ثلاث‭ ‬ملاحظات‭ ‬في‭ ‬الكتابة

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(46)]

تخطيط: حسين جمعان
I

جالسا‭ ‬في‭ ‬حديقتها‭ ‬أتأمل‭ ‬أشجارها‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أعشها‭. ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬شؤون‭ ‬حديقتها‭ ‬مثل‭ ‬امرأة‭ ‬مسنّة‭. ‬لقد‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنها‭ ‬مضت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحملني‭ ‬معها‭. ‬تركتني‭ ‬في‭ ‬انتظارها‭. ‬قل‭ ‬إنني‭ ‬أوهمت‭ ‬نفسي‭ ‬بأن‭ ‬حياتي‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الانتظارات‭ ‬التي‭ ‬اكتشفت‭ ‬متأخرا‭ ‬بأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجدية‭. ‬كان‭ ‬الزمن‭ ‬ضدي‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حرضه‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬عدوي‭. ‬كان‭ ‬الزمن‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬نهارين‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬الشمس‭ ‬فيهما‭ ‬من‭ ‬مخدع‭ ‬الدجاج،‭ ‬بين‭ ‬ليلتين‭ ‬هيأ‭ ‬لي‭ ‬فيهما‭ ‬الأرق‭ ‬كرسيا‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭. ‬سأملأ‭ ‬سلته‭ ‬فاكهة‭ ‬لأحدثه‭ ‬عن‭ ‬أرق‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬إرثي‭ ‬من‭ ‬حكايات‭. ‬أنا‭ ‬وحيد‭ ‬في‭ ‬قعر‭ ‬الكأس‭. ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وحيدا؟‭ ‬الوحدة‭. ‬لقد‭ ‬قررت‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تأمل‭ ‬عظيم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أكون‭ ‬إلا‭ ‬معي‭. ‬شيء‭ ‬أشبه‭ ‬بالمعصية‭. ‬معصية‭ ‬ذلك‭ ‬الإرث‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ساكنا‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬صندوق‭ ‬خشبي‭ ‬صغير‭ ‬كانت‭ ‬جدتي‭ ‬نشمية‭ ‬تخرجه‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬من‭ ‬خزانة‭ ‬ثيابها‭ ‬لتتأمل‭ ‬محتوياته‭: ‬مشط‭ ‬خشبي،‭ ‬مرآة‭ ‬صغيرة‭ ‬بمقبض‭ ‬وإطار‭ ‬من‭ ‬الفضة،‭ ‬مفتاح‭ ‬لباب،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الآن‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬الجنة،‭ ‬أربعة‭ ‬أكواب‭ ‬صغيرة‭ ‬بصحونها‭ ‬التي‭ ‬زينت‭ ‬بصورة‭ ‬الملك‭ ‬غازي‭ ‬وصور‭ ‬صغيرة‭ ‬تأكسدت‭ ‬أجزاء‭ ‬منها‭. ‬سأمحو‭ ‬من‭ ‬عينيها‭ ‬دمعتين‭ ‬لأرى‭ ‬البحر‭ ‬المجاور‭ ‬من‭ ‬خلالهما‭. ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬جدتي‭ ‬وحيدة؟‭ ‬تلتفت‭ ‬إليّ‭ ‬وتبتسم‭ ‬معتذرة‭. ‬تحاول‭ ‬كفها‭ ‬أن‭ ‬تمحو‭ ‬الأجزاء‭ ‬التي‭ ‬تأكسدت‭ ‬من‭ ‬الصور‭. ‬تستعيد‭ ‬المشهد‭ ‬كاملا‭. ‬هناك‭ ‬فصول‭ ‬تتعثر‭ ‬بتحولاتها‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬عشوائية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الربيع‭ ‬جاهزا‭ ‬لاستقبال‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭. ‬تبتسم‭ ‬لأنها‭ ‬تدرك‭ ‬أنني‭ ‬سأكون‭ ‬سعيدا‭ ‬حين‭ ‬أرثها،‭ ‬لأروي‭ ‬حكايتها‭. ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬نهار‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬بعد،‭ ‬نهار‭ ‬بعيد،‭ ‬مادته‭ ‬ظلال‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬النهر،‭ ‬حيث‭ ‬يستقبل‭ ‬السيد‭ ‬في‭ ‬ضريحه‭ ‬النسوة‭ ‬القادمات‭ ‬بالحناء‭ ‬وأغصان‭ ‬الآس‭ ‬وأطفالهن‭.‬

تغمض‭ ‬عينيها‭ ‬على‭ ‬مشهد‭ ‬قدمين‭ ‬حافيتين‭. ‬“كان‭ ‬أبوك‭ ‬يتبعني‭. ‬بقدمين‭ ‬حافيتين‭ ‬يدوس‭ ‬على‭ ‬العشب‭ ‬بقوة‭ ‬ليخيف‭ ‬الأفعى‭ ‬المختبئة‭ ‬في‭ ‬الطين‭. ‬لا‭ ‬تفارق‭ ‬نظرته‭ ‬الأرض‭ ‬لذلك‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يرتطم‭ ‬بجذوع‭ ‬النخيل‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يصرخ‭ ‬فيها‭ ‬التفت‭ ‬إليه‭ ‬فأجده‭ ‬محتضنا‭ ‬جذعا‭. ‬وكانت‭ ‬الأفعى‭ ‬تضحك‭. ‬ينصت‭ ‬إلى‭ ‬كركراتها‭ ‬فيضرب‭ ‬العشب‭ ‬بقدميه‭ ‬غاضبا‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأفاعي‭ ‬المسكينة‭ ‬لتخيف‭ ‬أحدا”‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الخوف‭ ‬كان‭ ‬يومها‭ ‬مادة‭ ‬حياة‭. ‬يُحسب‭ ‬المرء‭ ‬إنسانا‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭. ‬كانت‭ ‬جدتي‭ ‬خائفة‭ ‬مما‭ ‬حدث‭ ‬وليس‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭. ‬كان‭ ‬الماضي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬خزانة‭ ‬المعاني‭ ‬الممكنة‭ ‬كلها‭. ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬فعلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تجر‭ ‬ذلك‭ ‬الماضي‭ ‬لتضعه‭ ‬في‭ ‬المتر‭ ‬المربع‭ ‬الذي‭ ‬تعثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬سفرها‭. ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬المستقبل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬ذهنها‭. ‬تقف‭ ‬هناك‭ ‬لتتأمل‭ ‬أشباحا‭. ‬تبكي‭ ‬وتضحك،‭ ‬تنصت‭ ‬وتتكلم،‭ ‬تسعد‭ ‬وتحزن،‭ ‬ترضى‭ ‬وتثور‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬متلاحقة‭ ‬من‭ ‬الانفعالات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬خلاصة‭ ‬لقاءاتها‭ ‬السرية‭ ‬بتلك‭ ‬الأشباح‭. ‬دائما‭ ‬يلذ‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬“لنبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬من‭ ‬أولها”‭. ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬أن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬حكاياتها‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها‭. ‬لقد‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬النهايات‭ ‬يمكن‭ ‬إرجاؤها‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬حين‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬النهاية‭ ‬فهذا‭ ‬معناه‭ ‬أننا‭ ‬قد‭ ‬ضجرنا‭ ‬وقررنا‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬حدا‭ ‬ليأسنا‭. ‬“أعدك‭ ‬بحمامة‭ ‬إن‭ ‬بقيت‭ ‬صامتا‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬سيفعله‭ ‬أخي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسللت‭ ‬أفاعي‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬زورقه”‭ ‬أصمت‭ ‬ولكنها‭ ‬تترك‭ ‬أخاها‭ ‬في‭ ‬محنته‭ ‬لتقول‭ ‬“كان‭ ‬خلف‭ ‬قد‭ ‬غادر‭ ‬قريته‭ ‬تاركا‭ ‬خمسة‭ ‬أولاد‭ ‬وامرأته‭ ‬وقد‭ ‬قيل‭ ‬يومها‭ ‬إنه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬منها‭. ‬هناك‭ ‬وراء‭ ‬الضباب،‭ ‬في‭ ‬أقاصي‭ ‬المياه‭ ‬جنة‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬إلا‭ ‬الصالحون‭. ‬خرج‭ ‬رجال‭ ‬القرية‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬خلف”‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬أغفو‭ ‬حتى‭ ‬يحل‭ ‬خلف‭ ‬محل‭ ‬الأخ‭ ‬الذي‭ ‬تركته‭ ‬جدتي‭ ‬ليواجه‭ ‬مصيره‭ ‬بنفسه‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬جدتي‭ ‬تروي،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭.‬

سأقلدها‭ ‬بعد‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭.‬

سأروي‭ ‬لنفسي‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أعشها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬عشتها‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أتخلى‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نهاياتها،‭ ‬مدعيا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حكاية‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬عليّ‭ ‬حين‭ ‬اعترضت‭ ‬طريقي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬معي‭ ‬فعلا‭. ‬ألهي‭ ‬نفسي‭ ‬بما‭ ‬سيقع،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ألتفت‭ ‬لما‭ ‬وقع‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬حدثا‭ ‬مشكوكا‭ ‬في‭ ‬وقوعه‭. ‬لذلك‭ ‬فأنا‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭ ‬دائما‭ ‬“ترى‭ ‬هل‭ ‬وقع‭ ‬فعلا‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أظنه‭ ‬قد‭ ‬وقع؟”‭ ‬سأروي‭ ‬لكم‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭: ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬القناة‭ ‬التي‭ ‬تخترق‮ ‬‭ ‬البلدة‭ ‬التي‭ ‬أقيم‭ ‬فيها،‭ ‬هنالك‭ ‬مصطبة‭ ‬خشبية‭ ‬اعتدت‭ ‬أن‭ ‬أجلس‭ ‬عليها‭ ‬كلما‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬المرور‭ ‬قريبا‭ ‬منها‭. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬بي‭ ‬أناس‭ ‬مسنون،‭ ‬نساء‭ ‬يمشين‭ ‬بكلابهن،‭ ‬حوامل‭ ‬يدفعن‭ ‬عربات‭ ‬أطفال‭. ‬لم‭ ‬أر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الممر‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الشريط‭ ‬الأخضر‭ ‬الذي‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مصاطبه‭ ‬وبين‭ ‬القناة‭ ‬شابا‭ ‬أو‭ ‬شابة‭ ‬يوما‭ ‬ما‭. ‬أطفال‭ ‬المدارس‭ ‬لا‭ ‬يمرّون‭ ‬أيضا‭. ‬لذلك‭ ‬كنت‭ ‬تقريبا‭ ‬أشبه‭ ‬بالكائن‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ممن‭ ‬يمرون‭ ‬دفعه‭ ‬الفضول‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬إليّ‭. ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬فيما‭ ‬كنت‭ ‬أتجه‭ ‬إلى‭ ‬مصطبتي‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أجدها‭ ‬فارغة‭ ‬دائما،‭ ‬رأيت‭ ‬شابا‭ ‬يصغرني‭ ‬بعشرين‭ ‬سنة‭ ‬تقريبا‭ ‬قد‭ ‬سبقني‭ ‬إليها‭. ‬جلس‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬المصطبة‭ ‬الأيمن‭ ‬ورفع‭ ‬يده‭ ‬باحترام‭ ‬مشيرا‭ ‬إليّ‭ ‬بأن‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬الجهة‭ ‬اليسرى‭ ‬من‭ ‬المصطبة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬دهشتي‭. ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬ينتظرني؟‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أنني‭ ‬لن‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬مصطبة‭ ‬أخرى؟‭ ‬حين‭ ‬جلست‭ ‬مندهشا‭ ‬لم‭ ‬يلتفت‭ ‬إليّ‭ ‬الشاب‭ ‬بل‭ ‬ظلّ‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬مياه‭ ‬القناة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬موجودا‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يقترح‭ ‬عليّ‭ ‬الجلوس‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭. ‬جانبيا‭ ‬صرت‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬وجهه‭ ‬فذكرني‭ ‬بوجه‭ ‬أعرفه،‭ ‬وجه‭ ‬له‭ ‬ملامح‭ ‬لطالما‭ ‬تأملتها‭. ‬أكاد‭ ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بتلك‭ ‬الملامح‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬رسمتها‭ ‬أو‭ ‬تخيّلتها‭ ‬مرسومة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أتذكر‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الوجه‭. ‬أعرفه‭ ‬جيدا‭. ‬تكاد‭ ‬صورته‭ ‬تفلت‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬الذي‭ ‬تراكمت‭ ‬صفحاته‭ ‬في‭ ‬خيالي‭. ‬ذلك‭ ‬الوجه‭ ‬رأيته‭ ‬كثيرا‭. ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬محراث‭ ‬لأقلب‭ ‬صفحة‭ ‬الأرض‭. ‬احتاج‭ ‬إلى‭ ‬إبرة‭ ‬لأنقب‭ ‬في‭ ‬قطعة‭ ‬الخبز‭.‬‮ ‬صارت‭ ‬العجلات‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬السير‭. ‬كانت‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬مكانها‭. ‬حركت‭ ‬يدي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬أثير‭ ‬انتباهه‭ ‬ليلتفت‭ ‬إليه‭ ‬فأرى‭ ‬وجهه‭ ‬مستديرا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬ظل‭ ‬لاهيا‭ ‬عنّي‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬بتأمل‭ ‬عميق‭ ‬إلى‭ ‬النوارس‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تضرب‭ ‬المياه‭ ‬بأجنحتها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬جنت‭ ‬فرحا‭. ‬بعد‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أكان‭ ‬طويلا‭ ‬أم‭ ‬قصيرا‭ ‬نهض‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬ومشى‭ ‬بعيدا‭ ‬عنّي،‭ ‬غادرني‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬كلمة‭ ‬وداع‭. ‬لقد‭ ‬فاجأني‭ ‬بقيامه‭ ‬فلم‭ ‬أقل‭ ‬شيئا‭. ‬كانت‭ ‬مشيته‭ ‬قد‭ ‬أعمت‭ ‬عيني‭ ‬وكممت‭ ‬فمي‭. ‬كان‭ ‬لديّ‭ ‬ما‭ ‬أقوله‭ ‬لذلك‭ ‬الشاب،‭ ‬ما‭ ‬أودّ‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬منه‭. ‬أثناء‭ ‬حيرة‭ ‬أحوالي‭ ‬وارتباكي‭ ‬كان‭ ‬الشاب‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭ ‬وعرفت‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬خسرت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الفرص‭ ‬النادرة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تهبني‭ ‬معرفة‭ ‬بحياتي‭ ‬السابقة‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

قبل‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬تركت‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬جالسا‭ ‬على‭ ‬أريكة‭ ‬خضراء،‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬كانت‭ ‬ستارة‭ ‬وردية‭ ‬شفافة‭ ‬تهتز‭ ‬بسبب‭ ‬هواء‭ ‬المروحة‭. ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬له‭ ‬كلمة‭ ‬وداع‭ ‬واحدة‭. ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬حزمت‭ ‬حقيبتي‭ ‬ووضعتها‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئست‭ ‬من‭ ‬إقناعه‭ ‬بالسفر‭ ‬معي‭. ‬بعناد‭ ‬ثور‭ ‬كان‭ ‬مصرا‭ ‬على‭ ‬البقاء‭. ‬“وطني”‭ ‬أو‭ ‬“بلادي”‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭. ‬حاولت‭ ‬إقناعه‭ ‬أن‭ ‬ياء‭ ‬التملك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬له،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يليق‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يكرر‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬البلهاء‭ ‬والمعتوهون‭ ‬والمساكين‭ ‬وقليلو‭ ‬الحيلة‭. ‬لم‭ ‬ينفع‭ ‬(خير‭ ‬البلاد‭ ‬ما‭ ‬حملتك)‭. ‬لم‭ ‬تقنعه‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬بلاد‭ ‬الله‭ ‬واسعة‭. ‬“إذا‭ ‬كنت‭ ‬أنا‭ ‬أهرب‭ ‬وأنت‭ ‬تهرب‭ ‬وأصدقاؤنا‭ ‬يهربون،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬نترك‭ ‬البلاد‭ ‬للأوغاد”‭ ‬“لنتركها‭ ‬لهم‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تبقى‭ ‬منها؟‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل‭ ‬سنكتشف‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬فائضين‭ ‬في‮ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬الطاردة”‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬المخفيّ‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يخيفه‭ ‬كان‭ ‬يخيفني‭ ‬أنا‭ ‬أيضا‭. ‬سأفقد‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬حقّي‭ ‬لأكون‭ ‬رقما،‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬أذهب‭ ‬إليه‭. ‬“سأكون‭ ‬مواطنا”‭ ‬“ولكن‭ ‬المواطنة‭ ‬ليست‭ ‬الأصل”‭ ‬“معك‭ ‬حق‭. ‬سأستعيد‭ ‬كرامتي”‭ ‬“وستفقدها،‭ ‬كونك‭ ‬لاجئا‭. ‬لن‭ ‬تربح‭ ‬إلا‭ ‬الشفقة”‭ ‬في‭ ‬السنتيمتر‭ ‬الأخير‭ ‬لن‭ ‬يغلبني‭. ‬كانت‭ ‬حقيبتي‭ ‬تلامس‭ ‬الباب‭ ‬وجواز‭ ‬سفري‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬معطفي‭ ‬وكان‭ ‬مشهد‭ ‬بيتي‭ ‬يؤلمني‭. ‬أنقذتني‭ ‬الساعة‭ ‬حين‭ ‬دقت‭. ‬الخامسة‭ ‬فجرا‭. ‬موعد‭ ‬حضور‭ ‬السائق‭ ‬الذي‭ ‬سيقلني‭ ‬إلى‭ ‬عمان‭. ‬على‭ ‬عجل‭ ‬حملت‭ ‬حقيبتي‭ ‬وفتحت‭ ‬الباب‭ ‬ولم‭ ‬ألتفت‭. ‬لقد‭ ‬انسحبت‭ ‬من‭ ‬النشيد‭ ‬كله‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬صرت‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬كلماتها‭ ‬المنسية‭. ‬لم‭ ‬أحمل‭ ‬معي‭ ‬حجرا‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬الموكب‭ ‬ببابل،‭ ‬ولا‭ ‬دمية‭ ‬سومرية‭ ‬ولا‭ ‬خنما‭ ‬أسطوانيا‭. ‬كان‭ ‬ثغاء‭ ‬الخراف‭ ‬المطيعة‭ ‬قد‭ ‬ملأ‭ ‬جسمي‭ ‬قرفا‭ ‬واشمئزازا‭.‬

لم‭ ‬أقل‭ ‬له‭ ‬وداعا‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرتقي‭ ‬المؤذن‭ ‬سلالم‭ ‬الملوية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬الديك‭ ‬رأسه‭ ‬من‭ ‬القن،‭ ‬قبل‭ ‬السلام‭ ‬الجمهوري‭ ‬والنشيد‭ ‬الوطني،‭ ‬قبل‭ ‬سورتي‭ ‬الفاتحة‭ ‬والإخلاص‭ ‬خرجت‭ ‬وأنا‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬باستماتة‭ ‬رجل‭ ‬يؤمن‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬سيكون‭ ‬معه‭. ‬فجأة‭ ‬أرى‭ ‬صاحبي،‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬وهو‭ ‬كما‭ ‬تركته‭ ‬على‭ ‬الأريكة‭ ‬الخضراء‭. ‬لم‭ ‬يكبر‭ ‬يوما‭ ‬واحدا‭. ‬ولا‭ ‬ظهرت‭ ‬تجعيدة‭ ‬واحدة‭ ‬تحت‭ ‬العين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬بظهر‭ ‬مستقيم‭ ‬مشى‭ ‬وبساقين‭ ‬قويتين‭ ‬وذراعين‭ ‬تحتفيان‭ ‬بالهواء‭. ‬لم‭ ‬أر‭ ‬ظهره‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لم‭ ‬أنصت‭ ‬إلى‭ ‬وقع‭ ‬قدميه‭ ‬وهما‭ ‬تضربان‭ ‬الأرض‭ ‬بثقة‭.‬

في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬انحرف‭ ‬خيالي‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية‭ ‬ونسيت‭ ‬خسارتي‭.‬

صار‭ ‬لديّ‭ ‬ما‭ ‬أرويه‭ ‬لزوجتي‭. ‬سنتسلّى‭ ‬بخبر،‭ ‬لو‭ ‬انهمكنا‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عنه‭ ‬لما‭ ‬استطعنا‭ ‬استخراجه‭ ‬طازجا‭. ‬سأقول‭ ‬لها‭ ‬“حدث‭ ‬وأن‭ ‬التقيت‭ ‬بالشخص‭ ‬الذي‭ ‬كنته‭ ‬قبل‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭. ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬الحالم‭ ‬الذي‭ ‬تركته‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬مصرّا‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الوطن‭. ‬هل‭ ‬تذكرينه؟”‭ ‬تذكره‭ ‬جيدا،‭ ‬وتلومني‭ ‬لأنني‭ ‬كنته‭. ‬كنت‭ ‬المستسلم‭ ‬لبلاهة‭ ‬أفكاره‭ ‬وفوضى‭ ‬خياله‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬اليوم‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الزمن‭ ‬الضائع‭. ‬لقد‭ ‬تساوت‭ ‬قوتا‭ ‬الندم‭: ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬عليه‭ ‬وما‭ ‬نحن‭ ‬فيه‭. ‬“لن‭ ‬أندم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬خسرت‭ ‬ولن‭ ‬أندم‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أربح”،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها‭ ‬فإن‭ ‬المعادلة‭ ‬تقيم‭ ‬خارج‭ ‬ميزان‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬تصلح‭ ‬للعيش‭. ‬فكرة‭ ‬ساذجة‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تلخّص‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأرض‭ ‬التي‭ ‬يقيم‭ ‬عليها‭. ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬إمكاني‭ ‬أن‭ ‬أجبرها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وطنا‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مأوى‭ ‬آمنا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الملايين‭. ‬ستكون‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬محض‭ ‬مساحة‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬العالمية‭. ‬نقطة‭ ‬ضوئية‭ ‬عمياء‭ ‬تعذب‭ ‬أثناء‭ ‬الطيران‭. ‬من‭ ‬فرانكفورت‭ ‬إلى‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬قال‭ ‬الطيار‭ ‬“نحن‭ ‬الآن‭ ‬فوق‭ ‬العراق”‭ ‬سأصبر‭ ‬على‭ ‬جملته‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬في‭ ‬ثانية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬طويل‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭. ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬يبعثون‭. ‬تمر‭ ‬ساعة‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬العراق‭ ‬تحتنا‭. ‬تعذبني‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬أراه‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬يابسة‭ ‬تحجبها‭ ‬الغيوم‭. ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لجارتي‭ ‬الآسيوية‭ ‬“انظري‭ ‬تحت‭. ‬وطني‭ ‬هناك”‭ ‬ترددت‭. ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬جملتي؟‭ ‬ما‭ ‬المناسبة؟‭ ‬لتكن‭ ‬بلادك‭ ‬تحت،‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬الدنيا‭ ‬تحت‭. ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬وما‭ ‬المدهش؟‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬مفاجئ‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلينا،‭ ‬نحن‭ ‬الاثنين‭ ‬تبدو‭ ‬الحكاية‭ ‬مختلفة‭.‬

بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شعر‭ ‬كثير‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭.‬

لن‭ ‬يرسم‭ ‬أحد‭ ‬أحدا‭. ‬وقف‭ ‬فيلاسكز‭ ‬في‭ ‬مرسمه‭ ‬وكانت‭ ‬الطفلة‭ ‬الأميرة‭ ‬تلهو‭. ‬هل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصدق‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬لتُرسم؟‭ ‬لتكون‭ ‬موضوعا‭ ‬للوحة؟‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬فيلاسكز‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬مواطنون‭. ‬لا‭ ‬فيلاسكز‭ ‬ولا‭ ‬الأميرة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الرسام‭ ‬الأسباني‭ ‬رسم‭ ‬بقوة‭ ‬الجمال‭. ‬لا‭ ‬خيانة‭. ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬جمعتهما،‭ ‬فيلاسكز‭ ‬والأميرة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬موجودة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬جمعتني‭ ‬بذلك‭ ‬الشاب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودة‭. ‬لقد‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬صورتها‭ ‬أولا‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬معانيها‭. ‬سيضحكون‭ ‬علينا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭: ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭. ‬موطن‭ ‬الحضارات‭. ‬نبع‭ ‬الملل‭ ‬والنحل‭. ‬آخر‭ ‬امبراطوريات‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭. ‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬حيث‭ ‬التقت‭ ‬اللغات‭ ‬واستعادت‭ ‬بابل‭ ‬مكانتها‭ ‬عاصمة‭ ‬للعالم‭. ‬ولكن‭ ‬الصورة‭ ‬تخون‭ ‬المعنى‭. ‬المعنى‭ ‬يخون‭ ‬الصورة‭. ‬ما‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬للّفظ،‭ ‬وما‭ ‬لفظ‭ ‬للجسد‭. ‬لقد‭ ‬صرنا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬نؤلف‭ ‬معاجم‭ ‬لما‭ ‬يمحى‭. ‬أرى‭ ‬الصورة‭ ‬على‭ ‬الجدار‭ ‬وحين‭ ‬ألتفت‭ ‬عنها‭ ‬تختفي‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تنسى‭ ‬الجدار‭ ‬وأما‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الجدار‭ ‬ثغرة،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأمل‭. ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متفائلا‭. ‬يا‭ ‬لقسوة‭ ‬ذلك‭ ‬التفاؤل‭. ‬رخامة‭ ‬هي‭ ‬شاهدة‭ ‬قبر‭ ‬تقرأ‭ ‬من‭ ‬جهتين‭: ‬ولد‭ ‬ميتا‭ ‬ومات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يولد‭. ‬أيهما‭ ‬نصدق؟

“جلست‭ ‬في‭ ‬حديقتك”‭ ‬أقول‭ ‬لجدتي‭. ‬كانت‭ ‬سينما‭ ‬النصر‭ ‬الصيفي‭ ‬تعرض‭ ‬أفلاما‭. ‬“كاوبوي؟”‭ ‬تتساءل‭ ‬جدتي‭. ‬لم‭ ‬تر‭ ‬جدتي‭ ‬فيلما‭ ‬واحدا،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تعرف‭ ‬أخبار‭ ‬ناتالي‭ ‬وود‭ ‬وكلوديا‭ ‬كاردينالي‭ ‬وجينا‭ ‬لولا‭ ‬بريجيدا‭ ‬ومارلين‭ ‬مونرو‭ ‬وصوفيا‭ ‬لورين‭ ‬وبريجيت‭ ‬باردو‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬كنّ‭ ‬نساء‭ ‬واقعيات‭ ‬خارج‭ ‬عتمة‭ ‬السينما‭. ‬“لكل‭ ‬واحدة‭ ‬منهن‭ ‬حكاية‭ ‬لم‭ ‬تروها‭ ‬بعد”‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬لعمي‭ ‬صبري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬متحمسا‭ ‬لرواية‭ ‬قصة‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬رآه‭ ‬قبل‭ ‬ساعتين‭. ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قلت‭ ‬لسيدة‭ ‬رأيتها‭ ‬للتو‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القاعات‭ ‬الفنية‭ ‬بدمشق‭ ‬“كأنّي‭ ‬أرى‭ ‬كلوديا‭ ‬كاردينالي”‭ ‬ابتسمت‭ ‬السيدة‭ ‬مسحورة‭ ‬بالتعبير،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬خيالي‭ ‬وقد‭ ‬أسرته‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬التفت‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬تجلس‭ ‬فيه‭ ‬جدتي‭ ‬وصار‭ ‬يتودد‭ ‬إليها‭. ‬“هل‭ ‬ترين‭ ‬حفيدك؟‭ ‬إنه‭ ‬يقلدك”‭. ‬انتبهت‭ ‬السيدة‭ ‬الدمشقية‭ ‬إلى‭ ‬أني‭ ‬كنت‭ ‬مشغولا‭ ‬عنها،‭ ‬فتركتني‭ ‬مرتبكة‭. ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬كثيرة‭ ‬خذلتني‭ ‬جدتي‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تقنياتها‭ ‬تأسرني‭ ‬حين‭ ‬أكتب‭. ‬ولكنها‭ ‬تفسد‭ ‬عليّ‭ ‬محاولاتي‭ ‬حين‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬العيش،‭ ‬وحيدا‭ ‬كما‭ ‬أنا‭. ‬كما‭ ‬أرى‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬المرآة،‭ ‬رجلا‭ ‬مسنا‭ ‬لا‭ ‬يصدق‭ ‬صورته‭ ‬في‭ ‬المرآة‭. ‬جدتي‭ ‬تضحك‭. ‬“لا‭ ‬تزال‭ ‬صغيرا”‭ ‬سأقول‭ ‬لها‭ ‬إنك‭ ‬تقصدين‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬هناك‭ ‬ولم‭ ‬يغادر‭ ‬البلد‭. ‬تضحك‭ ‬أكثر‭ ‬“هذه‭ ‬لعبتي‭. ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬ماهرا‭ ‬أكثر‭ ‬مني‭ ‬في‭ ‬استخراج‭ ‬أشكالها‭. ‬كنتَ‭ ‬هناك‭ ‬ميتا‭ ‬وأراك‭ ‬الآن‭ ‬هنا‭ ‬حيا‭. ‬هذا‭ ‬خبر‭ ‬عظيم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭. ‬أنت‭ ‬كما‭ ‬أراك‭ ‬طيبا‭ ‬ووديعا‭ ‬وصالحا‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬حفيدي”‭.‬

لم‭ ‬أخبرها‭ ‬بأنني‭ ‬أصبحت‭ ‬كاتبا‭. ‬ستقول‭ ‬لي‭ ‬“أكتب‭ ‬فيلما‭ ‬لكلوديا‭ ‬كاردينالي”‭.‬

خدعتني‭ ‬جدتي‭ ‬نشمية‭.‬

صارت‭ ‬واقعية‭ ‬حين‭ ‬تعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بمصيري‭. ‬سيكون‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬هوليوود‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬نورمان‭ ‬ميلر‭ ‬لأكتب‭ ‬سيناريو‭ ‬فيلم‭ ‬مصمم‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬جسد‭ ‬كاردينالي،‭ ‬لأنها‭ ‬المرأة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬إمكانها‭ ‬أن‭ ‬تهب‭ ‬المرأة‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موجودة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أنثى‭. ‬واقعية‭ ‬جدتي‭ ‬تمس‭ ‬الأرض‭.‬‭ ‬تلاحق‭ ‬القدمين‭. ‬الأنوثة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬ستريك‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬للأنوثة‭. ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أتخيل‭ ‬واقعيتها‭ ‬وهي‭ ‬تطيح بي‭.‬‭ ‬“معا‭ ‬سنكون‭ ‬هناك”‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬فيلما‭ ‬واحدا‭ ‬في‭ ‬حياتها‭. ‬كانت‭ ‬تتخيل‭ ‬حياتها‭ ‬مصورة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬السينما‭. ‬كانت‭ ‬كلوديا‭ ‬كردينالي‭ ‬هي‭ ‬جدتي‭ ‬الحالمة‭.‬

‮ ‬II

‮ ‬“عش‭ ‬حياتك”‭. ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬مَن‭ ‬قالها‭ ‬لي‭. ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬كثيرة‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬بقيمة‭ ‬تلك‭ ‬النصيحة‭. ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬المرء‭ ‬حياته‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬النصيحة‭. ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الانهماك‭ ‬اليومي‭ ‬بتفاصيل‭ ‬العيش‭ ‬ينسى‭ ‬المرء‭ ‬أين‭ ‬تقع‭ ‬حياته‭. ‬هل‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬الخيوط‭ ‬التي‭ ‬يتشكل‭ ‬منها‭ ‬نسيج‭ ‬أفعاله‭ ‬وأقواله،‭ ‬صداقاته‭ ‬وعداواته،‭ ‬حالات‭ ‬الصفاء‭ ‬والنكد‭ ‬مجتمعة،‭ ‬جولاته‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والغابات‭ ‬ولحظات‭ ‬تأمله‭ ‬الساكنة‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬منعزل،‭ ‬وحيدة‭ ‬تتأمل‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به؟

كنت‭ ‬جالسا‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الانتظار‭ ‬بالمركز‭ ‬الصحي‭ ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬امرأة‭ ‬أجنبية‭ ‬ترتدي‭ ‬ثيابا‭ ‬رياضية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬جاري‭ ‬وتلقي‭ ‬عليه‭ ‬بالعربية‭ ‬السورية‭ ‬تحية‭ ‬جافة،‭ ‬رد‭ ‬عليها‭ ‬الرجل‭ ‬بجفاء‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬حماسة‭ ‬لاستئناف‭ ‬حديث‭ ‬انقطع‭. ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬مقدمات‭ ‬صارت‭ ‬المرأة‭ ‬تهذي‭ ‬وهي‭ ‬تشكو‭ ‬أحوال‭ ‬الغربة‭ ‬والعزلة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬فلم‭ ‬أتابعها،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬أذني‭ ‬التقطت‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬خلاصة‭ ‬كل‭ ‬الهلع‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭. ‬قالت‭ ‬“كلما‭ ‬أقف‭ ‬على‭ ‬شرفة‭ ‬البيت‭ ‬أفكر‭ ‬بالقفز‭ ‬منها‭. ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬سأفعلها”‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬ستقفز‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬الرياضية‭ ‬من‭ ‬الشرفة،‭ ‬لتغادر‭ ‬حياتها‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعشها‭. ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬يومها‭ ‬وحيدة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬توقع‭.‬

“لم‭ ‬تعش‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬حياتها‭ ‬كما‭ ‬يجب”‭ ‬جملة‭ ‬ميسّرة‭ ‬نقولها‭ ‬ونمشي‭. ‬الجثة‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭. ‬لقد‭ ‬رأينا‭ ‬عشرات‭ ‬الجثث‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭. ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬تزويدنا‭ ‬بمئات‭ ‬الصور‭ ‬لبشر‭ ‬تحوّلوا‭ ‬إلى‭ ‬جثث‭ ‬مجهولة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الجالسين‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬المطمئنة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬النعاس‭. ‬أولئك‭ ‬البشر،‭ ‬أتراهم‭ ‬لم‭ ‬ينتصحوا‭ ‬فلم‭ ‬يعيشوا‭ ‬حياتهم‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬القدر‭ ‬لم‭ ‬يهيّئ‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬يقدم‭ ‬لهم‭ ‬تلك‭ ‬النصيحة‭ ‬المجانية؟‭ ‬لقد‭ ‬عاشوا‭ ‬حيواتهم‭ ‬مضطرين،‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحسم‭ ‬موقفهم‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬العيش‭: ‬القفز‭ ‬من‭ ‬الشرفات‭. ‬تخيلت‭ ‬عملا‭ ‬لم‭ ‬يرسمه‭ ‬البلجيكي‭ ‬رينيه‭ ‬ماغريت‭. ‬حشود‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬تقفز‭ ‬من‭ ‬الشرفات‭ ‬والنوافذ،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭. ‬لقد‭ ‬رسمهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بقبّعات‭ ‬ومظلات‭ ‬وسط‭ ‬الفضاء‭. ‬في‭ ‬لوحتي‭ ‬المتخيلة‭ ‬سيرسمهم‭ ‬وهم‭ ‬يتجهون‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭.‬‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬فعل‭ ‬التحليق‭ ‬مقصودا‭ ‬لذاته‭.‬

هذه‭ ‬المرة‭ ‬لن‭ ‬يكونوا‭ ‬ملائكة‭.‬

لا‭ ‬تحتاج‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يخفف‭ ‬عنها‭ ‬عبء‭ ‬ما‭ ‬تعيشه،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحثها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬خطتها‭. ‬سيكون‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬التجربة‭ ‬كاملة‭. ‬الفصل‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬حياتها‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬مأثرتها‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬ستذكر‭ ‬بها‭. ‬في‭ ‬البلدة‭ ‬المجاورة‭ ‬لبلدتي‭ ‬وقف‭ ‬شاب‭ ‬أمام‭ ‬قطار‭ ‬ليؤكد‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬عاش‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬لديه‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يغلق‭ ‬الباب‭ ‬بعنف‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬إمكانه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬عاش‭ ‬حياته‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬تماما‭. ‬“عشنا‭ ‬ما‭ ‬تيسّر‭ ‬منها”‭ ‬نقول‭ ‬باستسلام‭ ‬يشوبه‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬العناد‭. ‬كان‭ ‬بابلو‭ ‬نيرودا‭ ‬ذكيا‭ ‬كالعادة‭ ‬حين‭ ‬اختار‭ ‬عبارة‭ ‬“أشهد‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬عشت”‭ ‬عنوانا‭ ‬لمذكراته‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬شاهد‭ ‬آخر‭. ‬نيرودا‭ ‬هو‭ ‬الشاهد‭ ‬الوحيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬التشيلي‭ ‬قد‭ ‬عاش‭ ‬حياته‭ ‬حقا‭.‬

ربما‭ ‬عاشها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشعر‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السياسة‭ ‬ربما‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نخفف‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬ضجره‭ ‬فنقول‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬عاش‭ ‬حياته‭ ‬عاشقا‭. ‬كتب‭ ‬قصائد‭ ‬عظيمة،‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬موضوعها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬أقل‭ ‬صخبا‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬والسياسة‭ ‬وحتى‭ ‬الغزل‭. ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬آهة‭ ‬رامبو‭ ‬الشقي‭ ‬وهي‭ ‬تنزلق‭ ‬مثل‭ ‬ضربة‭ ‬ملعقة‭ ‬على‭ ‬صحن‭ ‬فارغ‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الدويّ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حياة‭ ‬لم‭ ‬يعشها‭ ‬أحد‭.‬

في‭ ‬مدينة‭ ‬تاريخية‭ ‬اسمها‭ ‬بغداد‭ ‬التقيت‭ ‬ذات‭ ‬نهار‭ ‬برجل‭ ‬تاريخي‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭. ‬كانت‭ ‬مقهى‭ ‬البرلمان‭ ‬تعج‭ ‬بالزبائن‭ ‬وكان‭ ‬الرجل‭ ‬سعيدا‭ ‬بكل‭ ‬ذلك‭ ‬الإهمال‭ ‬الذي‭ ‬يُحاط‭ ‬به‭. ‬“لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرفني‭. ‬ما‭ ‬أسعدني”‭ ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬بدلة‭ ‬أنيقة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬الأربعينات‭. ‬“قابلت‭ ‬هتلر‭ ‬وأنا‭ ‬أرتديها”‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬نظرتي‭ ‬وهي‭ ‬تنزلق‭ ‬على‭ ‬بدلته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تذكّر‭ ‬بالأزمنة‭ ‬السعيدة‭. ‬تخيلت‭ ‬صوته‭ ‬القديم‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬صار‭ ‬يتثاءب‭ ‬ضجرا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭. ‬“لقد‭ ‬عشت‭ ‬حياتي‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطوة‭ ‬قادمة‭. ‬تزوجت‭ ‬نساء‭ ‬كثيرات‭ ‬وأنجبت‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُحصى‭ ‬من‭ ‬الأولاد‭ ‬والبنات‭ ‬وشربت‭ ‬أغلى‭ ‬أنواع‭ ‬النبيذ‭ ‬وكان‭ ‬الكافيار‭ ‬مزتي‭ ‬ونمت‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬الفنادق،‭ ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أنتظر‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يمكنني‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬حياتي‭. ‬الكون‭ ‬نائم‭ ‬بين‭ ‬صيحتي‭ ‬ديك”‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الديك‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جانبي‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬جامع‭ ‬الحيدرخانة‭ ‬بضجر‭.‬

كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أتذكر‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬“عش‭ ‬حياتك”‭.‬

تسقط‭ ‬فراشة‭ ‬من‭ ‬الغصن‭. ‬“أتراها‭ ‬ماتت؟”‭ ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬التعيس‭ ‬الذي‭ ‬ألعبه‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الكائنات‭. ‬شاهد‭ ‬موت‭ ‬كان‭ ‬يفكر‭ ‬قبل‭ ‬لحظات‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬بروناي‭ ‬ليسأل‭ ‬سلطانها‭ ‬“هل‭ ‬عشت‭ ‬حياتك؟”‭.‬

لو‭ ‬أنها‭ ‬أنصتت،‭ ‬تلك‭ ‬الحياة‭ ‬المسرعة‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أقوله‭. ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬أبطأت‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬خطواتها‭ ‬لكنت‭ ‬أجلس‭ ‬بين‭ ‬قدميها‭ ‬مثل‭ ‬قنفذ‭. ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬الغصن‭ ‬لما‭ ‬ماتت‭ ‬الفراشة‭. ‬سيضحك‭ ‬سلطان‭ ‬بروناي‭. ‬بين‭ ‬القنفذ‭ ‬والفراشة‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حياة،‭ ‬في‭ ‬إمكانها‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬النور‭ ‬وتغادر‭ ‬بخفة‭. ‬يتخطّى‭ ‬الأمر‭ ‬الموت‭ ‬المباشر‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬أنّ‭ ‬حياته‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحيوات‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬حياة‭ ‬واحدة‭. ‬أنا‭ ‬أتكاثر‭ ‬من‭ ‬خلالي‭. ‬موهبتي‭ ‬الفريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬لي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬منأى‭ ‬عن‭ ‬المصائر‭ ‬العاثرة‭. ‬سأنام‭ ‬وحيدا‭ ‬مثل‭ ‬ملك‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬يقع‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الكون‭. ‬لا‭ ‬يابسة‭ ‬هناك‭. ‬لا‭ ‬مياه‭. ‬فقط‭ ‬الحياة‭ ‬باعتبارها‭ ‬إرثا‭ ‬إلاهيا‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الفراغ‭ ‬الكوني‭ ‬سأرى‭ ‬كائنات‭ ‬كثيرة،‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عليّ‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬صديقي‭ ‬القادم‭ ‬لتوّه‭ ‬من‭ ‬برلين‭. ‬ببدلته‭ ‬الرمادية‭ ‬عينها‭ ‬أراه‭ ‬واقفا‭ ‬يعدل‭ ‬نظارته‭. ‬سيقول‭ ‬لي‭ ‬“التقينا‭ ‬سابقا‭. ‬أين؟‭ ‬ذكّرني”‭ ‬لن‭ ‬يصدقني‭ ‬حين‭ ‬أخبره‭ ‬أننا‭ ‬التقينا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬فإن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يُعاش‭ ‬مرتين‭. ‬الحياة‭ ‬كذلك‭. ‬“لقد‭ ‬كنتُ‭ ‬هناك‭ ‬ذات‭ ‬مرة،‭ ‬يومها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أنت‭ ‬مولودا،‭ ‬ولأن‭ ‬هتلر‭ ‬صديقي‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬فإن‭ ‬نظريتك‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬محض‭ ‬خيال”‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬حياتي‭ ‬إلا‭ ‬اختراعا‭.‬

سأصدق‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إننا‭ ‬نضع‭ ‬خطوة‭ ‬خيالية‭ ‬بين‭ ‬خطوتين‭ ‬واقعيتين‭. ‬قل‭ ‬لن‭ ‬يصيبنا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬الله‭ ‬لنا‭. ‬الخطوة‭ ‬الخفية‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬نافعة‭ ‬لأحد‭ ‬بعينها،‭ ‬ربما‭ ‬ستمشي‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬سيكتمل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭. ‬المتر‭ ‬الناقص‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬أين‭ ‬يقع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يدفعني‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الخطوة‭ ‬الفائضة‭. ‬لا‭ ‬بأس‭. ‬كانت‭ ‬لديّ‭ ‬حياة‭ ‬وأهملتها،‭ ‬تركتها‭ ‬في‭ ‬المطبخ،‭ ‬تحت‭ ‬منضدة‭ ‬الطعام،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬فيه‭ ‬أودّ‭ ‬القفز‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬البيت‭. ‬كنت‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬التحليق‭ ‬تشبها‭ ‬بكائنات‭ ‬ماغريت‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬التقيت‭ ‬بعد‭ ‬المرأة‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬القفز‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬بيتها،‭ ‬رغبة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬استرجاع‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬شجاعة‭.‬

الآن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬البارد‭ ‬الذي‭ ‬أقيم‭ ‬فيه‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬شتوي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الإلهام‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬وقف‭ ‬أمام‭ ‬القطار‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬الدفء،‭ ‬عجزت‭ ‬الإنسانية‭ ‬عن‭ ‬حمايته‭ ‬فسار‭ ‬بقدميه‭ ‬إلى‭ ‬المعجزة‭. ‬سأتأمل‭ ‬البدر‭ ‬لكي‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬قمري‭ ‬نبيا‭. ‬“كان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬واضحا”‭ ‬قال‭ ‬سائق‭ ‬القطار‭ ‬“غير‭ ‬أن‭ ‬القطار‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬بيسر”‭ ‬كانت‭ ‬محاولة‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سائق‭ ‬القطار‭ ‬فإن‭ ‬حدثا‭ ‬مؤسفا‭ ‬لن‭ ‬يعطّل‭ ‬مجرى‭ ‬حياته‭. ‬هنالك‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬المرء‭ ‬وراء‭ ‬مقود‭ ‬قطار‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬القطار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سائق‭ ‬القطار‭ ‬سيكون‮ ‬‭ ‬مضطرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬إلى‭ ‬أحلامه‭. ‬هناك‭ ‬حياة‭ ‬قد‭ ‬سحقتها‭ ‬عجلات‭ ‬القطار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقوده‭. ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬فإن‭ ‬معنى‭ ‬القاتل‭ ‬سيتحقق‭ ‬من‭ ‬خلاله‭. ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬رأى‭ ‬عجزه‭ ‬عن‭ ‬إنقاذ‭ ‬حياة‭ ‬صار‭ ‬على‭ ‬سائق‭ ‬القطار‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬عبء‭ ‬حياتين‭:‬‭ ‬حياته‭ ‬وحياة‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬قتله‭. ‬سيلوم‭ ‬القدر‭ ‬لأنه‭ ‬اختاره‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬قاتلا،‭ ‬لنقل‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬القتل‭. ‬ستهبه‭ ‬تلك‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬سيعيشها‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسرار‭. ‬“لمَ‭ ‬اخترتني‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬موتك؟”‭.‬

ربما‭ ‬يسأل‭ ‬المرء‭ ‬حياته‭ ‬بالطريقة‭ ‬ذاتها‭ ‬“لمَ‭ ‬اخترتني‭ ‬لأعيشك؟”‭.‬

كنا‭ ‬اثنين‭ ‬دائما‭. ‬أنا‭ ‬وحياتي‭. ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعشها‭ ‬أحد‭ ‬سواي‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعشها‭ ‬أحد‭. ‬لقد‭ ‬تذكرت‭ ‬أن‭ ‬أحدا‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬“عش‭ ‬حياتك”،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أفكر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يحرم‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬حياته‭. ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬المرء‭ ‬حياته‭. ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنفيذ‭ ‬الواقعي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬حقيقيا‭ ‬دائما‭. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬نحيا‭ ‬خارج‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬قدّر‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نحياها‭. ‬لا‭ ‬تهمّني‭ ‬هنا‭ ‬المصائر‭ ‬المجانية،‭ ‬سأذهب‭ ‬إلى‭ ‬الجوهر‭. ‬لقد‭ ‬تركت‭ ‬ورائي‭ ‬حياة‭ ‬طازجة،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أمد‭ ‬يدي‭ ‬إلى‭ ‬فاكهتها‭. ‬هي‭ ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أعشها‭.‬

كانت‭ ‬امرأة‭ ‬الشرفة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جالسة‭ ‬في‭ ‬مكانها‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬جاري‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭.‬

“هل‭ ‬أنت‭ ‬يوناني؟”‭ ‬سألتني‭.‬

“لا‭. ‬أنا‭ ‬عربي”‭ ‬أجبتها‭.‬

“إذن‭ ‬سمعتني‭ ‬وأنا‭ ‬أحدث‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جانبك‭ ‬عن‭ ‬رغبتي‭ ‬في‭ ‬القفز‭ ‬من‭ ‬الشرفة‭. ‬طبعا‭ ‬أنا‭ ‬كنت‭ ‬أمزح‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬تشعر‭ ‬بالسعادة‭ ‬هنا؟”‭.‬

“أين؟”‭.‬

“في‭ ‬السويد”‭.‬

“لا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أحكم‭ ‬بيسر‭. ‬الأمر‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬السعادة”‭.‬

لم‭ ‬تعجبها‭ ‬جملتي‭ ‬فزمّت‭ ‬شفتيها‭ ‬بطريقة‭ ‬مبتذلة‭. ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تمنع‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬فمها‭. ‬عادت‭ ‬لتقترب‭ ‬مني‭.‬

“ولا‭ ‬مرة‭ ‬فكرت‭ ‬بالقفز‭ ‬من‭ ‬الشرفة‭ ‬مثلا؟”‭.‬

“ولا‭ ‬مرة”‭ ‬ضحكت‭.‬

“عجيب”‭.‬

اقتربت‭ ‬مني‭ ‬أكثر‭ ‬وهمست‭ ‬“حضرتك‭ ‬خيالي‭ ‬بالتأكيد”‭.‬

“سأكون‭ ‬واقعيا‭ ‬من‭ ‬أجلك”‭ ‬أعجبها‭ ‬ردّي‭ ‬فجلست‭ ‬إلى‭ ‬جواري‭.‬

قالت‭ ‬“في‭ ‬البدء‭ ‬أعجبتني‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭. ‬هدوء‭ ‬وعصافير‭ ‬وناس‭ ‬تمر‭ ‬بخفة‭ ‬وبحيرات‭ ‬وبطّ،‭ ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬أفقد‭ ‬أعصابي‭. ‬ما‭ ‬من‭ ‬شراكة‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ورقي‭. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المقابلات‭ ‬الرسمية‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬سوى‭ ‬الشفقة‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬من‭ ‬تقابلني‭. ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أنك‭ ‬كلما‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬لقاء‭ ‬رسمي‭ ‬تجد‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬انتظارك؟‭ ‬أنا‭ ‬أكره‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬إلى‭ ‬النساء‭. ‬لقد‭ ‬صرت‭ ‬أشعر‭ ‬بالسأم‭. ‬كانت‭ ‬القرية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬واسعة،‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬السويد‭ ‬ضيقة”‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ظهر‭ ‬طبيبي‭.‬

“سامحيني”‭ ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬ومضيت‭.‬

III

‮ ‬“أغلق‭ ‬عينيك‭ ‬لترى”‭. ‬كانت‭ ‬الموسيقى‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬العشب‭ ‬خضراء‭. ‬تعود‭ ‬يدي‭ ‬مبتلة‭ ‬كلما‭ ‬مددتها‭ ‬إلى‭ ‬العشب‭. ‬أنصت‭ ‬إلى‭ ‬ياسر‭ ‬صافي‭ ‬وهو‭ ‬رسّام‭ ‬سوري‭. ‬كان‭ ‬يحدثني‭ ‬عن‭ ‬أشياء‭ ‬تقع،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬معنى‭. ‬أسأله‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬فيه‭. ‬يتأمّلني‭ ‬بصمت‭ ‬وهي‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬الصداقة‭. ‬كانت‭ ‬وحوشه‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬نائمة‭. ‬“لقد‭ ‬أحضرتها‭ ‬لتوي‭. ‬لم‭ ‬تنم‭ ‬منذ‭ ‬ليلتين‭. ‬سيكون‭ ‬نومها‭ ‬متقطعا‭ ‬لأنها‭ ‬تشعر‭ ‬بالغربة”‭. ‬سأنام‭ ‬إذن‭ ‬ومن‭ ‬حولي‭ ‬كائنات‭ ‬تحاول‭ ‬النوم‭. ‬كائنات‭ ‬بريئة‭ ‬سيكون‭ ‬نومها‭ ‬متقطعا‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬صديقي‭ ‬أن‭ ‬يطردها‭. ‬فهو‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬بيت‭ ‬لها،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الشام‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭. ‬كائنات‭ ‬تائهة،‭ ‬جزء‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬خبرتها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التيه‭. ‬لقد‭ ‬جعلته‭ ‬تلك‭ ‬الوحوش‭ ‬خادمها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬خالقها‭. ‬“ولكنها‭ ‬ليست‭ ‬وحوشا‭ ‬إلا‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاستعاري”‭ ‬يقول‭ ‬ياسر‭ ‬ضاحكا‭. ‬“صدقني‭ ‬إنها‭ ‬أكثر‭ ‬رحمة‭ ‬منا”‭. ‬يضيف‭. ‬“في‭ ‬الصباح‭ ‬ستكون‭ ‬صديقها”‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلا‭.‬

لقد‭ ‬حلمت‭ ‬بأنني‭ ‬استرجعت‭ ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬تتدحرج‭ ‬مثل‭ ‬قبعة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬عاصف‭.‬

كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬حياتي‭ ‬وحيدا،‭ ‬باعتباري‭ ‬مالكها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭.‬

“يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬كائنات‭ ‬لامرئية”‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬مازحا‭. ‬ولكن‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬دائما‭. ‬في‭ ‬الرسم‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬يبدو‭ ‬ياسر‭ ‬مسيطرا‭ ‬على‭ ‬توتّره‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬علاقته‭ ‬بتلك‭ ‬الكائنات‭ ‬المتوترة،‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭. ‬يصل‭ ‬ياسر‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬بل‭ ‬تلذذا‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعنيه‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭. ‬يلذ‭ ‬لياسر‭ ‬أن‭ ‬ينافس‭ ‬كائناته،‭ ‬يزاحمها،‭ ‬يكيد‭ ‬لها‭ ‬بل‭ ‬ويغرر‭ ‬بها‭ ‬أحيانا،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يحرمها‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭. ‬لهذا‭ ‬تبدو‭ ‬‮ ‬الصورة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬حياة،‭ ‬التقط‭ ‬فجأة،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أيّ‭ ‬تمهيد‭ ‬مسبق‭. ‬هكذا‭ ‬يستخرج‭ ‬صديقي‭ ‬الرسام‭ ‬من‭ ‬البداهة‭ ‬حكايات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ناقصة‭. ‬وستبقى‭ ‬كذلك،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬احتلّت‭ ‬مكانها‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬اللوحة‭. ‬فما‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬لن‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الرسم‭ ‬ما‭ ‬يعينه‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الكمال‭.‬

لم‭ ‬أغلق‭ ‬عيني،‭ ‬حسب‭ ‬نصيحته‭ ‬فيما‭ ‬كنت‭ ‬أتساءل‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬يستخرج‭ ‬الرسام‭ ‬كائناته؟‭ ‬ألقيت‭ ‬اللوم‭ ‬عليه‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ألوم‭ ‬نفسي‭. ‬أما‭ ‬كان‭ ‬حريا‭ ‬بي‭ ‬أن‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭ ‬أولا‭. ‬لقد‭ ‬عبدت‭ ‬طرقا‭ ‬بلهاث‭ ‬خطواتي‭ ‬الراكضة،‭ ‬ذهابا‭ ‬وإيابا،‭ ‬بين‭ ‬زمنين‭ ‬متخيلين‭. ‬أمد‭ ‬يدي‭ ‬بيقين‭ ‬إلى‭ ‬دمية‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬رأيتها‭ ‬فتقبض‭ ‬يدي‭ ‬على‭ ‬هواء‭. ‬ما‭ ‬من‭ ‬دمية‭. ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬القول‭ ‬إنني‭ ‬رأيتها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬وعليّ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬أصدق‭ ‬أنني‭ ‬رأيتها‭. ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الدمية‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬نظرتها‭ ‬تلتهم‭ ‬ما‭ ‬أضعه‭ ‬في‭ ‬صحنها‭. ‬دمية‭ ‬تأكل‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

“قطعة‭ ‬البازلت‭ ‬الناقصة‭ ‬تهزم‭ ‬الحدس‭.‬

“هل‭ ‬قلت‭ ‬الحدس؟”‭.‬

الحدس‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬حواسنا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬سنخطئ‭ ‬الطريق‭ ‬ذهابا‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬الأشباح‭. ‬هناك‭ ‬تعيش‭ ‬الكائنات‭ ‬المهمشة،‭ ‬المحرومة،‭ ‬المضطهدة،‭ ‬المنسية،‭ ‬المعذبة‭ ‬مثلنا‭ ‬تماما‭. ‬أصدقاؤنا‭ ‬في‭ ‬النفي،‭ ‬غير‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬أذكى‭ ‬منا‭ ‬حين‭ ‬اختاروا‭ ‬أن‭ ‬يختفوا‭. ‬يومها‭ ‬انتهت‭ ‬الشفقة‭. ‬ربما‭ ‬الألم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأجساد‭ ‬الشفافة‭. ‬سيقال‭ ‬إنك‭ ‬تستقصي‭ ‬أحوال‭ ‬أرواح‭ ‬هائمة‭. ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الخليقة‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬هواء‭ ‬تعبئه‭ ‬الطبيعة‭ ‬بالآهات‭ ‬والهمسات‭ ‬المغدورة‭ ‬والتأوهات‭ ‬المأخوذة‭ ‬بنغمها‭ ‬المعذب‭. ‬الإصبع‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬الحواس‭. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬حقيقة‭ ‬مثالية‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوحوش‭ ‬الصغيرة‭ ‬ليست‭ ‬راضية‭ ‬عمّا‭ ‬يفعله‭ ‬صديقي‭ ‬بها‭. ‬صحيح‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬ترويضها،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يضعها‭ ‬في‭ ‬جنات‭ ‬بديلة‭. ‬أتخيل‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬نجحت‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬اصطياد‭ ‬صديقي،‭ ‬ما‭ ‬يتيسر‭ ‬لها‭ ‬اصطياده‭ ‬منه،‭ ‬لما‭ ‬وضعته‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬مسيجة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬فرجة‭. ‬شرفها‭ ‬الحربي‭ ‬يحتّم‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تلتهمه،‭ ‬فيكون‭ ‬حينها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الذكرى‭.‬

لتتذكر‭ ‬أنها‭ ‬التهمت‭ ‬يوما‭ ‬إنسيا‭.‬

كل‭ ‬يوم‭ ‬نلتهم‭ ‬حيوات‭ ‬متعددة،‭ ‬كانت‭ ‬تجمح‭ ‬بأحلامها،‭ ‬مزودة‭ ‬برؤى‭ ‬غدها‭ ‬لنستولي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬طاقة‭ ‬متخيلة‭. ‬(أوميغا‭ ‬3)‭ ‬هو‭ ‬خلاصة‭ ‬أرواح‭ ‬هائمة،‭ ‬زيتها‭ ‬وأثيرها‭ ‬وعصارة‭ ‬خيالها‭. ‬تبدو‭ ‬المطاعم‭ ‬البحرية‭ ‬مثل‭ ‬مجازر،‭ ‬تتكوم‭ ‬الكائنات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬خزاناتها‭ ‬الزجاجية‭ ‬بأناقة‭ ‬تفصح‭ ‬عن‭ ‬إهمال‭ ‬مقصود‭ ‬لمعنى‭ ‬فكرة‭ ‬الخلق‭. ‬هي‭ ‬ذي‭ ‬الوحوش‭ ‬المأسورة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الميتة‭ ‬وقد‭ ‬استسلمت‭ ‬لخيالنا‭. ‬سيعيننا‭ ‬الحدس‭ ‬على‭ ‬ارتكاب‭ ‬المعصية‭. ‬معصية‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬واقعيين‭ ‬فننظر‭ ‬بإنصاف‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬باعتبارها‭ ‬حقا‭ ‬لكل‭ ‬الكائنات‭.‬

القوقعة‭ ‬تغلق‭ ‬فمها‭ ‬على‭ ‬إصبعي‭. ‬ما‭ ‬الخطأ‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬جرحتني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ألتهم‭ ‬محّارها؟

أصدق‭ ‬نصيحة‭ ‬صاحبي‭. ‬أغلق‭ ‬عينيك‭ ‬لترى‭.‬

القوقعة‭ ‬عمياء،‭ ‬السمكة‭ ‬عمياء،‭ ‬الضفدع‭ ‬أعمى‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬العشب‭ ‬ليست‭ ‬عمياء‭. ‬إنها‭ ‬تجبرني‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الحقل‭ ‬واسع‭. ‬البحر‭ ‬واسع‭. ‬الصداقة‭ ‬واسعة‭. ‬الأرض‭ ‬واسعة‭. ‬كيف‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أسيري‭ ‬خطوات،‭ ‬لو‭ ‬سقطت‭ ‬أقدامنا‭ ‬عليها‭ ‬الآن‭ ‬لما‭ ‬اتسعت‭ ‬لها؟‭ ‬لقد‭ ‬ضاقت‭ ‬الخطوات‭ ‬فيما‭ ‬كبرت‭ ‬أقدامنا‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬الظل‭ ‬درس‭ ‬عميق،‭ ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نتعلم‭. ‬ولكن‭ ‬صديقي‭ ‬الرسام‭ ‬يريد‭ ‬لوحوشه‭ ‬أن‭ ‬تحيا‭ ‬بدلا‭ ‬منه‭. ‬لقد‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يهبها‭ ‬لوعته،‭ ‬وهي‭ ‬زاده‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬صار‭ ‬هو‭ ‬مادة‭ ‬عملياتها‭ ‬المختبرية‭.‬

حدثني‭ ‬صديق‭ ‬عراقي‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬عن‭ ‬الرحمة‭. ‬حينها‭ ‬تذكرت‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬الرحمة‭. ‬وبهذا‭ ‬نكون‭ ‬أقل‭. ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نوصف‭ ‬بالرحمة‭. ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نتمكن‭ ‬منها‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلينا،‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬فإن‭ ‬الرحمة‭ ‬ليست‭ ‬فعلا‭ ‬بطوليا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬البطولة‭ ‬زائدا‭ ‬التنزه‭ ‬عنها،‭ ‬بمعنى‭ ‬التخلي‭. ‬مسحة‭ ‬يد‭ ‬المسيح‭ ‬التي‭ ‬تشفي‭ ‬من‭ ‬الأمراض،‭ ‬الجبل‭ ‬الذي‭ ‬تصدع‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬مكانه،‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يهب‭ ‬الزمن‭ ‬نسيجا‭ ‬واحدا،‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬هناك‭ ‬سوى‭ ‬شكل‭ ‬واحد‭ ‬يتجلى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬المستقبل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬صديقي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مختصا‭ ‬بالطب‭ ‬النفسي‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬الإيجابي‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬ماض،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬حاضر‭. ‬هناك‭ ‬المستقبل‭ ‬وحده‭. ‬الرحمة‭ ‬هي‭ ‬مخ‭ ‬المستقبل‭. ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬إيجابيين‭. ‬ولكننا‭ ‬ملأنا‭ ‬حياتنا‭ ‬ظلما‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬صديقي‭ ‬الرسام‭ ‬قد‭ ‬أنقذ‭ ‬بقايا‭ ‬وحوش‭ ‬هائمة‭ ‬حين‭ ‬أسرها‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نكف‭ ‬عن‭ ‬تأليف‭ ‬دعابات‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬تفردنا‭ ‬بالملكية‭. ‬هناك‭ ‬إرث‭ ‬كوني‭ ‬هائل‭ ‬السعة‭ ‬يعاني‭ ‬بسبب‭ ‬بلاهتنا،‭ ‬خيالنا‭ ‬المريض‭ ‬بالقوة،‭ ‬ضعة‭ ‬أخلاقنا‭.‬

ولأن‭ ‬الطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تغدق‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬نعمها‭ ‬وحسناتها‭ ‬فإن‭ ‬حواسنا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنعم‭ ‬بالخيال‭. ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬ربيع‭ ‬ماض،‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬ربيع‭ ‬مقبل‭. ‬الفصول‭ ‬لا‭ ‬تستنسخ‭ ‬أحوالها،‭ ‬كل‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬له‭ ‬موهبته‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬التجلي‭. ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬الرسم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كذلك‭. ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬إمكانها‭ ‬كذلك‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإن‭ ‬المسافر،‭ ‬أيّ‭ ‬مسافر‭ ‬سيكون‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يثقل‭ ‬نفسه‭ ‬بالحقائب،‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬حقائب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬انتظاره‭. ‬عليّ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬اعترف‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬حقيبة‭ ‬المسافر‭ ‬قد‭ ‬تعرّض‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬لنوع‭ ‬خطير‭ ‬من‭ ‬الإزاحة‭. ‬لقد‭ ‬صرت‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬الفنادق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أحتاج‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬مناشف‭ ‬وأدوات‭ ‬حلاقة‭ ‬ومعجون‭ ‬وفرشاة‭ ‬أسنان‭ ‬وخفّ‭ ‬بيتي‭ ‬ومساحيق‭ ‬لترطيب‭ ‬الجلد‭ ‬وتزييت‭ ‬الشعر،‭ ‬إضافة‭ ‬الى‭ ‬العدة‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الصابون‭. ‬ولكن‭ ‬الوحوش‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬استضافها‭ ‬ياسر‭ ‬صافي‭ ‬لا‭ ‬تفكر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عزلتها‭.‬

تود‭ ‬تلك‭ ‬الوحوش‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭ ‬عينيها‭ ‬لترى‭.‬

كنت‭ ‬أسبح‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الجاز،‭ ‬حين‭ ‬تذكرت‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬تخطّاني‭. ‬كان‭ ‬مزاجي‭ ‬الموسيقي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الفرار‭. ‬“أنا‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬لم‭ ‬يعشها‭ ‬أحد‭ ‬سواي”‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬عشت‭ ‬تلك‭ ‬الحياة‭ ‬حقا؟‭ ‬أتخيلها‭ ‬حين‭ ‬الكتابة‭. ‬أنا‭ ‬ملكها‭ ‬وهي‭ ‬البريّة‭ ‬التي‭ ‬تسيل‭ ‬عليها‭ ‬تربيتي‭ ‬العاطفية‭. ‬كان‭ ‬لديّ‭ ‬ما‭ ‬أفعله،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لحياتي‭ ‬معنى‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإن‭ ‬صديقي‭ ‬ياسر‭ ‬صار‭ ‬يأسر‭ ‬تلك‭ ‬الوحوش‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لحياته‭ ‬وقع‭ ‬المعنى‭.‬

ولكن‭ ‬تلك‭ ‬الوحوش‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬كذبة،‭ ‬اخترعتها‭ ‬أثناء‭ ‬الكتابة‭ ‬وصدقها‭ ‬الآخرون‭.‬

لدى‭ ‬ياسر‭ ‬صافي‭ ‬أصدقاء‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الغيب،‭ ‬هم‭ ‬مادته‭ ‬التصويرية‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭.‬

ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬حياتي؟‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬متخمة‭ ‬بكائنات‭ ‬واقعية؟

هكذا‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬حياتي‭.‬

يُخيل‭ ‬إليّ‭ ‬أن‭ ‬حياتي‭ ‬لم‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬صلبة‭ ‬أو‭ ‬متجانسة‭. ‬دائما‭ ‬كنت‭ ‬أقع‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬هشة،‭ ‬لا‭ ‬يمكنني‭ ‬إخفاؤها‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬حاولت‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬محاولتي‭ ‬كانت‭ ‬تأتي‭ ‬دائما‭ ‬متأخرة‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬عليها‭ ‬ذائقتي‭ ‬الجمالية‭ ‬كانت‭ ‬تصدم‭ ‬الآخرين‭ ‬(الغرباء‭ ‬طبعا)‭ ‬كما‭ ‬أتوقع‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬شغفي‭ ‬بالموسيقى‭ ‬ذات‭ ‬المنحى‭ ‬الرفيع،‭ ‬الغامض‭ ‬والمتسامي،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬تعلقي‭ ‬بموسيقى‭ ‬باخ،‭ ‬فإن‭ ‬أغنية‭ ‬شعبية‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬ستينات‭ ‬العراق‭ ‬قد‭ ‬تطيح‭ ‬بخيلائي‭ ‬وتجعلني‭ ‬أبكي‭ ‬بعمق‭. ‬وكما‭ ‬أرى‭ ‬فإن‭ ‬حياتي‭ ‬ظلت‭ ‬تمد‭ ‬بصيرتها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الطرق‭ ‬المتشعبة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أمشي‭ ‬فيها‭ ‬طوعا،‭ ‬بل‭ ‬بشعور‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬النشوة‭. ‬حتى‭ ‬الكائنات‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صداقات،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬خزائن‭ ‬عاطفية‭ ‬وفكرية‭ ‬غاصة‭ ‬بالرؤى،‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تتسم‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الفكري‭ ‬المبنيّ‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الإيمان‭ ‬العقائدي‭ ‬المتين‭.‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬يأس،‭ ‬قوامه‭ ‬شعور‭ ‬عميق‭ ‬بعد‭ ‬الانتماء‭.‬

لم‭ ‬أكن‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ابن‭ ‬مرحلة‭ ‬بعينها‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قُدّر‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أظهر‭ ‬أدبيا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬السبعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فأنا‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬النموذج‭ ‬المثالي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ممثلا‭ ‬لتلك‭ ‬المرحلة‭. ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬بسبب‭ ‬شكوكي‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬الفرد،‭ ‬أيّ‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرآة‭ ‬لعصره‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬ثغرات،‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬أضع‭ ‬يدي‭ ‬عليها‭ ‬حتى‭ ‬أشعر‭ ‬أني‭ ‬قد‭ ‬غادرت‭ ‬زمني،‭ ‬وصرت‭ ‬أتنفس‭ ‬هواء‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الارتباط‭ ‬بالمكان‭ ‬ليشكل‭ ‬لي‭ ‬هاجسا‭ ‬مقلقا‭. ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬أخُذت‭ ‬بسحر‭ ‬السفر،‭ ‬فصرت‭ ‬أفرش‭ ‬خارطة‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬المنضدة‭ ‬وأغمض‭ ‬عيني‭ ‬ثم‭ ‬أسُقط‭ ‬إصبعي‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬في‭ ‬الخارطة،‭ ‬ليكون‭ ‬ذلك‭ ‬الموقع‭ ‬محطتي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬سفرة‭ ‬تستغرق‭ ‬شهرين‭. ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬لسبب‭ ‬أجهله‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬أقرر‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬يومها‭. ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬يمكنني‭ ‬تقييم‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭. ‬فأنا‭ ‬بحكم‭ ‬تقدمي‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬قد‭ ‬أخطأ‭ ‬في‭ ‬تقديراته‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬ممكنا‭ ‬ومفتوحا‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬العراق‭ ‬جزيرة‭ ‬معزولة‭ ‬كما‭ ‬صار‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭.‬

كانت‭ ‬الوحوش‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬نائمة‭.‬

نقرة‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬الصندوق‭ ‬الخشبي‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لإطلاق‭ ‬تلك‭ ‬الوحوش‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭. ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬هناك‭. ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬لتقيم‭ ‬في‭ ‬صحون‭ ‬الطعام‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬وجبة‭ ‬يتناولها‭ ‬المرء‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬وحش‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬معدته‭. ‬لقد‭ ‬امتلأت‭ ‬أجسادنا‭ ‬بالوحوش‭. ‬كل‭ ‬خلية‭ ‬من‭ ‬خلايا‭ ‬الجسد‭ ‬تعهدت‭ ‬بتربية‭ ‬وحش‭ ‬صغير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬أشده‭. ‬صار‭ ‬جسد‭ ‬العراقي‭ ‬معملا‭ ‬لإنتاج‭ ‬الوحوش‭ ‬الكاسرة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوقت‭ ‬ليسمح‭ ‬بالأنسنة‭. ‬الحذر‭ ‬يفسد‭ ‬الحواس‭. ‬كان‭ ‬التلفت‭ ‬قد‭ ‬صنع‭ ‬معجما‭ ‬بلاغيا‭ ‬اختزل‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الإشارات‭. ‬على‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬أو‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬الخيالي‭ ‬والعاطفي‭ ‬كنا‭ ‬نقف‭. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استجاب‭ ‬العالم‭ ‬لدعاء‭ ‬الوحوش‭ ‬فوقع‭ ‬الحصار‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬ولن‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الساعة‭.‬

كانت‭ ‬حياتي‭ ‬خشبة‭ ‬رطبة‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تطفو‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬مستنقع‭ ‬تقيم‭ ‬الوحوش‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬حفلاتها‭ ‬اليومية‭. ‬لقد‭ ‬حاولت‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬ينجلي‭ ‬الكابوس،‭ ‬ولكن‭ ‬الزمن‭ ‬كان‭ ‬يمر بطيئا‭. ‬“قال‭ ‬كم‭ ‬لبثتم”‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أدوات‭ ‬القياس‭ ‬صالحة‭ ‬لكي‭ ‬تنبئ‭ ‬بالحقيقة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬ثغاء‭ ‬خروف‭ ‬ظل‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬المجزرة‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬نداء‭ ‬قيامي‭ ‬يصرخ‭ ‬(عدنا‭ ‬وعادوا)‭. ‬مَن‭ ‬هم؟‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬مَن‭ ‬نحن؟‭ ‬كانت‭ ‬الملحمة‭ ‬تجترح‭ ‬معجزاتها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬صورا‭ ‬لقتلى‭ ‬يشبهونني‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬زمن‭ ‬الأمّهات‭. ‬سأنتظرك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬المهدي‭. ‬تقول‭ ‬الأم‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬تأكسدت‭ ‬جوانبها‭.‬

الأمّهات‭ ‬لم‭ ‬يتأخرن،‭ ‬نحن‭ ‬تأخرنا‭.‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬سباق‭ ‬بين‭ ‬الأمّهات‭ ‬وبين‭ ‬المدافع‭. ‬وهنا‭ ‬وقع‭ ‬الخطأ‭ ‬التاريخي‭. ‬لأن‭ ‬الأمّهات‭ ‬لم‭ ‬يبكين‭ ‬فقد‭ ‬علت‭ ‬أصوات‭ ‬المدافع،‭ ‬وحين‭ ‬كفت‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬الثرثرة‭ ‬توقع‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يتصاعد‭ ‬صراخ‭ ‬الأمّهات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمّهات‭ ‬وقد‭ ‬دهشن‭ ‬بصمت‭ ‬الكون‭ ‬كان‭ ‬لهن‭ ‬رأي‭ ‬آخر‭. ‬سيظهر‭ ‬الإمام‭ ‬الغائب‭ ‬محاطا‭ ‬بأبنائهن‭ ‬الغائبين‭. ‬وقفن‭ ‬بين‭ ‬نجمتين،‭ ‬في‭ ‬الدمعة‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬الذئب‭ ‬في‭ ‬ليله‭ ‬الموحش‭. ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬فكرتها‭ ‬تكفي‭. ‬كانت‭ ‬حياتي‭ ‬تمر‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬لتكون‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭. ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬“لقد‭ ‬نسيت”‭ ‬لأتحقق‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬سأكون‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬أحلم‭ ‬أن‭ ‬أكونه‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬قد‭ ‬تهدمت‭. ‬محيت‭ ‬سطور‭ ‬لتحل‭ ‬محلها‭ ‬سطور‭ ‬جديدة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬خفقة‭ ‬جناحي‭ ‬فراشة‭ ‬في‭ ‬إمكانها‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬اندرس‭ ‬من‭ ‬السطور‭ ‬الخفية‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬لأنني‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬التذكر،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬قوية،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬خيال‭ ‬الكتابة‭ ‬صار‭ ‬يملي‭ ‬عليّ‭ ‬ذكريات‭ ‬عاشها‭ ‬إنسان،‭ ‬بالصدفة‭ ‬كنت‭ ‬أنا‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭. ‬الكتابة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتذكر،‭ ‬مثلما‭ ‬الألم‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتخيل‭.‬

أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬كتبت‭ ‬قصائدي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬صغير‭.‬

ذات‭ ‬سفرة‭ ‬نسيت‭ ‬ذلك‭ ‬الدفتر‭ ‬في‭ ‬قطار‭.‬

ومن‭ ‬يومها‭ ‬وأنا‭ ‬أحلم‭ ‬بأن‭ ‬قصائدي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يقرأها‭ ‬أحد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تسافر‭.‬


شاعر من العراق مقيم في لندن