عولمة‭ ‬الثقافة ثقافة التصنيع

صدر‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تعالج‭ ‬العولمة‭ ‬والحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية‭. ‬وكان‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬كتابه”‭ ‬العلم‭ ‬والتقنية‭ ‬كأيديولوجيا”‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬غيره‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تفككت‭ ‬والنظام‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬وراءها‭ ‬بدلالاته‭ ‬الفلسفية‭-‬الأنثروبولوجية‭ ‬وكذلك‭ ‬السياسية‭. ‬كما‭ ‬كتب‭ ‬هومي‭ ‬بابا‭ ‬“موقع‭ ‬الثقافة”‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد،‭ ‬تناول‭ ‬فيه‭ ‬المشاكل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهوية‭ ‬والخصوصية‭ ‬الثقافية‭ ‬لمجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬حيث‭ ‬تكتسب‭ ‬العولمة‭ ‬فيه‭ ‬قوة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬قوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬متعددة‭ ‬وعبر‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الاتصال‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التابعة‭ ‬لها،‭ ‬التي‭ ‬تسيّرها‭ ‬الشركات‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭.‬

الجديد  إبراهيم الحيدري [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(8)]

لوحة: أسعد فرزات
هذه الأطروحات‭ ‬وغيرها‭ ‬شغلت‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬وبخاصة،‭ ‬رواد‭ ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذين‭ ‬وضعوا‭ ‬صياغة‭ ‬نظرية‭ ‬نقدية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬الجدلي‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والممارسة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفهم‭ ‬الذاتي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يصف‭ ‬الصيرورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للحاضر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وإدراك‭ ‬قوتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬المتحولة‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬والتحولات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬وكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هؤلاء‭ ‬المفكران‭ ‬ماكس‭ ‬هوركهايمر‭ ‬وتيودور‭ ‬أدورنو،‭ ‬اللذان‭ ‬وجها‭ ‬نقدهما‭ ‬الجذري،‭ ‬ليس‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬التغبية‭ ‬التي‭ ‬تعوق‭ ‬تقدمه‭. ‬ولكي‭ ‬يكون‭ ‬المجتمع‭ ‬قويما‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬التنظير،‭ ‬وإنما‭ ‬ربط‭ ‬النظرية‭ ‬بالممارسة‭ ‬العملية‭ ‬ربطا‭ ‬جدليا‭ ‬محكما،‭ ‬وأن‭ ‬تكمل‭ ‬عقلانية‭ ‬الوسائل،‭ ‬عقلانية‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬للإنسان‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬إمكاناته‭ ‬اللامحدودة‭ ‬وتقديم‭ ‬الحلول‭ ‬الممكنة‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬وجود‭ ‬عقلاني‭ ‬حقيقي‭ ‬منوّر‭.‬

وقبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬انتقد‭ ‬هوركهايمر‭ ‬وأدورنو‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬في‭ ‬كتابهما‭ ‬المشترك‭ ‬“جدل‭ ‬التنوير”‭ ‬‭(‬1947‭)‬‭ ‬موضحان‭ ‬فيه‭ ‬خصوصيته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تفرزه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬آثار‭: ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬قوة‭ ‬لها‭ ‬سلطة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الحدود،‭ ‬فإن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬العلم،‭ ‬وبذلك‭ ‬تصبح‭ ‬السلطة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬مترادفتين،‭ ‬حيث‭ ‬يظهر‭ ‬التسلط‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬الجبرية‭ ‬للملايين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬ينبع‭ ‬أصلا‭ ‬من‭ ‬حاجات‭ ‬المستهلكين،‭ ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬نجدهم‭ ‬مضطرين‭ ‬دوما‭ ‬للموافقة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬مقاومة‭. ‬وهذا‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬دورة‭ ‬من‭ ‬الخداع‭ ‬ورد‭ ‬فعل‭ ‬للحاجات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬اللانهائية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وتماسكا‭.‬

تصنيع الثقافة

تصنيع‭ ‬الثقافة‭ ‬وثقافة‭ ‬التصنيع‭ ‬Kulturindustrie،‭ ‬calture‭ ‬industry‭ ‬مصطلح‭ ‬صاغه‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬النقدي‭ ‬تيودور‭ ‬أدورنو‭ ‬‭(‬1895‭-‬1973‭)‬‭. ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مصطلحات‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬لمدرسة‭ ‬فرانكفورت‭. ‬ففي‭ ‬كتاب‭ ‬“جدل‭ ‬التنوير”‭ ‬ظهر‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬النقدي‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬أدورنو‭ ‬“تصنيع‭ ‬الثقافة”،‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مصانع‭ ‬تنتج‭ ‬ثقافة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬إنتاجاً‭ ‬صناعياً،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الثقافة‭ ‬تتخذ‭ ‬لها‭ ‬مكاناً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬فوقي‭ ‬مستقل‭ ‬نسبياً،‭ ‬لأنها‭ ‬أخذت‭ ‬ترضع‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭.‬

إن‭ ‬صياغة‭ ‬أدورنو‭ ‬لمفهوم‭ ‬“الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬”‭ ‬أعطتها‭ ‬بعدا‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬شموليا‭ ‬بيّن‭ ‬بوضوح‭ ‬قوتها‭ ‬وسيطرتها‭ ‬وآثارها‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬الجبرية‭ ‬للملايين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬وموافقتهم‭ ‬عليها‭ ‬دون‭ ‬مقاومة‭.‬

تاريخيا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الثقافة‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬بضاعة‭ ‬أو‭ ‬إنتاجا‭ ‬صناعيا‭ ‬واسعا‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭. ‬فمنذ‭ ‬القديم‭ ‬وحتى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بقيت‭ ‬الثقافة‭ ‬بناء‭ ‬فوقيا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬واتخذت‭ ‬محتوى‭ ‬ارتبط‭ ‬بالبنية‭ ‬الفوقية‭ ‬وأنتجت‭ ‬تاريخا‭ ‬وأدبا‭ ‬وفنونا،‭ ‬ولكن‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬اندمجت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بالثقافة،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإنتاج‭ ‬الآلي‭ ‬الواسع‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬وأصبحتا‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بينهما‭.‬

إن‭ ‬عولمة‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬النزعة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬ووسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والإعلام‭ ‬وهيمنة‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬ومحتواه‭ ‬الثقافي‭ ‬وحوّلته‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭.‬

لقد‭ ‬تحوّل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬مستوعبة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬وفكره‭ ‬التخديري‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬بثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬جماهيرية‭ ‬تشبع‭ ‬حاجات‭ ‬جماعية‭ ‬ولكنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬هيمنة‭ ‬وتسلط‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تطوراً‭ ‬لاعقلانياً‭ ‬وسيطرتها‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬الناس‭.‬

الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬تُنتجُ‭ ‬اليوم‭ ‬بمصانع‭ ‬تبيع‭ ‬سلعاً‭ ‬ثقافية‭ ‬مغرية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬التلاعب‭ ‬بأفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬وجعلهم‭ ‬سلبيين‭ ‬وعاجزين‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استهلاك‭ ‬المتع‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬تبثها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصال‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تمتلخ‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬واقعهم‭ ‬وتجعلهم‭ ‬يركضون‭ ‬لاهثين‭ ‬وراء‭ ‬بضائع‭ ‬المدنية‭ ‬البراقة‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ظروفهم‭ ‬المعيشية‭ ‬وحاجتهم‭ ‬إليها‭. ‬والخطورة‭ ‬التي‭ ‬تسببها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬السلع‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬حاجات‭ ‬نفسية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إشباعها‭ ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية‭.‬

في‭ ‬المجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬تحوّلت‭ ‬الثقافة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬واتخذت‭ ‬معنيين،‭ ‬الأول‭ ‬له‭ ‬محتوى‭ ‬واضح‭ ‬ينتج‭ ‬وباستمرار‭ ‬تواريخ‭ ‬وآدابا‭ ‬وصورا‭ ‬وموسيقى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عرضها‭ ‬للبيع‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الآلي‭ ‬الواسع‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭ ‬بطريقة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬بحيث‭ ‬أخذت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تندمج‭ ‬بالثقافة‭ ‬بالتدريج‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬تأثيرها‭ ‬واضحا‭ ‬وأخذت‭ ‬تنتج‭ ‬أفلاما‭ ‬وأجهزة‭ ‬استنساخ‭ ‬وتسجيل‭ ‬أغان‭ ‬وألحان‭ ‬وتكبس‭ ‬كاسيتات‭ ‬ودسكات‭ ‬وغيرها‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬محتويات‭ ‬الثقافة‭ ‬اُنتجت‭ ‬بوسائل‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وأعيد‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭.‬

سوسيولوجيا،‭ ‬يعود‭ ‬خضوع‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬قطاع‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والإعلام‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تنتج‭ ‬بضائع‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬بسبب‭ ‬محتواها‭ ‬الثقافي‭. ‬كما‭ ‬تظهر‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والأدوات‭ ‬واللوازم‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالكومبيوتر‭ ‬والإنترنت‭ ‬والإعلام‭ ‬الرقمي‭ ‬وغيرها‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬وأخبار‭ ‬وصور‭ ‬وألعاب‭ ‬ورموز،‭ ‬وكذلك‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬شركات‭ ‬الدعاية‭ ‬والاعلام‭ ‬وأكاديميات‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬ومدارس‭ ‬الديكور‭ ‬والموضة‭ ‬وغيرها‭. ‬لقد‭ ‬تحولت‭ ‬الثقافة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬نستخدمه‭ ‬ونستهلكه‭ ‬ونعيد‭ ‬إنتاجه،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬نقد‭ ‬حضاري‭ ‬وثقافي‭ ‬ولا‭ ‬نقد‭ ‬سياسي‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سابقا،‭ ‬وبخاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحوّل‭ ‬نقد‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬والسياسة‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬إعلامي‭. ‬كما‭ ‬انهارت‭ ‬فئة‭ ‬المثقفين‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬أكتاف‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإنتاج‭ ‬المستقبلي‭ ‬لعصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭.‬

‬تحوّل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬مستوعبة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬وفكره‭ ‬التخديري‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬بثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬جماهيرية‭ ‬تشبع‭ ‬حاجات‭ ‬جماعية‭ ‬ولكنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬هيمنة‭ ‬وتسلط‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تطوراً‭ ‬لاعقلانياً

في‭ ‬عصر‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬أصبحت‭ ‬تقنيات‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬تدمج‭ ‬التسلية‭ ‬بوسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬بالثقافة،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬شيئا‭ ‬واحدا‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬واحد‭ ‬وآخر‭. ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬الإنتاج‭ ‬التلفزيوني‭ ‬الأميركي‭ ‬واسع‭ ‬الانتشار‭ ‬يتبع‭ ‬المحتوى‭. ‬وكان‭ ‬المنتجون‭ ‬يملكون‭ ‬الأستوديوهات‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬البرامج‭ ‬ويتم‭ ‬توزيعها‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بواسطة‭ ‬محطات‭ ‬الإرسال‭ ‬وعبر‭ ‬الأثير،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يتم‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭. ‬موغلن‭ ‬وتيد‭ ‬تورنر‭ ‬مطمئنان‭ ‬من‭ ‬تأثيرهما‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الكيبل‭ ‬ويستطيعان‭ ‬توجيه‭ ‬CNN‭ ‬وESPN‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭. ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬أسّس‭ ‬روبرت‭ ‬مردوخ،‭ ‬أحد‭ ‬بارونات‭ ‬الإعلام،‭ ‬شبكة‭ ‬اتصالات‭ ‬BSKYB‭ ‬ترتبط‭ ‬بالفضائيات‭ ‬وأصبحت‭ ‬احتكارا‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اشترت‭ ‬حقوق‭ ‬ملكية‭ ‬كاملة‭ ‬للنقل‭ ‬المباشر‭ ‬لمباريات‭ ‬الفريق‭ ‬الإنكليزي‭ ‬الأول‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬أرباح‭ ‬تصاعدية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اشترك‭ ‬فيها‭ ‬حوالي‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬البريطانيين‭ ‬ووصلت‭ ‬مدفوعاتها‭ ‬السنوية‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭. ‬ومثل‭ ‬مردوخ‭ ‬يسيطر‭ ‬سليفيو‭ ‬بيرلسكوني‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التلفزيون‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬وكذلك‭ ‬راندولف‭ ‬هيرست‭ ‬صاحب‭ ‬سلسلة‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬والدوريات‭ ‬الملوّنة‭.‬

وهناك‭ ‬احتكار‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬بما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬تورنر‭ ‬ومردوخ‭ ‬وكذلك‭ ‬بريتش‭ ‬تيليكوم‭. ‬B‭.‬T‭ ‬لاحتكار‭ ‬“تيلكوم‭-‬‭ ‬تكنولوجي”‭ ‬والتلاعب‭ ‬“بمحتواها”‭. ‬كما‭ ‬بدء‭ ‬ماكسويل‭ ‬أيضا‭ ‬ببناء‭ ‬إمبراطورية‭ ‬للإعلام‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬احتكاره‭ ‬“لمحتوى”‭ ‬دار‭ ‬åبيرغامون‭ ‬بريسò‭ ‬وشراء‭ ‬حقوق‭ ‬ملكية‭ ‬الكتب‭ ‬العلمية‭ ‬والطبية‭ ‬والخاصة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ملكيتها‭ ‬تعود‭ ‬أصلا‭ ‬إلى‭ ‬أشخاص‭ ‬ودور‭ ‬نشر‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬يرفع‭ ‬أسعارها‭ ‬بلا‭ ‬مبالاة‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الإنتاج‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التصنيع‭ ‬الكلاسيكية‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ينتجه‭ ‬ماكسويل‭ ‬سابقا‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬“المحتوى‭ ‬الثقافي”‭ ‬لـ‭ ‬“ريد‭ ‬اللزفير”،‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬معلومات‭ ‬إلكترونية‭ ‬خاصة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لأن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الاحتكارات‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

أما‭ ‬النموذج‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الاحتكارات‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬الثقافة‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬بتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬الإلكترونية‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬“سوفت‭ ‬وير”‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬وغيرها،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المرء‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬“مايكروسوفت”‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬åمايكروسوفت‭ ‬أوفسò،‭ ‬الأول‭ ‬يستخدم‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الكومبيوترات،‭ ‬وهو‭ ‬عامل‭ ‬بيع‭ ‬استهلاكي‭ ‬مستمر‭.‬

ومنذ‭ ‬دخول‭ ‬العالم‭ ‬عتبة‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬الثقافة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬رقمي‭ ‬Digital‭ ‬Media،‭ ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الثمانينات‭ ‬إلى‭ ‬“ثقافة‭ ‬مصنّعة”‭ ‬وأصبح‭ ‬لها‭ ‬سوق‭ ‬ينقل‭ ‬المباريات‭ ‬الرياضية‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الفضائيات‭ ‬وشبكة‭ ‬الكيبل‭. ‬وقد‭ ‬أبرمت‭ ‬شركة‭ ‬سكاي‭ ‬عقدا‭ ‬مع‭ ‬المنتخب‭ ‬الإنكليزي‭ ‬الأول‭ ‬بلغ‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭. ‬وكانت‭ ‬النوادي‭ ‬الرياضية‭ ‬سابقا‭ ‬شركات‭ ‬مساهمة‭ ‬يتراوح‭ ‬رأسمالها‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬ملايين‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭. ‬وكانت‭ ‬الأسهم‭ ‬تعرض‭ ‬في‭ ‬البورصة،‭ ‬وتصل‭ ‬أرباحها‭ ‬إلى‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويا‭. ‬لقد‭ ‬تغير‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬نجوم‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أصبحوا‭ ‬مثل‭ ‬فرقة‭ ‬“Spice‭ ‬Girls”‭ ‬نماذج‭ ‬إعلامية‭ ‬عالمية‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬عروضها‭ ‬عن‭ ‬الفيلم‭ ‬والأغنية‭ ‬والرواية،‭ ‬لقد‭ ‬تحولوا‭ ‬إلى‭ ‬مجرّد‭ ‬نماذج‭ ‬للدعاية‭. ‬وحين‭ ‬يشاهد‭ ‬المرء‭ ‬اليوم‭ ‬مباريات‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬فإنه‭ ‬يشاهد‭ ‬عرضا‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد،‭ ‬يهتم‭ ‬بقواعد‭ ‬اللعب‭ ‬والتقنيات‭ ‬وحركة‭ ‬الكرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬المرء‭ ‬يشاهد‭ ‬عروضا‭ ‬ثقافية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬يندمج‭ ‬فيها‭ ‬المرء‭ ‬مع‭ ‬محتوى‭ ‬اللعبة‭ ‬كمعجب‭ ‬وليس‭ ‬كمشاهد‭ ‬فقط،‭ ‬وكان‭ ‬المشجعون‭ ‬الذين‭ ‬يجلسون‭ ‬في‭ ‬مدرجات‭ ‬الملعب‭ ‬يشاركون‭ ‬ويناقشون‭ ‬ويشرحون‭ ‬“محتوى”‭ ‬اللعبة‭ ‬وكأنهم‭ ‬جزء‭ ‬منها،‭ ‬فهم‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬مشاهدين‭ ‬أو‭ ‬مستهلكين‭ ‬وإنما‭ ‬متفاعلون‭ ‬معهم،‭ ‬لأن‭ ‬المشجعين‭ ‬كانوا‭ ‬ترسانة‭ ‬المباراة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬منتخب‭ ‬بروسيا‭ ‬دورتموند‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭.‬

يرى‭ ‬بورديو‭ ‬بأن‭ ‬آليات‭ ‬التلفزيون‭ ‬المعقدة‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تهدد‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬أيضا‭. ‬والمشكلة،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بورديو،‭ ‬أن‭ ‬التلفزيون‭ ‬ومعه‭ ‬الصحافة‭ ‬هي‭ ‬وسائل‭ ‬مدفوعة‭ ‬بمنطق‭ ‬الركض‭ ‬واللهاث‭ ‬وراء‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الجمهور

في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬كان‭ ‬جوهر‭ ‬الثقافة‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬أفلام‭ ‬وبرامج‭ ‬تلفزيونية‭ ‬ومسرحيات‭ ‬وروايات‭ ‬وأغان‭ ‬وغيرها‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الإلكتروني‭ ‬فيبدو‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬مختلف‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬الثقافة‭ ‬فيه‭ ‬كأشياء‭ ‬تكنولوجية‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬رؤيتها‭ ‬أو‭ ‬مشاهدتها‭ ‬وقراءتها‭ ‬أو‭ ‬سماعها،‭ ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬شيئا‭ ‬آخرا‭ ‬نقوم‭ ‬باستخدامه‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬إما‭ ‬سلبيا‭ ‬أو‭ ‬إيجابيا،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬شيئا‭ ‬نتبادله‭ ‬Interactive‭. ‬وهكذا‭ ‬أخذ‭ ‬الإعلام‭ ‬يستهلك‭ ‬اليوم‭ ‬محتوى‭ ‬الأشياء‭ ‬وكذلك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬كقراء‭ ‬أو‭ ‬مشاهدين‭ ‬أو‭ ‬مستمعين،‭ ‬وإنما‭ ‬كمؤثرين‭ ‬ومستهلكين‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬أدورنو‭ ‬بأن‭ ‬محتوى‭ ‬الثقافة‭ ‬اعتمد‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬غوتنبرغ‭ ‬على‭ ‬فن‭ ‬الطباعة،‭ ‬حيث‭ ‬سيطرت‭ ‬الصورة‭ ‬والصوت‭ ‬والنص‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

لقد‭ ‬ازدادت‭ ‬منتوجات‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬اليوم‭: ‬بضائع‭ ‬استهلاكية‭ ‬سريعة،‭ ‬أسماء‭ ‬لماركات‭ ‬كبيرة،‭ ‬مغنون‭ ‬من‭ ‬فرق‭ ‬البوب‭ ‬ونجوم‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬أصبحوا‭ ‬اليوم‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬أما‭ ‬نايك‭ ‬وسوج‭ ‬وكوكا‭-‬كولا‭ ‬فقد‭ ‬أصبحوا‭ ‬أسواقا‭ ‬عالمية‭ ‬وتحولوا‭ ‬إلى‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬محتوى‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية‭.‬

كما‭ ‬ترتبط‭ ‬اليوم‭ ‬منتوجات‭ ‬السوق‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية‭ ‬مع‭ ‬الرياضة‭ ‬ووسائل‭ ‬التسلية‭ ‬واللهو‭ ‬والفيديو‭ ‬والكاسيت‭ ‬وألبومات‭ ‬نجوم‭ ‬الغناء‭ ‬والجنس‭ ‬وحيثما‭ ‬يذهب‭ ‬المرء‭ ‬يلاحظ‭ ‬بأن‭ ‬الأولاد‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬يرتدون‭ ‬أحذية‭ ‬نايك،‭ ‬حتى‭ ‬أولاد‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬ترمي‭ ‬اليوم‭ ‬جاكيتات‭ ‬“تومي‭ ‬هلفيغر”‭ ‬جانبا‭. ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬بالغنى‭ ‬أو‭ ‬الفقر،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬بنماذج‭ ‬“أيقونة”‭ ‬يتم‭ ‬بموجبها‭ ‬تمثيل‭ ‬رموز‭ ‬المجتمع‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬وثقافته‭ ‬المصنعة‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬”‭ ‬ثقافة‭ ‬السوق‭ ‬”‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬عروضا‭ ‬تجارية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬و”أشياء”‭ ‬تستعمل‭ ‬وتستهلك‭ ‬يوميا‭.‬

في‭ ‬كتابه‭ ‬“التلفزيون‭ ‬وآليات‭ ‬التلاعب‭ ‬بالعقول”‭ ‬فضح‭ ‬المفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والإعلام‭ ‬الحديثة‭ ‬وخاصة‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬الفضائية‭ ‬منها‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬قنوات‭ ‬تقدم‭ ‬برامج‭ ‬تسلية‭ ‬وتثقيف‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬ووسائل‭ ‬أكثر‭ ‬مساهمة‭ ‬وفاعلية‭ ‬في‭ ‬الضبط‭ ‬والتحكم‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬بورديو‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وأدواته‭ ‬بأدوات‭ ‬“العنف‭ ‬الرمزي”‭ ‬الذي‭ ‬تستغله‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المهيمنة‭ ‬لتسيير‭ ‬خدماتها‭ ‬ومكتسباتها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إشباع‭ ‬مصالحها‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬بورديو‭ ‬بأن‭ ‬آليات‭ ‬التلفزيون‭ ‬المعقدة‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تهدد‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬أيضا‭. ‬والمشكلة،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بورديو،‭ ‬أن‭ ‬التلفزيون‭ ‬ومعه‭ ‬الصحافة‭ ‬هي‭ ‬وسائل‭ ‬مدفوعة‭ ‬بمنطق‭ ‬الركض‭ ‬واللهاث‭ ‬وراء‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭. ‬كما‭ ‬أطلق‭ ‬بورديو‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬السلبي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومن‭ ‬يتبعها‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬لقب‭ ‬“كلاب‭ ‬الحراسة”‭ ‬الذين‭ ‬يرسخون‭ ‬مصالح‭ ‬الطبقات‭ ‬المهيمنة‭ ‬ويلعبون‭ ‬بالعقول‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إنتاج‭ ‬بضائع‭ ‬ثقافية‭ ‬مصنعة‭.‬

الثقافة‭ ‬الشعبية

تغمر‭ ‬الأسواق‭ ‬اليوم‭ ‬ثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬تجارية‭ ‬لا‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬حاجة‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬تستهلكها،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬رأسمالية‭ ‬كبرى‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات‭ ‬تصنعها‭ ‬وتسوّقها‭ ‬وتدعمها‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬ودعاية‭ ‬مبرمجة‭ ‬ومكثفة‭ ‬ومغرية‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬يركض‭ ‬وراء‭ ‬بريقها‭ ‬الأخّاذ‭ ‬لاهثا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التلفزيون‭ ‬والسينما‭ ‬والإنترنت‭ ‬ووسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والتواصل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأخرى‭. ‬ويعمل‭ ‬متخصصون‭ ‬من‭ ‬فنيين‭ ‬وصحفيين‭ ‬ومصورين‭ ‬بالدعاية‭ ‬والإعلان‭ ‬التجاري‭ ‬الأخّاذ‭ ‬لتسويق‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وترويجها‭ ‬وغسل‭ ‬العقول‭ ‬وتشكيلها‭ ‬وفق‭ ‬مقاسات‭ ‬استهلاكية‭ ‬معيّنة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬ميول‭ ‬لتقبل‭ ‬البسيط‭ ‬والساذج‭ ‬وحتى‭ ‬الرديء‭ ‬وتشكيل‭ ‬عقل‭ ‬شعبي‭ ‬جمعي‭ ‬يتلقى‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المصنعة‭ ‬دون‭ ‬تفكير‭ ‬وحسّ‭ ‬جمالي‭ ‬رفيع‭ ‬وتسيطر‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬توجيهه‭ ‬وتحريكه‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬ضد‭ ‬مصالحه‭ ‬وبوسائل‭ ‬وأساليب‭ ‬ناعمة‭ ‬تدغدغ‭ ‬عواطفه‭ ‬وتثير‭ ‬غرائزه‭ ‬الأكثر‭ ‬بدائية‭.‬

‬الثقافة‭ ‬المصنعة،‭ ‬بحسب‭ ‬أدورنو‭ ‬لا‭ ‬تشبع‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬حاجات‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وإنما‭ ‬تدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالثقافة‭ ‬السائدة،‭ ‬التي‭ ‬تتجدد‭ ‬باستمرار‭ ‬وتندمج‭ ‬بالنسق‭ ‬العام‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬لعفوية‭ ‬الجماهير‭ ‬أيّ‭ ‬أثر‭ ‬يذكر

في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬كان‭ ‬جوهر‭ ‬الثقافة‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬أفلام‭ ‬وبرامج‭ ‬تلفزيونية‭ ‬ومسرحيات‭ ‬وروايات‭ ‬وأغان‭ ‬وغيرها‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الإلكتروني‭ ‬فيبدو‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬مختلف‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬الثقافة‭ ‬فيه‭ ‬كأشياء‭ ‬تكنولوجية‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬رؤيتها‭ ‬أو‭ ‬مشاهدتها‭ ‬وقراءتها‭ ‬أو‭ ‬سماعها،‭ ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬شيئا‭ ‬آخرا‭ ‬نقوم‭ ‬باستخدامه‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬إما‭ ‬سلبيا‭ ‬أو‭ ‬إيجابيا،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬شيئا‭ ‬نتبادله‭ ‬Ineractive‭. ‬وهكذا‭ ‬أخذ‭ ‬الإعلام‭ ‬يستهلك‭ ‬اليوم‭ ‬محتوى‭ ‬الأشياء‭ ‬وكذلك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬كقراء‭ ‬أو‭ ‬مشاهدين‭ ‬أو‭ ‬مستمعين،‭ ‬وإنما‭ ‬كمؤثرين‭ ‬ومستهلكين،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬محتوى‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬غوتنبرغ‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬فن‭ ‬الطباعة،‭ ‬حيث‭ ‬سيطرت‭ ‬الصورة‭ ‬والصوت‭ ‬والنص‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

وكنموذج‭ ‬آخر‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المؤدجلة‭ ‬يأتي‭ ‬أدورنو‭ ‬بأمثلة‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬في‭ ‬أميركا‭. ‬فموسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬مصدرا‭ ‬للرعب‭ ‬فحسب،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬رفع‭ ‬الاغتراب‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬الزنوج،‭ ‬بل‭ ‬وتقوم‭ ‬بتقويته‭ ‬وترسيخه‭. ‬فالجاز‭ ‬أصبح‭ ‬بضاعة‭ ‬بالمعنى‭ ‬المطلق‭ ‬للكلمة‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬وظيفته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬المغترب‭ ‬وحضارته‭ ‬قصيرة‭ ‬وبأيديولوجية‭ ‬شعبوية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الجاز‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يوصل‭ ‬شعورا‭ ‬خاطئا‭ ‬يتمثل‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الطبيعة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجاز‭ ‬نتاجا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬رقيقا‭ ‬يحوّل‭ ‬الفنتازيا‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬فنتازيا‭ ‬اجتماعية‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬تنوع‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬إنما‭ ‬يعكس‭ ‬تحررا‭ ‬جنسيا‭ ‬كاذبا‭ ‬وتتحول‭ ‬رسالته‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬“إخصاء”،‭ ‬لأنه‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تحرر‭ ‬وما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬تقشفي‭.‬

وفي‭ ‬الحقية،‭ ‬فإن‭ ‬الوظيفة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬للجاز‭ ‬تقوّي‭ ‬أسطورة‭ ‬“الزنجي‭ ‬الأسود”‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬بشرة‭ ‬الزنجي‭ ‬السوداء‭ ‬واللون‭ ‬الفضي‭ ‬القاتم‭ ‬لآلة‭ ‬الساكسفون‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬السيكولوجي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬المازوشية‭.‬

الموسيقى‭ ‬عند‭ ‬أدورنو،‭ ‬كالنظرية،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬السائد‭ ‬للجماهير،‭ ‬لأنّ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬العواطف‭ ‬الحقيقية‭ ‬والعميقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التحقق‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬المعاصر‭ ‬بسهولة،‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬ريتشارد‭ ‬شتراوس‭ ‬آخر‭ ‬موسيقي‭ ‬برجوازي‭ ‬له‭ ‬أهمية،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬يجب‭ ‬القول،‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬موسيقاه،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أرنست‭ ‬بلوخ،‭ ‬أيّ‭ ‬سلبية،‭ ‬وأنها‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬بعد‭ ‬جمالي‭.‬

‭ ‬إنّ‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة،‭ ‬بحسب‭ ‬أدورنو‭ ‬لا‭ ‬تشبع‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬حاجات‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وإنما‭ ‬تدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالثقافة‭ ‬السائدة،‭ ‬التي‭ ‬تتجدد‭ ‬باستمرار‭ ‬وتندمج‭ ‬بالنسق‭ ‬العام‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬لعفوية‭ ‬الجماهير‭ ‬أيّ‭ ‬أثر‭ ‬يذكر،‭ ‬وتجعلهم‭ ‬يتحركون‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬فيه‭ ‬تحقيق‭ ‬استقلاليتهم‭.‬

لقد‭ ‬عمل”‭ ‬تصنيع‭ ‬الثقافة”‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬اإكانية‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬عدم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬محتوى‭ ‬“الثقافات”‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭: ‬تكنولوجيا‭ ‬الاتصال‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬الإلكترونية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تطوّرت‭ ‬بصورة‭ ‬عفوية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجماهير‭ ‬هي‭ ‬مشكلة‭ ‬بذاتها،‭ ‬لأن‭ ‬الجماهير‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬مستقلين،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬مدفوعين،‭ ‬بتبعيتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وبشروط‭ ‬العمل‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصناعية‭ ‬الليبرالية،‭ ‬إلى‭ ‬الركض‭ ‬وراء‭ ‬التيار‭ ‬الجارف‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬موسيقى‭ ‬التسلية‭ ‬المخادعة‭.‬

إنّ‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المصنعة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬إنما‭ ‬تمثل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الفنون‭ ‬الرفيعة‭ ‬ذات‭ ‬الجوهر‭ ‬الفكري‭ ‬والفني‭ ‬الرفيع‭. ‬فعلى‭ ‬العكس‭ ‬مما‭ ‬تشبعه‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬سلع،‭ ‬فإن‭ ‬الحاجات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلالية‭ ‬والإبداع‭ ‬التي‭ ‬تشيع‭ ‬السعادة‭ ‬الحقيقية‭.‬

لوحة: سمان خوان

‭ ‬العولمة‭ ‬والثقافة‭ ‬المصنعة

يطرح‭ ‬سكوت‭ ‬لاش‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬“نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عولمة‭ ‬تصنيع‭ ‬الثقافة”‭ ‬‭(‬1998‭)‬‭ ‬سؤالا‭ ‬هاما‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تسير‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬ثقافة‭ ‬التصنيع؟‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬جوابه‭ ‬غير‭ ‬كاف‭ ‬ودقيق،‭ ‬فإنه‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬تأخر‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬رهان‭ ‬الإعلام‭ ‬المتعدد‭ ‬وأهميته‭ ‬الفكرية‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬“عولمة”‭ ‬اللاعبين‭ ‬هنا‭ ‬شركات‭ ‬وليس‭ ‬أفرادا‭: ‬بيرتلزمن،‭ ‬ريد‭ ‬اللزفير،‭ ‬نيوز‭-‬كورب،‭ ‬بي‭ ‬تي،‭ ‬تيليكوم‭ ‬الاأمانية‭ ‬وليو‭ ‬كرش،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يواصل‭ ‬الأميركيون‭ ‬واليابانيون‭ ‬تطوير‭ ‬تكنولوجياتهم‭ ‬الاعلامية‭ ‬الى‭ ‬مدى‭ ‬بعيد‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬لاش‭ ‬يؤكد‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬بأن‭ ‬الاوروبيين‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬غنى‭ ‬وحيوية‭ ‬في‭ ‬تراثهم‭ ‬ومؤسساتهم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المحتوى‭ ‬الثقافي،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إنتاجهم‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بأكاديميات‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالرواية‭ ‬والفيلم‭ ‬والأزياء‭ ‬والرسم‭ ‬والنحت‭ ‬وغيرها‭. ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬الجديدة‭ ‬تختلف‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬السوق‭ ‬وذلك‭ ‬لوجود‭ ‬إمكانية‭ ‬في‭ ‬استمرارها‭ ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬حيث‭ ‬يسيطر‭ ‬عراب‭ ‬الرياضة‭ ‬“نايك”‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬عديدة‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬نجوم‭ ‬الرياضة‭. ‬كما‭ ‬تختلف‭ ‬أيضا‭ ‬عن‭ ‬“الرأسمالية‭ ‬الحثيثة”‭ ‬للبنوك‭ ‬الخمسة‭ ‬العالمية‭ ‬الكبيرة‭. ‬فالبرازيل‭ ‬وروسيا‭ ‬والصين‭ ‬والهند‭ ‬وكذلك‭ ‬أندونيسيا‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬نصف‭ ‬طاقات‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وسوف‭ ‬تحتل‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬نصف‭ ‬تجارة‭ ‬العالم‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بطيئا‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬مستمر،‭ ‬وهاتان‭ ‬الخاصيتان‭ ‬إنما‭ ‬تعكسان‭ ‬تأثير‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬وطول‭ ‬عمر‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وتوحيدها‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬غوتنبرغ،‭ ‬مثلما‭ ‬حققت‭ ‬صناعة‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬“وحدتها‭ ‬الثقافية”‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الخمسة‭ ‬الكبار‭ ‬قد‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬تقدمهم‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الرقمي‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬للخمسة‭ ‬الكبار‭ ‬الجدد،‭ ‬وبخاصة‭ ‬الصين،‭ ‬فإن‭ ‬لأوروبا‭ ‬فرصة‭ ‬أخرى‭ ‬تستمدها‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الإيجابية‭ ‬لمحتوى‭ ‬ثقافتها‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تراهن‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الإعلام‭ ‬الثاني‭.‬

‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬والثقافة‭ ‬المصنعة

مفهوم‭ ‬“الثقافة‭ ‬المصنعة”‭ ‬لأدورنو‭ ‬له‭ ‬معنى‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬سياق‭ ‬نظرته‭ ‬الجمالية‭. ‬فهو‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬والتجربة‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الحداثة‭ ‬والمجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬المتقدم‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬متأزم،‭ ‬لخضوعها‭ ‬إلى‭ ‬تقنيات‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭ ‬يحددها‭ ‬ويسيّرها‭ ‬المجتمع‭ ‬الرأسمالي‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬“نهاية‭ ‬الفن”،‭ ‬فإن‭ ‬الفن‭ ‬فقد‭ ‬وظيفته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وأصبح‭ ‬موضوعا‭ ‬هامشياً‭ ‬وزائداً‭ ‬عن‭ ‬اللزوم‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬الحاجات‭ ‬الجمالية‭. ‬فالرياضة‭ ‬والإعلام‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والموضة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الدعاية‭ ‬تقدّم‭ ‬للأفراد‭ ‬بدائل‭ ‬جديدة‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬التغيرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬“ثوّرت”‭ ‬الإمكانات‭ ‬التقنية‭ ‬وقادت‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬وامتداد‭ ‬كبير‭ ‬للفنون‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الطباعة‭ ‬وفن‭ ‬التصوير‭ ‬والفيلم،‭ ‬وأخيرا‭ ‬تقنيات‭ ‬الصوت‭ ‬والصورة،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬تجزئة‭ ‬الفنون‭ ‬وتحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬تباع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬مما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬الفنون‭ ‬الترفيهية‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬التمتع‭ ‬بالفن‭ ‬الرفيع‭ ‬والتبصّر‭ ‬العميق‭ ‬فيه‭.‬

فبواسطة‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬للثقافة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬أصبح‭ ‬الفن‭ ‬“البرجوازي”‭ ‬عتيقا‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬له‭ ‬تلك‭ ‬“الهالة‭ ‬والفرادة‭ ‬والأصالة”‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬إليها‭ ‬فالتر‭ ‬بنيامين،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬انحطاط‭ ‬الذوق‭ ‬الجمالي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬النظرة‭ ‬الطبيعية‭ ‬والمباشرة‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬الرصيد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لأيّ‭ ‬عمل‭ ‬فني‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ظهر‭ ‬الفن‭ ‬المجزّأ‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬والموجّه‭ ‬إلى‭ ‬الجماهير،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬والتصوير،‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬العنان‭ ‬للفئات‭ ‬غير‭ ‬الواعية،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الواقع‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الجميع‭ ‬تقريبا،‭ ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬زمني‭ ‬ولكنه‭ ‬مشوّه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬أدورنو‭ ‬لا‭ ‬يهتم‭ ‬بالفن‭ ‬الجماهيري‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يهتم‭ ‬بصحة‭ ‬واستقلالية‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬وتحرره‭ ‬من‭ ‬تصنيع‭ ‬الثقافة‭ ‬وتسطيحها‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬الرفيعة‭ ‬وفي‭ ‬الموسيقى‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬للفنون‭ ‬الحس‭ ‬المعاصر‭ ‬والحديث‭ ‬وذلك‭ ‬برفضها‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬وتغييره‭ ‬وخلق‭ ‬“الفن‭ ‬الأصيل”‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬إمكانية‭ ‬هدم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قائم،‭ ‬والذي‭ ‬يمثل‭ ‬جميع‭ ‬أنواع‭ ‬الخلق‭ ‬الفني‭ ‬وليس‭ ‬التشكيلي‭ ‬وحده،‭ ‬الذي‭ ‬يتشبّه‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬راهن‭ ‬وساخن‭ ‬ومغترب‭ ‬ويتطلب‭ ‬الجدّة‭ ‬والتفرّد‭ ‬والدينامية‭ ‬والتنافر،‭ ‬لأن‭ ‬الطابع‭ ‬المميّز‭ ‬للتجربة‭ ‬الفنية‭ ‬هو‭ ‬المغايرة‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.‬

وينطبق‭ ‬رأي‭ ‬أدورنو‭ ‬على‭ ‬الموسيقى‭ ‬أيضا،‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تظلّ‭ ‬وفيّة‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬مصداقية‭ ‬لقول‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لأنها‭ ‬آخر‭ ‬التعبيرات‭ ‬البريئة‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬الفن‭.‬

ولكن‭ ‬الموسيقى‭ ‬الحديثة‭ ‬وكذلك‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬والأدب،‭ ‬تقف‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬فناً،‭ ‬لأنها‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصدفة‭ ‬أو‭ ‬الحادثة‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬فيها،‭ ‬وهو‭ ‬نزوع‭ ‬نحو‭ ‬وظيفة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬الحديث‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬مواقعها‭ ‬القديمة‭ ‬لصالح‭ ‬سلطة‭ ‬وسائل‭ ‬الدعاية‭ ‬والإعلان‭.‬

يقول‭ ‬أدورنو‭ ‬إن‭ ‬“امتلاخ‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفن‭ ‬نفسه”‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إخراس‭ ‬الفنون،‭ ‬وإنما‭ ‬يصبح‭ ‬الفن،‭ ‬بواسطة‭ ‬الثقافة‭ ‬المصنعة،‭ ‬فناً‭ ‬غير‭ ‬مرهف‭ ‬ويتحول‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة،‭ ‬كاسيتات‭ ‬‭(‬CD‭)‬‭ ‬لبيتهوفن‭ ‬وشونبيرغ،‭ ‬وأعمال‭ ‬لغوية‭ ‬وكتب‭ ‬يمكن‭ ‬شراؤها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬كتاب‭ ‬للجيب‭. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الطريقة‭ ‬الميكانيكية‭ ‬تقدم‭ ‬فنون‭ ‬الثقافة‭ ‬الأخرى‭.‬

والشيء‭ ‬الحاسم،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬أدورنو،‭ ‬ليس‭ ‬بيع‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬والاتجار‭ ‬بها،‭ ‬وإنما‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتغير‭ ‬بها‭ ‬الفنون‭ ‬والثقافة‭ ‬لتصبح‭ ‬منتجات‭ ‬سلعية‭ ‬تعرض‭ ‬كبضاعة‭ ‬مصنعة،‭ ‬وكذلك‭ ‬تغير‭ ‬الثقافة‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬شعبية‭ ‬رائجة‭.‬

واليوم‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬التصنيع‭ ‬على‭ ‬تصاميم‭ ‬وعمليات‭ ‬إنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬انتاج‭ ‬وتوزيع‭ ‬واستهلاك‭ ‬سلع‭ ‬جاهزة،‭ ‬تتبع‭ ‬الثقافة‭ ‬التصنيع‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬يتبع‭ ‬التصنيع‭ ‬الثقافة‭. ‬وما‭ ‬تنبأ‭ ‬به‭ ‬أرنوا‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬حقيقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقبلها‭ ‬البعض،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬طريق‭ ‬آخر‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬عولمة‭ ‬الثقافة‭ ‬وثقافة‭ ‬التصنيع‭.‬


باحث من العراق مقيم في لندن