دم‭ ‬معدني

الجديد  منذر مصري [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(56)]

تخطيط: حسين جمعان
‏‏I

تسألني‭: ‬كيفَ‭ ‬أتيت

تسألُني‭:‬كيفَ‭ ‬أتيت؟

كيفَ‭ ‬عرَفتُ‭ ‬طريقي؟

‭/‬

تسألُني‭: ‬كيفَ‭ ‬أرشدَتني‭ ‬سَحابة؟

كيفَ‭ ‬اتَّبعتُ‭ ‬خُطى‭ ‬ظِلال؟

‭/‬

أُجيبُ‭:‬

آثارُ‭ ‬مخالبَ‭ ‬وأظلاف

نِقاطٌ‭ ‬دمٍ‭ ‬تخثَّرت‭ ‬على‭ ‬الحِجارة

أوصالُ‭ ‬أطفالٍ

قُطِّعت‭ ‬وأُلقيت

عِندَ‭ ‬المفارق

خلفَ‭ ‬هذا‭ ‬مضيت

بقدَمَينِ

عمياوَين‭..‬

‏II

تيبَّست‭ ‬أصابعي‭ ‬وجفَّ‭ ‬فمي

زمناً‭ ‬مكثتُ

تيبَّست‭ ‬أصابعي

وجفَّ‭ ‬فمي

أترقَّبُ‭ ‬صُعودَهُ‭ ‬درَجي‭.‬

‭/‬

جاءَني

ليسَ‭ ‬من‭ ‬بابٍ

وليسَ‭ ‬من‭ ‬نافذة

قلَبَ‭ ‬الطاولة

وحطَّمَ‭ ‬الكراسي

وارتمى‭ ‬في‭ ‬حُضني

كالزَوبعة‭..‬

‏III

يسُرُّني‭ ‬أنَّكَ‭ ‬قد‭ ‬أتحتَ‭ ‬لي‭ ‬الفُرصةَ

يسرُّني‭ ‬أنَّكَ‭ ‬قد‭ ‬أتحتَ‭ ‬لي‭ ‬الفُرصةَ

لأُخبِرَكَ‭ ‬لماذا‭ ‬أُكابدُ‭ ‬كُلَّ‭ ‬هذا‭ ‬العناء

كي‭ ‬أكونَ‭ ‬شاعراً

أو‭ ‬فقط‭ ‬لأكتُبَ‭ ‬هذهِ‭ ‬القصيدةَ

واسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أُبيَّنَ‭ ‬لكَ

الفَرق‭.‬

‭/‬

وسوفَ‭ ‬بالمُقابلِ‭ ‬أجيبُكَ

بِما‭ ‬أظُنُّهُ‭ ‬سيُرضيكَ

وما‭ ‬كانَ‭ ‬باستطاعتي‭ ‬أن‭ ‬أُبرِّرَ‭ ‬بهِ

كُلَّ‭ ‬جرائمي

‭: (‬إنّي‭ ‬أفعلُ‭ ‬ذلكَ‭ ‬بدافعِ

الشَفقة

فلقد‭ ‬خُلِقَ‭ ‬الغِناءُ‭ ‬لمساعدةِ‭ ‬البشر‭).‬

‭/‬

لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يزيدُ‭ ‬عن‭ ‬نِصفِ‭ ‬الحقيقةِ‭ ‬العاري

وهي‭ ‬تمضي‭ ‬بقدمَيها‭ ‬الداميتَين

على‭ ‬الطريقِ‭ ‬التي

يراها‭ ‬بها‭ ‬الجميع

ويسمعُها‭ ‬بها‭ ‬الجميع

ولا‭ ‬يُصدِّقُها‭ ‬أحد‭..‬

IV

‭ ‬أُحِبُّ‭ ‬هذهِ‭ ‬الأغنية‮…‬‭ ‬تنتهي‭ ‬بشهقة

‭(‬القصيدةُ‭ ‬التي‭ ‬أودعها رياض‭ ‬الصالح‭ ‬الحسين جيبَ

قميصِهِ،‭ ‬ووعدتُهُ‭ ‬أن‭ ‬أُبقيها‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬أنشُرَها‭ ‬أبداً‭!)‬

‭***‬

أُحِبُّ‭ ‬هذهِ‭ ‬الأغنية

تبدأُ‭ ‬بتنهيدةٍ‭ ‬ثم‭ ‬همهمة‭.‬

‭/‬

أُحِبُّ‭ ‬هذهِ‭ ‬الأغنية

تأتي‭ ‬بشِفاهٍ‭ ‬زائغةٍ‭ ‬وعيونٍ‭ ‬مُغمَضة

وتذهبُ‭ ‬بعيونٍ‭ ‬زائغة

وشِفاهٍ‭ ‬مُغمَضة‭.‬

‭/‬

أُحِبُّ‭ ‬هذهِ‭ ‬الأغنية

لا‭ ‬تعرِفُ‭ ‬من‭ ‬أينَ‭ ‬تأتي

لا‭ ‬تعرِفُ‭ ‬إلى‭ ‬أينَ‭ ‬تذهب

التي‭ ‬تنتهي‭ ‬بهَمهمةٍ

ثم‭ ‬تَنهيدةٍ

ثم‭ ‬شَهقة‭..‬

V

بينما‭ ‬كُنتُ‭ ‬لا‭ ‬أفعلُ‭ ‬شيئاً

بينما‭ ‬كُنتُ‭ ‬لا‭ ‬أفعلُ‭ ‬شيئاً

رُحتُ‭ ‬أحاولُ‭ ‬كتابةَ‭ ‬هذهِ‭ ‬القصيدة

عن‭ ‬لا‭ ‬شيءَ‭ ‬أُفكِّرُ‭ ‬به

رُحتُ‭ ‬أكتبُ‭ ‬هذهِ‭ ‬القصيدة

لا‭ ‬شيءَ‭ ‬أماميَ‭ ‬على‭ ‬الطاولة

لا‭ ‬شيءَ‭ ‬في‭ ‬يدَيّ

لا‭ ‬شيءَ‭ ‬على‭ ‬حافَّةِ‭ ‬فمي‭.‬

‭/‬

بينما‭ ‬كُنتُ‭ ‬لا‭ ‬أفعلُ‭ ‬شيئاً

كانَ‭ ‬الليلُ‭ ‬يوشِكُ‭ ‬أن‭ ‬ينقضي

وكانت‭ ‬السماءُ

قد‭ ‬أضاءَ‭ ‬خدَّها‭ ‬الشرقي

دمٌ‭ ‬معدني

نعم‭.. ‬أستطيعُ‭ ‬القول

دمٌ‭ ‬أحمرُ‭ ‬معدني‭.‬

‭/‬

بينما‭ ‬كُنتُ‭ ‬لا‭ ‬أفعلُ‭ ‬شيئاً

سمِعتُ‭ ‬همهماتٍ‭ ‬غامضة

واصطفاقَ‭ ‬أجنحةٍ‭ ‬مُضطرِبة

وأنينَ‭ ‬أبوابٍ‭ ‬ثقيلةٍ

تُفتحُ‭ ‬وتُغلقُ‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

‭/‬

كانَ‭ ‬هُناكَ‭ ‬بشرٌ

لمحتُهم‭ ‬ينسلّونَ‭ ‬بصمتٍ

فوقَ‭ ‬أرصفةِ‭ ‬العَتَمة

كأنَّهم‭ ‬يستعجِلونَ‭ ‬النهار

أو‭ ‬رُبَّما

يُريدونَ‭ ‬اللَحاقَ‭ ‬بالليل‭..‬

VI

القَدَرُ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أُؤمن‭ ‬بهِ‭ ‬قَط

‮ ‬القدَرُ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أُؤمن‭ ‬بهِ‭ ‬قَط

هوَ‭ ‬من‭ ‬أشارَ‭ ‬إليّ‭ ‬بسبابتِهِ‭ ‬الحديدية

أن‭ ‬أُعيدَ‭ ‬تركيبَ‭ ‬الذَيلِ‭ ‬الصحيحِ

لهذهِ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬اليائسة‭:‬

‭(‬إمّا‭ ‬أن‭ ‬أموتَ

وإمّا‭ ‬أن‭ ‬أكتُبَ

هذهِ‭ ‬القصيدة‭).‬

‭/‬

ولأنَّ‭ ‬لا‭ ‬أحدَ‭ ‬يأخذُ‭ ‬الشِعرَ

على‭ ‬حقيقتِهِ‭ ‬كجِنس

تكونُ‭ ‬تقدمتي

ديكاً‭ ‬ينتهي‭ ‬بذنَبِ‭ ‬ثُعبان

وأسداً‭ ‬له‭ ‬مِنقارُ‭ ‬نِسر

وثوراً‭ ‬بجَناحي‭ ‬مَلاك

ذلك‭ ‬أن‭ ‬خياريَ‭ ‬الوحيدَ

هو‭ ‬أن‭ ‬تكونَ‭ ‬كلماتي

عزاءَ‭ ‬أولئكَ‭ ‬الحمقى

الذين‭ ‬خسِروا‭ ‬كُلَّ‭ ‬شيء

وهم‭ ‬يعاندونَ‭ ‬لأجلِ‭ ‬هذا‭ ‬الهباءِ‭ ‬ذاتِهِ‭:‬

‭(‬إمّا‭ ‬أن‭ ‬أحيا

وأكتُبَ‭ ‬هذهِ‭ ‬القصيدة

وإمّا‭ ‬أن‭ ‬أكتُبَ‭ ‬هذهِ‭ ‬القصيدةَ

وأموت‭)..‬

VII

عَينا‭ ‬أليعازر

كانَ‭ ‬ميِّتاً‭ ‬كغيرِهِ‭ ‬منَ‭ ‬الموتى

الذينَ‭ ‬لم‭ ‬يتكتَّفوا

ولم‭ ‬ينزِلوا‭ ‬بأجسادِهم‭ ‬التعِبةِ

إلى‭ ‬القبرِ‮…‬‭ ‬بَعد‭.‬

***

كانَ‭ ‬ميِّتاً‭ ‬من‭ ‬أُولئكَ

الذينَ‭ ‬يفتحُ‭ ‬لهُم‭ ‬وَهجُ‭ ‬الصَباحِ

غَصباً‭ ‬عنهُم‭ ‬كوّاتِ‭ ‬أعيُنِهِم

ثمَّ‭ ‬يجِدونَ‭ ‬أنفُسَهم

يُؤرجِحونَ‭ ‬أقدامَهُم‭ ‬إلى‭ ‬هُنا‭ ‬وهُناك

لتدبيرِ‭ ‬غرضٍ‭ ‬ما

أو‭ ‬قضاءِ‭ ‬حاجة‭.‬

‭/‬

كانَ‭ ‬ميِّتاً‭ ‬كغيرِهِ‭ ‬منَ‭ ‬المُوتى

الذينَ‭ ‬لم‭ ‬يجِدوا‭ ‬ما‭ ‬يفعلونَهُ‭ ‬بحياتِهم

شيئاً‭ ‬أفضلَ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتَّخِذوا‭ ‬امرأةً

ثمَّ‭ ‬يُنجِبوا‭ ‬أطفالاً

ثمَّ‭ ‬يقضوا‭ ‬على‭ ‬الباقي‭ ‬من‭ ‬أعمارِهِم

وهُم‭ ‬يلهثونَ‭ ‬خلفَ

لا‭ ‬يدرونَ‭ ‬ماذا؟

لا‭ ‬يدرونَ‭ ‬لِمَ؟

‭/‬

كانَ‭ ‬ميِّتاً‭ ‬من‭ ‬أولئكَ‭ ‬الذينَ‭ ‬يئسوا‭ ‬من‭ ‬عنادِهم

وهُم‭ ‬يشُدُّونَ‭ ‬حبلاً‭ ‬غليظاً

قالَ‭ ‬لهم‭ ‬آباؤهُم‭ ‬إن‭ ‬نِهايتَهُ

التي‭ ‬لم‭ ‬يرَها‭ ‬أحدٌ‭ ‬قَطّ

قد‭ ‬عُقِدت‭ ‬حولَ‭ ‬عُنقِ‭ ‬جبلٍ‭ ‬ثقيل

اسمُهُ‭ ‬السعادة

فطَووا‭ ‬صفَحاتِ‭ ‬أحلامِهم‭ ‬وأطماعِهم

واصطفُّوا‭ ‬في‭ ‬طابور

ينتظرونَ‭ ‬لا‭ ‬شيء‭.‬

‭/‬

أو‭ ‬قولي‭ ‬كانَ‭ ‬ميِّتاً‭ ‬كبقيّةِ

الموتى

الموتى

الموتى

الذينَ‭ ‬توسَّدوا‭ ‬بأجسادِهمِ‭ ‬الباردة

أسِرَّةَ‭ ‬الموتِ‭ ‬المُغبرَّة

عندما‭ ‬كريحٍ‭ ‬لفحتِ‭ ‬قبرَه

عندما‭ ‬كعاصِفةٍ‭ ‬كسرتِ‭ ‬شاهِدتَهِ

وهدمتِ‭ ‬جُدرانَه

عندما‭ ‬كقَدَرٍ‭ ‬وطِئتِ‭ ‬جُثَّتَهُ

ودُستِ‭ ‬على‭ ‬أحشائه

عندما‭ ‬كقيامةٍ‭ ‬سقطت‭ ‬نُقطةٌ‭ ‬من‭ ‬رُضابِكِ

على‭ ‬صفحةِ‭ ‬خدِّه

وانسلَّت‭ ‬ببُطءٍ‭ ‬إلى‭ ‬زاويةِ‭ ‬فمِه

ثمَّ‭ ‬إلى‭ ‬رأسِ‭ ‬لِسانِه

ثمَّ‭ ‬إلى‭ ‬قلبِه

وفجأةً

فتَّحَ‭ ‬عينَيهِ‭ ‬ورآكِ

رآكِ‭ ‬بعينَيهِ‭ ‬العمياوَينِ‭ ‬الدفينَتين

اللتينِ‭ ‬رأتا‭ ‬كُلّ‭ ‬شيء

رآكِ‭ ‬بعَينيهِ‭ ‬الميِّتتينِ

اللتينِ‭ ‬رأتا‭ ‬تحتَ‭ ‬التراب

ما‭ ‬لم‭ ‬ترَهُ‭ ‬عَينا‭ ‬حَيّ

فأحسَّ‭ ‬في‭ ‬أعماقِهِ

من‭ ‬قاعِ‭ ‬موتِهِ

شيئاً‭ ‬ينتُش

شيئاً‭ ‬يتفتَّق

شيئاً‭ ‬يشُقُّ‭ ‬قِشرتَهِ

ويبزُغُ‭ ‬برأسِهِ‭ ‬وينبُت

ثمَّ‭ ‬رآهُ‭ ‬ينمو‭ ‬ويكبر

كعَمودٍ‭ ‬من‭ ‬دَم

كجِذعٍ‭ ‬من‭ ‬لحم

كنخلةٍ‭ ‬من‭ ‬شهوة

وراحَ‭ ‬يرمي‭ ‬ثِمارَهُ‭ ‬على

بطنِكِ‭.‬

‭/‬

أيُّ‭ ‬رُوحٍ‭ ‬أنتِ

أيُّ‭ ‬رَبّ

أحيَيتِه‭..‬


شاعر من سوريا