ ‬غائرة‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شفاء‭ ‬قريباً‭ ‬منها‭. ‬فهل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬ارتج‭ ‬له‭ ‬الشرق،‭ ‬وتشظت‭ ‬صور‭ ‬مآسيه‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬العالم‭ ‬شرقاً‭ ‬وغرباً،‭ ‬قد‭ ‬جدد‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬أسئلة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬بعدما‭ ‬أصاب‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬العرب‭ ‬ووجدانهم‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭.‬

أهو‭ ‬سؤال‭ ‬مبكر،‭ ‬أم‭ ‬سؤال‭ ‬متأخر؟

هل‭ ‬أسقطت‭ ‬العاصفةُ‭ ‬الأوراقَ‭ ‬الصفراءَ‭ ‬في‭ ‬شجرة‭ ‬الأسئلة؟‭ ‬هل‭ ‬جدد‭ ‬نهر‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬تطلعات‭ ‬المثقفين،‭ ‬هل‭ ‬أضافت‭ ‬المحن‭ ‬بعظائمها‭ ‬سؤالاً‭ ‬جديداً‭ ‬جامعاً‭ ‬يلهم‭ ‬المفكرين‭ ‬والمبدعين‭ ‬ويحرّضهم‭ ‬على‭ ‬الذهاب‭ ‬أبعد‭ ‬في‭ ‬مغامرة‭ ‬الرؤية‭ ‬والكتابة‭ ‬والموقف،‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬وعي‭ ‬عربي‭ ‬يزحزح‭ ‬صخرة‭ ‬الحاضر‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬المستقبل‭.‬

***

قبل‭ ‬زلزال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬ظننا‭ ‬أن‭ ‬زمن‭ ‬الميوعة‭ ‬العاطفية‭ ‬والصوت‭ ‬المتضخم،‭ ‬والأنا‭ ‬المتعالية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الألوهة‭ ‬انتهى،‭ ‬وانتهت‭ ‬معه‭ ‬قصيدة‭ ‬“المتنبي‭ ‬الحديث”‭ ‬البائس‭ ‬المتورّم،‭ ‬لصالح‭ ‬قصيدة‭ ‬الشاعر‭ ‬الإنسان‭ ‬ابن‭ ‬الأرض،‭ ‬وابن‭ ‬المدينة،‭ ‬المتسلح‭ ‬بطاقة‭ ‬خلاقة‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬خوض‭ ‬مغامرة‭ ‬أنضج‭ ‬مع‭ ‬اللغة،‭ ‬تتلمس‭ ‬العالم،‭ ‬مشتملا‭ ‬على‭ ‬المرئي‭ ‬وما‭ ‬وراءه،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بشغف‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الحواس‭ ‬والرؤى‭ ‬والميول‭ ‬ومعها‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالإمكان‭ ‬وصفه‭ ‬بالبساطة‭. ‬لا‭ ‬أتكلم،‭ ‬هنا،‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬شعرية‭ ‬أفصحت‭ ‬آثارها‭ ‬عن‭ ‬حذلقات‭ ‬لغوية‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬رطانات‭ ‬الشعر‭ ‬اليومي‭ ‬وتبذله،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬صنيع‭ ‬شعري‭ ‬مختلف‭ ‬يتيح‭ ‬للشاعر‭ ‬أن‭ ‬يمتلئ‭ ‬بفكرة‭ ‬أنه‭ ‬“يمشي‭ ‬بين‭ ‬الأيام‭ ‬ووراء‭ ‬الأيام”،‭ ‬وأن‭ ‬لديه‭ ‬بلاغة‭ ‬حديثة‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬ندّ‭ ‬للبلاغة‭ ‬القديمة،‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬تأسر‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬وميوله‭ ‬من‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬وحتى‭ ‬شعراء‭ ‬الموجة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬شعر‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬أربعينات‭ ‬وخمسينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

في‭ ‬عرف‭ ‬الشعراء‭ ‬الجدد‭ ‬يتولّد‭ ‬اليوم‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬الطبعة‭ ‬العربية‭ ‬الواحدة‭ ‬للحداثة‭ ‬قد‭ ‬هلكت،‭ ‬وخرج‭ ‬من‭ ‬حطامها‭ ‬شعر‭ ‬حرّ‭ ‬منفتح‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬شاسع‭ ‬يأبى‭ ‬أن‭ ‬يُؤسر،‭ ‬أو‭ ‬يقنّن‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ ‬للشعر‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬تجارب‭ ‬سبقت‭.‬

***

ولطالما‭ ‬رأيت‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬أن‭ ‬معضلة‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬أنه‭ ‬يحفظ‭ ‬لنا،‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬السطور‭ ‬الشعرية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬احتجب‭ ‬شعراؤها،‭ ‬شعراء‭ ‬يتقدمون‭ ‬على‭ ‬قصائدهم‭. ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة‭ ‬يبدو‭ ‬الشاعر‭ ‬المتفوّق‭ ‬على‭ ‬قصيدته،‭ ‬المتهافت‭ ‬بشخصه‭ ‬على‭ ‬الضوء،‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بمتسول‭ ‬بائس‭ ‬يعتاش‭ ‬على‭ ‬الاسم،‭ ‬بينما‭ ‬قصيدته‭ ‬تنتحب‭ ‬في‭ ‬الظل‭! ‬إنه‭ ‬شخص‭ ‬يستثمر‭ ‬إرث‭ ‬الشاعر‭ ‬النبوي،‭ ‬الشاعر‭ ‬الناطق‭ ‬باسم‭ ‬جماعة،‭ ‬أو‭ ‬ثقافة،‭ ‬أو‭ ‬فكرة،‭ ‬الشاعر‭ ‬الأسطع‭ ‬من‭ ‬شعره‭.‬

هناك،‭ ‬بيننا‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬شعراء‭ ‬أنانيون‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تستدعي‭ ‬الشفقة،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬هم،‭ ‬غالباً،‭ ‬أشخاص‭ ‬مضطربو‭ ‬الدواخل،‭ ‬يشكّون‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬نصوصهم‭ ‬على‭ ‬البقاء،‭ ‬فإذا‭ ‬بهم‭ ‬يكثرون‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬الكبير‭ ‬عن‭ ‬الخلود،‭ ‬ومن‭ ‬الكلام‭ ‬الطائش‭ ‬عن‭ ‬“موت‭ ‬الشعر”‭ ‬و”موت‭ ‬اللغة”،‭ ‬و”موت‭ ‬البلاغة”،‭ ‬و”موت‭ ‬المعنى”‭ ‬في‭ ‬الآثار‭ ‬الجديدة‭. ‬ولعل‭ ‬إلحاحا‭ ‬كهذا‭ ‬على‭ ‬مفردة‭ ‬الموت‭ ‬إنما‭ ‬يعكس،‭ ‬سايكولوجياً،‭ ‬أزمة‭ ‬شعور‭ ‬مفرط‭ ‬به‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭. ‬إنهم‭ ‬أشبه‭ ‬بحملة‭ ‬توابيت‭ ‬ومؤبّني‭ ‬موتى‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬مغامرين‭ ‬أحياء‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الشعر‭.‬

والمثير‭ ‬للتأمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬العقدة‭ ‬التي‭ ‬تشي‭ ‬بها‭ ‬خطاباتهم،‭ ‬وأعني‭ ‬بها،‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وأطلقتُ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬سابقة‭ ‬لي‭ ‬“عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الابن”‭ ‬بين‭ ‬دوافعها،‭ ‬بالتأكيد،‭ ‬ضرب‭ ‬مرير‭ ‬من‭ ‬اليأس‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭. ‬إنه‭ ‬مسّ‭ ‬من‭ ‬جنون‭ ‬العظمة،‭ ‬ولوثة‭ ‬من‭ ‬بطرياركية‭ ‬مُهلكة‭ ‬أصابت‭ ‬الشاعر،‭ ‬لتعكس‭ ‬استسلاما‭ ‬محزنا‭ ‬إلى‭ ‬بطرياركية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬أبّدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬شرقي‭ ‬لم‭ ‬يتخلّص‭ ‬من‭ ‬طبائع‭ ‬الاستبداد‭. ‬فهل‭ ‬يليق‭ ‬بشعراء‭ ‬كهؤلاء‭ ‬أن‭ ‬يقرن‭ ‬شعرهم‭ ‬بفكرة‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬قرن‭ ‬بها‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث،‭ ‬وقرنت‭ ‬بها‭ ‬الآثار‭ ‬الأدبية‭ ‬للحداثة؟

لوحة: فادي يازجي

في‭ ‬وسع‭ ‬شعراء‭ ‬ظهروا‭ ‬قبل‭ ‬شعراء‭ ‬أن‭ ‬يعتبروا‭ ‬اللاحقين‭ ‬عليهم‭ ‬أبناء‭ ‬لهم،‭ ‬لكن‭ ‬المسألة‭ ‬ليس‭ ‬مسألة‭ ‬رغبة،‭ ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬تتأكد‭ ‬هذه‭ ‬الأبوّة‭ ‬عبر‭ ‬روابط‭ ‬جمالية‭ ‬وفكرية‭ ‬حقيقية‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬ويمكن‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المغامرة‭ ‬الشعرية،‭ ‬فلا‭ ‬قيمة‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬فكاهي‭: ‬أب‭ ‬يفتش‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬يتبنّاه‭! ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬عوارض‭ ‬مرض،‭ ‬بطاركة‭ ‬الشعر‭ ‬الفانين،‭ ‬بفكرة‭ ‬الخلود‭.‬

لعل‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الجيل‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلا‭ ‬بموته‭ ‬الجسدي‭ ‬هي‭ ‬فكرة‭ ‬صحيحة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬لكن‭ ‬المحزن‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬الأرواح‭ ‬وتبقى‭ ‬الأجساد‭ ‬تتحرك‭ ‬سابحة‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬يوهم‭ ‬بالحياة‭ ‬الخالدة‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬أن‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التناكر‭ ‬الغريب‭ ‬يحكم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية،‭ ‬لم‭ ‬ينج‭ ‬منه،‭ ‬على‭ ‬المنقلب‭ ‬الآخر،‭ ‬بعض‭ ‬أفضل‭ ‬الشعراء‭ ‬الجدد‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬التجارب‭ ‬المؤثرة‭.‬

***

بعض‭ ‬ما‭ ‬يحملني‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬النقدي‭ ‬الجارح‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الاتهامات‭ ‬الباطلة‭ ‬التي‭ ‬تصدر،‭ ‬بين‭ ‬وقت‭ ‬وآخر،‭ ‬عن‭ ‬شعراء‭ ‬يبست‭ ‬عروق‭ ‬شعرهم،‭ ‬والتي‭ ‬تكيل‭ ‬للأصوات‭ ‬الشعرية‭ ‬الجديدة‭ ‬ذات‭ ‬التجارب‭ ‬المؤثرة‭ ‬تعريضا‭ ‬بنقائصهم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬“نقصان‭ ‬الخبرة‭ ‬الوجودية”‭ ‬لديهم‭. ‬هذه‭ ‬الاتهامات‭ ‬وغيرها‭ ‬تبقى‭ ‬متوقّعة‭ ‬في‭ ‬منعطفات‭ ‬يموت‭ ‬فيها‭ ‬شيء‭ ‬ويولد‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬تسمّم‭ ‬فضاء‭ ‬الشعر،‭ ‬وتكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬مطلقيها‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬نفسية‭ ‬أليمة،‭ ‬وما‭ ‬كلامهم‭ ‬المجازف‭ ‬بالحقيقة،‭ ‬والمتجنّي‭ ‬على‭ ‬الجمال‭ ‬الشعري‭ ‬الجديد‭ ‬سوى‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬بلاغة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الاحتضار‭. ‬فالرقعة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬عريضة‭ ‬وهائلة‭ ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬خصوبة‭ ‬أرض‭ ‬الشعر،‭ ‬وإلى‭ ‬إمكان‭ ‬تعايش‭ ‬الجماليات‭ ‬المختلفة،‭ ‬بل‭ ‬والمتناقضة‭. ‬طالما‭ ‬كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬قرون‭ ‬قابلة‭ ‬للتنوع‭ ‬وجدل‭ ‬الاختلاف‭.‬

وما‭ ‬أظنّ‭ ‬إعراض‭ ‬البعض‭ ‬عن‭ ‬الأخذ‭ ‬به،‭ ‬اليوم،‭ ‬إلا‭ ‬تعنّتا‭ ‬لا‭ ‬يسنده‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬بأمثولة‭ ‬واحدة‭ ‬قيّمة‭. ‬فحتى‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬بعصور‭ ‬الانحطاط‭ ‬العربي‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مساحات‭ ‬للاختلاف‭ ‬وتعايش‭ ‬الاتجاهات‭ ‬ولقاء‭ ‬الأساليب‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء،‭ ‬وربما‭ ‬تعدّد‭ ‬الرؤى‭ ‬والتطلعات‭.‬

ولو‭ ‬نحن‭ ‬ضربنا‭ ‬صفحاً‭ ‬عن‭ ‬القلة‭ ‬الخائفة‭ ‬من‭ ‬الجديد،‭ ‬فإن‭ ‬الكثرة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الأذكياء‭ ‬تتلقى‭ ‬الآثار‭ ‬الشعرية‭ ‬الجديدة،‭ ‬على‭ ‬ألوانها‭ ‬المختلفة،‭ ‬بفرح‭ ‬وصفاء‭ ‬وبشيء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬والاغتناء‭. ‬هناك،‭ ‬إذن،‭ ‬ما‭ ‬يموت،‭ ‬والموت‭ ‬حقّ‭ ‬وجودي،‭ ‬ومن‭ ‬طبع‭ ‬المحتضر‭ ‬أن‭ ‬يتحشرج‭.‬

***

نخلص‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والحوار‭ ‬والإقرار‭ ‬بوجود‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية،‭ ‬لهو‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬التلوّث‭ ‬بالذات‭ ‬ووقوع‭ ‬في‭ ‬شرك‭ ‬فرادتها‭ ‬القاتلة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬عوارض‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستبداد‭. ‬أما‭ ‬الموت‭ ‬كما‭ ‬عنيته‭ ‬بوصفه‭ ‬حقاً،‭ ‬فهو‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأمنياتنا‭ ‬أن‭ ‬تمنع‭ ‬وقوعه،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬شرط‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬التطور،‭ ‬وعلامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬الحية‭.‬

وإن‭ ‬كان‭ ‬بعضنا‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬“جديد”‭ ‬بعض‭ ‬الشعراء‭ ‬كفّ‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبتكرا‭ ‬ومبدعاً،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يطال‭ ‬بحال‭ ‬جديده‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬وتاريخ‭ ‬مختلفين،‭ ‬ولربما‭ ‬يبقى‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬الذائقة‭ ‬المعاصرة‭.‬

***

أعود‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬الأول،‭ ‬عمّا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬عواصف‭ ‬زمننا‭ ‬قد‭ ‬عصفت‭ ‬بأفكارنا‭ ‬وقناعاتنا،‭ ‬كما‭ ‬عصفت‭ ‬بوجداننا‭ ‬الجماعي‭ ‬وتركته‭ ‬مضرّجا‭ ‬بدم‭ ‬الحاضر؟‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬دليل‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إجابة‭ ‬شافية‭ ‬إلا‭ ‬ونجده‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الآثار‭ ‬التي‭ ‬تترى‭ ‬اليوم‭ ‬حاملة‭ ‬رسائلنا‭ ‬وخطاباتنا‭ ‬عن‭ ‬حاضرنا‭ ‬الدامي،‭ ‬وقراءتنا‭ ‬للحال،‭ ‬وتطلّعنا‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬عربي‭ ‬مختلف‭. ‬ولعلّ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أقبلت‭ ‬“الجديد”‭ ‬على‭ ‬نشره،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬قلق‭ ‬الروح‭ ‬والفكر،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬اعتمالات‭ ‬الوجدان‭ ‬في‭ ‬انفعاله‭ ‬الأرقى‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬أمّة‭ ‬يراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تصير‭ ‬حطاما‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭. ‬وهو،‭ ‬بالتالي،‭ ‬فعل‭ ‬دفاع‭ ‬ومقاومة‭ ‬حضاريان‭ ‬أدواتهما‭ ‬أقوى‭ ‬ما‭ ‬جمع‭ ‬العرب‭ ‬وجعل‭ ‬منهم‭ ‬أمة‭ ‬تليدة‭: ‬اللغة‭ ‬والرؤى‭ ‬والموقف‭ ‬والخيال‭.‬

لندن‭ ‬في‭ ‬شباط/فبراير ‭ ‬2016



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة