التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬بلورة‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬تخص‭ ‬وجود‭ ‬العرب‭ ‬حاضرا‭ ‬ومستقبلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثلاثة‭ ‬مشروعات‭ ‬إقليمية‭ ‬معادية،‭ ‬إيراني‭ ‬وتركي‭ ‬وإسرائيلي؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬متكامل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الهزات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تزعزع‭ ‬كيانه‭ ‬وتهدد‭ ‬بإعادة‭ ‬رسم‭ ‬حدوده؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬استعادة‭ ‬الفكرة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬المستبدين‭ ‬الذين‭ ‬ألغوها،‭ ‬ومن‭ ‬الساعين‭ ‬إلى‭ ‬طمس‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬علاماتها‭ ‬المضيئة‭ ‬مستعينين‭ ‬بجماعات‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تقويض‭ ‬بلدين‭ ‬صانعين‭ ‬للحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬هما‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬البقية؟

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(14)]

لوحة: حسام بلان
إن نظرة‭ ‬سريعة‭ ‬إلى‭ ‬الخارطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تجعلنا‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬-من‭ ‬حيث‭ ‬الإمكانات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية-‮ ‬هي‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتركيا‭ ‬وإيران،‭ ‬وأنها‭ ‬ساعية،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬ومقدراتها،‮ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬حدودها‭.‬‮ ‬فإيران،‭ ‬بما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية‭ ‬(79‭ ‬مليون‭ ‬نسمة)‭ ‬وثروات‭ ‬جوفية‭ ‬(ثاني‭ ‬احتياطي‭ ‬للغاز‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وثالث‭ ‬احتياطي‭ ‬للبترول)‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬نسيجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وزراعتها‭ ‬المتنوعة‭ ‬ونخبتها‭ ‬التقنية‭ ‬والثقافية‭ ‬المتميزة،‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬القوة‭ ‬الأعظم‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولا‭ ‬تدع‭ ‬فرصة‭ ‬لاستعراض‭ ‬عضلاتها‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬عند‭ ‬إقرار‭ ‬يوم‭ ‬30‭ ‬أبريل‭ ‬-الذي‭ ‬يوافق‭ ‬طرد‭ ‬البرتغاليين‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬شاه‭ ‬عباس-‭ ‬يوما‭ ‬قوميا‭ ‬للخليج‭ ‬الفارسي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬فهي‭ ‬تلح‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التسمية‭ ‬وتقف‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يصف‭ ‬الخليج‭ ‬بـ”العربي”‭ ‬وحتى‭ ‬بـ”العربي‭ ‬الفارسي”‭ ‬موقف‭ ‬استنكار،‭ ‬لأنها‭ ‬تنظر‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬العربية‭ ‬المقابلة‭ ‬كمنطقة‭ ‬نفوذ‭ ‬طبيعية،‭ ‬لم‭ ‬يزاحمها‭ ‬عليها‭ ‬سابقا‭ ‬سوى‭ ‬شركة‭ ‬جزر‭ ‬الهند‭ ‬والسياسات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬للتاج‭ ‬البريطاني‭.‬‮ ‬
ومنذ‭ ‬سقوط‭ ‬الشاه‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬وقيام‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬استقطاب‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وقامت‭ ‬بعدة‭ ‬محاولات‭ ‬لزعزعة‭ ‬أنظمة‭ ‬المنطقة،‭ ‬وإثارة‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬بلدان‭ ‬مجاورة‭ ‬كالعراق‭ ‬والسعودية‭ ‬والبحرين،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الإيرانيين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬فُرسًا‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنهم‭ ‬أعداء‭ ‬تاريخيون‭ ‬للعرب‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الحرب‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وسقوط‭ ‬صدام‭ ‬أنهم‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يطردوا‭ ‬السنّة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬وينصّبوا‭ ‬الشيعة‭ ‬بدلا‭ ‬منهم،‭ ‬مثلما‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يفتحوا‭ ‬طريقا‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬التي‭ ‬يحكمها‭ ‬أحد‭ ‬حرفائهم،‭ ‬وإلى‭ ‬لبنان‭ ‬حيث‭ ‬يتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬صنيعتهم‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬وأن‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬داريوش‭ ‬الأكبر‭ ‬أو‭ ‬دارا‭ ‬الأول‭ ‬حسب‭ ‬التسمية‭ ‬العربية‭.‬

ولأول‭ ‬مرة،‭ ‬استخدمت‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركية‭ ‬بمناسبة‭ ‬عيد‭ ‬النوروز‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مصطلح‭ ‬“الخليج‭ ‬الفارسي”‭ ‬بدل‭ ‬“الخليج‭ ‬العربي”‭ ‬أو‭ ‬“الخليج”‭‬مثلما‭ ‬اعتادت‭ ‬عليه‭ ‬الحكومات‭ ‬السابقة‭.‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬اعتراف‭ ‬صريح‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الحالية‭ ‬بدور‭ ‬إيران،‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬نفوذا‭ ‬قويا‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬ودمشق‭ ‬وبغداد‭ ‬وفي‭ ‬صنعاء‭ ‬بعد‭ ‬سيطرة‭ ‬الحوثيين‭ ‬على‭ ‬العاصمة‭ ‬اليمنية،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الجعفري،‭ ‬أحد‭ ‬قادة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬صرح‭ ‬في‭ ‬اعتداد‭ ‬أن‭ ‬“بلاده‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬عواصم‭ ‬عربية،‭ ‬وأن‭ ‬السؤال‭ ‬مَن‭ ‬سيقود‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مطروحا”‭.

‬فإيران‭ ‬تفرض‭ ‬حضورها‭ ‬كوريثة‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬الفارسية،‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬متكامل‭ ‬قوامه‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬وكثافة‭ ‬سكانية‭ ‬واقتصاد‭ ‬سيزداد‭ ‬قوة‭ ‬بعد‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬واسترجاع‭ ‬الأرصدة‭ ‬المجمدة‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬الغربية‭. ‬وبرنامجها‭ ‬النووي‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬الهيمنة،‭ ‬وإن‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إنه‭ ‬لغرض‭ ‬دفاعي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إيجاد‭ ‬توازن‭ ‬استراتيجي‭ ‬مع‭ ‬باكستان‭ ‬-التي‭ ‬التحقت‭ ‬بالنادي‭ ‬النووي‭ ‬عام‭ ‬1987-‭ ‬وإسرائيل‭ ‬-التي‭ ‬لم‭ ‬تعترف‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بامتلاك‭ ‬السلاح‭ ‬النووي-،‭ ‬وإقامة‭ ‬جدار‭ ‬صدّ‭ ‬واقٍ‭ ‬ضد‭ ‬الأسلحة‭ ‬الكيميائية‭ ‬لعراق‭ ‬صدام،‭ ‬ولكنها‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬هو‭ ‬أداتها‭ ‬لفرض‭ ‬نفسها‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭.‬

يقول‭ ‬أوزي‭ ‬رابي‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬موشي‭ ‬ديان‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بتل‭ ‬أبيب‭ ‬إن‭ ‬إيران،‭ ‬برغم‭ ‬التنديد‭ ‬بسياسة‭ ‬إسرائيل‭ ‬والدعوات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬القدس،‭ ‬لن‭ ‬تهاجم‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ستضعه‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬دفاعي،‭ ‬لأن‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬وسيلة‭ ‬لبسط‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬العرب”‭.‬

أما‭ ‬تركيا،‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬تحت‭ ‬نظام‭ ‬علماني‭ ‬متشدد‭ ‬فرضه‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬انقلابات‭ ‬عسكرية‭ ‬أردتها‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬المتخلفة‭ ‬سياسيا‭ ‬واقتصاديا،‭ ‬وكانت‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬تحت‭ ‬وصاية‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬خانقة،‭ ‬وتشرف‭ ‬على‭ ‬الإفلاس‭ ‬كحال‭ ‬اليونان‭ ‬اليوم،‭ ‬فإنها‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬العشرية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بفضل‭ ‬رجلين‭ ‬هما‭ ‬كمال‭ ‬درويش‭ ‬وزير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمالية‭ ‬الأسبق،‭ ‬ورجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والوزير‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬ذات‭ ‬اقتصاد‭ ‬هشّ‭ ‬ضعيف‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية،‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬يقدّر‭ ‬نموها‭ ‬برقمين‭ ‬وتتقدم‭ ‬دولا‭ ‬غنية‭ ‬مثل‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬والنرويج‭ ‬وهولندا،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬قاعدة‭ ‬صلبة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأفريقيا،‭ ‬وصارت‭ ‬قاطرة‭ ‬للبلدان‭ ‬الناهضة‭. ‬وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المذهل،‭ ‬استطاع‭ ‬أردوغان‭ ‬أن‭ ‬يعزل‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬عن‭ ‬السياسة،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأكراد‭ ‬حقوقا‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ويسوّي‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬اليونان‭ ‬وخاصة‭ ‬أرمينيا‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بدور‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬“مأساة”‭ ‬الأرمن‭ ‬(وليست‭ ‬الإبادة)‭ ‬ويضع‭ ‬بلاده‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭. ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬قرن،‭ ‬عادت‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي‭ ‬كوريثة‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬معتدة‭ ‬بهويتها،‭ ‬مباهية‭ ‬بتاريخها‭ ‬حيث‭ ‬أقامت‭ ‬احتفالات‭ ‬ضخمة‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭ ‬لإحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬فتح‭ ‬القسطنطينية‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬مايو‭ ‬1453،‭ ‬والإعلان‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬كقوة‭ ‬يحسب‭ ‬لها‭ ‬حساب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ومنذ‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬وجّه‭ ‬أردوغان،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬رئيسا‭ ‬للجمهورية،‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬التركي‭ ‬والأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬الذكرى‭ ‬الـ562‭ ‬لفتح‭ ‬إسطنبول،‭ ‬مؤكّدا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬فتح‭ ‬المدينة‭ ‬كان‭ ‬منعطفا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وركّز‭ ‬على‭ ‬إحياء‭ ‬روح‭ ‬الفتح‭.‬

ومن‭ ‬البدَهي‭ ‬أن‭ ‬الفتح‭ ‬المقصود‭ ‬ليس‭ ‬موجها‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجه‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬القديمة‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬محاولات‭ ‬تغلغل‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬أقطار‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬كتونس‭ ‬ومصر‭ ‬وليبيا‭ ‬ثم‭ ‬سوريا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬خيارات‭ ‬الإخوان‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬وحتى‭ ‬التربوية‭ ‬(كدعوة‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬زعيم‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬تعلم‭ ‬الفرنسية‭ ‬لكونها‭ ‬تلوث‭ ‬عقول‭ ‬أبناء‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬قوله،‭ ‬والاستعاضة‭ ‬عنها‭ ‬باللغة‭ ‬التركية)،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬لشركاتها،‭ ‬وكذلك‭ ‬بتغذية‭ ‬الحروب‭ ‬الطائفية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬فتركيا‭ ‬هي‭ ‬الحليف‭ ‬الأول‭ ‬لتنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الذي‭ ‬تزعم‭ ‬مقاومته،‭ ‬إذ‭ ‬فتحت‭ ‬حدودها‭ ‬لأفواج‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬الملل‭ ‬والنحل،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬زمن‭ ‬حكم‭ ‬إخوان‭ ‬النهضة،‭ ‬وساهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬نفوذه‭ ‬بتسهيل‭ ‬مرور‭ ‬النفط‭ ‬المهرّب‭ ‬والتحف‭ ‬النفيسة‭ ‬المنهوبة‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬المواقع‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها،‭ ‬ونافست‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬سوريا‭ ‬وتفتيت‭ ‬نسيجها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالفتك‭ ‬بشعبها‭ ‬أو‭ ‬تهجيره‭.‬
أنتجنا‭ ‬بعد‭ ‬الجهد‭ ‬مِسْخا‭ ‬يقود‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬ردة‭ ‬حضارية‭. ‬ونعني‭ ‬بالجهد‭ ‬مشروع‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬وجهيه‭: ‬التنويري‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬عقب‭ ‬صدمة‭ ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬مصر،‭ ‬وحمل‭ ‬لواءه‭ ‬مصلحون‭ ‬مستنيرون‭

وبرغم‭ ‬المحاولات‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬أردوغان‭ ‬للظهور‭ ‬بمظهر‭ ‬الإسلامي‭ ‬المعتدل‭ ‬والإيهام‭ ‬بأن‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فإنّ‭ ‬فشل‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أغلبية‭ ‬مطلقة‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬7‭ ‬يونيو‭ ‬المنصرم‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬نقض‭ ‬الهدنة‭ ‬مع‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬لإثارة‭ ‬النعرات‭ ‬القومية،‭ ‬دفعا‭ ‬لاستعداء‭ ‬الأتراك‭ ‬لحزب‭ ‬الشعوب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬القادمة،‭ ‬حتى‭ ‬يحصل‭ ‬حزبه‭ ‬على‭ ‬أغلبية‭ ‬مطلقة‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬تحوير‭ ‬الدستور‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغته‭ ‬على‭ ‬مقاسه،‭ ‬مقاس‭ ‬سلطان‭ ‬يبسط‭ ‬هيمنته‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬التركي‭ ‬سيرا‭ ‬على‭ ‬منهاج‭ ‬السالفين،‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬وجهه‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وجه‭ ‬إسلامي‭ ‬تائق‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬المجد‭ ‬العثماني،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العرب‭.‬

وأما‭ ‬القوة‭ ‬الثالثة،‭ ‬أي‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تتخلّ‭ ‬منذ‭ ‬وعد‭ ‬بلفور‭ ‬عن‭ ‬مشروعها‭ ‬الاستيطاني،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تنتهك‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتقضمها‭ ‬شبرا‭ ‬شبرا،‭ ‬وتخوض‭ ‬ضد‭ ‬شعبها‭ ‬شتى‭ ‬أنواع‭ ‬الحروب،‭ ‬لعل‭ ‬أخبثها‭ ‬حرب‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬عليها‭ ‬لتزييف‭ ‬الواقع‭ ‬وتزوير‭ ‬التاريخ‭ ‬وسرقة‭ ‬الموروثات،‭ ‬بغرض‭ ‬تهويد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فلسطيني،‭ ‬مستعينة‭ ‬بما‭ ‬للصهيونية‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬آلة‭ ‬إعلامية‭ ‬جبارة‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬مستجد‭.‬

من‭ ‬ذلك‭ ‬مثلا‭ ‬استعمال‭ ‬مصطلح‭ ‬“الدولة‭ ‬العبرية”‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬تداوله‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمية‭ ‬كمرادف‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬للإيهام‭ ‬بأن‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬اليهود‭ ‬منذ‭ ‬غابر‭ ‬الأزمنة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتنبه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬نيّة‭ ‬جعل‭ ‬إسرائيل‭ ‬دولة‭ ‬خاصة‭ ‬باليهود‭ ‬وحدهم‭ ‬دون‭ ‬سواهم‭. ‬ومن‭ ‬عجبٍ‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العربية‭ ‬تبنّته‭ ‬دون‭ ‬تمحيص،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬ردّدوه‭ ‬دون‭ ‬تروّ،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬“عبرية”،‭ ‬كما‭ ‬يبين‭ ‬الباحث‭ ‬الفلسطيني‭ ‬فايز‭ ‬رشيد،‭ ‬هي‭ ‬كلمة‭ ‬عامة‭ ‬تطلق‭ ‬على‭ ‬طائفة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬الرّحل‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬الشام،‭ ‬وردت‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬المسمارية‭ ‬والفرعونية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لليهود‭ ‬آنذاك‭ ‬وجود،‭ ‬ولمّا‭ ‬وجدوا‭ ‬وانتسبوا‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانوا‭ ‬يقولون‭ ‬عن‭ ‬العبرية‭ ‬إنها‭ ‬لغة‭ ‬كنعان،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لربط‭ ‬تاريخهم‭ ‬بأقدم‭ ‬العصور،‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬تاريخ‭ ‬فلسطين‭ ‬تاريخاً‭ ‬واحداً،‭ ‬متّصلاً‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور‭ ‬بـالشعب‭ ‬اليهودي،‭ ‬وجعلوا‭ ‬العبرية‭ ‬مرادفا‭ ‬لليهودية،‭ ‬وزادوا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فأطلقوا‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬“العبرانية‭ ‬التوراتية”‭ ‬بدعوى‭ ‬أنها‭ ‬أقدم‭ ‬لغة‭ ‬سامية‭ ‬معروفة‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومؤرخين‭ ‬يهودا،‭ ‬من‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬إلى‭ ‬شلومو‭ ‬ساند‭ ‬مرورا‭ ‬بأبراهام‭ ‬ليون‭ ‬وإسرائيل‭ ‬شاحاك،‭ ‬قد‭ ‬نفوا‭ ‬وجود‭ ‬أيّ‭ ‬روابط‭ ‬بين‭ ‬اليهود‭ ‬القدامى‭ ‬واليهود‭ ‬الحاليين،‭ ‬ما‭ ‬انفك‭ ‬منظّرو‭ ‬الصهيونية،‭ ‬قدامى‭ ‬وجددا،‭ ‬يصرون‭ ‬على‭ ‬نعت‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬بالدولة‭ ‬العبرية،‭ ‬تمهيدا‭ ‬للاعتراف‭ ‬بها‭ ‬كدولة‭ ‬خاصة‭ ‬باليهود‭ ‬وحدهم‭.‬

وليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬تتزامن‭ ‬دعوة‭ ‬نتنياهو‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بإسرائيل‭ ‬دولةً‭ ‬يهودية‭ ‬كشرط‭ ‬لاستئناف‭ ‬مفاوضات‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬اتفاقه‭ ‬الأخير‭ ‬مع‭ ‬حماس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هدنة‭ ‬بعشر‭ ‬سنوات‭ ‬تخفف‭ ‬إسرائيل‭ ‬أثناءها‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وتفتح‭ ‬لها‭ ‬منافذ‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬ففي‭ ‬ذهنه‭ ‬أن‭ ‬غاية‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتنازل‭ ‬عنه‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬هو‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

في‭ ‬لجة‭ ‬الانكسارات‭ ‬والهزائم‭ ‬والانغلاق‭ ‬السياسي‭ ‬والتشدد‭ ‬الديني‭ ‬والتراجع‭ ‬الفكري‭ ‬والحرائق‭ ‬الملتهبة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬قد‭ ‬يغدو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬عربي‭ ‬جديد‭ ‬أشبه‭ ‬بسفسطة‭ ‬بيزنطية

الأطراف‭ ‬الثلاثة‭ ‬تلتقي‭ ‬في‭ ‬عدائها‭ ‬للعرب،‭ ‬واحتلالها‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬ترابهم،‭ ‬ونزوعها‭ ‬إلى‭ ‬بسط‭ ‬هيمنتها‭ ‬عليهم‭ ‬بالارتكاز‭ ‬على‭ ‬سرديات‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬أساطير‭ ‬مؤسسة،‭ ‬ولكنّها‭ ‬تلتقي‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬استناد‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬محكم‭ ‬يسير‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬غاية‭ ‬مرسومة،‭ ‬يتوسل‭ ‬بنهضة‭ ‬ثقافية‭ ‬وعلمية‭ ‬واقتصادية‭ ‬ويستقوي‭ ‬بقوة‭ ‬عسكرية‭ ‬عتيدة‭. ‬بخلاف‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مشروع‭ ‬حضاري‭ ‬يأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬التقدم‭ ‬والحداثة،‭ ‬وينخرط‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭.‬

حتى‭ ‬التجمعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬أهدافها‭ ‬المنشودة،‭ ‬فاتحاد‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬ولد‭ ‬ميتا،‭ ‬مختنقا‭ ‬بمشكلة‭ ‬الصحراء‭ ‬والخلاف‭ ‬المزمن‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬والجزائر‭.‬‮ ‬ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬الذي‭ ‬أنشئ‭ ‬للتصدي‭ ‬للأطماع‭ ‬الإيرانية‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وعسكريا‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬غاياته،‭ ‬فعُمان‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتحفظ‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬قراراته،‭ ‬وتوحيد‭ ‬العُملة‭ ‬وبعث‭ ‬أركان‭ ‬جيش‭ ‬مشتركة‭ ‬ظلا‭ ‬حبرا‭ ‬على‭ ‬ورق‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الأقطار‭ ‬كالسعودية‭ ‬والمغرب‭ ‬وتونس‭ ‬أقامت‭ ‬جدرانا‭ ‬عازلة‭ ‬على‭ ‬حدودها‭ ‬لاتقاء‭ ‬جيرانها‭. ‬ومن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬العربي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬اليوم‭ ‬مشروعا‭ ‬واضحا‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬إنجاحه‭ ‬بكل‭ ‬وسائل‭ ‬الدمار‭ ‬الممكنة‭ ‬هو‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭.‬

إن‭ ‬وجود‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بفكره‭ ‬الغيبي‭ ‬وأعماله‭ ‬الوحشية‭ ‬وعدائه‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يمت‭ ‬إلى‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬ومعالم‭ ‬وثقافة‭ ‬وفنون‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬شهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬ثورة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬مذهلة‭ ‬شكلت‭ ‬ثالث‭ ‬قطيعة‭ ‬أنثروبولوجية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬بعد‭ ‬ابتكار‭ ‬الكتابة‭ ‬واختراع‭ ‬المطبعة،‭ ‬يقيم‭ ‬وحده‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬مشروع‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬فشلا‭ ‬ذريعا،‭ ‬فقد‭ ‬أنتجنا‭ ‬بعد‭ ‬الجهد‭ ‬مِسْخا‭ ‬يقود‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬ردة‭ ‬حضارية‭.‬

ونعني‭ ‬بالجهد‭ ‬مشروع‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬وجهيه‭: ‬التنويري‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬عقب‭ ‬صدمة‭ ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬مصر،‭ ‬وحمل‭ ‬لواءه‭ ‬مصلحون‭ ‬مستنيرون‭ ‬كرفاعة‭ ‬الطهطاوي‭ ‬وخيرالدين‭ ‬التونسي‭ ‬والطاهر‭ ‬الحداد‭ ‬ومحمد‭ ‬عبده‭ ‬وجمال‭ ‬الدين‭ ‬الأفغاني‭ ‬وعلي‭ ‬عبدالرازق‭ ‬وقاسم‭ ‬أمين‭ ‬وسلامة‭ ‬موسى‭ ‬وشبلي‭ ‬شميل‭ ‬وفرح‭ ‬أنطون‭ ‬وطه‭ ‬حسين،‭ ‬والقومي‭ ‬الناصري‭ ‬الذي‭ ‬التفت‭ ‬حوله‭ ‬مختلف‭ ‬قوى‭ ‬اليسار‭ ‬التقدمي‭. ‬هذا‭ ‬الإخفاق‭ ‬أسهب‭ ‬في‭ ‬تحليله‭ ‬مفكّرون‭ ‬ومؤرخون‭ ‬ومحللون‭ ‬سياسيون‭ ‬وعزوا‭ ‬أسبابه‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬خارجية‭ ‬وأخرى‭ ‬داخلية‭. ‬فأما‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية‭ ‬فيردّونها‭ ‬إلى‭ ‬تبعات‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬المؤامرة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬عاقت‭ ‬التطور‭ ‬العربي‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬خلق‭ ‬كيانات‭ ‬سياسية‭ ‬متناحرة‭ ‬أو‭ ‬زرع‭ ‬مشروع‭ ‬صهيوني‭ ‬استيطاني،‭ ‬أو‭ ‬هيمنة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وثرواتها‭. ‬وأما‭ ‬العوامل‭ ‬الداخلية‭ ‬فيفسرونها‭ ‬بالبنى‭ ‬الموروثة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬نشوء‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‮ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تسكنها‭ ‬الغيبيات‭ ‬والخرافات‭ ‬والتواكل‭.‬

هذه‭ ‬القراءة‭ ‬قد‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬المحاولة‭ ‬التنويرية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لم‭ ‬تتخلص‭ ‬فيها‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭ ‬والفرنسي‭ ‬والإيطالي،‭ ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬محافظة‭ ‬لم‭ ‬تنفتح‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجدّ‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬البحار،‭ ‬ولم‭ ‬يتسنّ‭ ‬لها‭ ‬الأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬التطور‭ ‬والترقي،‭ ‬وقابلت‭ ‬محاولات‭ ‬التجديد‭ ‬بالريبة‭ ‬والاستياء‭ ‬والرفض،‭ ‬لأنّ‭ ‬أسباب‭ ‬الفشل‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المحاولة‭ ‬الثانية‭ ‬لا‭ ‬تلقى‭ ‬تبعاتها‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬وحده،‭ ‬فللعرب‭ ‬فيها‭ ‬نصيب‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬كبير‭.‬‮ ‬أولا،‭ ‬لأن‭ ‬الغرب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليتغلغل‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬ويرهن‭ ‬قراره‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬قنوات‭ ‬تسهل‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬التغلغل‭.‬

ثانيا،‭ ‬لأن‭ ‬العرب‭ ‬فشلوا‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬وجعلوا‭ ‬الاستبداد‭ ‬شرعة،‭ ‬ورهنوا‭ ‬مصيرهم‭ ‬للقوى‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الغربية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مُنوا‭ ‬بهزيمة‭ ‬عسكرية‭ ‬منكرة‭ ‬ضد‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني‭. ‬والهزيمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬هزيمة‭ ‬للمشروع‭ ‬النهضوي‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬راهن‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬وتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي،‭ ‬ورفاهية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وحياة‭ ‬سياسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والشفافية‭ ‬والمساواة‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭.

فقد‭ ‬عصفت‭ ‬الهزيمة‭ ‬بكل‭ ‬تلك‭ ‬المطامح،‭ ‬ووضعت‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وشعوبها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تراجعت‭ ‬فيه‭ ‬آمال‭ ‬التحديث،‭ ‬ونابت‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬العصرية‭ ‬عصبيات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الدولة،‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬وحروب‭ ‬أهلية‭ ‬ونزاعات‭ ‬مع‭ ‬الأجوار‭. ‬كما‭ ‬تراجعت‭ ‬الثقافة‭ ‬العقلانية‭ ‬أمام‭ ‬المدّ‭ ‬السلفي‭ ‬الأصولي‭ ‬وفكره‭ ‬الغيبي،‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬رموزه‭ ‬في‭ ‬هزيمة‭ ‬المشروع‭ ‬النهضوي‭ ‬فرصة‭ ‬لطرح‭ ‬مشروع‭ ‬عابر‭ ‬للقارات‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬شعار‭ ‬“الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الحل”،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبينوا‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للإسلام‭ ‬كعقيدة‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬مشاكلنا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعرفية‭ ‬والعلمية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬والإنتاجية‭.‬

والحق‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬النهضة،‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬طرح‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬شامل‭ ‬لم‭ ‬يراع‭ ‬خصوصية‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬وتاريخه‭ ‬وثقافته‭ ‬ونسيجه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومشروعه‭ ‬التحديثي‭ ‬الخاص،‭ ‬وتواصله‭ ‬مع‭ ‬المستعمر‭ ‬القديم‭ ‬أو‭ ‬انقطاعه‭ ‬عنه،‭ ‬ومدى‭ ‬إيمانه‭ ‬أو‭ ‬كفره‭ ‬بمشروع‭ ‬نهضوي‭ ‬قومي،‭ ‬فبورقيبة‭ ‬مثلا‭ ‬كان‭ ‬مناهضا‭ ‬للقومية‭ ‬العربية،‭ ‬يطارد‭ ‬كل‭ ‬منتسب‭ ‬إليها،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬فكره‭ ‬واختياراته‭ ‬وإصلاحاته‭ ‬يستهدي‭ ‬بالغرب‭ ‬كنموذج‭ ‬ينبغي‭ ‬الاقتداء‭ ‬به‭ ‬“للحاق‭ ‬بركب‭ ‬الحضارة”‭ ‬كما‭ ‬يقول،‭ ‬وفي‭ ‬عهده‭ ‬طرحت‭ ‬مسألة‭ ‬“التَّوْنسة”‭ ‬و”الأمة‭ ‬التونسية”،‭ ‬حتى‭ ‬فرق‭ ‬الكرة‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬“المنتخبات‭ ‬القومية”‭.

‬لذلك‭ ‬استراح‭ ‬بعض‭ ‬العرب‭ ‬كثيرا‭ ‬لهزيمة‭ ‬1967،‭ ‬لأنها‭ ‬خلّصتهم‭ ‬من‭ ‬“خطر”‭ ‬القوميين،‭ ‬ناصريين‭ ‬وبعثييين‭.‬‮ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬عندئذ‭ ‬أن‭ ‬يمنى‭ ‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬بالفشل‭ ‬ويتشظى‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬قطرية‭ ‬مطبوعة‭ ‬بخيارات‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬باستثناء‭ ‬بعض‭ ‬الأقطار،‭ ‬كالعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا،‭ ‬التي‭ ‬ظلّت‭ ‬تلهج‭ ‬بالقومية‭ ‬قولا‭ ‬وتنظيرا‭ ‬وتخالفها‭ ‬في‭ ‬الممارسة،‭ ‬سواء‭ ‬بالتآمر‭ ‬على‭ ‬الأجوار‭ ‬والتواطؤ‭ ‬مع‭ ‬الأجنبي‭ ‬أو‭ ‬بفرض‭ ‬منظومة‭ ‬استبداد‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالاستحقاق‭ ‬وتمرّ‭ ‬إلى‭ ‬الامتياز‭ ‬وتنتهي‭ ‬إلى‭ ‬التجاوز‭ ‬والفساد‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬ميشيل‭ ‬أونفري‭. ‬ومن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬استولوا‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬أحالوا‭ ‬أرضها‭ ‬جحيما،‭ ‬وأن‭ ‬الذين‭ ‬استحوذوا‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬جعلوا‭ ‬شعوبها‭ ‬كعَصف‭ ‬مأكول‭.‬

ولا‭ ‬ينكر‭ ‬سوى‭ ‬متزمت‭ ‬فشل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬والتعليم‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قارنّاه‭ ‬ببعض‭ ‬البلدان‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مستواه‭ ‬قبل‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬مثل‭ ‬سنغافورة‭ ‬وماليزيا‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬سوى‭ ‬مكابر‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬تدور‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭. ‬وحسبنا‭ ‬أن‭ ‬نشهد‭ ‬خارطة‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬لنرى‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭: ‬عودة‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬تدمير‭ ‬كلّي‭ ‬وفوضى‭ ‬قبلية‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن،‭ ‬انتشار‭ ‬التعصب‭ ‬الديني‭ ‬المتوحش‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬داعش،‭ ‬عمليات‭ ‬إرهابية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والجزائر‭..

‬حتى‭ ‬صرنا‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬العالم‭ ‬شعوبا‭ ‬متخلفة‭ ‬تسكن‭ ‬أذهانها‭ ‬ثقافة‭ ‬عهود‭ ‬بائدة،‭ ‬قوامها‭ ‬العصبية‭ ‬القبلية‭ ‬والتزمت‭ ‬الديني‭ ‬والاستبداد‭ ‬السياسي‭ ‬المقرونة‭ ‬جميعها‭ ‬بالعنف‭ ‬الدموي؛‭ ‬وأمما‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬الحداثة،‭ ‬والمعلوم‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬اقتصاد‭ ‬مزدهر‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬عصرية‭ ‬ووسائل‭ ‬تكنولوجية‭ ‬منتشرة،‭ ‬فذلك‭ ‬تحديث،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬منظومة‭ ‬فكرية‭ ‬وعلمية‭ ‬تشمل‭ ‬قضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والروح‭ ‬العقلانية‭ ‬والوعي‭ ‬النقدي،‭ ‬ولا‭ ‬يتسنى‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الدولة‭ ‬ورسوخ‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وانتماء‭ ‬الفرد‭ ‬إلى‭ ‬وطن‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬أو‭ ‬عشيرة،‭ ‬إضافة‭ ‬طبعًا‭ ‬إلى‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حداثة‭ ‬من‭ ‬دونهما‭.‬

لوحة: محمد الوهيبي

في‭ ‬لجة‭ ‬الانكسارات‭ ‬والهزائم‭ ‬والانغلاق‭ ‬السياسي‭ ‬والتشدد‭ ‬الديني‭ ‬والتراجع‭ ‬الفكري‭ ‬والحرائق‭ ‬الملتهبة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬قد‭ ‬يغدو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬عربي‭ ‬جديد‭ ‬أشبه‭ ‬بسفسطة‭ ‬بيزنطية،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬رأينا‭ ‬ضروري‭ ‬حتى‭ ‬نكون‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬مجابهة‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬لأن‭ ‬الخطر‭ ‬القادم‭ ‬أعظم‭. ‬ولا‭ ‬مناص‭ ‬عندئذ‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬تشريحي‭ ‬لواقعنا‭ ‬العربي‭ ‬الراهن،‭ ‬ومراجعة‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬مراجعة‭ ‬جادة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬التأسيس‭ ‬الفكري‭ ‬واستئناف‭ ‬البناء‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬العرب‭.‬

ولكن‭ ‬تفكيك‭ ‬أسباب‭ ‬الفشل،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬صيغ‭ ‬تنظيرية‭ ‬وعملية‭ ‬يتطلبان‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود‭ ‬بين‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬والنخب‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية،‭ ‬لوضع‭ ‬الأسس‭ ‬النظرية‭ ‬والمعرفية‭ ‬لنهضة‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬التنظيرات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬السابقة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفرّخ‭ ‬سوى‭ ‬الاستبداد‭ ‬والأصولية‭ ‬والقصور‭ ‬المعرفي‭.‬

وفي‭ ‬رأينا‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬مشروع‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬مبتغاه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬الأسس‭ ‬القويمة‭ ‬التي‭ ‬تنبني‭ ‬عليها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬ونعني‭ ‬بها‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والعَلمانية‭ ‬والتعليم‭. ‬فلا‭ ‬عدالة‭ ‬ولا‭ ‬حرية‭ ‬ولا‭ ‬كرامة‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬حكم‭ ‬شمولي‭ ‬جائر،‭ ‬ولا‭ ‬أمانَ‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬تيارات‭ ‬دينية‭ ‬تؤوّل‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬حسب‭ ‬مشيئتها‭ ‬وتنوب‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬محاسبة‭ ‬الفرد،‭ ‬ولا‭ ‬تقدّم‭ ‬مع‭ ‬تعليم‭ ‬تقليدي‭ ‬يشحن‭ ‬الذهن‭ ‬عوض‭ ‬شحذه‭. ‬

فالأصولية‭ ‬لا‭ ‬تقرأ‭ ‬في‭ ‬جانبها‭ ‬السياسي‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬عام‭ ‬يشمل‭ ‬سائر‭ ‬برامجنا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬والتربوية‭. ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬لمشروع‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬UNDP‭ ‬صاغه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬المسلمين‭ ‬لتحديد‭ ‬أسباب‭ ‬الفشل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وردّ‭ ‬أن‭ ‬مؤشر‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬HDI‭ ‬(الذي‭ ‬يشمل‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع‭ ‬والتربية‭ ‬ومعرفة‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬والناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الخام‭ ‬للفرد‭ ‬الواحد‭ ‬والمقدرة‭ ‬الشرائية)‭ ‬ومؤشر‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬البديلة‭ ‬AHDI‭ ‬(الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬مؤشرات‭ ‬الحرية‭ ‬السياسية‭ ‬والانتفاع‭ ‬بالإنترنت‭ ‬وانبعاث‭ ‬غاز‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون)‭ ‬هما‭ ‬دون‭ ‬ما‭ ‬هما‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أصقاع‭ ‬المعمورة،‭ ‬باستثناء‭ ‬البلدان‭ ‬الأفريقية‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭. ‬فالقطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬الخاص‭ ‬مهمش‭ ‬وغير‭ ‬حيوي،‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬جنيني،‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬مهربة‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬المتقدمة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الملاذات‭ ‬الضريبية،‭ ‬والقوى‭ ‬العاملة‭ ‬الماهرة،‭ ‬المكوّنة‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬تفضّل‭ ‬البقاء‭ ‬حيث‭ ‬هي‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬ذلك‭ ‬تكوّن‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬ومواطن‭ ‬الشغل‭ ‬والإنتاجية‭. ‬ويفسّر‭ ‬واضعو‭ ‬التقرير‭ ‬تلك‭ ‬النقائص‭ ‬بالفجوات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحرية‭ ‬السياسية‭ ‬والمعرفة‭ ‬وخصوصا‭ ‬وضع‭ ‬المرأة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬طاقة‭ ‬الإنتاج‭ ‬معطل،‭ ‬إما‭ ‬لكون‭ ‬المرأة‭ ‬مستبعدة‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬وإما‭ ‬لكونها‭ ‬أميّة،‭ ‬وإما‭ ‬لكون‭ ‬المهن‭ ‬والوظائف‭ ‬لا‭ ‬تسند‭ ‬بالكفاءة‭ ‬بل‭ ‬بالوساطة‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬يستوي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء.

وفي‭ ‬تقرير‭ ‬ثانٍ‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يتغيّر،‭ ‬حيث‭ ‬لاحظ‭ ‬واضعوه‭ ‬استمرار‭ ‬الأدواء‭ ‬التي‭ ‬تنهش‭ ‬جسد‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬كهزال‭ ‬التراكم‭ ‬المعرفي،‭ ‬وضعف‭ ‬طاقات‭ ‬التحليل‭ ‬والفكر‭ ‬الخلاق‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬والبحث‭ ‬الجاد‭.‬ فالبرامج‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬لا‭ ‬تناسب‭ ‬حاجات‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬ولا‭ ‬تستجيب‭ ‬لشروط‭ ‬التنمية،‭ ‬ولا‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬فكر‭ ‬نقدي‭ ‬وعلمي‭ ‬وديمقراطي‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬أوطاننا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التلقين‭ ‬والحفظ‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المستوى‭ ‬ضعيفا‭ ‬في‭ ‬مجمله،‭ ‬ويسهّل‭ ‬عمليات‭ ‬غسل‭ ‬الأدمغة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الحركات‭ ‬الأصولية‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الشباب‭.‬

وتبقى‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬عقدة‭ ‬المنشار‭ ‬التي‭ ‬تتكسر‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬المحاولات‭ ‬التحديثية،‭ ‬فالذين‭ ‬دعوا‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬علمية‭ ‬للتراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬تستفيد‭ ‬مما‭ ‬يستجيب‭ ‬للراهن،‭ ‬وتستبعد‭ ‬ما‭ ‬تقادم‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن،‭ ‬ومراجعة‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يمثله‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬وروحية‭ ‬وإنسانية،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬متواصلة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬وبين‭ ‬الفقه‭ ‬أو‭ ‬التشريعات‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬للتعاطي‭ ‬معها‭ ‬كأجوبة‭ ‬لمسائل‭ ‬متصلة‭ ‬بزمنها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إسقاطها‭ ‬على‭ ‬زمننا‭ ‬الحالي،‭ ‬نُعتوا‭ ‬بكونهم‭ ‬أقلام‭ ‬“عمالة‭ ‬حضارية”‭ ‬بتعبير‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬واتّهموا‭ ‬بكونهم‭ ‬يتبنون‭ ‬“أطروحات‭ ‬خطاب‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬المعاصر”،‭ ‬لمجرد‭ ‬إقامتهم‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬تحرير‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬سلطة‭ ‬لاهوتية‭ ‬وقراءة‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي‭ ‬هما‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تناولها‭ ‬أيضا‭ ‬المفكرون‭ ‬العرب‭ ‬المقيمون‭ ‬في‭ ‬أوطانهم‭.‬

ولا‭ ‬غرابة‭ ‬عندئذ‭ ‬أن‭ ‬يَعُدّ‭ ‬العرب‭ ‬العَلمانيةَ‭ ‬صنوًا‭ ‬للكفر‭ ‬والإلحاد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬مذهب‭ ‬فكري‭ ‬ينتصر‭ ‬لتحييد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬ويدافع‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬مستبعدة‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬والإدارية‭. ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تشرّع‭ ‬للفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تلغي‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬شعائر‭ ‬الدولة‭ ‬أحيانا‭.‬

ذلك‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تتغاضى‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬عن‭ ‬الإرث‭ ‬الديني‭ ‬لأمّة‭ ‬من‭ ‬الأمم،‭ ‬فقد‭ ‬ظلّ‭ ‬الدين‭ ‬والسياسة‭ ‬متلازمين،‭ ‬يعاشر‭ ‬أحدهما‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الدولة‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭. ‬والمعلوم‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬كان‭ ‬تيوقراطيا‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬دينية،‭ ‬سواء‭ ‬بتأليه‭ ‬العاهل‭ ‬أو‭ ‬بعاهل‭ ‬يزعم‭ ‬أنه‭ ‬مكلف‭ ‬من‭ ‬الرب‭.

‬ففرعون،‭ ‬المعيّن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الآلهة،‭ ‬كان‭ ‬يحكم‭ ‬مصر‭ ‬باسمها‭ ‬ويضع‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬البشر‭. ‬وإمبراطور‭ ‬الصين‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬كوسيط‭ ‬بين‭ ‬السماء‭ ‬والإنسان‭ ‬والأرض،‭ ‬ويدّعي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬دون‭ ‬تكليف‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬والملوك‭ ‬الذين‭ ‬تعاقبوا‭ ‬على‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬987‭ ‬إلى‭ ‬1789‭ ‬تاريخ‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬كانوا‭ ‬يزعمون‭ ‬أنّهم‭ ‬يحكمون‭ ‬باسم‭ ‬الرب،‭ ‬والعرب‭ ‬منذ‭ ‬الأمويين‭ ‬والعباسيين‭ ‬ساروا‭ ‬على‭ ‬الجبر‭ ‬الديني‭ ‬وقالوا‭ ‬إن‭ ‬الخلافة‭ ‬قضاء‭ ‬من‭ ‬القضاء‭.‬

حتى‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬العلمانية،‭ ‬يترسّب‭ ‬لدى‭ ‬البشر‭ ‬أثر‭ ‬المعتقدات،‭ ‬فتتبدى‭ ‬في‭ ‬سلوكهم‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬وعي‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأساطير‭ ‬الثقافية‭ ‬والسرديات‭ ‬العقدية،‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬استمراريتها‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬طيّاتها‭ ‬فكرة‭ ‬الله،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬تمثلنا‭ ‬للسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬فإنها‭ ‬تحتفظ‭ ‬دائما‭ ‬بدلالة‭ ‬دينية‭.

‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬فرنسا‭ ‬قد‭ ‬استطاعت‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬شنّت‭ ‬حربا‭ ‬لا‭ ‬هوادة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية،‭ ‬حتى‭ ‬صدور‭ ‬قانون‭ ‬1905‭ ‬-الذي‭ ‬حصر‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬لا‭ ‬يتعداها،‭ ‬ومنع‭ ‬عنه‭ ‬المجال‭ ‬السياسي،‭ ‬وأقصى‭ ‬ما‭ ‬منحه‭ ‬إياه‭ ‬سلطة‭ ‬روحية-‭ ‬فإن‭ ‬دولا‭ ‬غربية‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفصل،‭ ‬ففي‭ ‬ألمانيا‭ ‬يسود‭ ‬نظام‭ ‬الميثاق‭ ‬أو‭ ‬المعاهدة‭ ‬البابوية،‭ ‬بينما‭ ‬جعلت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬الدين‭ ‬ديانة‭ ‬رسمية‮ ‬‭ ‬كالكاثوليكية‭ ‬في‭ ‬أيرلندا‭ ‬والأرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬اليونان‭ ‬واللوثرية‭ ‬في‭ ‬الدانمارك‭ ‬والأنغليكانية‭ ‬في‭ ‬إنكلترا‭. ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬الأمور‭ ‬الدنيوية‭ ‬لأن‭ ‬“الأديان‭ ‬شرّعت‭ ‬لتدبير‭ ‬الآخرة‭ ‬لا‭ ‬لتدبير‭ ‬الدنيا”‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فرح‭ ‬أنطون‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬خاضعة‭ ‬للدين‭ ‬خضوع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬لدينها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬أكثر‭ ‬ترحيبا‭ ‬بالتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬الإسلام‭. ‬ولكن‭ ‬أوروبا‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬نهضتها‭ ‬إلا‭ ‬بـ”الخروج‭ ‬من‭ ‬الديني”،‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬لقيصر‭ ‬ما‭ ‬لقيصر،‭ ‬ولله‭ ‬ما‭ ‬لله‭. ‬

والخروج‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬بمعنى‭ ‬إلغاء‭ ‬الديني‭ ‬بل‭ ‬حصره‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬الذي‭ ‬جُعل‭ ‬له،‭ ‬حتى‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬التصادم‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية،‭ ‬لأن‭ ‬“نزوع‭ ‬السلطتين‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة،‭ ‬كما‭ ‬بيّن‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر،‭ ‬هو‭ ‬مبعث‭ ‬نزاع‭ ‬كامن،‭ ‬ظاهر‭ ‬أو‭ ‬باطن،‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬علمانية‭ ‬وقوى‭ ‬تيوقراطية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أزمة‭ ‬ثقافية‭ ‬تضع‭ ‬الطرفين‭ ‬وجها‭ ‬لوجه،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬تصادم‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬الدينية‭ ‬والقيم‭ ‬السياسية”‭.

‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والسياسة‭ ‬أن‭ ‬تتخلّى‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬القانون‭ ‬ساريا‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭. ‬يقول‭ ‬سبينوزا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬“إن‭ ‬من‭ ‬حقّ‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭ ‬ويعبر‭ ‬عما‭ ‬يفكر،‭ ‬ومن‭ ‬حقّ‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬شعائره‭ ‬بحرية،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬التسامح‭ ‬الذي‭ ‬تجعله‭ ‬الدولة‭ ‬ممكنا‭ ‬يفترض‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬القانون‭ ‬راجعا‭ ‬لسلطة‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬قطعا‭ ‬القبول‭ ‬بفضاء‭ ‬خارج‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬جمعية‭ ‬دينية،‭ ‬بدعوى‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬إلا‭ ‬للعقيدة‭ ‬الفردية‭. ‬فلكل‭ ‬فرد،‭ ‬بوصفه‭ ‬مواطنا،‭ ‬حقوق‭ ‬مماثلة‭ ‬لبقية‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإذا‭ ‬وقعت‭ ‬جرائم‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬سلطة‭ ‬دينية‭ ‬دون‭ ‬محاسبة،‭ ‬فمعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬دورها”‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬صفة‭ ‬المواطنة‭.‬

والخلاصة‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحرّروا‭ ‬من‭ ‬الانغلاق‭ ‬اللاهوتي‭ ‬الذي‭ ‬آل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تطرّف‭ ‬وتكفير‭ ‬وقتل‭ ‬وتفجير‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬النصّ‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي،‭ ‬قراءة‭ ‬مستنيرة‭ ‬تصالح‭ ‬المسلم‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬وعصره،‭ ‬وتراجع‭ ‬موروثنا‭ ‬العقائدي‭ ‬لتنقيته‭ ‬ممّا‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬مع‭ ‬سنن‭ ‬التطور،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬فلاسفة‭ ‬التنوير‭ ‬الأوروبي‭ ‬مع‭ ‬تراثهم‭ ‬المسيحي‭.‬

في‭ ‬كتابه‭ ‬“تجريد‭ ‬الآلهة‭ ‬من‭ ‬السلاح”‭ ‬يقول‭ ‬جان‭ ‬ماري‭ ‬مولّر‭ ‬“إن‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لإنصاف‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬هي‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬مقولات‭ ‬حكمة‭ ‬وتعقل،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ ‬حثّ‭ ‬على‭ ‬الجنون‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬نعطي‭ ‬أهمية‭ ‬للمعنى‭ ‬الروحي‭ ‬اللازمني‭ ‬للنصوص‭ ‬المقدسة‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬نعطيه‭ ‬لمدلولها‭ ‬التاريخي‭ ‬البحت‭. ‬فمنذ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬نلمس‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشتمل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬حكمة،‭ ‬سنجد‭ ‬نظاما‭ ‬أبديا‭ ‬للحقيقة‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬طرفا‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬آخر،‭ ‬وبلغة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬مقدس‭ ‬آخر”‭.‬

وفي‭ ‬رأينا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬نهضوي‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬إرساء‭ ‬أسس‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬سائر‭ ‬المواطنين،‭ ‬إناثا‭ ‬وذكورا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭. ‬والنهوض‭ ‬بالثقافة‭ ‬باعتبارها‭ ‬آلية‭ ‬حاضنة‭ ‬لشعوب‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬إصلاح‭ ‬ما‭ ‬أفسدته‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية.

والاقتداء‭ ‬بالبلدان‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬العلمية‭ ‬والمعرفية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نهضة‭ ‬تنموية‭ ‬شاملة‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬تواكلنا‭ ‬على‭ ‬الآخر‭. ‬وأخيرا‭ ‬تحرير‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سلطة‭ ‬غيبية،‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والتفسير‭ ‬الديني‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ ‬حسن‭ ‬حنفي‭ ‬“بدلا‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬النص‭ ‬ومصادره،‭ ‬علينا‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬العقل‭ ‬والثقة‭ ‬بمناهجه‭ ‬واستدلالاته‭ ‬ومنطقه‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬تتحول‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الأشخاص‭ ‬والكتب‭ ‬والنصوص‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬العقل،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬صراع‭ ‬فقهي‭ ‬بين‭ ‬التفسيرات‭ ‬المختلفة،‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مصلحة،‭ ‬يتمّ‭ ‬الحوار‭ ‬والنقاش‭ ‬بين‭ ‬كافة‭ ‬الآراء‭ ‬والاتجاهات”‭.‬

بقي‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر،‭ ‬أي‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬إن‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬مشاريعها‭ ‬النهضوية‭ ‬فلأن‭ ‬كلاًّ‭ ‬منها‭ ‬كيانٌ‭ ‬مفرد‭ ‬ذو‭ ‬قيادة‭ ‬واحدة،‭ ‬فيما‭ ‬العرب‭ ‬دول‭ ‬شتّى،‭ ‬قلّ‭ ‬أن‭ ‬تجتمع‭ ‬على‭ ‬كلمة،‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬فما‭ ‬البال‭ ‬بالمعضلة‭ ‬الدينية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المشروع‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي‭ ‬المرتقب،‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس فرنسي
  • خارج‭ ‬الجنة‭ ‬الفرنكفونية
  • ماذا يتبقى من مايو 68؟
  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية