تحولات‭ ‬ربيعية‭ ‬في‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية

يحدونا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية السلمية التي‭ ‬شهدتها‭ ‬بلدان‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬وغيرها،‭ ‬وإمكانية‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬عالمية‭ ‬سمة‭ ‬للقرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬أو‭ ‬سمة‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬سماته‭. ‬تسهم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أصابها،‭ ‬أو‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تخفُّف‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬من‭ ‬الميراث‭ ‬الدامي‭ ‬للقرن‭ ‬العشرين،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬حربين‭ ‬عالميتين،‭ ‬وحرباً‭ ‬باردة،‭ ‬وسباقاً‭ ‬محموماً‭ ‬إلى‭ ‬التسلح،‭ ‬وجملة‭ ‬من‭ ‬الثورات‭ ‬العنيفة‭ ‬وحركات‭ ‬التحرر،‭ ‬والحروب‭ ‬الأهلية،‭ ‬والانقلابات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ونزاعات‭ ‬محلية‭ ‬وبينية‭.. ‬عكست‭ ‬جميعها‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية‭ ‬(نكاتيف)‭ ‬للنظام‭ ‬العالمي‭ ‬القديم‭ ‬–‭ ‬الجديد،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬وتنمية‭ ‬الفقر‭ ‬والفاقة‭ ‬والجوع‭ ‬والبؤس‭ ‬والتهميش‭.. ‬التي‭ ‬لولاها‭ ‬جميعاً‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬دامياً،‭ ‬أو‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬دامياً‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭.‬

الجديد  جادالكريم الجباعي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(62)]

نذير نبعة 1938 - 2016
فقد كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬وحشية‭ ‬الاستبداد‭ ‬المحدث‭ ‬ودناءته‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬كلبية‭ ‬الدول‭ ‬الإمبريالية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفكر‭ ‬وتعمل‭ ‬بمقتضى‭ ‬انتصارها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وتتنافس‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬نهب‭ ‬موارد‭ ‬الشعوب‭ ‬وثرواتها‭ ‬وقوة‭ ‬عملها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬الاستبداد‭ ‬و”إدارة‭ ‬التوحش”‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬“المتوحش”،‭ ‬الذي‭ ‬جعلته‭ ‬“شرقياً”‭ ‬وعالماً‭ ‬ثالثاً‭ ‬متخلفاً‭.‬

بل‭ ‬لعل‭ ‬المسألة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬تعيد‭ ‬دولٌ‭ ‬(كبرى)‭ ‬اليوم‭ ‬إنتاج‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المستعمِر‭ ‬والمستعمَر،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬بشعوب‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ثقافتها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬وقيمها‭ ‬المعيارية‭ ‬أساساً،‭ ‬وتعيد،‭ ‬من‭ ‬ثم،‭ ‬إنتاج‭ ‬“الشرق‭ ‬الأوسط”‭ ‬و”الإسلام”،‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬الشرق،‭ ‬كالصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬وأندونيسيا،‭ ‬بات‭ ‬عصياً‭ ‬على‭ ‬التشكيل‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وفقاً‭ ‬للصورة‭ ‬التي‭ ‬يرسمها‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬الخارج،‭ ‬فانعطب‭ ‬الاستشراق،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬لأيّ‭ ‬ثقافة‭ ‬قيمة‭ ‬معيارية‭ ‬مطلقة‭.‬

لذلك‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الآثار‭ ‬الثقافية‭ ‬للربيع‭ ‬العربي‭ ‬تتعدى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬العالمية‭ ‬أو‭ ‬“العولمة‭ ‬من‭ ‬تحت”،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬انبثاق‭ ‬هذا‭ ‬الربيع‭ ‬الصاخب،‭ ‬نعني‭ ‬تدفق‭ ‬المعارف‭ ‬والمعلومات‭ ‬والصور‭ ‬في‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية،‭ ‬وأثر‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬تيسير‭ ‬التواصل‭ ‬والتثاقف‭ ‬والنقاش‭ ‬العام،‭ ‬وتمكين‭ ‬الأفراد‭ ‬عامة‭ ‬والشابات‭ ‬والشباب‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الكلام‭ ‬وحرية‭ ‬التفكير‭ ‬والتعبير‭ ‬وتبادل‭ ‬الأفكار‭ ‬والتصورات‭ ‬والرؤى‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬رقابة‭ ‬الحكومات‭ ‬وأجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬ورقابة‭ ‬السلطات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وسدنة‭ ‬الحقيقة‭ ‬أيضاً‭.. ‬ولذلك‭ ‬حرصت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬المعنية‭ ‬ووكلاؤها‭ ‬المحليون‭ ‬والقوى‭ ‬المحافظة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهم،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬“الخروج‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين”‭ ‬[1]،‭ ‬على‭ ‬خنقها‭ ‬في‭ ‬المهد‭. ‬ولكن‭ ‬هيهات‭. ‬لا‭ ‬تمكن‭ ‬المساومة‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭.‬

إننا‭ ‬لا‭ ‬نأمل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬نتوقع‭ ‬أن‭ ‬تنبثق‭ ‬حركات‭ ‬شعبية‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وأن‭ ‬تعيد‭ ‬بلدان‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬إنتاج‭ ‬ربيعها،‭ ‬فما‭ ‬دامت‭ ‬ظواهر‭ ‬الاستبداد‭ ‬والاحتكار‭ ‬والظلم‭ ‬والإفقار‭ ‬والتهميش‭ ‬وهدر‭ ‬الإنسانية‭ ‬قائمة،‭ ‬وتتنامى،‭ ‬ستظل‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬ممكنة‭. ‬إن‭ ‬طيف‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬بات‭ ‬يقلق‭ ‬القوى‭ ‬المتسلطة‭ ‬ومنظريها،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬بريجنسكي‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“استراتيجية‭ ‬أميركا‭ ‬وأزمة‭ ‬السلطة‭ ‬العالمية”‭ ‬(2012)،‭ ‬وينذر‭ ‬بفوضى‭ ‬تزعزع‭ ‬البنى‭ ‬القائمة‭ ‬وعلاقات‭ ‬القوة،‭ ‬وتغير‭ ‬معنى‭ ‬القوة‭ ‬وقواعد‭ ‬السلطة‭ ‬محلياً‭ ‬وعالمياً‭.‬

فلا‭ ‬يخطئ‭ ‬من‭ ‬يصف‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬“الربيع‭ ‬الدامي”،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬بأنها‭ ‬فوضى‭ ‬عارمة،‭ ‬أثارتها‭ ‬احتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬سلمية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬البلدان،‭ ‬تجاوزت‭ ‬حد‭ ‬“العفوية‭ ‬الخلاقة”‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬واعية‭ ‬من‭ ‬الانتظام‭ ‬والتنظيم،‭ ‬تفتح‭ ‬إمكانات‭ ‬جديدة‭ ‬لتجاوز‭ ‬البنى‭ ‬المغلفة،‭ ‬وتزعزع‭ ‬اليقينيات‭ ‬و”الثوابت”‭ ‬التي‭ ‬اعتاشت‭ ‬عليها‭ ‬القوى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬وثقافتها‭ ‬ومثقفوها‭.‬

الفوضى،‭ ‬في‭ ‬مقاربتنا،‭ ‬بخلاف‭ ‬رؤية‭ ‬بريجينسكي‭ ‬وغيره،‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬خروج‭ ‬الأمور‭ ‬عن‭ ‬السيطرة،‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭ ‬أساساً،‭ ‬إنها‭ ‬تحفة‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الأحدث،‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬الحد‭ ‬على‭ ‬أساطير‭ ‬السلطة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬و”المبيان”‭ ‬[2]‭ ‬الفوكوي،‭ ‬(نسبة‭ ‬إلى‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو)،‭ ‬الذي‭ ‬يرسم‭ ‬خرائط‭ ‬جديدة،‭ ‬ويعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬السلطة‭ ‬مرة‭ ‬تلو‭ ‬أخرى‭.‬

الفوضى‭ ‬شقيقة‭ ‬الحرية

يكره‭ ‬المثقفون‭ ‬العرب‭ ‬عبارة‭ ‬“الفوضى‭ ‬الخلاقة”،‭ ‬التي‭ ‬أُطلقت‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬العدوان‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وتدمير‭ ‬دولته،‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الفوضى‭ ‬خلاقة‭ ‬بالفعل،‭ ‬وقائمة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الفعلي،‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أيّ‭ ‬نظام‭ ‬وفي‭ ‬أساسه،‭ ‬وتحيط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب،‭ ‬فيزيقياً‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬أم‭ ‬أخلاقياً‭.‬

فقد‭ ‬يكون‭ ‬النزوع‭ ‬إلى‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬القائمة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يتخفى‭ ‬في‭ ‬كره‭ ‬الفوضى‭ ‬وإدانتها‭ ‬أخلاقياً‭ ‬والعزوف‭ ‬عنها‭ ‬والانصراف‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬فيها،‭ ‬على‭ ‬اعتبارها‭ ‬مضادة‭ ‬للنظام‭ ‬والقوانين‭ ‬والقيم،‭ ‬التي‭ ‬تحكمه،‭ ‬ومضادة‭ ‬للقانون‭. ‬وليت‭ ‬الأمر‭ ‬مقصور‭ ‬على‭ ‬الانصراف‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الفوضى،‭ ‬فالنظام‭ ‬والقانون‭ ‬غير‭ ‬مُفكَّر‭ ‬فيهما‭ ‬عندنا،‭ ‬بل‭ ‬ممنوع‭ ‬التفكير‭ ‬فيهما،‭ ‬شأنهما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬المقدسات‭ ‬والمحرمات‭.‬

فإن‭ ‬تعريف‭ ‬القانون‭ ‬(العلمي)‭ ‬بأنه‭ ‬“المتكرر‭ ‬في‭ ‬الظاهرات”،‭ ‬والقانون‭ ‬المدني‭ ‬بأنه‭ ‬“المشترك‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات”،‭ ‬إنما‭ ‬يُهمل‭ ‬غير‭ ‬المتكرر،‭ ‬في‭ ‬الأول،‭ ‬وغير‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬الثاني،‭ ‬ويُقلَّل،‭ ‬من‭ ‬شأنهما،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تكرر‭ ‬نفسها‭ ‬(بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬للتكرار)،‭ ‬والمجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬على‭ ‬حالها،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭.‬

ثمة‭ ‬عادة‭ ‬ذهنية‭ ‬سيئة‭ ‬وشديدة‭ ‬الخطورة،‭ ‬تعزز‭ ‬التفكير‭ ‬النمطي‭ ‬والرؤية‭ ‬الخطية‭ ‬للتطور،‭ ‬والاستمرار‭ ‬المزعوم‭ ‬للتاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة،‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬القول‭ ‬الشائع‭ ‬“الاستثناء‭ ‬يؤكد‭ ‬القاعدة”،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الاستثناء‭ ‬ينقض‭ ‬القاعدة‭ ‬جزئياً‭ ‬أو‭ ‬كلياً،‭ ‬ويقيم‭ ‬الحد‭ ‬على‭ ‬الاستقراء‭ ‬المتوَّج‭ ‬منهجاً‭ ‬“علمياً”‭.‬

خطورة‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬الذهنية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الإشاحة‭ ‬عن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الواقع‭ ‬واستثنائها،‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬المختلف‭ ‬المستثنى‭ ‬واستبعادهما‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬الوعي،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استبعادهما‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬والحياة‭ ‬العامة،‭ ‬(أو‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬العلم)‭. ‬ومؤدى‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬هو‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬وتخصيص‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬والحياة‭ ‬العامة،‭ ‬أي‭ ‬جعل‭ ‬الخاص‭ ‬عاماً‭ ‬والنسبي‭ ‬مطلقاً،‭ ‬وذلكم‭ ‬هو‭ ‬الاستبداد‭.‬

اختفت‭ ‬كلياً‭ ‬«روح‭ ‬القطيع»‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسم‭ ‬المسيرات‭ ‬المليونية،‭ ‬فازدانت‭ ‬الساحات‭ ‬والميادين‭ ‬والشوارع‭ ‬بالألوان،‭ ‬وحفلت‭ ‬بحلقات‭ ‬النقاش‭ ‬والرقص‭ ‬والغناء‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الصلاة

نزعم،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬تعيُّنات‭ ‬الحرية‭ ‬أو‭ ‬تجلّياتها،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬إنه‭ ‬الحرية‭ ‬متعيِّنة‭. ‬فيكون‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الاختلاف‭ ‬والمختلف‭ ‬ومن‭ ‬الاستثناء‭ ‬والمستثنى‭ ‬أو‭ ‬المستثناة‭ ‬موقفاً‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬والكائن‭ ‬الحر‭ ‬مجافياً‭ ‬للواقع‭. ‬ونعتقد‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬قرابة،‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المتكلمة‭ ‬والمتكلم،‭ ‬بين‭ ‬الاستثناء‭ ‬والاختلاف،‭ ‬لأنهما‭ ‬يتحديان النمط‭ ‬والنموذج‭ ‬أو‭ ‬الطراز،‭ ‬ذهنياً‭ ‬كان‭ ‬النمط‭ ‬أم‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬وأخلاقياً،‭ ‬ويزعزعان‭ ‬اليقين‭.‬

وإلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاستثناء‭ ‬و‭ ‬/‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف،‭ ‬أي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬النظام،‭ ‬ولا‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬النموذج،‭ ‬ولا‭ ‬ينساق‭ ‬للنمط،‭ ‬هو قوة‭ ‬سلب‭ ‬خلاقة،‭ ‬على‭ ‬العموم‭. ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬هي‮ ‬قوة‭ ‬الفوضى،‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬المعطيات‭ ‬الأولية‭ ‬بالغة‭ ‬الفرادة،‭ ‬كسلوك‭ ‬“س″‭ ‬أو‭ ‬“ع″‭ ‬أو‭ ‬“ص”‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬ونشاطها‭ ‬أو‭ ‬نشاطه،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تُلحَظ‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تتجه‭ ‬أجزاؤها‭ ‬أو‭ ‬جزيئاتها‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬فتفاجئ‭ ‬النظام‭ ‬وأهله،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬ثورات‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭. ‬فللسلب‭ ‬والسلبية‭ ‬معنى‭ ‬بائس‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬ثنائيات‭ ‬حدية،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬السلب‭ ‬هو‭ ‬صنو‭ ‬الإيجاب‭ ‬ولزيمه،‭ ‬ومن‭ ‬دونه‭ ‬لا‭ ‬يكون،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭.‬

نعني‭ ‬بقوة‭ ‬الفوضى‭ ‬القوة‭ ‬الكامنة‭ ‬أو‭ ‬الطاقة‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬اليومي‭ ‬إناثاً‭ ‬وذكوراً،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬إلى‭ ‬العيان‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬علاقاتهم‭ ‬المتبادلة،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬القيمة‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬البضاعة‭ ‬أو‭ ‬السلعة،‭ ‬عند‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬“رأس‭ ‬المال”‭. ‬(وبالمناسبة،‭ ‬العلاقات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يتشكل‭ ‬منها‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويتجلى‭ ‬في‭ ‬الانتظامات‭ ‬والتنظيمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة)‭. ‬المعطيات‭ ‬الأولية‭ ‬الماثلة‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬اليومي،‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حصرها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بمآلاتها،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهميتها‭ ‬وأهمية‭ ‬آثارها‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة،‭ ‬فهي‭ ‬الدليل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬دحضه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬بنية‭ ‬أو‭ ‬منظومة‭ ‬ديناميكية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬هي،‭ ‬إذا‭ ‬شئتم،‭ ‬صورة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عن‭ ‬البنية‭ ‬الديناميكية‭ ‬المعقّدة‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬التعقيد‭ ‬للفرد‭ ‬الإنساني،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬البيولوجية‭ ‬فقط،‭ ‬وهي‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬الروحية‭. ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬هو‭ ‬مناط‭ ‬استقلال‭ ‬الفرد‭ ‬وفرادته‭ ‬وحريته‭. ‬الفرادة‭ ‬والاستقلال‭ ‬والحرية،‭ ‬وكلها‭ ‬نسبية،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يتولد‭ ‬منها‭ ‬«الكايوس»‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إذا‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬أو‭ ‬الفوضى‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬التي‭ ‬يتولّد‭ ‬منها‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يتولد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الانتظامات‭ ‬والتنظيمات‭ ‬والمؤسسات‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬استنفاد‭ ‬الفرد‭ ‬وسلوكه‭ ‬اليومي‭ ‬ونشاطه‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬نموذج‭ ‬أو‭ ‬نظام‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭.‬

نعتقد،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬(منظور‭ ‬التعقيد)،‭ ‬أن‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية‭ ‬هي‭ ‬تحدي‭ ‬الاستثناء‭ ‬للقاعدة،‭ ‬والاختلاف‭ ‬للتشابه،‭ ‬والهامش‭ ‬للمتن‭ ‬أو‭ ‬المركز،‭ ‬والوجود‭ ‬بالقوة‭ ‬للموجود‭ ‬بالفعل‭ ‬أو‭ ‬الممكن‭ ‬للقائم‭ ‬والمتحقّق،‭ ‬وتحدي‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬للرائي‭..‬،‭ ‬لذلك‭ ‬يخطئ‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬ولا‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية،‭ ‬ولو‭ ‬بدا‭ ‬تأثيرها‭ ‬طفيفاً‭ ‬لذوي‭ ‬التفكير‭ ‬النسقي،‭ ‬والتصور‭ ‬الخطي‭ ‬للواقع‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يألفون‭ ‬“التعقيد”،‭ ‬ولكنه‭ ‬يشبه‭ ‬“أثر‭ ‬الفراشة”‭ ‬في‭ ‬تغيُّر‭ ‬المناخ،‭ ‬كما‭ ‬تبين‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭. ‬أجل لقد‭ ‬غير‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬المناخ‭ ‬الثقافي؛‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬للحرية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شعاراً‭ ‬ومطلباً‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬ناتجة‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬ذاتها،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬على‭ ‬النظم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬المفروضة‭ ‬بالقوة‭. ‬فلا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬كانت‭ ‬تطلب‭ ‬الحرية‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬فرض‭ ‬نفسها‭ ‬وفرض‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬والنظم‭.‬

“إذا‭ ‬لم‭ ‬نحب‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أحراراً‭ ‬فيه”[3]

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬السلفية‭ ‬والأصولية،‭ ‬اللتين‭ ‬وسمتا‭ ‬الشطر‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬واللتين‭ ‬تعربدان‭ ‬اليوم،‭ ‬بصورة‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬وأشكال‭ ‬همجية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب،‭ ‬تنمّان‭ ‬على‭ ‬كره‭ ‬العالم‭ ‬وكره‭ ‬الذات،‭ ‬أي‭ ‬على عدم تقبل‭ ‬الذات،‮ ‬وعدم تقبل‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬وهما‭ ‬أساس عدم تقبل‭ ‬العالم،‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬الثورات‭ ‬السلمية‭ ‬مشروع‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬العدم‭ ‬وهذه‭ ‬العدمية،‭ ‬إذ‭ ‬اقترن‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬بأشكال‭ ‬بهيجة‭ ‬من‭ ‬الغناء‭ ‬والرقص‭ ‬والموسيقى،‭ ‬وابتكر‭ ‬الشابات‭ ‬والشباب‭ ‬لغة‭ ‬جديدة‭ ‬وأساليب‭ ‬تعبير‭ ‬جديدة،‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬تقبل‭ ‬الذات‭ ‬وتقبل‭ ‬الأخرى‭ ‬والآخر‭ ‬وتقبل‭ ‬العالم،‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالحياة،‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬وهذه‭ ‬الأساليب‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬على‭ ‬قمعها،‭ ‬فقد‭ ‬شقت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬خاصة‭ ‬وسوف‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والسياسة‭ ‬عاجلاً‭ ‬أم‭ ‬آجلاً‭. ‬أجل،‭ ‬إن‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬اللذين‭ ‬ينهضان‭ ‬اليوم‭ ‬هما‭ ‬صورة‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية‭ ‬ومن‭ ‬إنتاجها،‭ ‬وليس‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬“عودة‭ ‬الروح”‭ ‬تبدأ‭ ‬بنهوض‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬والابتكار‭ ‬والإبداع،‭ ‬وأن‭ ‬“الفلسفة‭ ‬تأتي‭ ‬متأخرة‭ ‬دوماً”،‭ ‬حسب‭ ‬هيغل‭.‬

لم‭ ‬نر‭ ‬في‭ ‬الشابات‭ ‬والشباب،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أشهر،‭ ‬مجاهدات‭ ‬ومجاهدين‭ ‬أو‭ ‬مناضلات‭ ‬ومناضلين‭ ‬متجهمات‭ ‬ومتجهمين،‭ ‬بل‭ ‬رأينا‭ ‬أشخاصاً‭ ‬فرحات‭ ‬وفرحين‭ ‬مفعمات‭ ‬ومفعمين‭ ‬بالحياة‭ ‬والحب‭ ‬والأمل‭ ‬واستحضار‭ ‬المستقبل‭. ‬الثورة‭ ‬السلمية‭ ‬كانت ثورة‭ ‬جذلى،‮ ‬يتألق‭ ‬فيها‭ ‬الروح‭ ‬الإنساني،‭ ‬ويتدفق‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬نداء‭ ‬بالحرية‭ ‬والكرامة‭. ‬لقد‭ ‬اختفت‭ ‬كلياً‭ ‬«روح‭ ‬القطيع»‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسم‭ ‬المسيرات‭ ‬المليونية،‭ ‬فازدانت‭ ‬الساحات‭ ‬والميادين‭ ‬والشوارع‭ ‬بالألوان،‭ ‬وحفلت‭ ‬بحلقات‭ ‬النقاش‭ ‬والرقص‭ ‬والغناء‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الصلاة،‭ ‬وباللافتات‭ ‬المختلفة‭ ‬اختلاف‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يرفعونها،‭ ‬ولم‭ ‬تخل‭ ‬من‭ ‬الطرافة‭ ‬والمرح‭ ‬وخفة‭ ‬الظل‭.. ‬لقد‭ ‬برزت‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬للحياة‭ ‬الانسانية‭ ‬لها‭ ‬ملامحها‭ ‬الثقافية‭ ‬الخاصة‭. ‬الدلالات‭ ‬العميقة‭ ‬لهذه‭ ‬الملامح‭ ‬هي‭ ‬إرهاصات‭ ‬تقبل‭ ‬الذات‭ ‬وتقبل‭ ‬العالم‭ ‬وإمكانية‭ ‬العيش‭ ‬بحرية‭.‬

لوحة: فيصل لعيبي

الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬نكوص‭ ‬إلى‭ ‬القطيعية‭ ‬والغريزية،‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجهما‭ ‬وإنتاج‭ ‬عوامل‭ ‬الكراهية،‭ ‬التي‭ ‬يثوي‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬الحصر‭ ‬وعدم‭ ‬تقبل‭ ‬الذات‭ ‬والتبرم‭ ‬من‭ ‬الحياة‭. ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬حلت‭ ‬ثقافة‭ ‬الموت،‭ ‬ثقافة‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭ ‬والاغتصاب‭ ‬والتشريد‭.. ‬محل‭ ‬ثقافة‭ ‬الحياة‭ ‬البازغة،‭ ‬وحلت‭ ‬ثقافة‭ ‬العدم‭ ‬محل‭ ‬ثقافة‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬الممكن،‭ ‬وثقافة‭ ‬الكراهية‭ ‬المتأصلة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬محل‭ ‬ثقافة‭ ‬المحبة‭ ‬والصداقة‭ ‬المدنية‭ ‬الممكنة‭.. ‬كره‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬مؤسس‭ ‬على‭ ‬كره‭ ‬الذات‭ ‬الإنسانية‭. ‬يحتاج‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬عقله‭ ‬وضميره‭ ‬لكي‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬التوحش،‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬الخافية‭ ‬الجمعية‭ ‬المتصلة‭ ‬بالغريزة‭ ‬الحيوانية،‭ ‬هو‭ ‬الكلمة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للتاريخ‭.‬

يقظة‭ ‬الروح‭ ‬الفردي‭ ‬واكتشاف‭ ‬الذات

فكرة‭ ‬الذات‭ ‬فكرة‭ ‬حديثة‭ ‬تأسست‭ ‬على‭ ‬النزعة‭ ‬الإنسية‭ ‬لعصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬وظهور‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬التاريخ‭. ‬ولعل‭ ‬تعبيرها‭ ‬الأولي‭ ‬هو‭ ‬الكوجيتو‭ ‬الديكارتي‭ ‬الشهير”أنا‭ ‬أفكر،‭ ‬إذن‭ ‬أنا‭ ‬موجود”،‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تصور‭ ‬الذات‭ ‬إبستيمولوجياً‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ذات‭ ‬عارفة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬أو‭ ‬إزاء‭ ‬«موضوع»‭ ‬معين‭ ‬تحكم‭ ‬الذات‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬عليه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فكراً‭ ‬إزاء‭ ‬امتداد،‭ ‬أي‭ ‬إزاء‭ ‬وجود‭ ‬مادي،‭ ‬فلا‭ ‬تخرج‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية‭ ‬عن‭ ‬ثنائية‭ ‬الماهية‭ ‬والوجود،‭ ‬أو‭ ‬الروح‭ ‬والمادة‭. ‬الذات‭ ‬الفردية‭ ‬(“الأنا”ego‭ ‬أو‭ ‬«النفس»‭ ‬self)‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬مركز‭ ‬الكون،‭ ‬صار‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬نظرة‭ ‬علمانية،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬أفعالها،‭ ‬ومسؤولة‭ ‬عنها،‭ ‬وهذا‭ ‬ممّا‭ ‬سيؤسس‭ ‬فكرة‭ ‬الاستقلال‭ ‬أو‭ ‬الذاتية‭.‬

مع‭ ‬ولادة‭ ‬تصور‭ ‬أحدث‭ ‬للذات‭ ‬الفردية‭ ‬تراجع‭ ‬مفهوم‭ ‬“الإنسان”‭ ‬(المجرد)،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬مصطلحاً‭ ‬حيادياً‭ ‬(بحكم‭ ‬التجريد)‭ ‬مرادفاً‭ ‬للذات‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإنسانوي‭ ‬لعصر‭ ‬التنوير‭. ‬“من‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬فتنة‭ ‬النقد‭ ‬أو‭ ‬التفكيك‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البنيوي‭ ‬للذات‭ ‬(وآليات‭ ‬تشكيلها)‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬النسوية‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالية،‭ ‬لأن‭ ‬المرجعية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لمقولة‭ ‬“الإنسان”‭ ‬الفلسفية‭ ‬كانت‭ ‬الذات‭ ‬المذكرة‭ ‬البيضاء‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تصوّرها‭ ‬هذه‭ ‬الخطابات‭ ‬ذاتاً‭ ‬مهيمنة”،‭ ‬وعالمية‭ ‬أو‭ ‬كونية‭ ‬معيارياً؛‭ ‬إذ‭ ‬يقوم‭ ‬تشكيل‭ ‬مثال‭ ‬النزعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬سمة‭ ‬عنصرية؛‭ ‬فلكي‭ ‬يكون‭ ‬الغرب‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إثبات‭ ‬الإنسانية‭ ‬لنفسه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬آخرِيه‭ ‬(others)‭ ‬بوصفهم‭ ‬عبيداً‭ ‬ووحوشاً‭ ‬[4]‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬يسوغ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬ظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬الذات‭ ‬الفردية‭ ‬العلماني،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تاريخية‭ ‬هذا‭ ‬الظهور،‭ ‬أي‭ ‬انتقال‭ ‬الجماعات‭ ‬من‭ ‬“حالة‭ ‬الطبيعة”‭ ‬إلى‭ ‬“الحالة‭ ‬المدنية”،‭ ‬(ماكيافيلي،‭ ‬هوبز،‭ ‬لوك،‭ ‬روسو‭ ‬[5])‭ ‬وما‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الإحداثيات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظم‭ ‬الكون‭ ‬الرمزي‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الوسطوية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرون‭. ‬ذلك‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الإنتاج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وعلاقات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬دشنته‭ ‬“الطبقة‭ ‬الثالثة”،‭ ‬كما‭ ‬سماها‭ ‬الأب‭ ‬سييس،‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬هزت‭ ‬أركان‭ ‬النظام‭ ‬البطركي،‭ ‬ودكت‭ ‬أسواره،‭ ‬فتحرر‭ ‬الأفراد‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬من‭ ‬ربقة‭ ‬العلاقات‭ ‬التقليدية‭.‬

في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬والثقافي،‭ ‬الجذري،‭ ‬‮ ‬ظهر‭ ‬المفهوم‭ ‬العلماني”‭ ‬للأنا”‭ ‬الفردية،‭ ‬بصفته‭ ‬وعياً‭ ‬مجرداً‭ ‬وكونياً‭ ‬متحرراً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تجسد‭ ‬وموضعية‭. ‬الأنا‭ ‬أو‭ ‬الذات،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬وحدة‭ ‬قانونية‭ ‬وفلسفية‭ ‬ومفاهيمية‭ ‬ونفسية،‭ ‬ستجد‭ ‬معناها‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬فرضية‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقلال،‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الذات‭ ‬منزلة‭ ‬عالمية‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجها‭ ‬وفق‭ ‬استراتيجية‭ ‬معقدة،‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة‭ ‬والاستتباع،‭ ‬الذي‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬غدت‭ ‬معها‭ ‬الذات‭ ‬المستقلة‭ ‬هي‭ ‬الذات‭ ‬المستعمِرة‭ ‬والمهيمِنة‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬بناء‭ ‬الذات‭ ‬يتطلب‭ ‬طرفاً‭ ‬آخر‭ ‬تميز‭ ‬الذات‭ ‬نفسها‭ ‬عنه،‭ ‬وتؤسس‭ ‬سيادتها‭ ‬واستقلالها‭ ‬على‭ ‬تبعيته‭ ‬وخضوعه،‭ ‬وفاعليتها‭ ‬على‭ ‬انفعاليته،‭ ‬وإيجابيتها‭ ‬على‭ ‬سلبيته،‭ ‬وحداثتها‭ ‬على‭ ‬تخلفه‭. ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬“الآخر”‭ ‬يظل‭ ‬مكبوتاً‭. ‬وحضوره‭ ‬“المنسي”‭ ‬أو‭ ‬المكبوت‭ ‬هو‭ ‬بالتحديد‭ ‬شرط‭ ‬لاستقلال‭ ‬الذات‭ ‬المهيمنة‭ ‬وعالميتها‭. ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬“الغربي”‭ ‬للذات‭ ‬سيؤثر‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الذوات‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية،‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬تجربة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬المباشر‭.‬

إن‭ ‬نقد‭ ‬الحداثة‭ ‬يستمد‭ ‬شرعيته‭ ‬وقيمته‭ ‬وضرورته‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬استراتيجية‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقلال،‭ ‬وتعرية‭ ‬جذورها،‭ ‬ودحض‭ ‬مبادئها‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الذات/الذوات‭ ‬الخاضعة‭ ‬والتابعة‭ ‬و”المتخلفة”،‭ ‬وبكلمة‭ ‬واحدة‭: ‬المؤنثة‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬استقلال‭ ‬الذوات‭ ‬وحريتها‭ ‬وسيادتها‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفكيك‭ ‬مقولتي‭ ‬الاستقلال‭ ‬المطلق‭ ‬والسيادة‭ ‬المطلقة‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬العبدي‭ ‬(نسبة‭ ‬إلى‭ ‬العبد)‭ ‬الذي‭ ‬يسري‭ ‬فيهما،‭ ‬وإعادة‭ ‬بنائهما،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يصير‭ ‬معه‭ ‬الاستقلال‭ ‬مقاومةً‭ ‬لجميع‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬التبعية‭ ‬ممكنة،‭ ‬والسيادة‭ ‬مقاومةً‭ ‬ونفياً‭ ‬لجميع‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الخضوع‭ ‬ممكناً،‭ ‬أي‭ ‬إعادة‭ ‬بنائهما‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬النديّة‭ ‬والتشارك‭ ‬الحر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ظهرت‭ ‬إرهاصاته‭ ‬في‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المكتسبات‭ ‬الثقافية‭. ‬آية‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬يقظة‭ ‬الفردية‭ ‬واكتشاف‭ ‬الذات‭ ‬اقترن‭ ‬بانفتاح‭ ‬ذهني‭ ‬على‭ ‬مقولة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وفكرة‭ ‬المواطنة‭ ‬المتساوية،‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بالجدارة‭ ‬والأهلية‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والوطنية‭. ‬وهذه‭ ‬خطوة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬الأنا‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬الأنا‭ ‬المدني،‭ ‬ومن‭ ‬الغريزة‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬وما‭ ‬يقيمه‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬وما‭ ‬يعينه‭ ‬من‭ ‬معايير‭.‬

يتسم‭ ‬الأنا‭ ‬الطبيعي‭ ‬بغلبة‭ ‬الأفعال‭ ‬الغريزية‭ ‬على‭ ‬الأفعال‭ ‬الواعية؛‭ ‬إذ‭ ‬الغريزة‭ ‬باعث‭ ‬طبيعي‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬معينة‭ ‬يصعب‭ ‬فهمها‭ ‬وتحديد‭ ‬غاياتها،‭ ‬لصعوبة‭ ‬فهم‭ ‬بواعثها‭. ‬ويمتاز‭ ‬الفعل‭ ‬الغريزي‭ ‬بلا‭ ‬شعورية‭ ‬الدافع‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬يكمن‭ ‬وراءه،‭ ‬ومفارقته‭ ‬للسياقات‭ ‬الواعية‭ ‬(وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حالات‭ ‬النكوص‭ ‬إلى‭ ‬الهمجية‭ ‬والتوحش‭ ‬وأشكال‭ ‬اللامعقول‭ ‬واللاأخلاقي،‭ ‬هنا‭ ‬وهناك)‭. ‬يبدو‭ ‬الفعل‭ ‬الغريزي‭ ‬حادثاً‭ ‬نفسياً‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الفجائية‭ ‬أو‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬استمرارية‭ ‬الواعية؛‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬نحسه‭ ‬“ضرورة‭ ‬داخلية”‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬التعريف‭ ‬الذي‭ ‬أعطاه‭ ‬كانط‭ ‬للغريزة‭ ‬[6]‭. ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأفعال‭ ‬الغريزية‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬خافية‭ ‬الفرد‭ ‬الشخصية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تنبثق‭ ‬أفعال‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬“الخافية‭ ‬الجامعة”‭ ‬في‭ ‬الفرد‭ ‬نفسها‭ ‬أو‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذه‭ ‬أكثر‭ ‬غموضاً‭ ‬وإبهاماً‭ ‬من‭ ‬الأولى،‭ ‬لأن‭ ‬محتوياتها‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬النوع،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬الحياة‭ ‬[7]‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الأنا‭ ‬المدني،‭ ‬الذي‭ ‬أرهصت‭ ‬به‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية،‭ ‬قطيعة‭ ‬واعية‭ ‬مع‭ ‬الأنا‭ ‬الطبيعي‭ ‬غير‭ ‬المرفوع‭. ‬فمن‭ ‬أبرز‭ ‬سمات‭ ‬المدنية‭ ‬سيطرة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬أفعالهم‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬غايات‭ ‬معينة،‭ ‬فردية‭ ‬وجمعية،‭ ‬خاصة‭ ‬وعامة‭.‬

إن‭ ‬نقد‭ ‬الحداثة‭ ‬يستمد‭ ‬شرعيته‭ ‬وقيمته‭ ‬وضرورته‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬استراتيجية‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقلال،‭ ‬وتعرية‭ ‬جذورها،‭ ‬ودحض‭ ‬مبادئها‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأخلاقية

لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬التفريق،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬واضح،‭ ‬بين‭ ‬الأنانية‭ ‬بوصفها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬الأنا‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وتقابلها الغيرية،‭ ‬(الأنا‭ ‬ضد‭ ‬الغير،‭ ‬نحن‭ ‬ضد‭ ‬الأغيار‭ ‬أو‭ ‬الغوييم)‭ ‬وبين‭ ‬الأنوية‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬الأنا‭ ‬المدني،‭ ‬وتقابلها الآخرية‮ ‬(أنا/الأخرى‭ ‬والآخر،‭ ‬الأخرى‭ ‬والآخر‭ ‬كلاهما‭ ‬“أنا”)‭. ‬ونلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الأنانية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ثاوية‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الأنوية،‭ ‬وستظل‭ ‬كذلك،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الطبيعي‭ ‬ثاوياً‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬المدني‭. ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬الغيرية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفرق‭ ‬بين‭ ‬الغيرية‭ ‬التبادلية‭ ‬(الانتقال‭ ‬من‭ ‬الأنا‭ ‬إلى‭ ‬الأخرى‭ ‬والآخر،‭ ‬وبالعكس)‭ ‬أو‭ ‬الغيرية‭ ‬المعتدلة،‭ ‬التي‭ ‬منها الغيرة،‭ ‬بمعانيها‭ ‬المتناقضة‭ ‬شكلاً‮ ‬[8]،‭ ‬وبين‭ ‬الغيرية‭ ‬الجذرية،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬ذوبان‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬الجماعة،‭ ‬وتماهي‭ ‬التابع‭ ‬والتابعة‭ ‬بالمتبوع،‭ ‬والعبد‭ ‬والعبدة‭ ‬بالسيد،‭ ‬وتماهي‭ ‬المحكوم‭ ‬بالحاكم‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يجب‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬الطبيعية‭ ‬(الهووية)‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬المغايرة‭ ‬والتفاصل،‭ ‬والتي‭ ‬تسم‭ ‬النزعات‭ ‬العرقية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬وبين‭ ‬الذات‭ ‬المدنية‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬على‭ ‬الاختلاف‭ ‬والتواصل،‭ ‬والمؤسِّسة‭ ‬للسلم‭ ‬المدني‭ ‬والتشارك‭ ‬الحر‭. ‬هذا‭ ‬التفريق‭ ‬لا‭ ‬يُظهر‭ ‬ولا‭ ‬يُضمر‭ ‬أيّ‭ ‬حكم‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬بل‭ ‬يحكم‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬السائدة،‭ ‬التي‭ ‬تحوِّر‭ ‬العلاقات‭ ‬الواقعية‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬والتي‭ ‬ينبغي‭ ‬نقدها‭ ‬ومقاومتها‭ ‬وتغييرها‭.‬

يتصل‭ ‬بذلك‭ ‬أوثق‭ ‬اتصال‭ ‬تضخم‭ ‬الــ(نحن)‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الــ(أنا)،‭ ‬بحيث‭ ‬يتكلم‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬يتكلم‭ ‬باسم‭ ‬الجماعة‭ ‬ونيابة‭ ‬عنها،‭ ‬فتغدو‭ ‬الجماعة‭ ‬مطابقة‭ ‬لتصور‭ ‬الفرد‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬ورامزة‭ ‬إلى‭ ‬ذوبان‭ ‬الفرد‭ ‬فيها‭ ‬وتبديد‭ ‬ذاته‭ ‬وامّحاء‭ ‬شخصيته‭: ‬(نحن‭ ‬بني‭ ‬يعرب‭ ‬أعرب‭ ‬الناس‭ ‬لساناً‭ ‬وأنضر‭ ‬الناس‭ ‬عودا‭.. ‬نحن‭ ‬أساتذة‭ ‬العالم‭ ‬وهداة‭ ‬الأمم‭ ‬وحاملو‭ ‬رسالة‭ ‬السماء‭..‬)‭. ‬النحن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬مختلفات‭ ‬ومختلفين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬أو‭ ‬ماهية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬جوهرية،‭ ‬“هوية‭ ‬بلا‭ ‬ذات”،‭ ‬بتعبير‭ ‬فتحي‭ ‬المسكيني‭.‬

منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية،‭ ‬واستعادة‭ ‬الأفراد‭ ‬حق‭ ‬الكلام‭ ‬وانبثاق‭ ‬الأنا‭ ‬المدنية،‭ ‬استعادت‭ ‬الــ(نحن)‭ ‬حقوقها،‭ ‬فصارت‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬المختلفات‭ ‬والمختلفين،‭ ‬تؤطرهم‭ ‬تنسيقية‭ ‬أو‭ ‬“حركة”‭ ‬أو‭ ‬منظمة‭ ‬أو‭ ‬جمعية‭ ‬أو‭ ‬ندوة‭.. ‬هي‭ ‬مرجعية‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولها‭ ‬سيماؤها‭ ‬الواضحة‭ ‬المختلفة‭ ‬عن‭ ‬غيرها،‭ ‬مما‭ ‬نشاهده‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ونعاينه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الفعلي‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬تحقق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ومآلاً‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويؤذن‭ ‬بتحولات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬جذرية‭ ‬تتعدى‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الديمقراطي‭.‬

حضور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام

لقد‭ ‬آذنت‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السلمية‭ ‬بكسر‭ ‬احتكار‭ ‬الرجل‭ ‬للفضاء‭ ‬العام‭ ‬وسيطرته‭ ‬على‭ ‬الفضاءات‭ ‬الخاصة،‭ ‬فكسرت‭ ‬فكرة‭ ‬الفروق‭ ‬الجنسية‭ ‬المطلقة‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء،‭ ‬وطعّمت‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شعاراً‭ ‬ويوتوبيا،‭ ‬بمبدأ‭ ‬الحرية،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شعاراً‭ ‬ويوتوبيا،‭ ‬لا‭ ‬يشملان‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية،‭ ‬فاستقام‭ ‬معنى‭ ‬المساواة‭ ‬ومعنى‭ ‬الحرية،‭ ‬وتعاشقا،‭ ‬بتحولهما‭ ‬معاً‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬خلاقة‭. ‬(الشابات‭ ‬يتشاركن‭ ‬مع‭ ‬الشباب‭ ‬مشاركة‭ ‬ندية‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬حق‭ ‬الكلام‭ ‬وتملّك‭ ‬الفضاء‭ ‬العام)‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مشاركة‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السلمية‭ ‬لافتة‭ ‬للنظر،‭ ‬وأخذت‭ ‬هذه‭ ‬المشاركة‭ ‬تتحدى‭ ‬البنى‭ ‬البطركية‭ ‬والثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬قوامها‭ ‬وعمادها‭.‬

خرجت‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬الميادين‭ ‬والساحات‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬الاعتصامات‭ ‬والإضرابات‭.. ‬لا‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬أن‭ ‬“المرأة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الرجل”،‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬رديء‭ ‬للمساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬أن المرأة‭ ‬تريد ذلك‭ ‬بوعي‭ ‬وتصميم‭ ‬واضحين،‭ ‬على‭ ‬اعتبارها‭ ‬كائناً‭ ‬إنسانياً‭ ‬مستقلاً،‭ ‬ولها‭ ‬إرادتها‭ ‬المستقلة‭ ‬ورؤيتها‭ ‬المستقلة‭ ‬للحياة‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأثار‭ ‬الثقافية‭ ‬للحركات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬آية‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬وطأة‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة،‭ ‬ووطأة‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬كانت،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬أشد‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الرجل،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬“المرأة‭ ‬ضعيفة”‭ ‬وهشة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬هي‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للبنى‭ ‬البطركية‭ ‬والثقافة‭ ‬البطركية‭. ‬فقد‭ ‬لمست‭ ‬القوى‭ ‬المحافظة‭ ‬في‭ ‬مشاركة‭ ‬النساء‭ ‬الحرة‭ ‬تهديداً‭ ‬جدياً،‭ ‬لا‭ ‬لمصالحها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لسلطتها‭ ‬ونفوذها‭ ‬أساساً‭. ‬مشاركة‭ ‬النساء‭ ‬ومبادراتهن‭ ‬كانت‭ ‬وجهاً‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬التمكن‭ ‬الكياني‭ ‬والاستقلال‭ ‬الذاتي،‭ ‬أو‭ ‬مقدمة‭ ‬ضرورية‭ ‬من‭ ‬مقدماتهما،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬أساس‭ ‬الأنوثة‭ ‬الأصيلة‭ ‬والذكورة‭ ‬الأصيلة،‭ ‬من‭ ‬شأنهما‭ ‬تعرية‭ ‬عوامل‭ ‬القهر‭ ‬والهدر،‭ ‬حسب‭ ‬مصطفى‭ ‬حجازي،‭ ‬وتعرية‭ ‬واقع الإنسان‭ ‬المبتور،‭ ‬الذي‭ ‬يتنكر‭ ‬جانبه‭ ‬الذكوري‭ ‬لجانبه‭ ‬الأنثوي،‭ ‬وبالعكس،‭ ‬حسب‭ ‬اجتهادنا‭.‬

التمكن،‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬وجوهه،‭ ‬هو‭ ‬تملّك‭ ‬المكان‭ ‬–‭ ‬الزمان،‭ ‬نعني‭ ‬تملك‭ ‬العالم،‭ ‬عالم‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والعمل،‭ ‬أو‭ ‬تأسيس‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬عالمها،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تملّك‭ ‬الأشياء‭ ‬(الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬عامة‭ ‬وملكية‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭ ‬خاصة)‭. ‬التمكن‭ ‬الوجودي،‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬تذويت‭ ‬العالم‭ ‬وأنسنة‭ ‬الذات‭. ‬لا‭ ‬نبتعد‭ ‬بهذا‭ ‬أبداً‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬معيش،‭ ‬فالعلاقات‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬إناثاً‭ ‬وذكوراً،‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية،‭ ‬كانت‭ ‬بالأحرى‭ ‬علاقات‭ ‬تذاوت‭ ‬متكافئة،‭ ‬لا‭ ‬المرأة‭ ‬موضوع‭ ‬لإرادة‭ ‬الرجل‭ ‬وسلطته،‭ ‬ولا‭ ‬العكس‭ ‬ولا‭ ‬الصغير/ة‭ ‬موضوع‭ ‬لإرادة‭ ‬الكبير/ة‭ ‬ولا‭ ‬العكس،‭ ‬ولا‭ ‬الفقير/ة‭ ‬موضوع‭ ‬لإرادة‭ ‬الغني/ـة‭ ‬وسلطته/ـها‭ ‬ولا‭ ‬العكس‭. ‬هذا‭ ‬المحرز‭ ‬الثقافي‭ ‬التاريخي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التغاضي‭ ‬عنه،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬التفريط‭ ‬به‭ ‬وتبديده‭. ‬إنه‭ ‬العنصر‭ ‬الثوري،‭ ‬أي‭ ‬التغييري،‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية،‭ ‬به‭ ‬ومعه‭ ‬تتغير‭ ‬البنى‭ ‬الثقافية‭ ‬تغيراً‭ ‬جذرياً‭.‬

امتلاك‭ ‬المكان‭ ‬شرط‭ ‬امتلاك‭ ‬المكانة،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فالخصاء‭ ‬الوجودي‭ ‬المصاحب‭ ‬للتجريد‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬الكيانية‭ ‬وهو‭ ‬مأساة‭ ‬المهمشين؛‭ ‬هو‭ ‬إقصاء‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬الحيز‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الأقوياء‭ ‬وذوي‭ ‬الاقتدار‭. ‬وتلكم‭ ‬هي‭ ‬مأساة‭ ‬بطالة‭ ‬الشباب،‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬البوعزيزي‭ ‬تعبيراً‭ ‬أشعلت‭ ‬رمزيته‭ ‬شرارة‭ ‬الثورة‭. ‬ولكن‭ ‬فكرة‭ ‬العدالة‭ ‬لم‭ ‬تغب‭ ‬عن‭ ‬ثورات‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”،‭ ‬التي‭ ‬تُعدُّ‭ ‬آليات‭ ‬الاصطفاء‭ ‬والتهميش‭ ‬المجحفة‭ ‬والاستنسابية‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أسبابها،‭ ‬وإن‭ ‬غلب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬“العدالة‭ ‬الانتقالية”،‭ ‬بما‭ ‬تعنيه‭ ‬من‭ ‬ردّ‭ ‬المظالم‭ ‬ورفع‭ ‬الظلم‭ ‬وجبر‭ ‬الضرر‭ ‬ومحاكمة‭ ‬من‭ ‬يشتبه‭ ‬في‭ ‬ارتكابهم‭ ‬جرائم‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭ ‬والاغتصاب‭ ‬والتشريد،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬المجازر‭ ‬الجماعية‭ ‬واستعمال‭ ‬الأسلحة‭ ‬المحرمة‭ ‬دولياً‭.. ‬تمهيداً‭ ‬لمصالحة‭ ‬وطنية‭ ‬تسمح‭ ‬بإقامة‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭. ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬العدالة‭ ‬هو‭ ‬كونها‭ ‬تركيباً‭ ‬فريداً‭ ‬بين‭ ‬المساواة‭ ‬والحرية،‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بتركيب‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬الهيدروجين‭ ‬والأوكسجين،‭ ‬إذا‭ ‬انفصل‭ ‬أحدهما‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬يصير‭ ‬الهيدروجين‭ ‬ساماً‭ ‬والأوكسجين‭ ‬حارقاً‭.‬

‮ ‬الممارسة‭ ‬العلمانية‭ ‬وقتل‭ ‬الأب

كتب‭ ‬مصطفى‭ ‬حجازي‭ ‬“لأول‭ ‬مرة‭ ‬يكسر‭ ‬الشعب‭ ‬أصنامه،‭ ‬ويُسقط‭ ‬فرعونه‭ ‬بدون‭ ‬بطل‭ ‬منقذ‭ ‬يقود‭ ‬عملية‭ ‬الكسر،‭ ‬ويرفع‭ ‬الغبن‭ ‬عن‭ ‬الجماهير‭. ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬ينتزع‭ ‬الشعب‭ ‬المرجعية،‭ ‬وتصبح‭ ‬سلطته‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭. ‬إن‭ ‬إسقاطات‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الثقافي‭ ‬البنيوي‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬لأول‭ ‬وهلة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح الإنسان‭ ‬مرجعية‭ ‬ذاته،‭ ‬والجماعة‭ ‬مرجعية‭ ‬ذاتها‭. ‬كُسرت‭ ‬مع‭ ‬إسقاط‭ ‬الفرعون‭ ‬أخلاق‭ ‬الطاعة‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬أخلاق‭ ‬التوافق‭. ‬ومع‭ ‬كسر‭ ‬أخلاق‭ ‬الطاعة‭ ‬الأبعد‭ ‬دلالة‭ ‬وتأثيراً‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬السياسي،‭ ‬الذي‭ ‬يحتمل‭ ‬التأويل‭ ‬والاجتهاد،‭ ‬يُفتح‭ ‬السبيل‭ ‬أمام‭ ‬انطلاق‭ ‬طاقات‭ ‬الحياة‭ ‬ومرجعيّتها،‭ ‬ويُفكّ‭ ‬أسرها‭ ‬وارتهانها‭ ‬لإرادة‭ ‬فوقية‭ ‬كلية‭ ‬الجبروت‭ ‬تفرغ‭ ‬كيان‭ ‬التابعين‭ ‬من‭ ‬كثافته‭ ‬تجاه‭ ‬الفرعون‭. ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الرئيس‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬ثقافي‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬البنية‭ ‬البطريركية‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬نظم‭ ‬العلاقة‭ ‬والتفاعل‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬هي‭ ‬نسخة‭ ‬معدلة‭ ‬من‭ ‬الفرعنة‭ ‬تفرض‭ ‬أخلاق‭ ‬الطاعة‭ ‬وسماع‭ ‬الكلام‭ ‬لقاء‭ ‬الرعاية‭ ‬والحماية،‭ ‬(كما‭ ‬يقول‭ ‬هشام‭ ‬شرابي)‭. ‬تتكرر‭ ‬(هذه‭ ‬النسخة)‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬الرؤساء‭ ‬بالمرؤوسين،‭ ‬والآباء‭ ‬بالأبناء،‭ ‬والإناث‭ ‬بالذكور‭. ‬البنية‭ ‬البطريركية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الأب‭ ‬للأبناء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إتباعهم‭ ‬وسلب‭ ‬إرادتهم‭ ‬ومرجعيّتهم‭.‬

أبرز‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الثورة‭ ‬هو‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬العموديّة‭ ‬الفوقيّة‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬الأفقيّة‭ ‬التشاركية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬المساواة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬والشاب‭ ‬والشابة‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬بنفس‭ ‬القدر‭ ‬والفاعلية‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬وتوفير‭ ‬مقومات‭ ‬نجاحها‭. ‬حتى‭ ‬المحجبات‭ ‬والمنقبات‭ ‬أسهمن‭ ‬بالزخم‭ ‬نفسه،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحرر‭ ‬فعلي‭ ‬للمرأة‭ ‬طال‭ ‬نضالها‭ ‬من‭ ‬أجله‭. ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬البنية‭ ‬البطريركية،‭ ‬وإنما‭ ‬تجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬حقيقي‭ ‬للأدوار‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬الشباب‭ ‬هم‭ ‬المرجعية‭.‬

وإلى‭ ‬ذلك‭ ‬“حرر الإعلام‭ ‬الاجتماعي‮ ‬جمهور‭ ‬المشتركين‭ ‬والجمهور‭ ‬عموماً‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬الفوقي‭ ‬أحاديّ‭ ‬الاتجاه،‭ ‬الذي‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬التلاعب‭ ‬بالعقول‭ ‬وإدارة‭ ‬الإدراك‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬السلطات‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬المالية،‭ ‬(فحوّله)‭ ‬إلى‭ ‬تواصل‭ ‬أفقي‭ ‬تفاعلي‭ ‬يتساوى‭ ‬فيه‭ ‬الجميع،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬مرسلاً‭ ‬ومستقبلاً‭ ‬ومحاوراً‭ ‬مشاركاً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬المواقف‭ ‬والقرارات،‭ ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬ولوج‭ ‬مرحلة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬الإعلام‭ ‬فعلياً‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬الشفافية‭ ‬على‭ ‬المادة‭ ‬الإعلامية‭.. ‬ويؤسس‭ ‬لقيام‭ ‬الذكاء‭ ‬الجماعي”[9]‭.‬

أخيراً،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬“الربيع‭ ‬الدامي”‭ ‬أهدى‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬فوضى‭ ‬خلاقة،‭ ‬ولدت‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تولّد‭ ‬أنظمة‭ ‬معرفية‭ ‬وثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬جديدة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تترسخ‭ ‬وتتعمق،‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬نماذج‭ ‬المعرفة‭ ‬والإدراك‭ ‬والتمثل‭ ‬والعمل،‭ ‬فتدشن‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الثقافي،‭ ‬إلا بتغيير‭ ‬النظم‭ ‬التربوية‭ ‬والتعليمية‭ ‬تغييراً‭ ‬جذرياً،‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أفق‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية،‭ ‬وهذا‭ ‬مما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬المعنية‭.‬


مفكر من سوريا