خيبة‭ ‬الوعي

الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬ورحلة‭ ‬الخلاص

الجديد  إبراهيم سعدي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(68)]

لوحة: فيصل لعيبي
من‭ ‬المعروف‭ ‬جيدا‭ ‬أنه‭ ‬يوجد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬تعريف‭ ‬للثقافة،‭ ‬وعليه‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬بادئ‭ ‬ذي‭ ‬بدء‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭ ‬ما‭ ‬نقصده‭ ‬نحن‭ ‬بهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬تفاديا‭ ‬للبس‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وحتى‭ ‬نبلور‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬التحديد،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تصوّرنا‭ ‬للانعكاسات‭ ‬الثقافية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بمطالب‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬أعرب‭ ‬عنها‭ ‬الحراك‭ ‬الجماهيري‭ ‬السلمي‭ ‬العربي‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬وتبعاتها‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭.
وعليه‭ ‬نوضح‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬نوعية‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬غير‭ ‬بيولوجية‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬أفراد‭ ‬قلائل‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬القدرات‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ينتجون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬فنونا‭ ‬ومعارف‭ ‬وأفكارا‭ ‬وابتكارات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬له‭ ‬خصوصيته‭ ‬وتأثيره‭ ‬ونتائجه،‭ ‬يتحقق‭ ‬اجتماعيا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السلوك‭ ‬الفردي‭ ‬والجماعي،‭ ‬وعلى‭ ‬مختلف‭ ‬مستويات‭ ‬الحياة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع، ‬في السياسة‭ ‬والأخلاق‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬المعاملات‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬بالضرورة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬تؤسس‭ ‬لوعي‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬بأنها‭ ‬تتسم‭ ‬بطابع‭ ‬البساطة،‭ ‬فالظواهر‭ ‬أيّا‭ ‬كانت،‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬باشلار‭ ‬عن‭ ‬حق،‭ ‬تتميز‭ ‬جميعها‭ ‬بالتعقيد،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بالثقافة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬بعد‭ ‬هام‭ ‬منها‭ ‬نتاج‭ ‬تراكمات‭ ‬وموروث‭ ‬تاريخي‭ ‬شعوري‭ ‬ولا‭ ‬شعوري‭ ‬يضرب‭ ‬عمقه‭ ‬-بدرجات‭ ‬تتفاوت‭ ‬حسب‭ ‬الأمم-‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المجتمع‭ ‬بشتى‭ ‬تجليات‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬وخصوصياته‭ ‬وتجاربه‭ ‬ومخلفاته،‭ ‬تضاف‭ ‬إليه،‭ ‬وفق‭ ‬ديناميكية‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬المعني،‭ ‬خبرات‭ ‬ومكتسبات‭ ‬الحاضر،‭ ‬ليشكل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الشخصية‭ ‬الفردية‭ ‬النمطية‭ ‬السائدة‭ ‬وكذا‭ ‬وعي‭ ‬الأفراد‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة‭ ‬وسلوكهم‭ ‬داخلها‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬تفعل‭ ‬فعلها‭ ‬في‭ ‬الأفراد‭ ‬وتحدد‭ ‬وعيهم‭ ‬وسلوكهم‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنها‭ ‬تؤثر‭ ‬فيهم وفق‭ ‬استعداداتهم‭ ‬الفردية‭ ‬وأوضاعهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والطبقية،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬الوضعيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والخصوصيات‭ ‬الفردية‭ ‬تؤثر‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الأفراد‭ ‬وفي‭ ‬سلوكهم‭ ‬وكذا‭ ‬على‭ ‬الجماعات‭ ‬وعلى‭ ‬الثقافة‭ ‬ككل،‭ ‬مما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬طابع‭ ‬الديناميكية‭.

‬ولكن‭ ‬الثقافة‭ ‬وإن‭ ‬تميزت‭ ‬بطابع‭ ‬التعقيد‭ ‬ككل‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬أوضحنا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬نمط‭ ‬عام‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬والمستويات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬ذو‭ ‬مسئولية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬فعالية‭ ‬وخصوصية‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬وعي‭ ‬وسلوك‭ ‬الأفراد،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭ ‬والأصعدة‭.‬

خيبة‭ ‬الوعي

وككل‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للحراك‭ ‬الجماهيري‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي‭ ‬ألا‭ ‬يخلّف‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نوعية‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬وطبيعته،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬قد‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬ضده،‭ ‬أعني‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬ثورة‭ ‬مضادة،‭ ‬مدمرة،‭ ‬ساحقة،‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬أهدافه‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬يلعب‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬القيم‭ ‬الجديدة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬العزوف‭ ‬عنها‭. ‬وهذا‭ ‬العامل‭ ‬الزمني‭ ‬لم‭ ‬يتوفر‭ ‬لمسعى‭ ‬التغيير‭ ‬كما‭ ‬أوضحنا،‭ ‬وكما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستدلّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مثلا‭ ‬بما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬إجهاض‭ ‬التجربة‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬جاء‭ ‬إثر‭ ‬انتخابات‭ ‬حرة‭ ‬ونزيهة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البلد‭.

‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التوضيح‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يغيّر‭ ‬الوعي‭ ‬ويجدده‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬هو‭ ‬الثورة،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬الصحيح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬حدوث‭ ‬تغيّر‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬الوعي،‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬عوامل‭ ‬وظروف‭ ‬معينة،‭ ‬شرط‭ ‬تمهيدي‭ ‬ضروري‭ ‬لحدوث‭ ‬الثورة‭ ‬أو‭ ‬الانتفاضة‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬حراك‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬فالوعي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬الانتفاضة‭ ‬والاحتجاج‭ ‬والثورة،‭ ‬وليس‭ ‬العكس،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قيّض‭ ‬لها‭ ‬النجاح‭ ‬والاستمرار‭ ‬وجسدت‭ ‬قيمها‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬سبيلها،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬قيم‭ ‬الوعي‭ ‬الجديد‭ ‬أو‭ ‬تكريسها‭ ‬وتعميق‭ ‬تشبّع‭ ‬الناس‭ ‬بها،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬انحرفت‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬ما‭ ‬وعدت‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬اصطدمت‭ ‬بثورة‭ ‬مضادة‭ ‬أو‭ ‬قمع‭ ‬شديد‭ ‬أو‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬أو‭ ‬حرب‭ ‬أهلية،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لجلّ‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬للأسف،‭ ‬فقد‭ ‬ينقلب‭ ‬الوعي‭ ‬إلى‭ ‬ضده،‭ ‬متحولا‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬مضاد‭ ‬ومُحبَط‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬احتكمنا‭ ‬مثلا‭ ‬إلى‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بإنجازها‭ ‬“المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات”‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬أنجزه‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬سنة‭ ‬2012-2013‮ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬سلبية‭ ‬أو‭ ‬إيجابية‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬بأن61‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬المستطلعة‭ ‬آراؤهم‭ ‬كانوا‭ ‬يعتبرونها‭ ‬إيجابية،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬معتبرة‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي‭ ‬كان‭ ‬متعاطفا‭ ‬آنذاك‭ ‬مع‭ ‬الحراك‭‬الجماهيري‭ ‬الذي‭ ‬شمل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭.‬
لكن‭ ‬نفس‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬استطلاع‭ ‬مماثل‭ ‬يتعلق‭ ‬بتقييم‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬يظهر‭ ‬بأن‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬صاروا‭ ‬يُقيِّمونها‭ ‬تقييما‭ ‬إيجابيا‭ ‬قد‭ ‬انحدرت‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬34‭ ‬بالمئة‭ ‬سنة‭ ‬2015،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬باتوا‭ ‬يديرون‭ ‬ظهورهم‭ ‬لثورات‭ ‬2011،‭ ‬(59‭ ‬بالمئة‭ ‬صاروا‭ ‬يعتبرونها‭ ‬سلبية)‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬بمكان‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬وهذا‭ ‬النكوص،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬استفحال‭ ‬الفوضى‭ ‬وانتشار‭ ‬العنف‭ ‬والقمع‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يفسِّر‭ ‬هذا‭ ‬الانقلاب‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬وهذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬تجربة‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬أقل‭ ‬ثورية‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬وليس‭ ‬هذا‭ ‬بشيء‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الحيرة‭ ‬أو‭‬الدهشة‭ ‬فالوعي‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬وأثناءها‭ ‬وبعدها‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬دائما‭.‬
والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬لإحباط‭ ‬مسعى‭ ‬التغيير‭ ‬والتحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هو‭ ‬خلق‭ ‬الأرضية‭ ‬المناسبة‭ ‬لإيجاد‭ ‬الوعي‭ ‬المضاد،‭ ‬فكان‭ ‬خلق‭ ‬فوضى‭ ‬مستمرة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬طوال‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬جاء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬انتخابات‭ ‬حرة‭ ‬ونزيهة‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬الإطاحة‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬بالطرق‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬بسبب‭ ‬تهاوي‭ ‬شعبيته،‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭ ‬من‭ ‬الإطاحة‭ ‬هو‭ ‬إجهاض‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬برمتها‭. ‬نفس‭ ‬السيناريو‭ ‬تم‭ ‬التحضير‭ ‬له،‭ ‬وفشل‭ ‬نسبيا‭ ‬وبأعجوبة،‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬قصد‭ ‬خلق‭ ‬وعي‭ ‬مُحبَط‭ ‬ومضاد‭ ‬للثورة‭ ‬أو‭ ‬تحريف‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬عن‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تفاقم‭ ‬الظاهرة‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أسبابها‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬فشل‭ ‬التحول‭ ‬السلمي‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وفي‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬قد‭ ‬حدث‭ ‬أيضا‭ ‬نتيجة‭ ‬السعي‭ ‬الممنهج‭ ‬إلى‭ ‬شيطنة‭ ‬الحراك‭ ‬المطالب‭ ‬بالتغيير‭ ‬وتشويه‭ ‬صورته‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الناس‭ ‬بجرّه‭ ‬إلى‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬كمصدر‭ ‬للفتنة‭ ‬والاقتتال‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬إيجاد‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬محافظ‭ ‬راضخ،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬أهون‭ ‬الشَّرّين،‭ ‬أي‭ ‬الحكم‭ ‬القائم‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬فاسدا‭ ‬وقمعيا‭ ‬وفاقدا‭ ‬للشرعية‭ ‬بدل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬واللاّأمن،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يذكّر‭ ‬بما‭ ‬شرّع‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬أسلافنا‭ ‬من‭ ‬فقهاء‭ ‬الحكام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبدئهم‭ ‬المعروف‭ ‬القائل‭ ‬“طاعة‭‬حاكم‭ ‬جائر‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬فتنة‭ ‬داخل‭ ‬الأمة”‭.
‬وقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬“المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات”‭ ‬المذكور‭ ‬آنفا،‭ ‬في‭ ‬طبعته‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعام‭ ‬2015،‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬العربي،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين‭ ‬غير‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬العربية‭ ‬المسلحة‭ ‬القائمة،‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬بالفعل‭ ‬أكثر‭ ‬محافظة،‭ ‬والأصح‭ ‬أكثر‭ ‬رضوخا،‭ ‬كما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كون‭ ‬المستجوبين،‭ ‬حسب‭ ‬الاستطلاع‭ ‬المذكور،‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬وذلك‭ ‬لسنتين‭ ‬متتاليتين‭ ‬“الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬باعتباره‭ ‬أهم‭ ‬مشكلة‭ ‬تواجه‭ ‬بلدانهم”،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬المشكلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ذاتها،‭ ‬وأيضا‭ ‬كما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬التقييم‭ ‬السلبي‭ ‬للثورات،‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تقدير‭ ‬المواطنين‭ ‬للوضع‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭ ‬حسب‭ ‬نفس‭ ‬مؤشر‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭ ‬أكثر‭ ‬سلبية‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬السابقة‭ ‬(52‭ ‬بالمئة‮ ‬يقيمونه‭ ‬تقييما‭ ‬سلبيا‭ ‬مقابل‭ ‬43‭ ‬بالمئة‭ ‬ممن‭‬ينظرون‭ ‬إليه‭ ‬نظرة‭ ‬إيجابية)‭. ‬
وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬استراتيجية‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬أو‭ ‬المحافِظة‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬أدواتها‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬الوعي‭ ‬الثوري‭ ‬إلى‭ ‬ضده‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشويه‭ ‬صورة‭ ‬الثورة،‭ ‬وذلك‭ ‬بربطها‭ ‬بالعنف‭ ‬والفوضى‭ ‬والاقتتال،‭ ‬بجعل‭ ‬بلدان‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬وأوطانها‭ ‬ومجتمعاتها‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنا‭ ‬باهظا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬الثورة‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬شرعيتها،‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الثمن‭ ‬الباهظ‭ ‬المدفوع‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬كبح‭ ‬أيّ‭ ‬وعي‭ ‬ثوري‭ ‬يريد‭ ‬تكرار‭ ‬تجربة‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الضغط‭ ‬الجماهيري‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬هكذا‭ ‬أدى‭ ‬إذن‭ ‬حراك‭ ‬2011‭ ‬إلى‭ ‬نشأة‭ ‬“الوعي”‭ ‬بمدى‭ ‬خطورة‭ ‬الأسلوب‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬ذات‭ ‬أنظمة‭ ‬بوليسية‭ ‬واستبدادية‭ ‬كالأنظمة‭ ‬العربية،‭ ‬ناهيك‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نزاع‭ ‬داخلي‭ ‬مسلح‭. ‬
والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬المدى‭ ‬المجنون‭ ‬لتشبث‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬بحكمها‭ ‬واستعدادها‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬شعوبها‭ ‬وعلى‭ ‬تدمير‭ ‬أوطانها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حكمها‭ ‬كان‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬للوعي‭ ‬العربي‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬كشفا‭ ‬مروّعا‭ ‬حقا‭ ‬وغريبا‭ ‬وغير‭ ‬متوقع،‭ ‬وفريدا‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬التشبث‭ ‬بالحكم‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬أماطت‭ ‬اللثام‭ ‬عنه‭ ‬ثورات‭ ‬2011،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ارتباط‭ ‬طابع‭ ‬الدموية‭ ‬بالاستبداد‭ ‬واستهتاره‭ ‬بحياة‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته،‭ ‬قد‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬مقاصد‭ ‬القمع‭ ‬والعنف‭ ‬الدمويين‭ ‬غير‭ ‬المسبوقين‭ ‬اللذين‭ ‬أعقبا‭ ‬الانتصار‭ ‬الحالي‭ ‬للثورة‭ ‬المضادة،‭ ‬كان‭ ‬يرمي‭ ‬أيضا‭ ‬ولا‭ ‬يزال،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬غرس‭ ‬ثقافة‭ ‬الخوف‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬دائما‭ ‬بالحكم‭ ‬العربي‭ ‬والتي‭ ‬تبدو‭ ‬أنها‭ ‬أحد‭ ‬لوازمه،‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬انتصر‭ ‬عليها‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬لسنة‭ ‬2011‭.‬

الوعي‭ ‬الإصلاحي

لكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره،‭ ‬ينبغي‭ ‬التوضيح‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬بأن‭ ‬وضع‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬موضع‭ ‬تساؤل‭ ‬ومراجعة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬أهدافها‭ ‬وفي‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬تحقيقها،‭ ‬أعني‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬الثوري‭ ‬لتحقيق‭ ‬التغيير‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مطالب‭ ‬متعلقة‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته‭ ‬ومعيشته‭. ‬فقد‭ ‬بين‭ ‬نفس‭ ‬استطلاع‭ ‬مؤشر‭ ‬2015‭ ‬الذي‭ ‬أجراه‭ ‬“المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات”‭ ‬أن‭ ‬79‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي‭ ‬يرى‭ ‬بأن‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬التعددي‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬ملائم‭ ‬للتطبيق‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭. ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬رفض‭ ‬أغلبية‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬للأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬إذ‭ ‬توافق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬61‮ ‬بالمئة‭ ‬إلى‭ ‬75‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬المستجوبين‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬السلطوي‭ ‬أو‭ ‬نظام‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسلامية‭ ‬فقط،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وعلى‭ ‬نظام‭ ‬الأحزاب‭ ‬الدينية،‭ ‬هي‭ ‬أنظمة‭ ‬غير‭ ‬ملائمة‭ ‬للتطبيق‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭. ‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مطلب‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬قائما‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬وبأن‭ ‬المآل‭ ‬المأساوي‭ ‬لثورات‭ ‬2011‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحلم،‭ ‬وبأن‭ ‬الأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬تجسّد‭ ‬إرادة‭ ‬شعوبها،‭ ‬وبأن‭ ‬خيارات‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬لا‭ ‬تشذ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬عن‭ ‬مثيلاتها‭ ‬لدى‭ ‬بقية‭ ‬سكان‭ ‬المعمورة‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يخلق‭ ‬بنا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬الشعور‭ ‬بالارتياح‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬تفاؤل‭ ‬مفرط،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬الرأي‭ ‬والوعي،‭ ‬فالرأي‭ ‬لا‭ ‬يتبعه‭ ‬سلوك‭ ‬بالضرورة‭ ‬وهو‭ ‬يتّسم‭ ‬بطابع‭ ‬الآنية‭ ‬والقابلية‭ ‬على‭ ‬التغير،‭ ‬أما‭ ‬الوعي‭ ‬فهو‭ ‬إدراك‭ ‬متبوع‭ ‬بسلوك،‭ ‬وهو‭ ‬يتسم‭ ‬بطابع‭ ‬الدوام،‭ ‬نسبيا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬ويتشكل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الشخصية،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬مرتبط‭ ‬بالثقافة،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬النسب‭ ‬تعكس‭ ‬حقا‭ ‬القابلية‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬الديمقراطي‭ ‬للمواطنين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬الانفصام‭ ‬بين‭ ‬القول‭ ‬والفعل‭ ‬تكاد‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬أو‭ ‬“ماركة”‭ ‬مميزة‭ ‬لشخصية‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي؟

‮ ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬الأمر،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬السابقة‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬وعيا‭ ‬إصلاحيا‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬صار‭ ‬ينزع‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬لكن‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬الوسائل‭ ‬الثورية‭. ‬هل‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬بأنه‭ ‬سيتم‭ ‬مستقبلا‭ ‬اعتماد‭ ‬وسائل‭ ‬بديلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬التغيير‭ ‬طالما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هناك،‭ ‬كما‭ ‬مرَّ‭ ‬بنا،‭ ‬رفض‭ ‬للأنظمة‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬السلطوي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬السمة‭ ‬الغالبة‭ ‬لأنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬العربي،‭ ‬وطالما‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬الثوري‭ ‬مكلف‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬ولا‭ ‬زلنا‭ ‬نراها؟‭ ‬وهل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬المُحبَط‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تجارب‭ ‬الحراك‭ ‬المطالب‭ ‬بالتغيير‭ ‬بواسطة‭ ‬الإكراه‭ ‬الجماهيري‭ ‬قد‭ ‬ولّى‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬رجعة؟‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬دروس‭ ‬تجارب‭ ‬2011‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬كان‭ ‬يتوقع‭ ‬تلك‭ ‬الانفجارات‭ ‬الشعبية‭ ‬العارمة‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬معظم‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬‭ ‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الاحتمالات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬اليأس‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤسس‭ ‬لثقافة‭ ‬الخلاص‭ ‬الفردي‭ ‬ولموت‭ ‬فكرة‭ ‬الوطن‭ ‬ولعدمية‭ ‬مدمرة‭ ‬لا‭ ‬تؤمن‭ ‬بشيء،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬أيضا‭ ‬أرضية‭ ‬خصبة‭ ‬لحركات‭ ‬متطرفة‭ ‬واعدة‭ ‬بخلاص‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬السيف،‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬بعض‭ ‬الحركات‭ ‬“الجهادية”‭ ‬اليوم،‭ ‬فلئن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬المطلق‭ ‬وليدة‭ ‬الإحباط‭ ‬الذي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فالتحول‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬الثوري‭ ‬السلمي‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬أعلى‭ ‬مستوياته‭ ‬خلال‭ ‬حراك‭ ‬2011‭ ‬لم‭ ‬يتحوّل‭ ‬في‭ ‬مجمله‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬ذي‭ ‬طابع‭ ‬إصلاحي،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬جزءا‭ ‬منه‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بـأن‭ ‬الحل‭ ‬هو‭ ‬العنف‭ ‬والعمل‭ ‬المسلح،‭ ‬بعدما‭ ‬تكرّس‭ ‬الوعي‭ ‬باستحالة‭ ‬التغيير‭ ‬بالوسائل‭ ‬الثورية‭ ‬أو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬الإصلاحية‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬الاستبداد؟

ويتمثل‭ ‬أحد‭ ‬إفرازات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬إبطال‭ ‬بعض‭ ‬الأوهام‭ ‬المتعلقة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الاستبداد،‭ ‬فقد‭ ‬ظهر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬لا‭ ‬يتجسّد‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬الحاكم‭ ‬الأوحد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يرتكز‭ ‬عليه‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬فيه‭ ‬شخص‭ ‬المستبد‭ ‬غير‭ ‬الجانب‭ ‬الظاهر‭ ‬من‭ ‬جبل‭ ‬الاستبداد‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬سقوط‭ ‬رؤوس‭ ‬الأنظمة،‭ ‬التي‭ ‬جثمت‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬مدة‭ ‬عقود‭ ‬يعني‭ ‬بداية‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬بأن‭ ‬سقوط‭ ‬المستبدّ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬سقوط‭ ‬الاستبداد‭ ‬ولا‭ ‬نهايته،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعتقد،‭ ‬لا‭ ‬يعبّر‭ ‬عنه‭ ‬شخص‭ ‬الحاكم‭ ‬الأوحد‭ ‬ذاته‭ ‬مهما‭ ‬امتلك‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬وجبروت،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬“منظومة”‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬“منظومة”‭ ‬تنزع‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬نفسها‭ ‬قبل‭ ‬حماية‭ ‬ممثلها‭ ‬أو‭ ‬مؤسسها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تتورع‭ ‬عن‭ ‬التضحية‭ ‬بالزعيم‭ ‬لضمان‭ ‬بقائها‭ ‬وديمومتها‭. ‬إنها‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬ومتشعبة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬والمصالح‭ ‬العمودية‭ ‬والأفقية،‭ ‬تشكل‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬دولة‭ ‬داخل‭ ‬دولة،‭ ‬لعل‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬“الدولة‭ ‬العميقة”،‭ ‬ذلك‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬برز‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الردة‭ ‬على‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬“المؤسسات‭ ‬العميقة”‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬حركات‭ ‬التغيير،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬عقبة‭ ‬أساسية‭ ‬وحقيقية‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬تحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭. ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬كونها‭ ‬تمثل‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬المترابطة‭ ‬والعلاقات‭ ‬المتداخلة،‭ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬ذهنية‭ ‬ترسّخت‭ ‬فيها‭ ‬ثقافة‭ ‬احتكار‭ ‬الحكم‭ ‬وعدم‭ ‬الاحتكام‭ ‬في‭ ‬ممارسته‭ ‬إلى‭ ‬ضوابط‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬غيرها،‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬العداء‭ ‬والاحتقار‭ ‬الراسخ،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة،‭ ‬للشعب‭.‬

الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ممارسة‭ ‬الحكم

ومثلما‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬“الدولة‭ ‬العميقة”‭ ‬بيّن‭ ‬بأن‭ ‬الاستبداد‭ ‬لا‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬الحاكم‭ ‬الأوحد،‭ ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬ولو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬انتخابات‭ ‬حرة‭ ‬ونزيهة،‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬بالضرورة‭ ‬ممارسة‭ ‬الحكم‭. ‬فقد‭ ‬بينت‭ ‬مختلف‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬“الدولة‭ ‬العميقة”‭ ‬جعلت‭ ‬الرئيس‭ ‬المنتخب‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬جانفي‭ ‬والمطاح‭ ‬به‭ ‬عاما‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬شبه‭ ‬مشلول‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬حكمه‭ ‬القصيرة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬جسم‭ ‬غريب‭ ‬عنها،‭ ‬فعطّلته‭ ‬“الدولة‭ ‬العميقة”‭ ‬ثم‭ ‬لفظته‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬العالم‭ ‬أجمع،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بالطبع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تضافرت‭ ‬لإحداث‭ ‬هذا‭ ‬المصير‭.

‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المآل‭ ‬المأساوي‭ ‬للربيع‭ ‬العربي‭ ‬ليطرح‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬أسئلة‭ ‬كبيرة،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الإسلاميون‭ ‬المستفيدين‭ ‬الأوائل‭ ‬من‭ ‬المطالب‭ ‬الشعبية‭ ‬لحراك‭ ‬2011،‭ ‬إذ‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬المؤقت‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬عاملا‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬فشل‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬مأساة‭ ‬الإسلاميين‭ ‬بالأساس،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬العامل‭ ‬الأول‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الإخفاق‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬التجربة‭ ‬ككل‭. ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إسلاميو‭ ‬تونس‭ ‬التابعون‭ ‬لحركة‭ ‬النهضة‭ ‬أكثر‭ ‬توفيقا‭ ‬من‭ ‬زملائهم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الأوائل‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يمثلون‭ ‬جزءا‭ ‬هاما‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬بلادهم،‭ ‬بينما‭ ‬“إخوان”‭ ‬الكنانة‭ ‬قابعون‭ ‬بالآلاف‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬أو‭ ‬مطاردون‭ ‬أو‭ ‬مقتولون،‭ ‬أمر‭ ‬قد‭ ‬يربطه‭ ‬البعض،‭ ‬جزئيا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بكون‭ ‬إسلاميي‭ ‬تونس‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬وأكثر‭ ‬تفتّحا‭ ‬وتفهما‭ ‬واستيعابا‭ ‬لقيم‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬زملائهم‭ ‬الإسلاميين‭ ‬في‭ ‬مصر‭. ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬فإنه‭ ‬لمن‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬تجربة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬المريرة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬مراجعات‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفتح‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬العصر،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العداء‭ ‬المبدئي‭ ‬للإسلاميين‭ ‬أو‭ ‬للديمقراطية‭ ‬وحده‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬بالفعل‭. ‬لكن‭ ‬كمبدأ‭ ‬عام‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬إشراك‭ ‬الإسلاميين‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬بلدانهم،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتكاك‭ ‬بالواقع،‭ ‬أمر‭ ‬خليق‭ ‬بإحداث‭ ‬وعي‭ ‬وإدراك‭ ‬للإسلام‮ ‬‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬معطيات‭ ‬العصر‭ ‬وكذا‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لقراءات‭ ‬مثرية‭ ‬أخرى‭ ‬للإسلام،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الإقصاء‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬سوى‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬فكر‭ ‬الانغلاق‭ ‬والتخلف‭ ‬والتطرف‭ ‬والعنف‭. ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬حال،‭ ‬وكما‭ ‬يرى‭ ‬هشام‭ ‬جعيط‭ ‬كذلك،‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬حداثي‭ ‬يقطع‭ ‬الصلة‭ ‬بعامل‭ ‬الهوية‭ ‬مـآله‭ ‬الفشل،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬حدث‭ ‬لمختلف‭ ‬تجارب‭ ‬التحديث‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬

الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والاستبداد

‮ ‬‭ ‬لقد‭ ‬كشف‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬الاستبداد‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يشكّل‭ ‬عقبة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬الجذور‭ ‬القبلية‭ ‬والطائفية‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭. ‬لقد‭ ‬تمكن‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مركزية‭ ‬السلطة‭ ‬وعلى‭ ‬الأحادية‭ ‬حجب‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬حلا‭ ‬-كالحل‭ ‬الفيدرالي‭ ‬مثلا-‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬السلطة‭ ‬وعلى‭ ‬الهوية‭ ‬الواحدة‭. ‬وتبدو‭ ‬الفيدرالية‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تمزقها‭ ‬الصراعات،‭ ‬أنها‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬الحل‭ ‬الممكن‭ ‬الوحيد،‭ ‬ولكن‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬وما‭ ‬تخلّفه‭ ‬من‭ ‬ويلات‮ ‬‭ ‬وضغائن،‭ ‬فهي‭ ‬ستكون،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قامت،‭ ‬فيدرالية‭ ‬مشوهة،‭ ‬عرجاء،‭ ‬قابلة‭ ‬لأن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تقسيم‭ ‬وتجزئة‭ ‬للبلد‭ ‬الواحد،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬بالذات‭ ‬ما‭ ‬ترمي‭ ‬إليه‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬التي‭ ‬أصبحت اليوم‭ ‬اللاعب‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الصراع‭. ‬أجل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ضيعه‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬فرصة‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬فيدرالي‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬سليمة،‭ ‬تتعايش‭ ‬فيه‭ ‬مختلف‭ ‬الهويات،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مثلما‭ ‬ضيع‭ ‬فرصة‭ ‬إقامة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬حقيقية‭ ‬غير‭ ‬ملتبسة‭ ‬بالطائفية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الصراعات‭ ‬الحالية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬افترضنا‭ ‬أنها‭ ‬انتهت‭ ‬إلى‭ ‬التأسيس‭ ‬لهذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬فمن‭ ‬المحتمل‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ديمقراطية‭ ‬مناطقية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬طائفية،‭ ‬أي‭ ‬ديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المواطنة‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬السياسية،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قيامها‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الشرعية،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تمثل‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هي‭ ‬المعضلة‭ ‬الأولى‭ ‬والأساسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬والتي‭ ‬يمثل‭ ‬علاجها‭ ‬النهائي‭ ‬الشرط‭ ‬الأول‭ ‬لكل‭ ‬تقدم‭ ‬نحو‭ ‬الأمام،‭ ‬يعني‭ ‬نحو‭ ‬العصر‭.‬


كاتب من الجزائر