المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني

تنتشر‭ ‬السجالات‭ ‬والمعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬بين‭ ‬الأدباء‭ ‬والشعراء‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وترتب‭ ‬عليها‭ ‬ازدهار‭ ‬الحركة‭ ‬الثقافية،‭ ‬وميلاد‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬الرواد،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭: ‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬ومحمد‭ ‬الجواهري،‭ ‬وأحمد‭ ‬شوقي،‭ ‬وإبراهيم‭ ‬المازني،‭ ‬وعباس‭ ‬العقاد،‭ ‬وتوفيق‭ ‬الحكيم،‭ ‬ونازك‭ ‬الملائكة،‭ ‬ومصطفى‭ ‬المنفلوطي‭ ‬وغيرهم‭. ‬والمعركة‭ ‬الأدبية‭ ‬“مقالات‭ ‬أدبية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬خلافية‭ ‬بين‭ ‬المثقفين،‭ ‬فتنشأ‭ ‬خصومات‭ ‬فكرية‭ ‬تنهض‭ ‬على‭ ‬انقسامهم‭ ‬إلى‭ ‬فريقين‭ ‬لكل‭ ‬فريق‭ ‬مؤيدون‭ ‬ومعارضون‭ ‬من‭ ‬جمهور‭ ‬القراء”‭.‬

الجديد  علي عفيفي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(24)]

لوحة: عبدالله محمد الطيب
اتخذت المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬نسقًا‭ ‬أدبيًا،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬مجازية،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬هي‭ ‬ميدان‭ ‬القتال‭. ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬السجالات‭ ‬موضع‭ ‬اهتمام‭ ‬الأدباء،‭ ‬ومتابعة‭ ‬المثقفين،‭ ‬وفضول‭ ‬القراء،‭ ‬وتصفيق‭ ‬المشجعين،‭ ‬لمّا‭ ‬تولّد‭ ‬من‭ ‬فكر،‭ ‬وتستنهض‭ ‬العقل،‭ ‬وتبعث‭ ‬قوى‭ ‬الإبداع‭ ‬والتحدي‭. ‬وارتبطت‭ ‬حركة‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬بالمعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬والمجلات،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬أهدافًا‭ ‬عُليا‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬إنعاش‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬والأدبي،‭ ‬ولفت‭ ‬انتباه‭ ‬المتلقي‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬عديدة‭ ‬تصحب‭ ‬التطوير،‭ ‬وقامت‭ ‬تلك‭ ‬المعارك‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬نقدية؛‭ ‬فأسهمت‭ ‬في‭ ‬إشاعة‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التعليل‭ ‬والتحليل،‭ ‬المبنيّ‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتمتلئ‭ ‬بالثقة‭ ‬وتقدير‭ ‬ذات‭ ‬الكاتب‭ ‬للثقافة،‭ ‬وحرصه‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬لهذه‭ ‬المعارك‭ ‬حضورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬معارك‭ ‬وسجالات‭ ‬أدبية‭ ‬وثقافية‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬حيوية‭ ‬البيئة‭ ‬الثقافية،‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬فيها‭ ‬المبدعون‭ ‬والمفكرون‭. ‬ويؤكّد‭ ‬على‭ ‬انفتاح‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬على‭ ‬رؤى‭ ‬ومشارب‭ ‬وأفكار‭ ‬وثقافات‭ ‬أخرى‭ ‬متنوعة،‭ ‬تتصارع‭ ‬وتتبادل‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬وتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬النقدية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإبداعية،‭ ‬نتيجة‭ ‬لجدل‭ ‬المذاهب‭ ‬والمدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية،‭ ‬إذ‭ ‬تزدهر‭ ‬السجالات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬التاريخية‭ ‬الحاسمة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع‭ ‬وثقافته‭.‬

تؤدي‭ ‬المعارك‭ ‬والسجالات‭ ‬الأدبية‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬مصطلحي‭ ‬“المحافظين‭ ‬والمجددين”،‮ ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬متنافرة‭ ‬ومتصارعة،‮ ‬فتوجد‭ ‬أسلوب‭ ‬الرافعي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬أسلوب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬والعقاد،‮ ‬والذي‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سجالًا‭ ‬بين‭ ‬مدرستين‭ ‬فكريتين‭: ‬المدرسة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التقليدية،‭ ‬والمدرسة‭ ‬المنفتحة‭ ‬على‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭ ‬والداعية‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬التقليد‭ ‬والحداثة،‭ ‬أو‭ ‬التجديد‭ ‬والتقليد،‭ ‬أو‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬وتُفرز‭ ‬كتابات‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬لها‭ ‬وزنها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬العربية‭.‬‮ ‬ويولد‭ ‬الشعر‭ ‬الإحيائي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬المدرسة‭ ‬الرومانسية،‭ ‬ويظهر‭ ‬التيار‭ ‬الروائي‭ ‬المحافظ‭ ‬عند‭ ‬محمد‭ ‬هيكل‭ ‬وعبدالحليم‭ ‬عبدالله‭ ‬وغيرهما،‭ ‬مقابل‭ ‬التيار‭ ‬الروائي‭ ‬المتمرد‭ ‬عند‭ ‬إحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬ويوسف‭ ‬إدريس،‭ ‬وسواهما‭. ‬وتبرز‭ ‬الحوارات‭ ‬الحادة‭ ‬بين‭ ‬العقاد‭ ‬وصلاح‭ ‬عبد‭ ‬الصبور،‭ ‬وبينه‭ ‬وبين‭ ‬حجازي،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬الصدام‭ ‬الحاد‭ ‬بين‭ ‬محمد‭ ‬مندور‭ ‬والدكتور‭ ‬رشاد‭ ‬رشدي‭. ‬لكن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬كانت‭ ‬تُعبّر‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬والبنّاء،‭ ‬فكل‭ ‬شاعر‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬زيادة‭ ‬التضحية‭ ‬ضد‭ ‬المستعمر،‭ ‬وإفساح‭ ‬المجال‭ ‬للشعر‭ ‬الحماسي؛‭ ‬كي‭ ‬يُحقق‭ ‬أهدافه‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بحرية‭ ‬وممارسة‭ ‬وجدانية‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬الأخرى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بين‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬وزكي‭ ‬مبارك،‭ ‬إذ‭ ‬يكتب‭ ‬الأول‭ ‬كتابًا‭ ‬وسلسلة‭ ‬مقالات‭ ‬“جناية‭ ‬الأدب‭ ‬الجاهلي‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬العربي”،‭ ‬فيرد‭ ‬عليه‭ ‬الأخير‭ ‬بعنوان‭ ‬“جناية‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬العربي”‭.‬

تركت‭ ‬المعارك‭ ‬والسجالات‭ ‬أثرًا‭ ‬عظيمًا‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬بحوارات‭ ‬فاعلة‭ ‬ومنتجة‭ ‬تطرح‭ ‬الجديد‭ ‬وتتلقى‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬والصدى‭ ‬الذي‭ ‬يُميّز‭ ‬بين‭ ‬كاتب‭ ‬وآخر،‭ ‬أو‭ ‬يُعلي‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬طرح‭ ‬على‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬يُغلب‭ ‬قضية‭ ‬على‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬يُحقق‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬التبادل‭ ‬المعرفي‭ ‬الخلاّق،‭ ‬ولا‭ ‬نزال‭ ‬نحتفي‭ ‬بأثر‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحتدم‭ ‬بين‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أعلام‭ ‬الأدب‭ ‬والنقد‭ ‬العربي،‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬أدبية‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬المذاهب‭ ‬الأدبية،‭ ‬وصراع‭ ‬القديم‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬والمحدث،‭ ‬والصراع‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬والوافد،‭ ‬وصراع‭ ‬الفصحى‭ ‬والعامية‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬مجاراة‭ ‬لاحتدام‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافية‭ ‬حول‭ ‬الحداثة‭ ‬والمحافظة،‭ ‬القديم‭ ‬والجديد،‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والغربية،‭ ‬فينشأ‭ ‬الخلاف‭ ‬والاختلاف‭ ‬بين‭ ‬كبار‭ ‬الكتاب‭ ‬والأدباء،‭ ‬ويُصاحب‭ ‬ذلك‭ ‬المدارس‭ ‬الأدبية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وسيطرة‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬المثقفين،‭ ‬وزيادة‭ ‬وتيرة‭ ‬الاسترسال‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬مسائل‭ ‬الخلاف‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬لغويًا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأدب‭ ‬والنقد‭ ‬الأدبي،‭ ‬وتتسع‭ ‬القاعدة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬للصحف‭ ‬بفعل‭ ‬حدة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الأطراف،‭ ‬إذ‭ ‬يُصبح‭ ‬لكلّ‭ ‬كاتب‭ ‬أنصاره‭ ‬يدافعون‭ ‬عنه،‭ ‬ويتحيزون‭ ‬معه،‭ ‬وله‭ ‬مخالفون‭ ‬يصبون‭ ‬عليه‭ ‬جام‭ ‬غضبهم‭.‬‮ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬المناقشات‭ ‬تتمّ‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬من‭ ‬الروعة،‭ ‬وتهدف‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬اهتمام‭ ‬الناس‭ ‬بهذه‭ ‬الموضوعات،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفون‭ ‬في‭ ‬ذلك،‮ ‬إذ‭ ‬رفدت‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬وحرَّكت‭ ‬الجدل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وأفرزت‭ ‬جيلًا‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الذين‭ ‬تربَّت‭ ‬ثقافتهم‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬الآخر‭ ‬ومجادلة‭ ‬رأيه‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الانغلاق‭ ‬والتعصب‭ ‬الأعمى‭ ‬والقاتل‭.‬

خبا‭ ‬نجم‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬والسجالات‭ ‬الأدبية‭ ‬منذ‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سنوات‭ ‬الستينات‭ ‬تشهد‭ ‬معركة‭ ‬أدبية‭ ‬دارت‭ ‬رحاها‭ ‬بين‭ ‬الشيخ‭ ‬محمود‭ ‬شاكر‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الرسالة‭ ‬في‭ ‬ثوبها‭ ‬الجديد،‭ ‬ولويس‭ ‬عوض‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينشر‭ ‬مقالاته‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الأهرام‭ ‬بوصفه‭ ‬مستشارًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬فيها،‭ ‬وشكلّت‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬الأسبوعية‭ ‬مصدرًا‭ ‬ثريًا‭ ‬للثقافة،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬صدى‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬المتابعين،‭ ‬وتوجهات‭ ‬الشباب‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية،‭ ‬وقد‭ ‬جمع‭ ‬محمود‭ ‬شاكر‭ ‬لاحقًا‭ ‬مقالاته‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬ضخم‭ ‬بعنوان‭ ‬“أباطيل‭ ‬وأسمار”‭.‬

تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬الانحسار‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬بل‭ ‬وتنحو‭ ‬منحًى‭ ‬مغايرًا‭ ‬لا‭ ‬يُحرك‭ ‬سكونًا‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬الثقافية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬سلبيًا،‭ ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬يعود،‭ ‬إلى‭ ‬غلبة‭ ‬الشخصي‭ ‬على‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬السجال،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬سجالات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬عامة،‭ ‬فكرية‭ ‬أو‭ ‬نقدية،‭ ‬فيما‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تتناول‭ ‬قضايا‭ ‬جانبية‭ ‬وجزئية،‭ ‬ترتكز‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬نقدية؛‭ ‬لكن‭ ‬معالجتها‭ ‬لا‭ ‬تجاوز‭ ‬شخصية‭ ‬أديب‭ ‬ما،‭ ‬ولا‭ ‬تترك‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬الأدب‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تطوره‭. ‬كما‭ ‬يرجع‭ ‬إلى اختفاء‭ ‬القمم‭ ‬الثقافية،‭ ‬وظهور‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬تيارين‭: ‬تيار‭ ‬الحداثة‭ ‬الوافد،‭ ‬وتيار‭ ‬التراث‭ ‬الراكد،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الجديد‭ ‬الوافد‭ ‬وأخذ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفقود‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬منه،‭ ‬بعد‭ ‬تطويعه،‭ ‬والأخذ‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬صلاحية‭ ‬للوقت‭ ‬الحاضر‭.‬

وتركد‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬اليوم‭ ‬بسبب‭ ‬انخفاض‭ ‬المستوى‭ ‬التعليمي‭ ‬انخفاضًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬نتيجة‭ ‬السياسة‭ ‬التعليمية،‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التلقين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أجهزة‭ ‬الإعلام‭ ‬قامت‭ ‬بتسطيح‭ ‬عقول‭ ‬الشباب‭ ‬بوساطة‭ ‬برامج‭ ‬غير‭ ‬هادفة‭. ‬وبات‭ ‬مفهوم‭ ‬المناظرة‭ ‬يعني‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬‮ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الأدباء‭ ‬حاليًا‭ ‬انكفؤوا‭ ‬على‭ ‬ذواتهم،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬يكتبون‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬المنزل‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬تامة‭ ‬عن‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬فقر‭ ‬ثقافي‭ ‬شديد‭ ‬عند‭ ‬المبدعين‭ ‬فكثير‭ ‬منهم‭ ‬يحمل‭ ‬موهبة‭ ‬عالية‭ ‬لم‭ ‬تُصقل‭ ‬بثقافة‭ ‬معاصرة‭ ‬عميقة‭ ‬ترفد‭ ‬هذه‭ ‬الموهبة‭ ‬وتُجادلها‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭.‬‮ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬المعارك؛‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬يلهثون‭ ‬وراء‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬الحياة‭ ‬صعبة،‭ ‬لذلك‭ ‬تقلّصت‭ ‬المساحات‭ ‬المخصصة‭ ‬للفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المنابر‭ ‬التي‭ ‬تخاطب‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬القديمة‭ ‬أتت‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الركود‭ ‬الفكري،‭ ‬وكانت‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬فاصلة‭ ‬ونقاط‭ ‬فارقة‭ ‬وأفكار‭ ‬ربما‭ ‬يستمعون‭ ‬إليها‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تُحدث‭ ‬ضجيجًا‭ ‬وحماسة‭ ‬وعصبية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬أصبحت‭ ‬معهودة‭ ‬ومتداولة‭ ‬وليست‭ ‬بالجديدة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الخلافات‭ ‬حولها‭ ‬أهدأ‭ ‬صوتًا‭ ‬وأقل‭ ‬حدة‭. ‬ويُمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاختلافات‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬سمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحية‭. ‬ولهذا‭ ‬ستظل‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭.‬

يشهد‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرون،‭ ‬قرن‭ ‬العولمة‭ ‬والكوننة،‭ ‬اندماج‭ ‬المثقف‭ ‬مع‭ ‬تيارات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬والعدمية‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬العدمية‭ ‬التي‭ ‬أجمعت‭ ‬أغلب‭ ‬أطروحاتها‭ ‬على‭ ‬“هامشية‭ ‬الإنسان”‭ ‬وعجزه‭ ‬عن‭ ‬التغيير‭ ‬بعد‭ ‬المفكرين‭ ‬الكبار،‭ ‬وما‭ ‬دام‭ ‬الإنسان‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬بهمومه‭ ‬الخاصة‭ ‬وحياته‭ ‬اليومية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تسربت‭ ‬النزعة‭ ‬الفردية‭ ‬والذاتية‭ ‬للأدب‭.‬‮ ‬وعاد‭ ‬للحركة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬حراكها،‭ ‬إذ‭ ‬يشهد‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬المفتوح،‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مثل‭ ‬الفيسبوك‭ ‬وتويتر‭ ‬والمنتديات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬سهولة‭ ‬النشر‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬تحولت‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬إلى‭ ‬صراعات‭ ‬بين‭ ‬المتخاصمين،‭ ‬فلكل‭ ‬فريق‭ ‬مؤيديه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬التعليقات‭ ‬والهوامش‭ ‬المصاحبة‭ ‬لكل‭ ‬طرح،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المقالات‭ ‬الصحفية‭ ‬والهوامش‭ ‬المصاحبة‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬صارمة‭ ‬“مع‭ ‬أو‭ ‬ضد”،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النصرة‭ ‬لفريق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المؤيدين‭ ‬لهذا‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬وفي‭ ‬الحالتين‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬تأجيج‭ ‬الاختلاف،‭ ‬والوصول‭ ‬به‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الخلاف‭. ‬هذا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النديّة‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬والطرح‭ ‬المتبادل،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬أضافت‭ ‬بُعدًا‭ ‬آخر‭ ‬للصراعات‭ ‬الأدبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تناقل‭ ‬الأطروحات،‭ ‬وتعميم‭ ‬الفهم‭ ‬الخاص‭ ‬لها،‭ ‬والتنديد‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬أو‭ ‬الإشادة‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬وكلا‭ ‬الموقفين‭ ‬ينطويان‭ ‬على‭ ‬التطرّف‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان،‭ ‬وينتج‭ ‬عنه‭ ‬تطرف‭ ‬مضاد،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬خلقت‭ ‬حضورًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬وفاعلًا‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭. ‬ومعظم‭ ‬ذلك‭ ‬يتمّ‭ ‬بأسماء‭ ‬مستعارة‭ ‬لإخفاء‭ ‬عيوب‭ ‬الأطروحات،‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬الأخطاء‭ ‬اللغوية‭ ‬والأسلوبية،‭ ‬وكذلك‭ ‬سقم‭ ‬الأفكار‭ ‬محل‭ ‬الخلاف،‭ ‬والتي‭ ‬معظمها‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬والحرية‭ ‬الفكرية،‭ ‬والسعي‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الإثارة‭ ‬الفجة،‭ ‬وإشغال‭ ‬المتلقي‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الجادة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬شحذ‭ ‬الطاقات‭ ‬الفكرية‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور،‭ ‬ودفعهم‭ ‬إلى‭ ‬طرحها‭. ‬وقد‭ ‬شاعت‭ ‬المعارك‭ ‬الالكترونية‭ ‬وازداد‭ ‬عبثها‭ ‬فأصبحت‭ ‬وبالًا‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬وليس‭ ‬دعمًا‭ ‬لها‭.‬

تعتبر‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬الإلكترونية‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬للمعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬الشفهية‭ ‬والمكتوبة،‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬إخفاء‭ ‬شخصية‭ ‬المهاجم،‭ ‬والاختباء‭ ‬خلف‭ ‬مسميات‭ ‬وهمية‭ ‬متعددة،‭ ‬وتؤدي‭ ‬غرضها‭ ‬في‭ ‬إزعاج‭ ‬الخصم‭ ‬دون‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬المهاجم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬مشكلة؛‭ ‬كون‭ ‬المستهدف‭ ‬سيبقى‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬المهاجم‭ ‬الحقيقي‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬الحجم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمشكلة،‭ ‬أو‭ ‬لردة‭ ‬الفعل‭ ‬تجاهها،‭ ‬حيث‭ ‬يُمكن‭ ‬للخصم‭ ‬وبسهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬كبير‭ ‬مساند‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬معركة‭ ‬أدبية‭ ‬ممن‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لهم‭ ‬ناقة‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬جمل،‭ ‬إلا‭ ‬تعاطفًا‭ ‬مع‭ ‬صديق‭ ‬افتراضي‭ ‬طلب‭ ‬منهم‭ ‬المساعدة،‭ ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬أحدهم‭ ‬5000‭ ‬صديق‭ ‬افتراضي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وطلب‭ ‬منهم‭ ‬مساعدته‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬أدبية،‭ ‬فإن‭ ‬تجاوب‭ ‬ولو‭ ‬قسم‭ ‬منهم‭ ‬معه‭ ‬سوف‭ ‬يُظهر‭ ‬الموضوع‭ ‬وكأنه‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬أدبي‭ ‬محتشد‭ ‬خلف‭ ‬طرف‭ ‬ضد‭ ‬آخر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إيقاف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السجالات‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬غير‭ ‬ممكن،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد،‭ ‬إلا‭ ‬بقناعة‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭. ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬إشغال‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬همومهم‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬سهولة‭ ‬إشعال‭ ‬فتيل‭ ‬معركة‭ ‬أدبية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الاتصالات‭ ‬والفضاء‭ ‬الإلكتروني‭.‬


كاتب من مصر