مسألة‭ ‬الترجمة

سؤال‭ ‬الفن‭ ‬ويقين‭ ‬العلم

الجديد  حسن بحراوي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(20)]

لوحة: عبدالله محمد الطيب
يتفق‭ ‬الناظرون‭ ‬الموضوعيون‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬الترجمة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عمل‭ ‬صعب‭ ‬وخطير،‭ ‬ويتطلب‭ ‬فنية‭ ‬عالية،‭ ‬وينكرون‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬تكرار‭ ‬حرفي‭ ‬أو‭ ‬مهارة‭ ‬عقيمة‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬ميكانيكي‭. ‬فعبر‭ ‬الكلمات‭ ‬والعبارات‭ ‬التي‭ ‬تُبلور‭ ‬عالما‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬والعواطف‭ ‬والوجود‭ ‬يقود‭ ‬المترجمُ‭ ‬قارئه‭ ‬لاكتشاف‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬ويسهّل‭ ‬عليه‭ ‬الدخول‭ ‬إليه‭. ‬ولذلك‭ ‬فهم‭ ‬يفترضون‭ ‬في‭ ‬المترجم،‭ ‬فوق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بدقائق‭ ‬الكلمة‭ ‬وحركة‭ ‬الفكر،‭ ‬أن‭ ‬يتميّز‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬إيصالها‭ ‬للقارئ‭.‬‮ ‬

إن الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الترجمة‭ ‬فنّ‭ ‬اعتقاد‭ ‬قديم‭ ‬وراسخ‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الخطباء‭ ‬الرومان‭ ‬يستعينون‭ ‬بالترجمة‭ ‬لاكتساب‭ ‬فن‭ ‬البلاغة‭ ‬وحِرفية‭ ‬الأسلوب،‭ ‬وظل‭ ‬الآخذون‭ ‬بالترجمة‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬سنّها‭ ‬تقليد‭ ‬ترجمة‭ ‬النصوص‭ ‬المقدسة‭ ‬يعتبرون‭ ‬عملهم‭ ‬إلهاما‭ ‬إلهيا‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬إبداعية‭ ‬وفنية‭. ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬أنصار‭ ‬حركة‭ ‬“الجميلات‭ ‬الخائنات”‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬يعتقدون‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬تبيح‭ ‬لهم‭ ‬تكييف‭ ‬الأصل‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬يكتسب‭ ‬حضورا‭ ‬متجددا‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬المستقبل‭. ‬والحرية‭ ‬هنا‭ ‬رديفة‭ ‬للفن‭ ‬وشقيقة‭ ‬الإبداع‭ ‬بكل‭ ‬التأكيد‭ ‬اللازم‭.‬

وما‭ ‬يزال‭ ‬المنظّرون‭ ‬المحدثون‭ ‬للترجمة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬يعتزمون‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬الفن‭ ‬الأدبي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النظرة‭ ‬العلمية‭ ‬للترجمة‭ ‬ليست‭ ‬وليدة‭ ‬اليوم‭ ‬فحسب،‭ ‬فنحن‭ ‬نجد‭ ‬بذورا‭ ‬لهذا‭ ‬التصور‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬منذ‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬عندما‭ ‬لاحظ‭ ‬غاسبار‭ ‬دوطاند‭ ‬في‭ ‬سنة‮ ‬1660‮ ‬بأن‭ ‬الذين‭ ‬ترجموا‭ ‬بتفوق‭ ‬نفس‭ ‬الكلمات‭ ‬ونفس‭ ‬الجمل‭ ‬قد‭ ‬اتبعوا‭ ‬نفس‭ ‬الأسلوب‭ ‬واستعانوا‭ ‬بنفس‭ ‬طريقة‭ ‬الترجمة‭. ‬وكان‭ ‬يريد‭ ‬بذلك‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬“نظام‭ ‬ثابت‭ ‬ومستمر”‭ ‬بوحي‭ ‬من‭ ‬قرار‭ ‬إلهي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المترجمين‭ ‬اتّباع‭ ‬سبيل‭ ‬معيّن‭ ‬دون‭ ‬سواه‭ ‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬منتهيا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فن‭ ‬الترجمة،‭ ‬مثل‭ ‬جميع‭ ‬الفنون،‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬“قواعد‭ ‬ثابتة‭ ‬ومستقرة”‭. ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬بأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬غير‭ ‬موجود‭. ‬فليس‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الترجمة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬قواعد‭ ‬ثابتة‭ ‬ومضمونة‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬الترجمة‭ ‬بالذات‭ ‬تتصف‭ ‬هذه‭ ‬القواعد،‭ ‬إن‭ ‬وجدت،‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭.‬‮ ‬

ولعلّ‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الصفتين‭ ‬الأخيرتين‭ ‬أن‭ ‬تُبعدا‭ ‬ممارسة‭ ‬الترجمة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬وثوقية‭ ‬العلم‭ ‬ودوغماتية‭ ‬مقارباته‭ ‬فيما‭ ‬تقتربان‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬نسبية‭ ‬الفن‭ ‬وحرية‭ ‬الأدب‭. ‬وهكذا‭ ‬فمهما‭ ‬اعترفنا‭ ‬للمترجم‭ ‬بالتمكن‭ ‬والِحرفية‭ ‬بل‭ ‬وبالعلم،‭ ‬فإننا‭ ‬عندما‭ ‬نقول‭ ‬“فن‭ ‬الترجمة”‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المهارة‭ ‬اليدوية‭.‬‮ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الفن‭ ‬يعني‭ ‬الإبداع،‭ ‬فأيّ‭ ‬شيء‭ ‬يبدعه‭ ‬المترجم؟‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬مجهول‭ ‬الاسم‭ ‬وغير‭ ‬المرئي؟

إننا‭ ‬عندما‭ ‬نهتمّ‭ ‬بهذا‭ ‬المشكل‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬هو‭ ‬مقارنة‭ ‬المترجم‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭. ‬فهل‭ ‬يكون‭ ‬المترجم‭ ‬نوعا‭ ‬خاصا‭ ‬من‭ ‬الكتاب؟‭ ‬الأول‭ ‬يترجم‭ ‬أفكاره‭ ‬الخاصة‭ ‬والثاني‭ ‬يترجم‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬مختلفة؟‭ ‬لقد‭ ‬تعدّدت‭ ‬أوجه‭ ‬المقاربة‭ ‬للترجمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فنّا،‭ ‬واتجه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬المعاصرين‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬المظاهر‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تكتسيها‭ ‬عملية‭ ‬الترجمة‭ ‬حين‭ ‬نظّروا‭ ‬إليها،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬جوزيان‭ ‬ريو‭ ‬حين‭ ‬وصفت‭ ‬الترجمة‭ ‬بأنها‭ ‬“فن‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬الأصل‭ ‬والنسخة‭ ‬حيث‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬التماثل‭ ‬بأيّ‭ ‬طريقة،‭ ‬وحيث‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬الأصل”‭.‬

وفي‭ ‬نفس‭ ‬السياق‭ ‬سبق‭ ‬لعالم‭ ‬اللسانيات‭ ‬أندري‭ ‬مارتيني‭ ‬(1961)‭ ‬أن‭ ‬قال‭ ‬بأنه‭ ‬“خلال‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭ ‬ظلت‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬التمرين‭ ‬الأدبي،‭ ‬وظل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬مبادئها‭ ‬وتقنياتها‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬أهل‭ ‬البلاغة‭ ‬والأسلوبية‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يولونها‭ ‬فعلا‭ ‬سوى‭ ‬عناية‭ ‬ضئيلة”‭. ‬وبالفعل،‭ ‬فابتداء‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬ستتوالى‭ ‬محاولات‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬للترجمة‭ ‬المثلى‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬اعتبارها‭ ‬فنّا،‭ ‬وستصبح‭ ‬الترجمة‭ ‬تدريجيا‭ ‬معادلا‭ ‬للإبداع‭.‬‮ ‬

والخلاصة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬دعاة‭ ‬المقاربة‭ ‬الفنية‭ ‬للترجمة‭ ‬ظلّوا‭ ‬على‭ ‬اعتقادهم‭ ‬الراسخ‭ ‬بأن‭ ‬الترجمة‭ ‬اختيار‭ ‬وفن،‭ ‬وهذا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭. ‬ونحن‭ ‬نطالع‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬في‭ ‬العناوين‭ ‬التي‭ ‬يطلقونها‭ ‬على‭ ‬كتبهم‭ ‬ومقالاتهم‭ ‬بكل‭ ‬التلوينات‭ ‬الأسلوبية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تصوّرها‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الدلالي‭ ‬والمعجمي‭ ‬لعبارة‭: ‬(فن‭ ‬الترجمة)‭.‬

كما‭ ‬واصلوا‭ ‬بالمقابل‭ ‬مقاومة‭ ‬كل‭ ‬المحاولات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬علمنة‭ ‬الترجمة،‭ ‬مبرزين‭ ‬طابعها‭ ‬السّلبي‭ ‬الذي‭ ‬يشكّل‭ ‬مساسا‭ ‬بفنية‭ ‬الترجمة،‭ ‬أي‭ ‬بجوهرها‭ ‬الإنساني‭ ‬والوجودي،‭ ‬وواضعين‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬إفراط‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العلمي،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬اللساني،‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭.‬‮ ‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬حاول‭ ‬منظّرون‭ ‬آخرون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة‭ ‬عندما‭ ‬أمسكوا‭ ‬ببعض‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تكتنف‭ ‬الرؤية‭ ‬الفنية‭ ‬الضيقة‭ ‬للترجمة‭ ‬وتضعها‭ ‬في‭ ‬أزمة‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬قولهم‭ ‬بأن‭ ‬الترجمة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬فنّا،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬ذلك‭ ‬النفر‭ ‬من‭ ‬المترجمين‭ ‬عن‭ ‬تذكيرنا،‭ ‬فإنها‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نظرية‭. ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعلّم‭ ‬الفن‭ ‬وإنما‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭. ‬وأدخل‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬مجادلتهم‭ ‬اعتبارا‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬“كتابة‭ ‬ونقل‭ ‬لا‭ ‬يأخذان‭ ‬معناهما‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬الهدف‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬الترجمة‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الناحية‭ ‬فهي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬افتقاره‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭.‬‮ ‬

وفي‭ ‬سعيها‭ ‬إلى‭ ‬تجذير‭ ‬عملية‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مشهد‭ ‬الإبداع‭ ‬الأدبي،‭ ‬تتّجه‭ ‬المترجمة‭ ‬الفرنسية‭ ‬سيلين‭ ‬زنس‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬المظهر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬المترجم‭ ‬التزاما‭ ‬بموقف‭ ‬معين‭ ‬تجاه‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الأجنبيين،‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬الوفاء‭ ‬لروح‭ ‬الأصل‭ ‬وقرار‭ ‬البقاء‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬جوهره‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬أدائه‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬متاح‭ ‬من‭ ‬الأمانة‭. ‬ممّا‭ ‬يبعده‭ ‬عن‭ ‬التشبث‭ ‬بالنظرية‭ ‬ويقلّل‭ ‬من‭ ‬جنوحه‭ ‬المفرط‭ ‬نحو‭ ‬النزعة‭ ‬العلمية،‭ ‬مقابل‭ ‬حثّه‭ ‬على‭ ‬تملّك‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬وجعلها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬تلك‭ ‬الرؤية‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تنير‭ ‬سبيله‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحدود‭ ‬بالذات‭ ‬تتأكد‭ ‬الهوية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للترجمة‭ ‬في‭ ‬بُعديها‭ ‬الفني‭ ‬والأدبي،‭ ‬وتتراجع‭ ‬المحاولات‭ ‬المصطنعة‭ ‬لتلوينها‭ ‬بالمظهر‭ ‬العلمي‭ ‬الخادع‭ ‬وحملها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬لبوس‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬كيانها‭ ‬ووظيفتها‭. ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬أشد‭ ‬أنصار‭ ‬المنهجية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الترجمة،‭ ‬كأوجين‭ ‬نيدا‭ ‬مثلا،‭ ‬فإن‭ ‬مجمل‭ ‬تأملاته‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الترجمة‭ ‬كالبحث‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬اللغوية‭ ‬والتحليل‭ ‬الدلالي‭ ‬ونظرية‭ ‬التواصل،‭ ‬إنما‭ ‬يجري‭ ‬فيها‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬علما‭ ‬بل‭ ‬فنّا‭ ‬كذلك،‭ ‬بالمعني‭ ‬الحِرفي‭ ‬والجمالي‭ ‬للكلمة‭.‬

وقد‭ ‬تجدد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الترجمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ممارسة‭ ‬علمية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬النقاش‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬استضافة‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المقاربة‭ ‬اللسانية‭ ‬وانتشار‭ ‬المحاولات‭ ‬الأولى‭ ‬لإخضاعها‭ ‬للتناول‭ ‬اللغوي‭ ‬الدقيق‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬المعارضين‭ ‬لهذه‭ ‬المعالجة‭ ‬اللغوية‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬حرية‭ ‬المترجمين‭ ‬والزج‭ ‬بعملهم‭ ‬في‭ ‬أطوار‭ ‬من‭ ‬المناولة‭ ‬الشكلية‭ ‬التي‭ ‬رأوا‭ ‬أنها‭ ‬تمسّ‭ ‬بروح‭ ‬وكيان‭ ‬الترجمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ممارسة‭ ‬فنية‭ ‬وأدبية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

وكان‭ ‬قد‭ ‬اتضح‭ ‬بأن‭ ‬نظريات‭ ‬علماء‭ ‬اللسانيات‭ ‬حول‭ ‬الترجمة‭ ‬إنما‭ ‬تُغلّب‭ ‬الجوانب‭ ‬المعيارية‭ ‬واللغوية‭ ‬باستخدام‭ ‬أشكال‭ ‬التحليل‭ ‬المعجمي‭ ‬والنحوي‭ ‬والصرفي،‭ ‬أي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬قاعدة‭ ‬لكل‭ ‬مقاربة‭ ‬لمسائل‭ ‬الترجمة‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعتبرها‭ ‬محض‭ ‬عملية‭ ‬لغوية‭ ‬متجاهلة‭ ‬جوانبها‭ ‬الفنية‭ ‬والإبداعية‭. ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يوافق‭ ‬عليه‭ ‬الآخذون‭ ‬بالتصور‭ ‬الأدبي‭ ‬للترجمة‭ ‬الذين‭ ‬ظلوا‭ ‬يلحّون‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬الفني‭ ‬لممارستهم‭ ‬ويندّدون‭ ‬بكل‭ ‬محاولة‭ ‬للاستحواذ‭ ‬على‭ ‬مجال‭ ‬اشتغالهم‭.‬

وكانت‭ ‬حجة‭ ‬هؤلاء‭ ‬المعترضين‭ ‬على‭ ‬المقاربة‭ ‬اللسانية‭ ‬للترجمة‭ ‬أن‭ ‬المترجم‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬فهو‭ ‬يحتاج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المعرفة‭ ‬باللغة،‭ ‬أن‭ ‬يسبر‭ ‬أغوار‭ ‬الإبداع‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ويحاول‭ ‬التفاعل‭ ‬المثمر‭ ‬معه‭ ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬تقديمه‭ ‬للقراء‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أقرب،‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان،‭ ‬لروح‭ ‬الأصل‭. ‬وليس‭ ‬صحيحا‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬بأن‭ ‬المترجم‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬قارئ‭ ‬يفسّر‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬طريقته‭. ‬لأن‭ ‬المترجم‭ ‬ليس‭ ‬قارئا‭ ‬عاديا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يمثل‭ ‬جميع‭ ‬القراء‭ ‬المحتملين‭. ‬ولذلك‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬النص‭ ‬بشكل‭ ‬موضوعي‭ ‬وينقله‭ ‬بأمانة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يجنح‭ ‬إلى‭ ‬تفسيره‭ ‬وفق‭ ‬مزاجه‭ ‬مبتعدا‭ ‬عن‭ ‬روحه‭ ‬ومتجاوزا‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬به‭ ‬النص‭ ‬نفسه‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬سؤال‭ ‬سيصبح‭ ‬تقليديا‭ ‬منذ‭ ‬إدمون‭ ‬كاري‭ ‬(1956)‭ ‬وهو‭ ‬هل‭ ‬الترجمة‭ ‬فن‭ ‬أم‭ ‬علم؟‭ ‬فإلى‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يعود‭ ‬الإلحاح‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬ليست‭ ‬علما‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬فنّ‭. ‬فن‭ ‬يختلف‭ ‬بعمق‭ ‬بحسب‭ ‬كون‭ ‬الترجمة‭ ‬تقنية‭ ‬أو‭ ‬مسرحية‭ ‬أو‭ ‬صحفية‭ ‬أو‭ ‬سينمائية‭.. ‬إلخ،‭ ‬وقد‭ ‬تابع‭ ‬كاري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬الترجمة‭ ‬فنا‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الراسخين‭ ‬في‭ ‬الميدان‭.‬

وكان‭ ‬كاري‭ ‬قد‭ ‬اشتهر‭ ‬باعتراضه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فن‭ ‬الترجمة‭ ‬تابعا‭ ‬لأيّ‭ ‬علم‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬علم‭ ‬اللسانيات،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬الباحث‭ ‬السوفياتي‭ ‬فيدوروف‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬يطالب‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬المترجم‭ ‬ذا‭ ‬إلمام‭ ‬واسع‭ ‬باللسانيات‭ ‬ومتعلقاتها‭ ‬الدلالية‭ ‬والأسلوبية‭ ‬والصوتية‭ ‬حتى‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬عمله‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كاري‭ ‬فإن‭ ‬الترجمة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تنصبّ‭ ‬على‭ ‬ملفوظات‭ ‬لغوية‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يجعلها‭ ‬محض‭ ‬عملية‭ ‬لغوية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوافق‭ ‬عليه‭ ‬إيتيامبل‭ ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬“ترجمة‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُختصر‭ ‬أبدا‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬لغوية‭ ‬–‭ ‬علمية”‭. ‬وعند‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬نقوم‭ ‬بترجمته‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الواقعة‭ ‬اللغوية‭ ‬المجردة،‭ ‬وإنما‭ ‬الحمولة‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها‭ ‬العبارة‭. ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬تقييم‭ ‬الترجمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬سوى‭ ‬بمعايير‭ ‬أدبية‭ ‬وتجب‭ ‬دراستها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مظهرا‭ ‬أدبيا‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

‮ ‬ولكن‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬واتساع‭ ‬مجالات‭ ‬تطبيقها‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬شرع‭ ‬منظّرو‭ ‬الترجمة‭ ‬يطمحون‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬بمجال‭ ‬اشتغالهم‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الدقة‭ ‬تقرّبهم‭ ‬من‭ ‬العلمية‭. ‬وكانت‭ ‬استعانتهم‭ ‬باللسانيات‭ ‬مدخلا‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعمال‭ ‬مبادئها‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬أوّليات‭ ‬العملية‭ ‬الترجمية‭ ‬ومعالجة‭ ‬معطياتها‭ ‬ونتائجها‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬إجرائية‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬البحث‭ ‬اللغوي‭ ‬المعياري‭.‬

بيد‭ ‬أنه،‭ ‬وإلى‭ ‬حدود‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬‮ ‬ظلت‭ ‬الترجمة‭ ‬دون‭ ‬طموحها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬علما‭. ‬وبسبب‭ ‬من‭ ‬تجريبيتها‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬مكانا،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ثانويا،‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تجري‭ ‬دراسة‭ ‬نتائجها‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تُتناول‭ ‬قواعدها‭ ‬ومبادؤها‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬المثير‭ ‬للانتباه‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬شهدت‭ ‬نظرية‭ ‬الترجمة‭ ‬باتجاه‭ ‬الاصطباغ‭ ‬بالمظهر‭ ‬العلمي،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬الترجمة‭ ‬الآلية‭ ‬وتأسيس‭ ‬معاهد‭ ‬التكوين‭ ‬العلمي‭ ‬للمترجمين‭ ‬والتراجمة،‭ ‬أي‭ ‬المترجمين‭ ‬الفوريين،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬صار‭ ‬مبدئيا‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تفكيك‭ ‬آليات‭ ‬النشاط‭ ‬الترجمي‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬بدل‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬نتائجه،‭ ‬فإننا‭ ‬مازلنا‭ ‬نشهد‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬ازدهارا‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬للأشكال‭ ‬الفنية‭ ‬القديمة‭ ‬للترجمة‭.‬

ومن‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬أقدم‭ ‬أنواع‭ ‬الترجمة،‭ ‬وهو‭ ‬الترجمة‭ ‬(كلمة‭ ‬كلمة)‭ ‬التي‭ ‬سنّها‭ ‬تقليد‭ ‬ترجمة‭ ‬النصوص‭ ‬المقدسة،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يجد‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬المنظرين‭ ‬مَن‭ ‬يُطري‭ ‬عليه‭ ‬مثل‭ ‬الفرنسي‭ ‬هنري‭ ‬ميشونيك‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نوع‭ ‬الترجمة‭ ‬الدلالية‭ ‬أو‭ ‬الترجمة‭ ‬بالمعنى‭ ‬التي‭ ‬مورست‭ ‬على‭ ‬النصوص‭ ‬الدنيوية‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬كذلك‭ ‬يجد‭ ‬مكانه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الترجمة‭ ‬البراغماتية‭ ‬أو‭ ‬الترجمة‭ ‬التأويلية‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬الترجمة‭ ‬المسمّاة‭ ‬“الجميلات‭ ‬الخائنات”‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬القرنين‮ ‬17‮ ‬و18‮ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬بفضل‭ ‬أنصار‭ ‬الترجمة‭ ‬الحرة‭ ‬أو‭ ‬التكييفية‭ ‬الذين‭ ‬ظلوا‭ ‬يتمسكون‭ ‬بحقهم‭ ‬في‭ ‬تجميل‭ ‬الأصل‭ ‬وتقريبه‭ ‬من‭ ‬أمزجة‭ ‬وأذواق‭ ‬متلقيه‭ ‬الجدد‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المنظرين‭ ‬المحدثين‭ ‬الكثيرين‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬إنشاء‭ ‬علم‭ ‬للترجمة‭ ‬بأيّ‭ ‬ثمن،‭ ‬فإن‭ ‬عددا‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬ما‭ ‬يزالون‭ ‬على‭ ‬إصرارهم‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالترجمة‭ ‬ضمن‭ ‬محيط‭ ‬الفن‭ ‬الأدبي‭ ‬لا‭ ‬تبرحه‭. ‬وفي‭ ‬طليعتهم‭ ‬أنصار‭ ‬الشعرية‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬ميشونيك‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وجورج‭ ‬ستاينر‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬اللذين‭ ‬أبليا‭ ‬بلاء‭ ‬مشهودا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬مقاربة‭ ‬داخلية‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬المظهر‭ ‬الفني‭ ‬التشييدي‭ ‬الذي‭ ‬تنهض‭ ‬به‭ ‬الترجمة،‭ ‬وثمنوا‭ ‬دورها‭ ‬البنيوي‭ ‬والجمالي‭ ‬في‭ ‬الاختراق‭ ‬المتبادل‭ ‬لمختلف‭ ‬اللغات‭ ‬والثقافات‭ ‬والآداب‭.‬

‮ ‬وهكذا‭ ‬فقد‭ ‬حافظت‭ ‬طرائق‭ ‬الترجمة،‭ ‬حتى‭ ‬القديم‭ ‬منها،‭ ‬على‭ ‬وجودها‭ ‬واستمرت‭ ‬في‭ ‬التواجد‭ ‬اليومي‭ ‬غير‭ ‬آبهة باللّهاث‭ ‬المحموم لأولئك الذين‭ ‬يريدون‭ ‬إقرار‭ ‬علم‭ ‬للترجمة‭ ‬ضدا‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأصلية‭ ‬للترجمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فنا‭.‬‮ ‬

وإجمالا،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬التنازع‭ ‬قائما‭ ‬بين‭ ‬زمرة‭ ‬اللسانيين‭ ‬الذي‭ ‬يغلّبون‭ ‬الجانب‭ ‬المعياري‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الترجمة،‭ ‬وفنّيي‭ ‬الترجمة‭ ‬الرافضين‭ ‬لاعتبارها‭ ‬علما،‭ ‬فإن‭ ‬اتجاها‭ ‬وسطا‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬السبعينات‭ ‬ليؤكّد‭ ‬بأن‭ ‬الوضع‭ ‬الاعتباري‭ ‬للترجمة‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬“ظاهرة‭ ‬تاريخية”‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬وليطالب‭ ‬بالتالي‭ ‬المتدخلين‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬علمية‭ ‬أو‭ ‬فنّية‭ ‬الترجمة‭ ‬بأن‭ ‬يلائموا‭ ‬تصوراتهم‭ ‬وقواعدهم‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬الأساسي‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬هل‭ ‬الترجمة‭ ‬فن‭ ‬أم‭ ‬علم؟‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬التساؤل‭ ‬ينصبّ‭ ‬حول‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬تحتله‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الإبداع‭ ‬الأدبي،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تشغلها‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العلمي‭.‬‮ ‬

وربما‭ ‬كان‭ ‬الحلّ‭ ‬الأكثر‭ ‬وسطية‭ ‬هو‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬يأتينا‭ ‬من‭ ‬المترجم‭ ‬نفسه‭. ‬وهنا‭ ‬تنوب‭ ‬المترجمة‭ ‬زنس‭ ‬عن‭ ‬زملائها‭ ‬حين‭ ‬تتشبث‭ ‬بالمعطى‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬الترجمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فنّا،‭ ‬وهو‭ ‬التمكّن‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬أي‭ ‬العلمية‭ ‬وجعلها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬رؤية‭ ‬داخلية‭ ‬أي‭ ‬فنية‭. ‬بيد‭ ‬أنها‭ ‬تضيف‭ ‬بأن‭ ‬التمكن‭ ‬من‭ ‬التقنية‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لكي‭ ‬يخلق‭ ‬فنانا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرؤية‭ ‬الفنية‭ ‬الداخلية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬دون‭ ‬وسائل‭ ‬خاصة‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬الترجمة،‭ ‬فإن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التقنية‭ ‬تقتضي‭ ‬امتلاك‭ ‬معرفة‭ ‬مزدوجة‭: ‬فنية‭ ‬وعلمية‭.‬

ولذلك‭ ‬يظل‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬المطاف‭ ‬هو‭ ‬الرهان‭ ‬الذي‭ ‬على‭ ‬المترجم‭ ‬أن‭ ‬يخوضه‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬مهمته‭. ‬ولن‭ ‬يعيبه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يُصنف‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الفن‭ ‬أو‭ ‬العلم،‭ ‬لأنه‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬خطا‭ ‬بممارسته‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬تذوب‭ ‬فيها‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬المعارف‭ ‬والتخصصات‭.‬


كاتب من المغرب