نبيل‭ ‬المالح السيد‭ ‬الدمشقي‭ ‬والحوار‭ ‬الممنوع

قد‭ ‬يخيل‭ ‬لقارئ‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أنه‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬الأمس‭. ‬قبل‭ ‬رحيل‭ ‬المخرج‭ ‬السوري‭ ‬القدير‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬بأيام‭. ‬لكن‭ ‬حرارة‭ ‬عقل‭ ‬المالح‭ ‬وحيويته‭ ‬وشبابه‭ ‬المتواصل،‭ ‬الذي‭ ‬عبّر‭ ‬عنه‭ ‬مراراً‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬اكتشاف‭ ‬جديد‭ ‬للعالم،‭ ‬وبداية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬حوار‭ ‬أجري‭ ‬في‭ ‬العام‭‬ 2009‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬سبع‭ ‬سنوات،‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬سطوة‭ ‬القبضة‭ ‬الأمنية‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬السورية،‭ ‬حواراً‭ ‬راهنا‭.‬ قد‭ ‬تبدو‭ ‬بعض‭ ‬تعبيرات‭ ‬الحوار‭ ‬مألوفة‭ ‬اليوم،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬الحناجر‭ ‬إلى‭ ‬مداها‭ ‬العالي‭ ‬طلباً‭ ‬للحرية‭. ‬لكن‭ ‬إجابات‭ ‬المالح‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬طرحها‭ ‬كانت‭ ‬شديدة‭ ‬الجرأة‭. ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬صوّر‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬“علامة‭ ‬فارقة”‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعرض‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬القناة‭ ‬الفضائية‭ ‬الرسمية‭ ‬السورية‭. ‬وبالفعل‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬منع‭ ‬بث‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬مع‭ ‬المالح،‭ ‬بسبب‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬فيها،‭ ‬والتي‭ ‬ظهرت‭ ‬حادة‭ ‬بجمالياتها،‭ ‬ملغزة‭ ‬للرقيب‭ ‬بتبسيطها‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬المالح‭. ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬قول‭ ‬أشياء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسموحاً‭ ‬التفوه‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الرقابة‭ ‬الأمنية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭.‬ كان‭ ‬المالح‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتيحه السينما،‭ ‬باعتبارها‭ ‬عملاً‭ ‬جماعياً‭ ‬ضخماً‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬الفنون‭.‬ في‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬حيّ‭ ‬المهاجرين‭ ‬الدمشقي‭ ‬الذي‭ ‬أجريتْ‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭. ‬كان‭ ‬حدثٌ‭ ‬مهمٌ‭ ‬قد‭ ‬انطلق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬سوريا‭ ‬المعاصر‭. ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭. ‬ومن‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المقاعد‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الصور،‭ ‬اجتمع‭ ‬مثقفون‭ ‬سوريون‭ ‬واتفقوا‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬ما‭ ‬سمّوه‭ ‬“لجان‭ ‬إحياء‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني”‭. ‬وما‭ ‬عرف‭ ‬لاحقاً‭ ‬بـ”ربيع‭ ‬دمشق”‭.‬ حتى‭ ‬آخر‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬بقي‭ ‬متجدد‭ ‬الروح‭. ‬حالماً‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بمشروع‭ ‬جديد‭. ‬طاقة‭ ‬الحلم‭ ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬تتسرّب‭ ‬إلى‭ ‬المحيطين‭ ‬به‭. ‬بعضهم‭ ‬احتملها‭ ‬وواكب‭ ‬المالح‭ ‬في‭ ‬أحلامه،‭ ‬وشاركه‭ ‬مشاريعه‭. ‬وغيرهم‭ ‬ضاقوا‭ ‬به‭ ‬وبها‭. ‬أما‭ ‬رقابة‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭ ‬والدولة‭ ‬الأمنية‭ ‬فلطالما‭ ‬توجّست‭ ‬من‭ ‬أعماله‭ ‬شراً‭ ‬فمنعت‭ ‬غالبيتها‭ ‬وحرّمت‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬ انتمى‭ ‬المالح‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬غير‭ ‬عابئ‭ ‬بالماضي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬منجزه‭ ‬الثري‭. ‬ظل‭ ‬يقدّم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فيلم‭ ‬أو‭ ‬لوحة‭ ‬أو‭ ‬نص‭ ‬يكتبه‭.‬ لا‭ ‬يمكن‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬مثل‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬أن‭ ‬يموتوا‭. ‬أعمالهم‭ ‬سيعاد‭ ‬اكتشافها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وستدرس‭ ‬طويلاً،‭ ‬ويجري‭ ‬استقبال‭ ‬رسائلها‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬قادمة‭.‬ مع‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬تستعيد‭ ‬“الجديد”‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرية‭ ‬المدفوع‭ ‬ثمنها‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬ضحية،‭ ‬كلاما‭ ‬منع‭ ‬على‭ ‬المالح‭ ‬قوله‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭. ‬كشف‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬رؤاه‭. ‬فكّر‭ ‬بصوتٍ‭ ‬عالٍ‭. ‬جادل‭ ‬وشاكس‭. ‬ المرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬التقيته‭ ‬فيها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬“القرية‭ ‬الأيرلندية”‭ ‬بدبي‭. ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬جغرافيات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حطام‭. ‬طلب‭ ‬أن‭ ‬نناقش‭ ‬معاً‭ ‬مشروعاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬أفلام‭ ‬وثائقية‭. ‬ترصد‭ ‬تحولات‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“ذاكرة‭ ‬الغد”‭. ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬لب‭ ‬المشكلة،‭ ‬ودور‭ ‬المثقف‭.‬ ‭ ‬وحين‭ ‬انطلقت‭ ‬مجلة‭ ‬“الجديد”‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ ‬مشروعاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬عربياً‭ ‬جامعاً‭ ‬ومنبراً‭ ‬للأسئلة‭ ‬الجديدة‭. ‬نشر‭ ‬المالح‭ ‬عى‭ ‬صفحاتها‭ ‬سيناريو‭ ‬فيلمه‭ ‬'الشلال'،‭ ‬الاختيار‭ ‬الرسمي‭ ‬لمهرجان‭ ‬روتردام‭.‬ نبيل‭ ‬المالح‭ ‬هو‭ ‬السيد‭ ‬الدمشقي‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬ألغام‭ ‬الهويات‭ ‬إلى‭ ‬العالمية‭ ‬والأيديولوجيات‭ ‬إلى‭ ‬الروح‭ ‬الحرة‭ ‬الخلاقة‭.‬

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(31)]

أحدهم‭ ‬اكتشف‭ ‬صيغة‭ ‬لعبارة‭ ‬يصف‭ ‬بها‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬يوماً‭ ‬ما،‭ ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬“فهد‭ ‬السينما‭ ‬السورية”‭. ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬فعلا‭ ‬كذلك؟

المالح‭:‬ في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نعرف‭. ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬فهد‭ ‬السينما‭ ‬السورية‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وأتحرك‭ ‬دوماً‭ ‬كفهد‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬السينما‭ ‬اليوم‭. ‬أصاب‭ ‬بالحزن‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬الفهد‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬تاريخه‭ ‬ويتساءل‭: ‬أين‭ ‬أخطأنا؟‭ ‬أين‭ ‬كان‭ ‬المنعطف‭ ‬الخاطئ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق؟‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تمناها‭. ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فهداً‭. ‬على‭ ‬الكل‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬كذلك‭. ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬أسمّيها؟‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬لعبت‭ ‬ليس‭ ‬بالمشروع‭ ‬السينمائي‭ ‬وحده‭. ‬بل‭ ‬لعبت‭ ‬بكل‭ ‬المشاريع‭ ‬الأخرى‭.‬

‭ ‬أيّ‭ ‬قوى‭ ‬تقصد؟

المالح‭:‬ ضمن‭ ‬تركيبة‭ ‬مجتمعات‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬يدك‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬ما‭ ‬وتقول‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الخطأ‭. ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نسيج‭. ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬ليس‭ ‬مؤلفاً‭ ‬من‭ ‬خيط‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭. ‬بل‭ ‬من‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الخيوط‭ ‬والآلاف‭ ‬من‭ ‬الألوان‭ ‬والآلاف‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭. ‬وخلل‭ ‬النسيج‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬تقاطعات‭ ‬كبيرة‭ ‬جداً،‭ ‬تنتج‭ ‬ثقباً‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬اهتراء‭ ‬هناك‭ ‬أو‭ ‬كسراً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭. ‬وقد‭ ‬تصنع‭ ‬أيضاً‭ ‬نسيجاً‭ ‬متيناً‭ ‬في‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭.‬

لدينا‭ ‬إشكالية‭ ‬كبيرة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬بلدي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سواه‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬البيت‭ ‬ولا‭ ‬ملابسي‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬وما‭ ‬أنتجته‭ ‬في‭ ‬عملي‭. ‬تجد‭ ‬أنك‭ ‬مصاب‭ ‬بالإحباط‭. ‬لأنك‭ ‬حامل‭ ‬لأحلام‭. ‬أنت‭ ‬سألتني‭ ‬مرةً‭ ‬“من‭ ‬هو‭ ‬نبيل‭ ‬المالح؟”،‭ ‬جوابي‭ ‬الآن‭ ‬هو‭: ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬شخص‭ ‬مجنون‭. ‬من‭ ‬لمّا‭ ‬كان‭ ‬عمره‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬وهو‭ ‬يحلم‭. ‬صار‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬واستمر‭ ‬يحلم‭. ‬يحلم‭ ‬ويحلم‭ ‬ويحلم‭ ‬ويحلم‭. ‬واليوم‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬وبعد‭ ‬السنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬اكتشفت‭ ‬أني‭ ‬مجنون‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬الحلم،‭ ‬مثابر‭ ‬على‭ ‬الحلم‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬أملكها‭ ‬هي‭ ‬قوة‭ ‬الحلم‭.‬

‭ ‬الحلم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬“تتوهّم‭ ‬أوهاماً”‭. ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬للحلم‭ ‬معادلاً‭. ‬المعادل‭ ‬يقول‭ ‬أنا‭ ‬حين‭ ‬أحلم‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬أحفر‭ ‬الأرض‭ ‬لأصل‭ ‬إلى‭ ‬النبع‭ ‬وأحصل‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬لأشربه‭.. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬تكون‭ ‬الفنون‭ ‬صورة‭ ‬مجردة‭. ‬وكل‭ ‬الفن‭ ‬هو‭ ‬تشخيص‭ ‬لصور‭ ‬مجردة‭. ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬العقل،‭ ‬ثم‭ ‬تصبح‭ ‬حقيقة،‭ ‬ككل‭ ‬العلوم‭ ‬والمخترعات‭ ‬والمكتشفات‭ ‬وتطور‭ ‬العالم‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬صغيرة‭. ‬أحدهم‭ ‬فكّر‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نصنع‭ ‬دائرة؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نصنع‭ ‬مثلثاً؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نصنع‭ ‬صورة؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬أرسم‭ ‬صورتي‭ ‬المنعكسة‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭. ‬هي‭ ‬كلها‭ ‬تصورات‭. ‬لكنها‭ ‬قدرت‭ ‬أن‭ ‬تكوّن‭ ‬الحضارة‭ ‬البشرية‭.‬

هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬تتحدث‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬المثلث‭ ‬والدائرة‭ ‬والصورة‭ ‬المنعكسة‭ ‬على‭ ‬الماء،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬معوقات‭ ‬وقوى‭ ‬ممانعة‭ ‬كثيرة‭ ‬قد‭ ‬واجهتهم‭. ‬لماذا‭ ‬تبدون‭ ‬أنتم‭ ‬أعني‭ ‬السينمائيين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نكبة‭ ‬دائمة؟

المالح‭:‬ صحيح‭ ‬نحن‭ ‬نوّاحون‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭.‬

كنت‭ ‬أظنك‭ ‬مستثنى‭ ‬من‭ ‬هذا‭.‬

المالح‭:‬ أنا‭ ‬مستثنى‭ ‬بالطبع‭.‬

الجديد‭: ‬لكنك‭ ‬بدأت‭ ‬حوارنا‭ ‬بالحزن‭.‬

المالح‭:‬ لا‭ ‬أبداً‭.. ‬أنا‭ ‬حزين‭ ‬على‭ ‬الوقت‭ ‬الضائع‭. ‬أنا‭ ‬مستثنى‭ ‬لأنّي‭ ‬حرّ‭. ‬وقليلون‭ ‬هم‭ ‬الأحرار‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السينما‭.‬

أنت‭ ‬قلت‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬“أنا‭ ‬الوحيد‭ ‬بين‭ ‬السينمائيين‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬أحد‭ ‬أعلى‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام”‭.‬

المالح‭:‬ نعم‭. ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬أقول‭ ‬هذا‭.‬

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬هذا؟

نبيل‭ ‬المالح:‭‬يعني‭ ‬أني‭ ‬كنت‭ ‬سيّد‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬الدوام‭. ‬وكنت‭ ‬سيد‭ ‬قراري‭ ‬دوماً‭. ‬لم‭ ‬تبتعثني‭ ‬دولة‭ ‬ولا‭ ‬حزب‭ ‬لدراسة‭ ‬السينما‭. ‬لم‭ ‬يرسلني‭ ‬أحد‭ ‬إلى‭ ‬مهرجان‭. ‬ولم‭ ‬أكلّف‭ ‬أحداً‭ ‬قرشاً‭ ‬واحداً‭. ‬كل‭ ‬حركتي‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬هي‭ ‬قراري‭ ‬الذاتي‭. ‬ومغامرتي‭ ‬الشخصية،‭ ‬دفعت‭ ‬ثمنها‭ ‬غالياً،‭ ‬واستمتعت‭ ‬بها‭ ‬كثيرا‭. ‬وسأستمتع‭ ‬بها‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬القادمة‭. ‬المشكلة‭ ‬أنك‭ ‬حين‭ ‬تقول‭ ‬إنك‭ ‬سينمائي‭ ‬تصبح‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭. ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬هذا؟‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬حزنك‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬نفسك‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭. ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬ماذا‭ ‬يعني؟‭ ‬أنا‭ ‬درت‭ ‬العالم‭ ‬ورأيت‭ ‬الدنيا‭. ‬الآن‭ ‬بكبسة‭ ‬زر‭ ‬واحدة،‭ ‬تفتح‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬وترى‭ ‬أيّ‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وتصبح‭ ‬أينما‭ ‬شئت‭. ‬أنت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬ترتقي‭. ‬لكنّ‭ ‬ارتقاءك‭ ‬ليس‭ ‬لنفسك‭ ‬فقط‭. ‬بل‭ ‬هو‭ ‬للكل‭. ‬لوطنك‭ ‬وللناس‭. ‬للمجموعة‭ ‬كلها‭.‬‭ ‬تمشي‭ ‬مع‭ ‬بعضه‭ ‬البعض‭. ‬ترى‭ ‬أياماً‭ ‬أجمل‭. ‬ترى‭ ‬علاقات‭ ‬أجمل‭. ‬بلادك‭ ‬أنظف‭ ‬وأجمل‭ ‬ولها‭ ‬خصائص‭ ‬وقيمة‭. ‬حين‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الموضوع‭ ‬شخصياً‭.‬

بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أصنع‭ ‬أفلاماً‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭. ‬يمكنني‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬بلد،‭ ‬ويتم‭ ‬استقبالي‭ ‬بحفاوة‭. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬همي‭. ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬أننا‭ ‬صنعنا‭ ‬كذبة‭ ‬كبيرة‭. ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬اعتقدنا‭ ‬أننا‭ ‬نخلق‭ ‬مشروعاً‭ ‬سينمائياً‭. ‬ومع‭ ‬الأيام‭ ‬تبعثرنا‭. ‬وكثيرون‭ ‬منا،‭ ‬باستثنائي،‭ ‬أصبحوا‭ ‬موظفين‭. ‬ويمكنك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الفنان‭ ‬موظفاً‭. ‬فنان‭ ‬موظف‭. ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فناناً‭ ‬موظفاً‭ ‬فيها‭ ‬اختصار‭ ‬وتصغير‭ ‬لحجمك‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬كتبت‭ ‬مقالاً،‭ ‬بعد‭ ‬رجوعي‭ ‬من‭ ‬تشيكوسلوفاكيا‭. ‬طلب‭ ‬منّي‭ ‬صديقي‭ ‬ممدوح‭ ‬عدوان‭ ‬مقالات‭ ‬لجريدة‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭. ‬فكتبت‭ ‬ما‭ ‬يلي”قبل‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬الثورة،‭ ‬أيّ‭ ‬ثورة،‭ ‬يكون‭ ‬الناس‭ ‬حالمين‭ ‬بصنع‭ ‬تلك‭ ‬الثورة،‭ ‬لتحقيق‭ ‬الواقع‭ ‬الحديد‭. ‬وحين‭ ‬تتحقق‭ ‬الثورة‭ ‬يتحول‭ ‬المقاتلون‭ ‬السابقون‭ ‬إلى‭ ‬موظفين‭ ‬عند‭ ‬الثورة،‭ ‬فتتوقف‭ ‬الثورة‭. ‬وتتوقف‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭. ‬لأن‭ ‬الموظف‭ ‬يصبح‭ ‬مضطراً‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بلغه‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬مشكلات‭ ‬الثورات‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان‭. ‬إنها‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاقها‭. ‬وعند‭ ‬نقطة‭ ‬انتصارها‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭. ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬جابهت‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬التاريخية‭ ‬الواضحة‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭. ‬الثورات‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭.‬

أنت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬ثائرة‭ ‬دوماً،‭ ‬الشخصيات‭ ‬النسائية‭ ‬والأطفال‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬والوثائقية‭. ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬معظم‭ ‬المخرجين‭ ‬السينمائيين‭ ‬السوريين‭. ‬الكل‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭. ‬أنتم‭ ‬كلكم‭ ‬ثائرون‭.. ‬السؤال‭ ‬الآن‭.. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الملليمترات‭ ‬التي‭ ‬قطعتموها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الثورة؟

المالح‭:‬ لم‭ ‬نقطع‭ ‬شيئاً‭.. ‬نحن‭ ‬لم‭ ‬نقطع‭ ‬أيّ‭ ‬مسافة‭. ‬يقول‭ ‬سارتر‭ ‬“كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬قلمي‭ ‬سيفاً‭ ‬في‭ ‬يدي‭. ‬فإذا‭ ‬بي‭ ‬أكتشف‭ ‬أنّه‭ ‬مبرر‭ ‬لوجودي”‭. ‬اتضح‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬سيفاً‭. ‬مبرر‭ ‬لوجودي‭. ‬أنا‭ ‬مبرر‭ ‬وجودي‭ ‬هو‭ ‬عملي‭. ‬مبرر‭ ‬وجودي‭ ‬أن‭ ‬أمرّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬وبهذا‭ ‬الوطن‭. ‬وأقول‭ ‬“شكراً‭ ‬لك‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬أعطيتني‭ ‬إياه‭. ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أنقل‭ ‬لك‭ ‬الشكر‭ ‬بطريقتي”‭. ‬هناك‭ ‬حزن‭ ‬عميق‭ ‬على‭ ‬مشروع‭. ‬هذا‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭. ‬حول‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الوطن؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬المشروع؟

المالح يتحدث إلى إبراهيم الجبين في بيته بدمشق 2009

أنا‭ ‬أنتظر‭ ‬ذهنك‭ ‬ليقودنا‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ :‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬المشروع‭ ‬اليوم؟

المالح‭:‬ سأربط‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬ببعضها،‭ ‬وهي‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭ ‬مفتاح‭ ‬أساسي‭. ‬أنت‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬أنت‭ ‬كوطن؟‭ ‬أليس‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭ ‬إمكانات‭ ‬وخصائص‭ ‬وملكيات؟‭ ‬دولة‭ ‬لديها‭ ‬بترول‭. ‬دولة‭ ‬لديها‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭. ‬دولة‭ ‬لديها‭ ‬منظومة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬أو‭ ‬اليابان‭. ‬لكن‭ ‬أنت‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تملكه؟‭ ‬نحن‭ ‬ماذا‭ ‬نملك؟

لديّ‭ ‬إجابات‭ ‬ولكن‭ ‬أريد‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬إجابتك‭.‬

المالح‭:‬ نحن‭ ‬نتابع‭ ‬وزاراتنا،‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ووزارة‭ ‬التجارة‭ ‬ووزارة‭ ‬النفط‭. ‬نكتشف‭ ‬أننا‭ ‬ننتج‭ ‬القمح‭. ‬ولكنّنا‭ ‬منذ‭ ‬سبعة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬ننتج‭ ‬القمح‭. ‬ودائماً‭ ‬كان‭ ‬المنتج‭ ‬يرتفع‭ ‬وينخفض‭ ‬وفق‭ ‬مشيئة‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬المطر‭. ‬نصنع‭ ‬منسوجات‭. ‬قطناً‭ ‬وقماشاً‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬يسمى‭ ‬“الاقتصاد‭ ‬الفقير‭ ‬البدائي”‭ ‬ولكننا‭ ‬نملك‭ ‬أشياء‭ ‬تسمى‭ ‬“القيمة‭ ‬المضافة”‭. ‬الدول‭ ‬الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬توقف‭ ‬المجتمع‭ ‬الزراعي‭ ‬والإقطاعي‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المحرك،‭ ‬وبالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬علاقات‭ ‬جديدة،‭ ‬أنظر‭ ‬ماذا‭ ‬تملك‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬فنلندا‭. ‬بلد‭ ‬صغير‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباعه‭ ‬مغطاة‭ ‬بالثلج‭. ‬ماذا‭ ‬تملك؟‭ ‬تملك‭ ‬“نوكيا”‭. ‬وكما‭ ‬سمعت‭ ‬فإن‭ ‬منتجات‭ ‬نوكيا‭ ‬في‭ ‬ذروتها‭ ‬تعادل‭ ‬اقتصاد‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬البرتول‭. ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬بلجيكا‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬إنسان‭. ‬محصلتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تعادل‭ ‬اقتصاد‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬كله‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬270‭ ‬مليوناً‭. ‬المنتج‭ ‬الزراعي‭ ‬لهولندا‭ ‬التي‭ ‬سكانها‭ ‬لا‭ ‬يتجاوزن‭ ‬الثمانية‭ ‬ملايين‭ ‬إنسان،‭ ‬يعادل‭ ‬المنتج‭ ‬الزراعي‭ ‬للعالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭. ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتت‭ ‬هذه‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬تعطيه‭ ‬الأرض‭. ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يعطيه‭ ‬العقل‭. ‬ما‭ ‬تعطيه‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬أنت،‭ ‬بإمكانك‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬منها‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬التي‭ ‬نملكها‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭. ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬يعامل‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة‭ ‬والفن‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الجيد‭ ‬أننا‭ ‬نرضى‭ ‬عنكم‭ ‬ونقدركم‭ ‬ونمنحكم‭ ‬جائزة‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭.‬

القيمة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬سوريا‭ ‬هي‭ ‬عقول‭ ‬البشر‭. ‬حسب‭ ‬قناعتي‭ ‬لدينا‭ ‬قيمتان‭. ‬أولاً،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أسألك‭.. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬ورثته‭ ‬أنت؟‭ ‬لم‭ ‬ترث‭ ‬شيئاً‭. ‬أنت‭ ‬وارثٌ‭ ‬لحضارات‭ ‬متراكمة‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬أو‭ ‬سبعة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة‭ ‬لا‭ ‬فضل‭ ‬لك‭ ‬فيها‭ ‬نهائياً‭. ‬حضارات‭ ‬موجودة‭. ‬تجد‭ ‬هنا‭ ‬مدرجا‭ ‬رومانيا،‭ ‬مدنا‭ ‬منسية،‭ ‬آثار‭ ‬تدمر،‭ ‬إيبلا،‭ ‬هذه‭ ‬موجودة‭. ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الأرض‭ ‬موجودة‭. ‬ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬بها؟‭ ‬أنت‭ ‬تمكلها‭. ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬أسبانيا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬بإمكانهم‭ ‬أن‭ ‬ينتجوا‭ ‬بسببها‭ ‬عشرين‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭. ‬نحن‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬لا‭ ‬نعرفها‭. ‬ثانياً‭ ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬نسأل‭ ‬لماذا‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مثقفي‭ ‬بلدنا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬عربية‭ ‬وأجنبية‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش؟

لقطة لأديب قدورة بطل فيلم "الفهد" 1968

جوابي‭ ‬شخصياً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬أن‭ ‬المثقفين‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬الناس‭. ‬ظروف‭ ‬الناس‭ ‬عموماً‭ ‬لم‭ ‬تتحسن‭. ‬وهؤلاء‭ ‬منهم‭.‬

المالح‭:‬ بالمناسبة‭ ‬المثقفون‭ ‬ليسوا‭ ‬شريحة‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬استثنائية‭. ‬بل‭ ‬العامل‭ ‬الصغير‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬استثنائية‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬لنا‭ ‬قيمة‭ ‬كبرى‭. ‬ما‭ ‬أدعو‭ ‬إليه‭ ‬أننا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬عقليات‭ ‬بيروقراطية‭. ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬التي‭ ‬نقوم‭ ‬اليوم‭ ‬بترقيعها‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭.‬

نحن‭ ‬لم‭ ‬نفعل‭ ‬شيئاً‭. ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬أيّ‭ ‬“براند”‭ ‬أو‭ ‬ماركة‭ ‬تجارية‭. ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬صناعة‭ ‬صورة‭ ‬سياحية‭ ‬لسوريا‭. ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬تصرف‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العالم‭ ‬لتصوير‭ ‬الأفلام‭ ‬السينمائية‭ ‬العالمية‭. ‬بينما‭ ‬كما‭ ‬تعلم‭ ‬سوريا‭ ‬هي‭ ‬أستوديو‭ ‬طبيعي‭ ‬عملاق‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يأتي‭ ‬لتصوير‭ ‬أفلام‭ ‬فيها‭.‬

الجديد‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬هذا؟

المالح‭:‬‭ ‬لأن‭ ‬لديهم‭ ‬موّال‭ ‬آخر‭. ‬والمسؤول‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭.‬

من‭ ‬تقصد؟

المالح‭:‬ ولاً‭ ‬المسؤولون‭ ‬عن‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬الدولة‭. ‬مؤسسة‭ ‬السينما‭ ‬التي‭ ‬تقيّد‭ ‬حركتنا‭ ‬وتدعو‭ ‬أصدقاءها‭ ‬للمهرجانات،‭ ‬للمجاملات‭ ‬فقط‭.‬

دعني‭ ‬أقاطعك‭ ‬هنا‭ ‬عذراً‭. ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬يطرب‭ ‬كثيرين‭ ‬ومنهم‭ ‬أنا‭ ‬شخصياً‭ ‬حين‭ ‬ينتقد‭ ‬مخرج‭ ‬كبير‭ ‬وأستاذ‭ ‬مثل‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬مؤسسة‭ ‬السينما‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬بات‭ ‬دريئة‭ ‬مستمرة‭ ‬بحيث‭ ‬وضعتم‭ ‬أمامكم‭ ‬مشكلة‭ ‬احتكار‭ ‬الدولة‭ ‬لصناعة‭ ‬السينما‭ ‬وتوقفتم‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬وواصلتم‭ ‬الشكوى‭ ‬منها‭ ‬طيلة‭ ‬الوقت‭. ‬أما‭ ‬آن‭ ‬أن‭ ‬تتخلصوا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الفخ‭ ‬الذي‭ ‬علقتم‭ ‬به،‭ ‬هو‭ ‬صنم‭ ‬ترجمونه‭. ‬بينما‭ ‬لديكم‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭ ‬تفعلونها‭. ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تدعم‭ ‬الحكومات‭ ‬صناعة‭ ‬السينما؟

المالح‭:‬ الإجابة‭ ‬سهلة‭ ‬وبسيطة‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعتبر‭ ‬مؤسسة‭ ‬السينما‭ ‬السورية‭ ‬رديئة‭. ‬وإنجاز‭ ‬المؤسسة‭ ‬حين‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1963‭ ‬إنجاز‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬مؤسسة‭ ‬تنتج‭ ‬أفلاماً‭ ‬جادة‭.‬

أفلاماً‭ ‬“جادة”؟‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬مصطلحاتهم‭.‬

المالح‭:‬ بالمناسبة‭ ‬تعبير‭ ‬“جادة”‭ ‬تعبير‭ ‬سخيف‭. ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الكوميديا‭ ‬جادة‭ ‬أيضاً‭. ‬لنقل‭ ‬هادفة‭ ‬وجادة‭ ‬معاً‭. ‬هذه‭ ‬كانت‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭. ‬وحين‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬الحصان‭ ‬الذي‭ ‬يكبو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحله‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬كان‭ ‬تجارياً‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭. ‬وعملياً‭ ‬تم‭ ‬تدمير‭ ‬الذائقة‭ ‬السينمائية‭.‬

“حادثة‭ ‬اغتيال” كان‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬عليه‭ ‬كبيراً‭. ‬والمقصود‭ ‬“اغتيال‭ ‬نهر‭ ‬العاصي”. الشريط‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يشرب‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬نهر‭ ‬العاصي‭ ‬أو‭ ‬يأكل‭ ‬من‭ ‬منتجاته،‭ ‬فهو‭ ‬يتناول‭ ‬سموماً. العمل ‬تسبب‭ ‬بهزّة‭ ‬كبيرة،‬ وشكلت‭ ‬لجنة‭ ‬نيابية‭ ‬لدراسة‭ ‬الفيلم وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬خلق‭ ‬رد‭ ‬الفعل المطلوب

تنتقد‭ ‬الفكر‭ ‬التجاري‭. ‬لكن‭ ‬ألا‭ ‬تتهم‭ ‬أنت‭ ‬بأنك‭ ‬تاجر؟

المالح‭:‬ لا‭ ‬أفهم‭ ‬ماذا‭ ‬تقصد؟

الجديد‭: ‬ألست‭ ‬مالكاً‭ ‬لشركة‭ ‬إنتاج؟‭ ‬أنت‭ ‬تاجر‭ ‬إذن‭.‬

المالح‭:‬ أملك‭ ‬شركة‭ ‬إنتاج‭ ‬وأبيع‭ ‬أفلامي‭.‬

وقعت‭ ‬عقداً‭ ‬معهم‭ ‬لتوزيع‭ ‬أفلام‭ ‬جميع‭ ‬المخرجين‭ ‬السوريين‭. ‬لماذا‭ ‬فشل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع؟

المالح‭:‬ لم‭ ‬يفشل‭. ‬بسببي‭ ‬حصل‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬بتاريخ‭ ‬السينما‭ ‬السورية،‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬بيع‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام،‭ ‬وقمت‭ ‬ببيع‭ ‬32‭ ‬فيلماً‭.‬

يعني‭ ‬أنت‭ ‬تنتقد‭ ‬التفكير‭ ‬التجاري،‭ ‬بينما‭ ‬دخلت‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬شراكة‭ ‬تجارية؟

المالح‭:‬ هذه‭ ‬تجربة‭ ‬قمنا‭ ‬بها‭ ‬مرة‭ ‬بالعمر‭. ‬ولن‭ ‬نكررها‭. ‬وليست‭ ‬مهنتي‭ ‬هي‭ ‬التجارة‭. ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬تاجراً،‭ ‬لاشتغلت‭ ‬أفلاماً‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬وكان‭ ‬منتجي‭ ‬الفكري‭ ‬اتخذ‭ ‬شكلاً‭ ‬آخر‭.‬

دعني‭ ‬آخذك‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬حين‭ ‬اشتغلت‭ ‬أنت‭ ‬في‭ ‬أعمالك‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬السوري،‭ ‬منذ‭ ‬الفهد‭ ‬وتجربتك‭ ‬مع‭ ‬استثمار‭ ‬شخصيات‭ ‬دريد‭ ‬لحام‭ ‬ونهاد‭ ‬قلعي،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الكومبارس‮»‬‭ ‬كأنك‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬لذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬المتأتئ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬بطل‭ ‬فيلم‭ ‬الكومبارس،‭ ‬فرصة‭ ‬ليكون‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭.. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تريده؟

المالح‭:‬ أنا‭ ‬بصراحة،‭ ‬عشت‭ ‬وتنقلت‭ ‬كثيراً‭ ‬خارج‭ ‬سوريا‭. ‬وأكتشف‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬لديّ‭ ‬ذلك‭ ‬الشوق‭ ‬المضني‭. ‬لمن‭ ‬أشتاق؟‭ ‬يقول‭ ‬الناس‭ ‬إنه‭ ‬اشتياق‭ ‬للحارة‭ ‬وللجبل‭ ‬وللسوق‭ ‬الفلاني‭. ‬أنا‭ ‬أشتاق‭ ‬لهذا‭ ‬الإنسان‭ ‬السوري‭ ‬الصغير‭. ‬اليومي‭. ‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬والذي‭ ‬أتعامل‭ ‬معه‭. ‬والذي‭ ‬أعرف‭ ‬جيداً‭ ‬أن‭ ‬أحلامه‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬واقعه‭. ‬هذا‭ ‬شوقي‭ ‬للبشر‭ ‬العاديين‭ ‬الصغار،‭ ‬وهذا‭ ‬الشوق‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بنشأتي‭. ‬كان‭ ‬ظرفنا‭ ‬العائلي‭ ‬جيداً،‭ ‬والدي‭ ‬الدكتور‭ ‬ممتاز‭ ‬المالح‭ ‬كان‭ ‬شخصية‭ ‬مرموقة،‭ ‬ووالدتي‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬مناصب‭ ‬كبيرة‭.‬

والدتك‭ ‬دخلت‭ ‬عالم‭ ‬السياسة؟

المالح‭:‬ لو‭ ‬كانت‭ ‬والدتي‭ ‬دخلت‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬لكانت‭ ‬اليوم‭ ‬معتقلة‭. ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬في‭ ‬غريزتها‭ ‬عنصر‭ ‬الرفض‭. ‬وعنصر‭ ‬“لا”‭ ‬التي‭ ‬علمتني‭ ‬إياها‭. ‬وأسوأ‭ ‬شيء‭ ‬أورثته‭ ‬لي‭ ‬أمي‭ ‬كلمة‭ ‬“لا”‭. ‬لأن‭ ‬العنصر‭ ‬القائم‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أفضل‭. ‬ولذلك‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لا‭ ‬للأشياء‭ ‬التي‭ ‬حولك‭. ‬وهذا‭ ‬ترك‭ ‬لديّ‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭. ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أعطتني‭ ‬ثروتي‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬عقلي‭. ‬وسببت‭ ‬لي‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬في‭ ‬حياتي‭. ‬لأني‭ ‬أقول‭ ‬دائماً‭ ‬“لا”‭.‬

الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬العادي‭ ‬هو‭ ‬الملك‭. ‬هو‭ ‬ملك‭ ‬مساحة‭ ‬ذهني‭. ‬والرغبة‭ ‬هي‭ ‬صبيانية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديّ‭ ‬رغبة‭ ‬بأن‭ ‬أكون‭ ‬مليونيراً‭. ‬ليس‭ ‬ضمن‭ ‬همومي‭. ‬كنت‭ ‬أحب‭. ‬وكنت‭ ‬أحلم‭ ‬بالسفر‭. ‬وحققت‭ ‬هذا‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬وكبير‭ ‬منذ‭ ‬صغري‭. ‬وسعيد‭ ‬جداً‭ ‬لأني‭ ‬رأيت‭ ‬الدنيا‭ ‬كلها‭ ‬ومررت‭ ‬بكل‭ ‬التجارب‭.‬

لقطة من فيلم "بقايا صور" 1973

حدثتني‭ ‬مرة‭ ‬عن‭ ‬مغامرتك‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لديك‭ ‬سوى‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭.‬

نبيل‭ ‬المالح‭: ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬دولاراً‭.‬

كنت‭ ‬تبيع‭ ‬قصصاً‭ ‬للمجلات‭ ‬كي‭ ‬تواصل‭ ‬الرحلة‭.‬

المالح‭:‬ كنت‭ ‬أرسم‭ ‬اللوحات‭ ‬وأبيعها‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭. ‬تصادف‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬مدينة‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬كانت‭ ‬نورنبيرغ‭. ‬صرفت‭ ‬فيها‭ ‬أربعة‭ ‬دولارت‭. ‬بقي‭ ‬لديّ‭ ‬سبعة‭ ‬دولارت‭. ‬أكلت‭ ‬وملأت‭ ‬خزان‭ ‬الدراجة‭ ‬بالبنزين‭. ‬ثم‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬برلين‭. ‬واستطعت‭ ‬بيع‭ ‬كمّ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬اللوحات‭. ‬كان‭ ‬المخطط‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الرحلة‭ ‬أربعاً‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعة‭. ‬فاستمرت‭ ‬رحلتي‭ ‬مئة‭ ‬يوم‭ ‬ويوم‭. ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬وأحد‭ ‬عشر‭ ‬يوماً‭. ‬درت‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬مغامرة‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬ألقى‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬البحر‭. ‬عشت‭ ‬بعدها‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬تشكيوسلوفاكيا،‭ ‬وعشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬اليونان،‭ ‬سنة‭ ‬ونصف‭ ‬في‭ ‬أميركا‭.‬

حين‭ ‬فعلت‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬كنت‭ ‬تحاول‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الكومبارس‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬داخلك؟‭ ‬أم‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكومبارس‭ ‬الذي‭ ‬سميته‭ ‬أنت‭ ‬الإنسان‭ ‬الصغير؟

المالح‭:‬ في‭ ‬داخلي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬كومبارس‭.‬

لماذا‭ ‬إذن‭ ‬تتهم‭ ‬الآخرين‭ ‬بأن‭ ‬في‭ ‬داخلهم‭ ‬“كومبارس؟

المالح‭:‬ هذا‭ ‬التعبير‭ ‬زئبقي‭. ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬أخذته‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬حسّنا‭ ‬الداخلي‭ ‬نحن‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬دون‭ ‬كيشوتات‭ ‬صغار‭. ‬دون‭ ‬كيشوت‭ ‬أيضاً،‭ ‬هو‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬كومبارس‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬مقاتلاً‭. ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬يلاحقها‭. ‬الكومبارس‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬كله‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬مهمّشون‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬منهم‭. ‬بسبب‭ ‬الشرط‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬وضعوا‭ ‬فيه‭. ‬الكومبارس‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالمواطن‭ ‬العادي‭ ‬من‭ ‬لمّا‭ ‬يكون‭ ‬عمره‭ ‬14‭ ‬عاماً،‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬فضاء‭ ‬أو‭ ‬مهندس‭ ‬أو‭ ‬مخترع‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬أقوى‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وحين‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العشرين،‭ ‬يكتشف‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬الجامعة‭.‬‭ ‬وحتى‭ ‬يستطيع‭ ‬تأمين‭ ‬أكله‭ ‬اليومي،‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مشكلة‭ ‬جديدة‭. ‬فيصرف‭ ‬النظر،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬يرغب‭ ‬بالتحول‭ ‬إلى‭ ‬بطل‭ ‬أو‭ ‬ينقذ‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬يعود‭ ‬يرغب‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬المهم‭. ‬أصبح‭ ‬يهمه‭ ‬فقط‭ ‬البقاء‭ ‬اليومي‭. ‬لدينا‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬يموتون‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الثلاثين‭ ‬والخامسة‭ ‬والثلاثين‭. ‬ومن‭ ‬يتابعون‭ ‬بقية‭ ‬الحياة،‭ ‬يتابعونها‭ ‬هكذا‭.. ‬مجرد‭ ‬متابعة‭. ‬يتزوجون‭ ‬ويلبسون‭ ‬البيجامات‭ ‬والشحاطات‭ ‬ويتناولون‭ ‬العشاء‭ ‬مساءً،‭ ‬وينتظرون‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬والتالي‭ ‬والتالي‭. ‬هي‭ ‬حالة‭ ‬موات‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحالة؟‭ ‬لماذا‭ ‬توجد‭ ‬أماكن‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬تقتل‭ ‬ذلك‭ ‬المقاتل‭ ‬فيك؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يقتل‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬ذلك‭ ‬الزهو‭ ‬وذلك‭ ‬الجمال‭ ‬وطيران‭ ‬سن‭ ‬المراهقة‭. ‬لنعدّد‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬حولنا‭. ‬ذلك‭ ‬الكف‭ ‬‭(‬الصفعة‭)‬‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬بطل‭ ‬فيلمي‭ ‬‮«‬الكومبارس‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬الصفعة‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الإنسان‭ ‬يومياً،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬بصورة‭ ‬فيزيائية‭. ‬اليوم‭ ‬مرت‭ ‬بجانبي‭ ‬سيارة‭ ‬شرطة‭ ‬مرسيدس،‭ ‬ماشية‭ ‬بسرعة‭ ‬مئة‭ ‬كيلومتر‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬سائقها‭ ‬حزام‭ ‬أمان‭. ‬وقفت‭ ‬بجانبه‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬“أخي‭.. ‬أنت‭ ‬تقود‭ ‬بسرعة‭ ‬مئة‭ ‬كيلومتر‭ ‬وهذا‭ ‬ممنوع‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشارع‭ ‬السكني‭. ‬كما‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تضع‭ ‬حزام‭ ‬الأمان‭ ‬أيضاً”‭. ‬كان‭ ‬لطيفاً‭ ‬واستجاب‭ ‬لي‭. ‬ووضع‭ ‬حزام‭ ‬الأمان‭.‬

ربما‭ ‬لأنك‭ ‬كاتب‭ ‬سيناريو،‭ ‬قمت‭ ‬بتغيير‭ ‬نهاية‭ ‬القصة‭. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬فعلاً‭ ‬أم‭ ‬أنهم‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬آخر؟

المالح‭:‬ الظاهر‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المناصب‭. ‬لكن‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬هذه‭ ‬صفعة‭ ‬لي‭. ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬إنسان‭ ‬عقله‭ ‬قزم،‭ ‬ويتحكم‭ ‬بمصائر‭ ‬أفراد‭ ‬أكبر‭ ‬منه،‭ ‬فهذه‭ ‬صفعة‭ ‬يومية‭. ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬سوريا،‭ ‬لدينا‭ ‬هذه‭ ‬الصفعات‭ ‬اليومية،‭ ‬ليس‭ ‬لي‭ ‬لوحدي،‭ ‬كلنا‭ ‬نشعر‭ ‬هكذا‭. ‬أنت‭ ‬تشعر‭ ‬أنك‭ ‬تهان‭ ‬شخصياً،‭ ‬كرامتك‭ ‬تهان‭ ‬شخصياً،‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬ترى‭. ‬بقناعتي‭ ‬أن‭ ‬الصغار‭ ‬في‭ ‬داخلهم‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬صناعة‭ ‬أشياء‭ ‬كبيرة،‭ ‬والمؤسف‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬كثيرون،‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬صنع‭ ‬قرار،‭ ‬هم‭ ‬صغار‭. ‬وسوريا‭ ‬تحتاج‭ ‬لأرواح‭ ‬كبيرة‭.‬

ولكن‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعترف‭ ‬لك‭ ‬بأن‭ ‬سؤالك‭ ‬عن‭ ‬الشخص‭ ‬يزعجني‭. ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬ضمن‭ ‬همومي‭. ‬ليست‭ ‬مشكلتي‭.‬

نحن‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬دون‭ ‬كيشوتات‭ ‬صغار‭. ‬دون‭ ‬كيشوت‭ ‬أيضاً،‭ ‬هو‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬كومبارس‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬مقاتلاً‭. ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬يلاحقها‭. ‬الكومبارس‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬كله‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬مهمّشون‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬منهم‭. ‬بسبب‭ ‬الشرط‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬وضعوا‭ ‬فيه

ما‭ ‬هي‭ ‬مشكلتك؟

المالح‭:‬ الجرّاح‭ ‬يتمنّى‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يجرها‭ ‬بعد،‭ ‬الرسام‭ ‬يتمنى‭ ‬أن‭ ‬يرسم‭ ‬اللوحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يرسمها‭ ‬بعد،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يغلي‭ ‬داخلنا‭. ‬نقوله‭ ‬ونقول‭ ‬جزءاً‭ ‬منه‭. ‬أعيد‭ ‬الكلام‭ ‬دائماً،‭ ‬الناس‭ ‬تموت‭ ‬مقهورة،‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إخراج‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬ذواتهم‭. ‬أنا‭ ‬سينمائي،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬السينما‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬كونية‭ ‬استثنائية‭ ‬فيها‭ ‬مجالات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬وأجد‭ ‬نفسي‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬بموقع‭ ‬ضيق‭ ‬جداً‭ ‬عليّ،‭ ‬أحمّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬للمنظومة‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬بنا‭.‬

الحكومات‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬بتحكمها‭ ‬بالسينما،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تقدّم‭ ‬أفلاماً‭ ‬ذات‭ ‬رسالة،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬ليست‭ ‬جماهيرية‭. ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬لدينا‭ ‬تقاليد‭ ‬والمجتمع‭ ‬يذهب‭ ‬بشكل‭ ‬عائلي‭ ‬لحضور‭ ‬الأفلام‭ ‬في‭ ‬الصالات‭. ‬الآن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجوداً‭.‬

المالح‭:‬ هذه‭ ‬النقطة‭ ‬أختلف‭ ‬فيها‭ ‬معك،‭ ‬ومع‭ ‬كثيرين‭ ‬أيضاً‭. ‬الفن‭ ‬الجيد‭ ‬لا‭ ‬مقياس‭ ‬مسبق‭ ‬له‭. ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬لي‭ ‬سلفاً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المقياس‭ ‬المسبق‭ ‬للجاد‭ ‬والجيد‭. ‬أنت‭ ‬تشاهد‭ ‬عملاً‭ ‬كوميدياً،‭ ‬وبالمقياس‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬فيلم‭ ‬غير‭ ‬جاد‭. ‬لكن‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬جاداً‭ ‬أكثر‭ ‬بخمسين‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬جاد‭ ‬مصنوع‭ ‬بشكل‭ ‬رديء‭. ‬عظيم‭ ‬الأفكار‭ ‬ورديء‭ ‬الصنع‭. ‬في‭ ‬الفن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يملك‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬كله،‭ ‬قرار‭ ‬كيف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفن‭.‬

أنت،‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرتقي‭ ‬بك،‭ ‬يعطيك‭ ‬المتعة،‭ ‬يفتح‭ ‬لك‭ ‬عينيك،‭ ‬يعطيك‭ ‬اتساعك‭ ‬الإنساني‭. ‬الأفلام‭ ‬الخيالية‭ ‬غير‭ ‬جادة‭. ‬لكن‭ ‬الأفلام‭ ‬الخيالية‭ ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ممتعة‭ ‬ولذيذة‭ ‬وتكشف‭ ‬لك‭ ‬عن‭ ‬عالم‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬قانون،‭ ‬متى‭ ‬وجد‭ ‬قانون‭ ‬للفن،‭ ‬إنسَ‭ ‬الفن‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فناً‭.‬‭ ‬حينها‭ ‬يصبح‭ ‬ختماً‭ ‬سخيفاً‭.‬

صنعت‭ ‬وتصنع‭ ‬أفلاما،‭ ‬سينما‭ ‬ديجتال،‭ ‬مثل‭ ‬“فيديوكليب”‭ ‬و”غراميات‭ ‬نجلا”‭ ‬وأفلام‭ ‬أخرى‭. ‬أنت‭ ‬كمنتج‭ ‬وككاتب‭ ‬ومخرج،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الجدوى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام؟‭ ‬ومن‭ ‬يشاهدها؟‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬مصنوعة‭ ‬للمهرجانات؟‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬لتلبي‭ ‬لك‭ ‬حلمك‭ ‬السينمائي‭ ‬الذاتي؟

المالح‭:‬ لم‭ ‬يعد‭ ‬أحدٌ‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬شكل‭ ‬حلمه‭ ‬السينمائي‭. ‬تعرف‭ ‬أني‭ ‬أكتب‭ ‬شعراً‭ ‬وأرسم‭ ‬وأكتب‭ ‬المقال‭ ‬والقصة،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬بحاجة‭ ‬لورقة‭ ‬وقلم‭. ‬حتى‭ ‬لمّا‭ ‬أرسم‭ ‬أحتاج‭ ‬أدوات‭ ‬صغيرة،‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬بيتك‭ ‬ويكون‭ ‬بإمكانك‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬أو‭ ‬تكتب‭. ‬السينما‭ ‬مشكلتها‭ ‬أنها‭ ‬إنتاج‭ ‬ضخم‭. ‬هي‭ ‬كمّ‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الأموال‭. ‬السينما‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬تمرّ‭ ‬بمرحلة‭ ‬صعبة‭ ‬جداً‭. ‬تحتاج‭ ‬أدوات‭ ‬كبيرة‭. ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ليست‭ ‬مشكلة،‭ ‬والوضع‭ ‬يختلف‭. ‬لديك‭ ‬ثمانون‭ ‬مليون‭ ‬مشاهد،‭ ‬والسوق‭ ‬موجودة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أحدث‭ ‬فيلم‭ ‬من‭ ‬أفلامي‭ ‬هو‭ ‬الكومبارس‭ ‬عرض‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تقبله‭ ‬أيّ‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭.‬

لماذا‭ ‬تم‭ ‬رفضه؟

المالح‭:‬ رفضوه‭ ‬رقابياً،‭ ‬بينما‭ ‬اشترته‭ ‬المغرب‭ ‬فقط،‭ ‬على‭ ‬قناتها‭ ‬المشفرة‭ ‬الدوزييم‭. ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬تعرضه‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬خاصة،‭ ‬ولكن‭ ‬تجارياً‭ ‬لا‭. ‬هذه‭ ‬مشكلة‭. ‬أنا‭ ‬أفكر‭ ‬دوماً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬السينمائي‭ ‬السوري‭ ‬القويّ،‭ ‬سوقه‭ ‬الحقيقية‭ ‬عملياً‭ ‬خارج‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وحتى‭ ‬تصنع‭ ‬فيلماً‭ ‬جيداً‭ ‬عليك‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭. ‬وإذا‭ ‬اتجهت‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأقصى،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬فيلماً‭ ‬مهماً‭ ‬جداً،‭ ‬مبتكراً،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬تنوي‭ ‬أن‭ ‬تحكي‭ ‬لهم‭ ‬حكاية،‭ ‬فإن‭ ‬لديهم‭ ‬حكايات‭ ‬تكفي‭ ‬لعشرة‭ ‬قرون‭ ‬قادمة‭. ‬التلفزيون‭ ‬يقدم‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مئات‭ ‬الحكايا‭.‬

إذن‭.. ‬السينمائي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬سينما‭. ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حكواتياً‭. ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬مهمة،‭ ‬وحتى‭ ‬تصنع‭ ‬سينما،‭ ‬وتباع‭ ‬منتجاتك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬مهرجان‭ ‬ما‭. ‬هناك‭ ‬سيسأل‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬ستقدّمه؟‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المهرجان‭ ‬مهم،‭ ‬فتفتح‭ ‬بذلك‭ ‬أبواب‭ ‬التسويق‭. ‬دولتان‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬بوسعها‭ ‬أن‭ ‬تغطي‭ ‬لك‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭. ‬لكن‭ ‬كيف‭ ‬ستفعل‭ ‬هذا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تنتج‭ ‬سينما‭ ‬نوعية‭ ‬راقية؟‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬مختلفاً‭. ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬شيئاً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬فيلمك‭. ‬لغة‭ ‬أخرى‭. ‬شكل‭ ‬آخر‭ ‬موضوع‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يعرفونه‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تكرر‭ ‬المعادلة‭ ‬الحكواتية‭ ‬التقليدية‭ ‬فسيقال‭ ‬لك‭ ‬أخي‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬الحكايا‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭.‬

الجديد‭: ‬إذن‭ ‬أنت‭ ‬لست‭ ‬ضد‭ ‬إنتاج‭ ‬أفلام‭ ‬سينمائية‭ ‬مصممة‭ ‬سلفاً‭ ‬للمهرجانات؟

المالح‭:‬ هذا‭ ‬معيب‭ ‬جداً‭.‬

لكن‭ ‬أنا‭ ‬قرأت‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬رأياً‭ ‬مختلفاً‭. ‬أنت‭ ‬قلت‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬مخرجون‭ ‬يصنعون‭ ‬أفلاماً‭ ‬خاصة‭ ‬بالمهرجانات‭ ‬كي‭ ‬يحصلوا‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬فقط‭ ‬ويعودوا‭ ‬بها‭ ‬وانتهى‭ ‬الأمر‭. ‬وكنت‭ ‬غاضباً‭ ‬من‭ ‬هذا‭.‬

المالح‭:‬ هذا‭ ‬أمر‭ ‬شرعي‭ ‬نوعاً‭ ‬ما‭.‬

من‭ ‬أين‭ ‬تأتي‭ ‬شرعيته؟

المالح‭:‬ شرعيته‭ ‬تأتي‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬سينما‭ ‬جيدة‭.‬

هل‭ ‬عرفت‭ ‬لماذا‭ ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬تقاليد‭ ‬سينمائية؟‭ ‬لأنكم‭ ‬تصنعون‭ ‬أفلاماً‭ ‬بمعايير‭ ‬الخارج،‭ ‬ولا‭ ‬تخاطبون‭ ‬المشاهد‭ ‬والنقاد‭ ‬والمجتمع‭ ‬هنا‭.‬

المالح‭:‬ لا‭ ‬ليس‭ ‬للخارج‭. ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬الناحية‭ ‬الإنتاجية‭.‬

لا‭ ‬تلوموا‭ ‬الناس‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬ولا‭ ‬يشاهدونكم‭.‬

المالح‭:‬ لا‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭. ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إطلاقاً‭. ‬إذا‭ ‬حصل‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬جماهيرياً‭.‬

من‭ ‬منع‭ ‬لك‭ ‬فيلمك‭ ‬“عالشام‭ ‬عالشام”‭ ‬من‭ ‬العرض؟

المالح‭:‬ لا‭ ‬أعلم‭.. ‬إحساس‭ ‬عام‭ ‬أنه‭ ‬يستحسن‭ ‬ألا‭ ‬يعرض‭.‬

إحساس‭ ‬عام‭!‬

المالح‭:‬ نعم‭. ‬عادة‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفعلونه‭. ‬عندما‭ ‬منع‭ ‬فيلمي‭ ‬“السيد‭ ‬التقدمي”‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أيّ‭ ‬قرار‭ ‬مكتوب‭. ‬لكن‭ ‬قالوا‭ ‬إنه‭ ‬ممنوع‭ ‬من‭ ‬العرض‭. ‬سؤالك‭ ‬محرج‭. ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬أن‭ ‬شخصيات‭ ‬هامة‭ ‬شاهدت‭ ‬الفيلم‭. ‬كانت‭ ‬لديها‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬إيجابية‭ ‬جداً‭. ‬وأصبح‭ ‬هناك‭ ‬آلية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الفيلم‭ ‬وقراءته‭ ‬ودراسته‭ ‬ورد‭ ‬الفعل‭ ‬عليه‭. ‬الفيلم‭ ‬عن‭ ‬الهجرة‭ ‬الكثيفة‭ ‬من‭ ‬الريف،‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬باتجاه‭ ‬المدينة،‭ ‬باتجاه‭ ‬الشام‭ ‬‭(‬دمشق‭)‬‭ ‬يعني‭ ‬وراء‭ ‬“حلم‭ ‬الشام”‭. ‬ثم‭ ‬اكتشاف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حلماً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كابوس‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مشكلة‭. ‬الفيلم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬اقتصادية‭ ‬وحتى‭ ‬ثقافية،‭ ‬تتسبب‭ ‬بهذه‭ ‬الهجرة‭. ‬وحتى‭ ‬أهرب‭ ‬من‭ ‬قريتي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬منطقتي،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مشكلة‭. ‬مشكلة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬المدارس،‭ ‬مشكلة‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭. ‬وما‭ ‬أعرفه‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬شوهد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أعلى‭ ‬الجهات‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لدى‭ ‬تلك‭ ‬الجهات‭ ‬رغبة‭ ‬بأن‭ ‬يشاهد‭ ‬الفيلم‭ ‬جماهيرياً،‭ ‬لأنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مثل‭ ‬فيلم‭ ‬آخر‭ ‬لي،‭ ‬فيلم‭ ‬“حادثة‭ ‬اغتيال”،‭ ‬وكان‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬عليه‭ ‬كبيراً‭. ‬والمقصود‭ ‬“اغتيال‭ ‬نهر‭ ‬العاصي”،‭ ‬وكان‭ ‬الفيلم‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يشرب‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬نهر‭ ‬العاصي‭ ‬أو‭ ‬يأكل‭ ‬من‭ ‬منتجاته،‭ ‬فهو‭ ‬يتناول‭ ‬سموماً‭. ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬تسبب‭ ‬بهزّة‭ ‬كبيرة‭. ‬فتمّ‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬نيابية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشعب،‭ ‬لجنة‭ ‬لدراسة‭ ‬الفيلم‭. ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬خلق‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬اللازم‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬مرعباً‭.‬

أرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬فيلم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬ردود‭ ‬فعل،‭ ‬وإلا‭ ‬لماذا‭ ‬نصنعه؟

المالح‭:‬ لا‭ ‬ليس‭ ‬طبيعياً‭. ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرسمي‭. ‬أنا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحرّض‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭. ‬وأنا‭ ‬بهذه‭ ‬الأمور‭ ‬عندي‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التحريض‭. ‬وكما‭ ‬كانت‭ ‬لديّ‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬مرحلة‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬سوريا،‭ ‬وأعني‭ ‬فيلمي‭ ‬“شيخ‭ ‬الشباب”‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬مرحلة‭ ‬العشرينات‭ ‬وحتى‭ ‬الاستقلال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخصية‭ ‬“فخري‭ ‬البارودي”،‭ ‬فترة‭ ‬مغفلة‭ ‬تماماً‭. ‬وبإمكان‭ ‬السينمائي‭ ‬أن‭ ‬يسلك‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬الخلل‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬تجاه‭ ‬مواقع‭ ‬الفخر‭. ‬وهي‭ ‬مسؤوليته‭ ‬كمواطن‭. ‬لديّ‭ ‬أفلام‭ ‬أفتخر‭ ‬بها‭ ‬صنعتها‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الكريستال‭ ‬المقدس‮»‬‭ ‬أو‭ ‬“باقة‭ ‬دمشقية”،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬دور‭ ‬آخر‭. ‬دور‭ ‬نقدي،‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬أكشف‭ ‬فيها‭ ‬نقاطاً‭ ‬معينة،‭ ‬ليس‭ ‬بشكل‭ ‬متحيّز‭ ‬أو‭ ‬بحكم‭ ‬مسبق‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أجد‭ ‬أنّ‭ ‬عليّ‭ ‬فعله‭ ‬كسينمائي‭. ‬وهي‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬ذاتها‭.‬

أنت‭ ‬كتبت‭ ‬مقالاً‭ ‬بعنوان‭ ‬“الدمشقيون‭ ‬كومبارساً”‭.‬

المالح‭:‬ نعم‭. ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬مصراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدمشقيين‭ ‬مجرد‭ ‬كومبارس‭ ‬اليوم‭.‬

اسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬إني‭ ‬استعملت‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬حواراتي،‭ ‬ولكني‭ ‬أشرت‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لك،‭ ‬“الدمشقيون‭ ‬كومبارساً”‭.. ‬وكنت‭ ‬أرمي‭ ‬إلى‭ ‬أنكم‭ ‬أنتم‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭. ‬تقبلون‭ ‬بدور‭ ‬الكومبارس‭. ‬ولستم‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬الحراك‭ ‬الثقافي‭.‬

المالح‭:‬ نعم‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تخبرني‭ ‬بهذه‭ ‬الأسرار؟‭ ‬كتبت‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬بمناسبة‭ ‬كون‭ ‬دمشق‭ ‬عاصمة‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭ ‬العام‭ ‬2008‭. ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬موقفاً‭. ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تحليل‭.‬‭ ‬وكانت‭ ‬لديّ‭ ‬رغبة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أن‭ ‬تتاح‭ ‬فرصة‭ ‬للجميع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬فرح‭ ‬حقيقي،‭ ‬ليس‭ ‬فرحاً‭ ‬مزوّراً‭ ‬مفبركاً‭ ‬أو‭ ‬منظماً‭. ‬وأن‭ ‬يأتي‭ ‬الفرح‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭ ‬دمشق‭. ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬نخبوية‭ ‬جداً‭. ‬وأنا‭ ‬نزلت‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭. ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الحسكة‭. ‬وحملت‭ ‬الكاميرا،‭ ‬وسألت‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬المهندس‭ ‬إلى‭ ‬البائع‭ ‬إلى‭ ‬الصغير‭ ‬والكبير،‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دمشق‭ ‬عاصمة‭ ‬للثقافة؟‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭. ‬أتوا‭ ‬بمسرحيات‭ ‬وعروض‭ ‬هامة‭. ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬حسبتها‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬دمشق‭ ‬أربعة‭ ‬ملايين‭ ‬إنسان،‭ ‬ومن‭ ‬يحضر‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عددهم‭ ‬عن‭ ‬ألفي‭ ‬إنسان‭. ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬له‭.‬

أقاموا‭ ‬حفل‭ ‬افتتاح‭ ‬كلّف‭ ‬ثمانين‭ ‬مليوناً‭. ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭. ‬في‭ ‬البرد‭. ‬ولم‭ ‬يشاهده‭ ‬سوى‭ ‬من‭ ‬وقفوا‭ ‬حوله‭. ‬تعال‭ ‬لنتخيّل‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬تمّ‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬الثمانين‭ ‬مليونا‭ ‬على‭ ‬ثمانين‭ ‬حارة‭ ‬في‭ ‬دمشق‭. ‬لتقدم‭ ‬كل‭ ‬حارة‭ ‬حفلها‭ ‬وبهجتها‭ ‬بدمشق‭. ‬بنفسها‭ ‬وبأهلها‭. ‬هذا‭ ‬فقط‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬حفل‭ ‬الافتتاح‭.‬‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬ما‭ ‬فعلوه‭.‬

عرضت‭ ‬عليهم‭ ‬فكرة‭ ‬فيلمي‭ ‬åالكريستال‭ ‬المقدسò‭ ‬عن‭ ‬التعدد‭ ‬والتنوع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬وهذا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭. ‬ولم‭ ‬يتصل‭ ‬بي‭ ‬أحد‭. ‬اتصلت‭ ‬بي‭ ‬الدكتورة‭ ‬حنان‭ ‬قصاب‭ ‬حسن‭ ‬بعد‭ ‬مقالي‭ ‬“الدمشقيون‭ ‬كومبارساً”‭ ‬وكانت‭ ‬غاضبة‭ ‬جداً‭. ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يكلّف‭ ‬أحد‭ ‬منهم‭ ‬نفسه‭ ‬حتى‭ ‬باتصال‭ ‬عادي‭.‬

مسلسل‭ ‬“أسمهان”‭.. ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مشروعك‭ ‬نصاً‭ ‬وإخراجاً‭. ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬سيناريو‭ ‬وحوار‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬وعرض‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬عندك‭.. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬منحته‭ ‬إياه‭ ‬“أسطورة‭ ‬امرأة”؟

المالح‭:‬ المرأة‭ ‬الشرقية‭ ‬فيها‭ ‬شيء‭ ‬عجائبي‭. ‬لم‭ ‬أر‭ ‬امرأة‭ ‬لها‭ ‬ألوان‭ ‬مختلفة‭ ‬كالمرأة‭ ‬الشرقية‭. ‬هي‭ ‬عاطفية،‭ ‬هي‭ ‬قاسية،‭ ‬هي‭ ‬مقاتلة‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬سبع‭ ‬نساء‭ ‬أو‭ ‬عشر‭ ‬نساء‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭. ‬كل‭ ‬الدراما‭ ‬العربية‭ ‬تقدم‭ ‬المرأة‭ ‬العربية،‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬واحد،‭ ‬هذه‭ ‬شريرة،‭ ‬هذه‭ ‬طيبة،‭ ‬هذه‭ ‬معذّبة‭. ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬“أسمهان”،‭ ‬جاءتني‭ ‬الفرصة‭ ‬لأقدم‭ ‬روحاً‭ ‬حرة،‭ ‬امرأة‭ ‬حرّة‭. ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حرّة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭.‬

تقصد‭ ‬آمال‭ ‬الأطرش‭.‬

المالح‭:‬ آمال‭ ‬الأطرش‭ ‬أو‭ ‬أسمهان،‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬تمثل‭ ‬المرأة‭ ‬الشرقية‭ ‬كما‭ ‬أراها،‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬منعطفات‭ ‬حياتها،‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬وصلتها‭. ‬وصلها‭ ‬الغناء،‭ ‬وصلت‭ ‬العائلة،‭ ‬وصل‭ ‬التأزم،‭ ‬وصلت‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وهي‭ ‬كانت‭ ‬ابنة‭ ‬تلك‭ ‬التحولات،‭ ‬وهي‭ ‬ممثلة‭ ‬لها‭. ‬فوجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬رحب‭. ‬أمام‭ ‬امرأة‭ ‬استثنائية‭ ‬وحدث‭ ‬استثنائي‭. ‬أنا‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬غرام‭ ‬أسمهان‭. ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬الكتابة‭. ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬بطلة،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أرى‭ ‬سوى‭ ‬البطلة‭ ‬التي‭ ‬أقوم‭ ‬بكتابتها‭. ‬وكان‭ ‬العمل‭ ‬مكلفاً‭ ‬جداً،‭ ‬الأماكن،‭ ‬الأزياء‭ ‬والشخصيات‭ ‬وغيرها‭. ‬وأنا‭ ‬استغرقت‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الشركة‭ ‬المنتجة‭ ‬تلحّ‭ ‬عليّ‭. ‬فاعتذرت‭ ‬وفكرنا‭ ‬معاً‭ ‬بمخرج،‭ ‬وتم‭ ‬اختيار‭ ‬المخرج‭ ‬التونسي‭ ‬شوقي‭ ‬الماجري،‭ ‬وأنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الماجري‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المخرجين‭ ‬العرب‭. ‬وسيكون‭ ‬مخرجاً‭ ‬سينمائياً‭ ‬مهماً‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭.‬

لماذا‭ ‬عمل‭ ‬نبيل‭ ‬المالح‭ ‬لم‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة؟‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مشعاً‭ ‬لمن‭ ‬حولك؟‭ ‬ويتعلم‭ ‬منك‭ ‬الآخرون‭. ‬تأثير‭ ‬صورتك‭ ‬وليس‭ ‬تأثيرك‭ ‬الشخصي‭.‬

المالح‭:‬ أنا‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مستقراً‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬تركيبتي‭ ‬الشخصية‭. ‬تأثير‭ ‬صورتي،‭ ‬بقناعتي،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬تضخيم‭ ‬للذات‭. ‬لكن‭ ‬أقول‭ ‬هذا،‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬فيلمي‭ ‬“إكليل‭ ‬الشوك”،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬جديداً‭ ‬ومختلفاً‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬سينمائياً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ثم‭ ‬أخرجت‭ ‬“رجال‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬“نابالم”‭ ‬ثم‭ ‬“الفهد”،‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تلاحظ‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬إنتاج‭ ‬السينما‭ ‬السورية،‭ ‬وبنيتها‭ ‬الجمالية،‭ ‬وكيف‭ ‬ترى‭ ‬السينما،‭ ‬قد‭ ‬تحدّدت‭ ‬بهذه‭ ‬الأفلام،‭ ‬وإذا‭ ‬درست‭ ‬هذا‭ ‬بدراسة‭ ‬نقدية‭ ‬بحثية‭ ‬تشريحية‭ ‬ستجد‭ ‬أن‭ ‬“الفهد”‭ ‬صنع‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬عنه،‭ ‬كيف‭ ‬تسير‭ ‬السينما‭. ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬ميزة‭ ‬مهمة‭ ‬جداً؟‭ ‬فأنا‭ ‬كما‭ ‬تعلم‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬درست‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬وحين‭ ‬رجعت‭ ‬إلى‭ ‬دمشق،‭ ‬لم‭ ‬أخرج‭ ‬فيلماً‭ ‬متأثّراً‭ ‬بمدارس‭ ‬ولا‭ ‬بأساتذة‭ ‬السوفيات،‭ ‬ولا‭ ‬فيلماً‭ ‬يشبه‭ ‬الأفلام‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭ ‬المصرية‭ ‬المسيطرة‭ ‬علينا‭. ‬خلقت‭ ‬صيغة‭ ‬مختلفة‭ ‬مستقلة‭ ‬لفيلم‭ ‬سوري،‭ ‬كنت‭ ‬حراً‭ ‬فيه،‭ ‬ودخلت‭ ‬في‭ ‬مغامرة‭. ‬ولذلك‭ ‬حين‭ ‬حصل‭ ‬“الفهد”‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬مهرجان‭ ‬اليوبيل‭ ‬الفضي،‭ ‬وكان‭ ‬رئيس‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬هو‭ ‬أندريه‭ ‬تاركوفسكي،‭ ‬قال‭ ‬تاركوفسكي‭ ‬وقتها‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬“شيء‭ ‬أصيل‭ ‬وليس‭ ‬نسخاً‭ ‬أو‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬السردية”‭. ‬هذا‭ ‬كوّن‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬التوجّه،‭ ‬أن‭ ‬السينما‭ ‬السورية‭ ‬هكذا،‭ ‬مثل‭ ‬الفهد‭.‬

مَن‭ ‬تعتقد‭ ‬مِن‭ ‬بين‭ ‬السينمائيين‭ ‬السوريين‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬سار‭ ‬خلفك؟

المالح‭:‬ لا‭ ‬أريد‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬خلفي‭. ‬ولا‭ ‬خلف‭ ‬أيّ‭ ‬أحد‭.‬

أنت‭ ‬قلت‭ ‬“الفهد”‭ ‬كوّن‭ ‬بنية‭ ‬السينما‭ ‬السورية‭.‬

نبيل‭ ‬المالح‭: ‬نعم‭ ‬كوّن‭ ‬البنية‭ ‬الجمالية‭.‬

هل‭ ‬ترى‭ ‬قرباً‭ ‬بين‭ ‬“أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬و”الفهد”؟

المالح‭:‬ لا‭. ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

بفلسفة‭ ‬الصورة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭.‬

المالح‭:‬ بفلسفة‭ ‬الصورة‭ ‬نعم‭. ‬“أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬صنع‭ ‬بعد‭ ‬“الفهد”‭ ‬بعشر‭ ‬سنوات‭. ‬وأقدّر‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭. ‬لكن‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬اشتغلوا‭ ‬سينما‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬اشتغلوا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭. ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أعمالهم‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتنوعة‭ ‬تلك‭ ‬الميزة‭ ‬التي‭ ‬تحدثت‭ ‬عنها،‭ ‬وهي‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬“أفلاماً‭ ‬سورية”،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬رسّخه‭ ‬وقدّمه‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬فيلمي‭ ‬“الفهد”‭.‬

تعمل‭ ‬على‭ ‬أفكار‭ ‬غرائبية‭ ‬أحياناً‭. ‬وأذكّر‭ ‬هنا‭ ‬بعمل‭ ‬لك،‭ ‬كان‭ ‬مسلسلاً‭ ‬صامتاً‭ ‬سمّيته‭ ‬“حالات”‭. ‬السؤال،‭ ‬لماذا‭ ‬تريد‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬المشاهد‭ ‬بهذه‭ ‬الوسيلة،‭ ‬بالصمت؟

المالح‭:‬ لنتفق‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬أساسي‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬صنع‭ ‬أحدٌ‭ ‬ما‭ ‬مثله،‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬استنساخ‭. ‬التجربة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬الفن‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬كل‭ ‬فيلم‭ ‬هو‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭. ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أحاول‭ ‬فيه‭ ‬محاولة‭ ‬جديدة،‭ ‬بالشكل‭ ‬بالتعبير‭ ‬بالبنية‭ ‬بالطريقة‭ ‬السردية،‭ ‬أقترب‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬مجهولة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬أن‭ ‬أكتشفها‭ ‬أنا‭ ‬والمشاهد‭ ‬معاً‭. ‬“حالات”‭ ‬هو‭ ‬مسلسل‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬حلقة‭. ‬ثلاثون‭ ‬قصة‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬الدرامي‭ ‬للكوميدي‭ ‬للتهكمي‭ ‬إلى‭ ‬غيره‭. ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬معالجة‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭. ‬رجعت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسلسل،‭ ‬إلى‭ ‬تجربتي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬حين‭ ‬بدأت،‭ ‬إنك‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مغامرات‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬تدخل‭ ‬مغامرة‭ ‬حب‭. ‬مغامرة‭ ‬الحب‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخيال،‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوهم،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الآمال‭ ‬والأحلام‭. ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكذب،‭ ‬والحقيقة‭ ‬والضنى‭ ‬والألم‭ ‬والفرح‭. ‬فكيف‭ ‬علاقة‭ ‬السينمائي‭ ‬مع‭ ‬الفيلم،‭ ‬كعلاقته‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭. ‬فكانت‭ ‬الفرصة‭ ‬في‭ ‬ثلاثين‭ ‬حلقة‭ ‬أن‭ ‬نجرّب‭ ‬قول‭ ‬شيء،‭ ‬وقول‭ ‬شيء‭ ‬مهم‭.‬

وقول‭ ‬صامت‭ ‬أيضاً‭.‬

المالح‭:‬ وقول‭ ‬صامت‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬ميزة‭ ‬التجربة‭. ‬البديع‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السينمائي‭ ‬ألا‭ ‬تكرّر‭ ‬نفسك،‭ ‬أنت‭ ‬لست‭ ‬محكوماً‭ ‬بالفشل،‭ ‬لماذا؟‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مختلفاً‭ ‬وجديداً،‭ ‬هذا‭ ‬يعتبر‭ ‬وحده‭ ‬نجاحاً،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬الفيلم‭ ‬“ضارب”‭ ‬وحقق‭ ‬ريعاً‭ ‬كبيراً‭. ‬النجاح‭ ‬الحقيقي،‭ ‬أن‭ ‬تقدّم‭ ‬اكتشافات‭ ‬داخل‭ ‬العمل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحزنني‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬السورية،‭ ‬السينمائيون‭ ‬السوريون‭ ‬نشاطهم‭ ‬عقلي،‭ ‬بحثي،‭ ‬كبير‭ ‬جداً‭. ‬ولكن‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لم‭ ‬يتمكّنوا‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬كمّ‭ ‬كبير‭. ‬وأنا‭ ‬أعتب‭ ‬عليهم‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تأتيك‭ ‬الفرصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬فيلم‭ ‬سينمائي‭ ‬روائي‭ ‬كبير‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬فيلماً‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬دقائق‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دقيقتين‭. ‬عمل‭ ‬السينما‭ ‬مثل‭ ‬عزف‭ ‬الكمنجة‭. ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬عزف‭ ‬الكمان‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭. ‬عازف‭ ‬الكمان‭ ‬الجيد‭ ‬لديه‭ ‬ست‭ ‬ساعات‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬التدريبات‭. ‬في‭ ‬السينما‭ ‬الأمر‭ ‬أصعب‭. ‬لأنّ‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬النوتة‭ ‬الخاصة‭ ‬بك‭. ‬بينما‭ ‬العازف‭ ‬لديه‭ ‬نوتة‭ ‬موسيقية‭ ‬ـ‭ ‬مؤلف‭ ‬موسيقي‭. ‬أنت‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬مؤلفك‭ ‬البصري‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬كل‭ ‬العناصر‭.‬

هل‭ ‬تعلم‭ ‬أنك‭ ‬كررت‭ ‬كلمة‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬مرات‭ ‬حتى‭ ‬الآن؟‭ ‬قلت‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إن‭ ‬لديك‭ ‬مشروعاً‭ ‬خاصاً‭ ‬جداً،‭ ‬سميّته‭ ‬لي‭ ‬وقتها‭ ‬“سينما‭ ‬نبيل‭ ‬المالح”‭ ‬وقلت‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬عمل‭ ‬عن‭ ‬الوهم‭. ‬أين‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع؟‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬مسحور‭ ‬بالوهم؟

المالح‭:‬ نعم‭. ‬هناك‭ ‬وهم،‭ ‬وهناك‭ ‬انكسار‭ ‬في‭ ‬الوهم‭. ‬لدينا‭ ‬مشكلة،‭ ‬أنك‭ ‬تفاجأ‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما،‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬أن‭ ‬عمرك‭ ‬أصبح‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭. ‬كنت‭ ‬راكضاً‭ ‬خلف‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬منها‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭. ‬أنا‭ ‬خلفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬فيلماً‭ ‬سينمائياً‭ ‬بين‭ ‬روائي‭ ‬وتسجيلي‭ ‬وقصير‭ ‬وطويل،‭ ‬ثم‭ ‬أكتشف‭ ‬وهماً،‭ ‬أنّي‭ ‬عملياً‭ ‬لم‭ ‬أبدأ‭ ‬بعد‭. ‬كما‭ ‬حين‭ ‬تشعر‭ ‬بلدان‭ ‬بنفسها‭ ‬أنها‭ ‬كبيرة،‭ ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬هي‭ ‬صغيرة‭ ‬جداً‭. ‬هنا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بلدان‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬ذاتها‭. ‬بلدان‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬قيم،‭ ‬هي‭ ‬تأكل‭ ‬نفسها،‭ ‬وتذوب،‭ ‬كمشروع‭ ‬حضاري‭ ‬ومشروع‭ ‬إنساني‭ ‬وكوجود‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬متحرك‭.‬

بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬هناك‭ ‬الوهم،‭ ‬وهناك‭ ‬الخيال‭. ‬الوهم‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬الكذب‭ ‬على‭ ‬الذات‭. ‬الخيال‭ ‬هو‭ ‬الحالة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬منه‭ ‬إنساناً،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكونه‭. ‬خيالنا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجرّ‭ ‬بلادنا‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وليس‭ ‬الوهم‭.‬

أين‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع؟

المالح‭:‬ سأحاول‭ ‬إنجازه‭ ‬قريباً‭. ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬الآن‭ ‬لديّ‭ ‬مشروع‭ ‬معرّض‭ ‬للوحاتي‭. ‬وأيضاً‭ ‬طباعة‭ ‬مجموعتي‭ ‬الشعرية‭.‬

نقاد‭ ‬السينما‭ ‬يقولون‭ ‬عنك،‭ ‬وأعرف‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تنزعج‭ ‬مني‭ ‬لقول‭ ‬هذا،‭ ‬يقولون‭ ‬إنك‭ ‬حين‭ ‬تحضر‭ ‬فيلماً‭ ‬سينمائياً،‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬القاعة‭ ‬بعده،‭ ‬وتشكر‭ ‬المخرج‭ ‬وفريق‭ ‬العمل،‭ ‬ولا‭ ‬تقول‭ ‬رأيك‭. ‬حريص‭ ‬على‭ ‬علاقاتك‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭. ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬كذلك؟

المالح‭:‬ لا‭. ‬لكن‭ ‬أنا‭ ‬بصراحة،‭ ‬لا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬رسام‭ ‬موجود‭ ‬حولنا‭ ‬هو‭ ‬بيكاسو‭ ‬أو‭ ‬رامبرانت‭. ‬أو‭ ‬كل‭ ‬موسيقي‭ ‬عزف‭ ‬قليلاً‭ ‬صار‭ ‬كذا‭. ‬ليس‭ ‬لديّ‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭. ‬أنا‭ ‬أعرف‭ ‬الجهد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتطلبه‭ ‬عمل‭ ‬سينمائي‭. ‬أعرف‭ ‬شروطه‭. ‬سواء‭ ‬لدى‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬المخرج‭ ‬أو‭ ‬الممثل‭. ‬الشرط‭ ‬الحالي‭ ‬صعب‭ ‬جداً‭. ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجه‭ ‬يخرج‭ ‬عبقرياً‭ ‬وعظيماً‭. ‬عظمة‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬أنه‭ ‬مفاجأة‭. ‬أعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المتخيل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬قيمة،‭ ‬أصبحت‭ ‬مثل‭ ‬الشهاب،‭ ‬وأعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬صرف‭ ‬عليها‭ ‬أموال‭ ‬طائلة،‭ ‬خرجت‭ ‬عادية‭.‬

أنت‭ ‬تنتقد‭ ‬السلطة‭ ‬ولا‭ ‬تنتقد‭ ‬السينمائيين‭.‬

المالح‭:‬ نعم‭ ‬هؤلاء‭ ‬السينمائيون‭ ‬بمواجهة‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬قمعية‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‭. ‬بينما‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬بهم‭ ‬مصيره‭ ‬سيكون‭ ‬مزبلة‭ ‬التاريخ‭. ‬هناك‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السوريين‭ ‬لم‭ ‬تتح‭ ‬لهم‭ ‬الفرصة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬في‭ ‬الصناعة،‭ ‬في‭ ‬البذار،‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬والسماد‭. ‬عندما‭ ‬تأتي‭ ‬إدارة‭ ‬تلغي‭ ‬القيم‭ ‬المضافة‭ ‬لصانعيها،‭ ‬أنا‭ ‬أعتبرها‭ ‬خيانة‭ ‬عظمى‭. ‬الخيانة‭ ‬العظمى‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬تسرّب‭ ‬أسرار‭ ‬الدولة‭ ‬للأعداء‭. ‬الخيانة‭ ‬العظمى‭ ‬أن‭ ‬تخرّب‭. ‬تخرب‭ ‬خلايا‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭.‬

سمعت‭ ‬صوتك‭ ‬الغاضب‭ ‬الآن‭.. ‬وسمعته‭ ‬جيداً‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬رؤيتك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحدث‭ ‬عنها؟

المالح‭:‬ رؤيتي‭ ‬بسيطة‭. ‬أنا‭ ‬أريد‭ ‬مثل‭ ‬أيّ‭ ‬مواطن‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬القديم‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أحزاب،‭ ‬وكل‭ ‬إنسان‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬مواطنته،‭ ‬كونه‭ ‬مواطن‭. ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينضوي‭ ‬ضمن‭ ‬أيّ‭ ‬مشروع‭. ‬هذا‭ ‬يسمي‭ ‬نفسه‭ ‬بعثياً،‭ ‬وآخر‭ ‬يسمي‭ ‬نفسه‭ ‬شيوعياً‭ ‬وذاك‭ ‬قومي‭ ‬سوري،‭ ‬وهذا‭ ‬اشتراكي‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭. ‬لكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يكسبون‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬سوى‭ ‬رغبة‭ ‬الانضواء‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭. ‬وكلهم‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتّهموا‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬بالخيانة‭. ‬كلهم‭ ‬مشروعهم‭ ‬وطني،‭ ‬ولكن‭ ‬يرونه‭ ‬بصور‭ ‬أخرى‭. ‬ثم‭ ‬توحّد‭ ‬المشروع‭ ‬قسراً‭ ‬كما‭ ‬تعلم‭. ‬ماذا‭ ‬حصل؟‭ ‬لم‭ ‬تخلق‭ ‬الحواضن‭ ‬الحقيقية‭ ‬لصنع‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬ينضوي‭ ‬الجميع‭ ‬تحته،‭ ‬لا‭ ‬يكونون‭ ‬مثل‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭. ‬بل‭ ‬يكمّلون‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭. ‬ونحن‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬ننشئ‭ ‬مجموعة‭ ‬أو‭ ‬حركة‭ ‬تشكيلية،‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬رسامين،‭ ‬لا‭ ‬نقول‭ ‬لهم‭: ‬والله‭ ‬هذه‭ ‬السّنة‭ ‬سيكون‭ ‬اتجاهنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬تكعيبيا،‭ ‬أو‭ ‬تجريديا‭. ‬هذا‭ ‬عبث‭. ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭. ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬أنضوي‭ ‬ضمن‭ ‬حركة‭ ‬ثقافية،‭ ‬تقول‭ ‬أنا‭ ‬صادر‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬أنا‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬سوريا‭ ‬الخلاقة‭. ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬بقناعتي‭. ‬ليس‭ ‬الأمور‭ ‬اليومية‭. ‬لكن‭ ‬الرؤية‭. ‬إلى‭ ‬أين؟‭ ‬أمنيتي‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬منظومة‭ ‬راعية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬بالقيم‭ ‬المضافة‭ ‬لسوريا،‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬سوريا‭ ‬تملك‭ ‬المؤهلات‭. ‬تملك‭ ‬العقل‭ ‬الإبداعي،‭ ‬تملك‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭. ‬تملك‭ ‬الإنسان‭. ‬أنا‭ ‬أدعى‭ ‬إلى‭ ‬كندا‭ ‬وأميركا‭ ‬وأوروبا‭ ‬كخبير‭ ‬محترم‭ ‬ومقدر‭. ‬ولكن‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لي‭ ‬سوى‭ ‬هنا‭. ‬في‭ ‬دمشق‭.‬

الحوار أجري ‬في‭ ‬دمشق‭


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا