الربيع‭ ‬المغدور

الثقافة‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬التحولات

الجديد  نجيب جورج عوض [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(72)]

لوحة: فيصل لعيبي
هل‭ ‬يمثل‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬كظاهرة‭ ‬فعلاً‭ ‬ثقافياً؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬مصطلح‭ ‬“ربيع‭ ‬عربي”‭ ‬تسمية‭ ‬لثقافة‭ ‬محددة‭ ‬خلقها‭ ‬وحملها‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬الربيع‭ ‬المذكور‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬قدمها‭ ‬للشارع‭ ‬العربي‭ ‬العام‭ ‬وللعالم‭ ‬في‭ ‬الثورات‭ ‬التي‭ ‬أشعلت‭ ‬ساحات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬فصاعداً؟‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬المصيب‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬نربط‭ ‬في‭ ‬المبدأ‭ ‬بين‭ ‬فكرة‭ ‬“الثقافة”‭ ‬و”الربيع‭ ‬العربي”؟‭ ‬وبالمقابل،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تبدّلات‭ ‬ومتغيرات‭ ‬عميقة‭ ‬وبنيوية‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬وقادت‭ ‬لتغييرات‭ ‬جوهرية‭ ‬فيها‭ ‬بسبب‭ ‬تداعيات‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬ونتائجه؟

تلك الأسئلة‭ ‬وأخرى‭ ‬سواها‭ ‬بدأت‭ ‬تشغل‭ ‬تفكير‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بالفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والشأن‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ومن‭ ‬بدأوا‭ ‬يتطلعون‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬ويحاولون‭ ‬تفكيكها‭ ‬معرفياً‭ ‬وتحليلها‭ ‬نقدياً‭ ‬بغية‭ ‬تقييمها‭ ‬وقياس‭ ‬أبعاد‭ ‬وتأثيرات‭ ‬نتائجها‭ ‬المختلفة‭ ‬وشاسعة‭ ‬التنوع‭: ‬من‭ ‬نجاح‭ ‬جزئي‭ ‬وتدريجي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬مدنية‭ ‬شعبية‭ ‬تعبر‭ ‬إرهاصاتها‭ ‬الخاصة‭ ‬‭(‬تونس‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬تبادلي‭ ‬يعبر‭ ‬سيرورة‭ ‬تشابك‭ ‬وتبادل‭ ‬أدوار‭ ‬ونزاع‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬ومحاولة‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والديمومة‭ ‬‭(‬مصر‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬تشظية‭ ‬وتفتيت‭ ‬وجشع‭ ‬للسلطة‭ ‬ورغبة‭ ‬بالهيمنة‭ ‬عليها‭ ‬‭(‬ليبيا‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬دموي‭ ‬ارتدادي‭ ‬للانتقام‭ ‬ممّن‭ ‬أسقطوا‭ ‬الممسك‭ ‬بالسلطة‭ ‬وخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬خدمة‭ ‬لأجندات‭ ‬خارجية‭ ‬‭(‬اليمن‭)‬،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬مقتلة‭ ‬مأساوية‭ ‬وحمام‭ ‬دم‭ ‬وحرب‭ ‬شعواء‭ ‬ساحقة‭ ‬ماحقة‭ ‬دمرت‭ ‬بلد‭ ‬برمته‭ ‬وحياة‭ ‬أمّة‭ ‬بأكملها‭ ‬بصورة‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬مثلها‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬‭(‬سوريا‭)‬‭. ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬المهتمين‭ ‬العرب‭ ‬وغير‭ ‬العرب‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬ظاهرة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬بتنوع‭ ‬أنماطها‭ ‬سيروراتها‭ ‬وتمظهراتها‭ ‬بمسألة‭ ‬“الثقافة”‭ ‬ونشوء‭ ‬الثقافات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشر‭. ‬ومعظم‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬أجوبة‭ ‬حول‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬ينطلقون‭ ‬من‭ ‬تساؤلات‭ ‬تشبه‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬في‭ ‬الأعلى‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬مضامير‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬نفاذ‭ ‬تساؤلات‭ ‬مختلفة‭ ‬قليلاً‭ ‬وأكثر‭ ‬قواعدية‭ ‬ومبادئية‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬ماهيتها‭ ‬إلى‭ ‬اكتناه‭ ‬أفلاطوني‭ ‬وهايدغري‭ ‬لطبيعة‭ ‬الأشياء‭. ‬أسئلتي‭ ‬هي‭: ‬هل‭ ‬من‭ ‬المصيب‭ ‬أصلاً‭ ‬أن‭ ‬نعزو‭ ‬لـ”الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬علاقة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬بأي‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬الحراكات‭ ‬ذات‭ ‬الماهية‭ ‬“الثقافية”؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬“الثقافة”‭ ‬المقصود‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬تقصينا‭ ‬لعلاقة‭ ‬محتملة‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأخيرة‭ ‬وبين‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ظهورة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬صدام‭ ‬وصراع‭ ‬مميت‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬“ثقافة”،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬“لاثقافة”،‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬خلق‭ ‬لثقافة‭ ‬أو‭ ‬عملية‭ ‬وضع‭ ‬حالة‭ ‬ثقافة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬ثقافة‭ ‬مضادة؟‭ ‬لن‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬مقالي‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬تعاريف‭ ‬وتفاسير‭ ‬لظاهرة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”،‭ ‬فهذه‭ ‬مسألة‭ ‬تحتاج‭ ‬لدراسة‭ ‬أخرى‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬‭(‬سبق‭ ‬لي‭ ‬وكتبت‭ ‬الكثير‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭)‬‭. ‬ما‭ ‬أرغب‭ ‬بالتركيز‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬تقديم‭ ‬بعض‭ ‬التفاسير‭ ‬والشروح‭ ‬لفكرة‭ ‬“الثقافة”‭ ‬لأنها‭ ‬بيت‭ ‬القصيد‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬الحالي‭. ‬أما‭ ‬سياق‭ ‬هذا‭ ‬الانتباه‭ ‬التاريخي‭ ‬والسوسيولوجي‭ ‬والاختباري‭ ‬البشري‭ ‬لظاهرة‭ ‬“الثقافة”‭ ‬فهو‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬المشرق‭ ‬أو‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬العربي‭.‬

“الثقافة”‭ ‬ماهوياً‭ ‬هي‭ ‬حراك‭ ‬تراكمي‭ ‬تاريخي‭ ‬الطبيعة‭: ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬كفكرة‭ ‬أو‭ ‬توجه‭ ‬معرفي‭ ‬ذو‭ ‬هوية‭ ‬بنيوية‭ ‬وإطار‭ ‬إبيستمولوجي‭ ‬وخلاصات‭ ‬استنتاجية‭ ‬معينة‭ ‬ومحددة‭ ‬الخواص‭. ‬وحين‭ ‬يتمكن‭ ‬هذا‭ ‬الميل‭ ‬المعرفي‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬تداعيات‭ ‬وتطوير‭ ‬إرهاصات‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬الفكرية‭ ‬والمجتمعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والدينية‭ ‬والوجودية‭ ‬والطبيعية‭ ‬لمجموع‭ ‬بشري‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬جغرافي‭ ‬وحياتي‭ ‬محدد،‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬من‭ ‬حراك‭ ‬خاص‭ ‬لحظي‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬عامة‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬جمعي‭ ‬وتأريض‭ ‬مجتمعي‭ ‬نسميها‭ ‬وقتها‭ ‬“ثقافة‭ ‬ذاك‭ ‬المجموع″‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬مدرسة‭ ‬التفكير‭ ‬التنويرية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬توجه‭ ‬فكري‭ ‬إبيستمولوجي‭ ‬تجريبي‭ ‬معين‭ ‬‭(‬Aufklaerung‭)‬‭ ‬‭-‬بفضل‭ ‬المثالية‭ ‬والذاتوية‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬الألمانية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والواقعية‭ ‬الأمبريكالية‭ ‬البريطانية‭ ‬والرومانسية‭ ‬التشكيكية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬جمعي‭ ‬مؤثر‭ ‬وفاعل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أوروبا‭ ‬‭(‬وشمال‭ ‬أميركا‭)‬‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المستويات،‭ ‬تـأرضت‭ ‬التنويرية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المجتمعي‭ ‬العام‭ ‬للمجموع‭ ‬البشري‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وخلقت‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬نسميها‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬وأبحاث‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الأكاديمية‭ ‬“ثقافة‭ ‬الحداثة”‭. ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬حين‭ ‬عمل‭ ‬مفكرو‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬ثقافة‭ ‬الحداثة‭ ‬وخلقوا‭ ‬حراكات‭ ‬معرفية‭ ‬جديدة،‭ ‬مثل‭ ‬حراك‭ ‬إعلان‭ ‬موت‭ ‬الفلسفة‭ ‬وتجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬علوم‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الأميركي،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الفينومينولوجيا‭ ‬وتفكيكها‭ ‬أنطولوجياً‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الوجودية‭ ‬الهايدغرية‭ ‬والاستعاضة‭ ‬عنها‭ ‬بتشديد‭ ‬على‭ ‬النهلستية‭ ‬النيتشوية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وتجاوز‭ ‬التحليلية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬باختزال‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬لغويات‭ ‬فتغنشتاينية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭. ‬وحين‭ ‬ألقت‭ ‬تلك‭ ‬الميول‭ ‬المعرفية‭ ‬بتداعياتها‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬مستويات‭ ‬الوجود‭ ‬الجمعي‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلنطي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬نسميها‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الأكاديميا‭ ‬اليوم‭ ‬“ثقافة‭ ‬مابعد‭-‬الحداثة”‭. ‬واليوم‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬هناك‭ ‬مفكرون‭ ‬وباحثون‭ ‬غربيون‭ ‬–‭ ‬نيو‭-‬أورثوذكس‭ ‬ونيو‭-‬ليبراليين‭ ‬ونيو‭-‬فينومينولوجيين‭-‬‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬بداية‭ ‬خلق‭ ‬توجه‭ ‬أو‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬يسمونه‭ ‬“مابعد‭-‬مابعدالحداثة”،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يتحدثون‭ ‬عنه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬“ثقافة”‭ ‬لأنه‭ ‬برأيهم‭ ‬‭(‬أو‭ ‬باعترافهم‭)‬‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬عامة‭ ‬وفاعلة‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬مستويات‭ ‬الحضور‭ ‬البشري‭ ‬الجمعي‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

‬أسمح‭ ‬لنفسي‭ ‬بالزعم‭ ‬بأنَّ‭ ‬ما‭ ‬شهدناه‭ ‬من‭ ‬ثورات‭ ‬وانتفاضات‭ ‬عارمة‭ ‬وتاريخية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬سيرورة‭ ‬تراكمية‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭ ‬ومحددة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميها‭ ‬“ثقافة”‭

لنعد‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تحديداً‭ ‬لنرى‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬لطبيعة‭ ‬وماهية‭ ‬الثقافة‭ ‬وتكوّنها‭ ‬التاريخي‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬توجه‭ ‬أو‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬شهدناه‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭. ‬برأيي‭ ‬العلمي‭ ‬المتواضع،‭ ‬أعتقد‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نشهد‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬أيّ‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬حراك‭/‬توجه‭ ‬فكري‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬نسميها‭ ‬ثقافة‭ ‬عامة‭ ‬جمعية‭ ‬في‭ ‬ظهرانين‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬لهذا‭ ‬أتردد‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬أو‭ ‬توجه‭ ‬فكري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬تحت‭ ‬تسمية‭ ‬“ثقافة‭ ‬عربية”‭. ‬تكوَّنت‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬توجهات‭ ‬فكرية‭ ‬وحراكات‭ ‬معرفية‭ ‬عديدة‭. ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬أيّ‭ ‬منها‭ ‬‭(‬ليس‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الحال‭)‬‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬فكري‭ ‬معرفي‭ ‬ذو‭ ‬إرهاصات‭ ‬وتداعيات‭ ‬مؤثرة‭ ‬وبنيوية‭ ‬في‭ ‬الحضور‭ ‬الجمعي‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ولم‭ ‬يتمكّن‭ ‬أحدها‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬ماهية‭ ‬مستويات‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬السيرورة‭ ‬التاريخية‭ ‬الفكرية‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬عنها‭ ‬أنها‭ ‬“ثقافة”‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬إرث‭ ‬معرفي‭ ‬ثقافي‭ ‬إسلامي‭-‬عربي‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬نشوءه‭ ‬وتطوره،‭ ‬وتعود‭ ‬طبيعة‭ ‬إرهاصاته‭ ‬وأدواته‭ ‬ورؤاه،‭ ‬تاريخياً‭ ‬إلى‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬إلى‭ ‬مابعد‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬ميلادي‭ ‬تحديداً‭. ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬فقهية‭ ‬دينية‭ ‬دوغمائية‭ ‬وتشريعية‭ ‬‭(‬من‭ ‬شريعة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬تشريع‭)‬‭ ‬مغلقة‭ ‬وتصنيفية‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬إذ‭ ‬تعود‭ ‬تلط‭ ‬الطبيعة‭ ‬إلى‭ ‬الظروف‭ ‬السياقية‭ ‬والتاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬والسوسيولوجية‭ ‬التي‭ ‬خلقتها‭ ‬ذاك‭ ‬الزمان‭. ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬عبرت‭ ‬محيطات‭ ‬القرون‭ ‬ونجت‭ ‬من‭ ‬عواصف‭ ‬التاريخ‭ ‬وتبدّلاته‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬بسبب‭ ‬عملية‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬وتقديسها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬مقياسي‭ ‬مرجعي‭ ‬له‭ ‬صفة‭ ‬الحاكمية‭ ‬والإطلاق‭ ‬والعصمة‭ ‬عن‭ ‬الخطأ‭ ‬أو‭ ‬التقييم‭ ‬أو‭ ‬النقد‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬التشكيل‭. ‬بدأت‭ ‬عملية‭ ‬التقديس‭ ‬أو‭ ‬التنزيه‭ ‬تلك‭ ‬كردة‭ ‬فعل‭ ‬سياقية‭ ‬وسيكولوجية‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬الصليبيين‭ ‬إلى‭ ‬شواطئ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬واستمرت‭ ‬كأداة‭ ‬سلطة‭ ‬وهيمنة‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬لها‭ ‬مستثمرين‭ ‬خارجيين‭ ‬استفادوا‭ ‬منها‭ ‬ووظفوها‭ ‬للتحكم‭ ‬بسياقها‭ ‬الحاضن‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الكولونيالي‭ ‬كما‭ ‬وجدت‭ ‬أنصارا‭ ‬محليين‭ ‬ركنوا‭ ‬إليها‭ ‬هروباً‭ ‬من‭ ‬الحداثة‭ ‬والتاريخ‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬دوليات‭ ‬الاستقلال‭. ‬أما‭ ‬الحراكات‭ ‬المعرفية،‭ ‬التي‭ ‬ادّعت‭ ‬أنها‭ ‬بديلة‭ ‬أو‭ ‬مضادة‭ ‬للإرث‭ ‬القروسطي،‭ ‬والتي‭ ‬حاولت‭ ‬خلق‭ ‬سيرورات‭ ‬ثقافية‭ ‬قوموية‭ ‬‭(‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬والسورية‭)‬‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬‭(‬الهوية‭ ‬الإسلاموية‭)‬‭ ‬أو‭ ‬مدنية‭ ‬‭(‬اليسار‭ ‬والماركسية‭ ‬والليبرالية‭)‬،‭ ‬فبقيت‭ ‬كلها‭ ‬مجرد‭ ‬اجتهادات‭ ‬معرفية‭ ‬مؤقتة‭ ‬ومحدودة‭ ‬التأثير‭ ‬وفشلت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬حراكات‭ ‬وتوجهات‭ ‬إلى‭ ‬سيرورات‭ ‬تاريخية‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬“ثقافة”‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬نسمي‭ ‬فيه‭ ‬“الحداثة”‭ ‬أو‭ ‬“مابعد‭-‬الحداثة”‭ ‬ثقافة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭.‬

أنا‭ ‬شخصياً‭ ‬أقرأ‭ ‬علاقة‭ ‬الثقافة‭ ‬بظاهرة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الفهم‭ ‬آنف‭ ‬الذكر‭ ‬لماهية‭ ‬“الثقافة”‭ ‬وأمثلتها‭ ‬المتوافرة‭ ‬لدينا،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬تاريخ‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭. ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬قراءتي‭ ‬المذكورة،‭ ‬أسمح‭ ‬لنفسي‭ ‬بالزعم‭ ‬بأنَّ‭ ‬ما‭ ‬شهدناه‭ ‬من‭ ‬ثورات‭ ‬وانتفاضات‭ ‬عارمة‭ ‬وتاريخية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬سيرورة‭ ‬تراكمية‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭ ‬ومحددة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميها‭ ‬“ثقافة”‭ ‬أو‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬“ثقافة الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬أو‭ ‬“الثقافة‭ ‬المولدة‭ ‬لفعل‭ ‬الربيع‭ ‬العربي”‭. ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أبين‭ ‬في‭ ‬الأعلى،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬شباب‭ ‬وشابات‭ ‬تلك‭ ‬الثورات‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يملكون‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬“الثقافة”‭ ‬التراكمية‭ ‬التاريخية‭ ‬كي‭ ‬يتأثروا‭ ‬بها‭ ‬ويبنوا‭ ‬عليها‭ ‬رؤيتهم‭ ‬ومنطلقاتهم‭ ‬الوجودية‭ ‬للانتفاض‭ ‬والثورة‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬كي‭ ‬يعمموها‭ ‬ويدعون‭ ‬لها‭ ‬ولاستخدامها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬كي‭ ‬يركب‭ ‬الشباب‭ ‬الثائر‭ ‬موجتها‭. ‬أو‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تراكم‭ ‬تاريخي‭ ‬معرفي‭ ‬جمعي‭ ‬‭(‬ثقافة‭)‬‭ ‬معاصر‭ ‬ومن‭ ‬صلب‭ ‬واقع‭ ‬وحياة‭ ‬وتاريخ‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كي‭ ‬يلتفت‭ ‬هذا‭ ‬الشباب‭ ‬إليه‭ ‬ويبني‭ ‬عليه‭ ‬ويعتبره‭ ‬أداته‭ ‬المعرفية‭ ‬الناظمة‭ ‬في‭ ‬الانتفاض‭ ‬والتمرد‭ ‬والثورة‭. ‬حين‭ ‬ثار‭ ‬الشارع‭ ‬الفرنسي‭ ‬الشاب،‭ ‬مثلاً،‭ ‬ضد‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬العظيمة،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬بذور‭ ‬فكر‭ ‬التنوير‭ ‬كي‭ ‬يهتدوا‭ ‬بها‭ ‬ويبنوا‭ ‬عليها،‭ ‬ولهذا‭ ‬عكست‭ ‬أفكارهم‭ ‬وخطاباتهم‭ ‬مكونات‭ ‬فكرية‭ ‬قدمها‭ ‬حراك‭ ‬التنوير‭ ‬الفكري‭ ‬دون‭ ‬سواها‭. ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬الحضور‭ ‬المعرفي‭ ‬الجمعي‭ ‬والمجتمعي‭ ‬الوحيد‭ ‬ذو‭ ‬السيرورة‭ ‬التراكمية‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميها‭ ‬“ثقافة”‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬متوفراً‭ ‬للشباب‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬كان‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية،‭ ‬التي‭ ‬تحدثت‭ ‬عنها،‭ ‬دون‭ ‬سواها‭. ‬غالبية‭ ‬الشباب‭ ‬والشابات‭ ‬الذين‭ ‬ثاروا‭ ‬وانتفضوا‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مثلوا‭ ‬جيلاً‭ ‬أنتجته‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬التدينية‭ ‬والتشريعية‭ ‬والدوغمائية‭ ‬المذكورة‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬جيل‭ ‬تمتع‭ ‬أيضا‭ ‬بهامش‭ ‬وفرته‭ ‬له‭ ‬حالة‭ ‬العولمة‭ ‬المعرفية‭ ‬والاتصالاتية‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬بها‭ ‬اليوم،‭ ‬ذاك‭ ‬الهامش‭ ‬الذي‭ ‬حُرم‭ ‬منه‭ ‬أجيال‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأقدم‭. ‬هذا‭ ‬الهامش‭ ‬مكَّن‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬فضاءات‭ ‬سرية،‭ ‬ضيقة‭ ‬ولكن‭ ‬حقيقية،‭ ‬عمل‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬هوية‭ ‬إنسانية‭ ‬خاصة‭ ‬به،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬سماتها‭ ‬ملامح‭ ‬ذهنية‭ ‬ونظرة‭ ‬للعالم‭ ‬قوامها‭ ‬التضاد‭ ‬والتمرد‭ ‬والرفض‭ ‬‭(‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أحياناً‭ ‬ضمنيا‭ ‬ومضمرا‭)‬‭ ‬والنقد‭ ‬الشديد‭ ‬‭(‬غير‭ ‬العلني‭ ‬قبل‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭)‬‭ ‬لمرجعية‭ ‬ومطلقية‭ ‬وعصمة‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬وماهيتها‭ ‬الدينية‭ ‬التصنيفية‭ ‬واللاعقلانية‭ ‬وتمظهراتها‭ ‬السلطوية‭ ‬والقمعية‭ ‬وفسادها‭ ‬وتحللها‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والإنساني‭. ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬الجيل‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬جيل‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬بالذات،‭ ‬لم‭ ‬يطور‭ ‬تلك‭ ‬الأحلام‭ ‬والطموحات‭ ‬الفردية‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬ولم‭ ‬يُتح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يحولها‭ ‬إلى‭ ‬ثورة‭ ‬معرفية‭ ‬وفكرية‭ ‬جادة‭ ‬‭(‬كما‭ ‬فعل‭ ‬جيل‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي،‭ ‬حين‭ ‬خلق‭ ‬توجها‭ ‬معرفيا‭ ‬ضد‭ ‬الحداثة‭ ‬قاد‭ ‬بالنتيجة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬مابعد‭-‬الحداثة‭)‬‭ ‬ضد‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬المسيطرة،‭ ‬بل‭ ‬اكتفى‭ ‬بنقدها‭ ‬والتمرد‭ ‬عليها‭ ‬ورميها‭ ‬جانباً‭ ‬في‭ ‬جوانياته‭ ‬الفردية‭ ‬والشخصية‭ ‬الخاصة‭ ‬وقام‭ ‬فقط‭ ‬بالتعبير‭ ‬اللفظي‭ ‬والتظاهراتي‭ ‬عن‭ ‬رفضه‭ ‬المذكور‭. ‬ولكنّ،‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرفض‭ ‬شيء،‭ ‬والقيام‭ ‬بحراك‭ ‬حقيقي‭ ‬ينتج‭ ‬خيارات‭ ‬بديلة‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

ستستمر‭ ‬محاولات‭ ‬أتباع‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬بالهيمنة‭ ‬وركوب‭ ‬موجة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬لترسيخ‭ ‬وجودها،‭ ‬بل‭ ‬وتأبيده‭ ‬إن‭ ‬أمكن‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭. ‬ولكن‭ ‬ستستمر‭ ‬أيضاً‭ ‬أحلام‭ ‬الجيل‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي

انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬المترددين‭ ‬جداً‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حراك‭ ‬أنتجته‭ ‬أجيال‭ ‬شابة‭ ‬عربية‭ ‬معاصرة‭ ‬ذات‭ ‬فكر‭ ‬“ثقافي”‭ ‬جديد‭ ‬قائم‭ ‬بذاته‭ ‬وذو‭ ‬ماهية‭ ‬جمعية‭ ‬معتبرة‭ ‬ويمكن‭ ‬التعويل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬سيرورة‭ ‬ثقافية‭ ‬جديدة‭. ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بذاته‭ ‬“هوية‭ ‬ثقافية”‭. ‬ولهذا‭ ‬أتردد‭ ‬كثيراً‭ ‬قبل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬“ثقافة الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬أو‭ ‬“ثقافة”‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭. ‬برأيي‭ ‬أن‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مظاهره‭ ‬ووجوهه‭ ‬نشأ‭ ‬نتيجة موت الثقافة في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭: ‬نشأ‭ ‬كتعبير‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬عن‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬“ثقافة”؛‭ ‬عن‭ ‬تعطشه‭ ‬للعودة‭ ‬للتاريخ‭ ‬وللعيش‭ ‬فيه‭ ‬وفق‭ ‬سيرورة‭ ‬زمكانية‭ ‬جمعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفردي‭ ‬والخاص‭ ‬والشخصي‭ ‬إلى‭ ‬المجتمعي‭ ‬والعام‭ ‬والتاريخي،‭ ‬وتسمح‭ ‬لنهر‭ ‬التكوين‭ ‬الثقافي‭ ‬والتثاقفي‭ ‬بالجريان‭ ‬في‭ ‬أخاديد‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الجافة‭ ‬الجرداء‭ ‬كأرض‭ ‬هباء‭.‬

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬كان‭ ‬تمرداً‭ ‬حقيقياً‭ ‬ومعلناً‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وتخنق‭ ‬حياته‭ ‬منذ‭ ‬ألف‭ ‬ومائة‭ ‬عام‭. ‬ليس‭ ‬غريباً‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬فاجأ‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‭(‬مجازاً‭ ‬فقط‭ ‬برأيي‭)‬‭ ‬بـ”طبقة‭ ‬المثقفين”‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ليس‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬تجاوز‭ ‬في‭ ‬فعله‭ ‬ودوافعه‭ ‬وأحلامه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬توقّعه‭ ‬ونظّر‭ ‬له،‭ ‬وربما‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬فيه،‭ ‬المنتمون‭ ‬لتلك‭ ‬الشريحة‭ ‬الافتراضية‭ ‬المدعوة‭ ‬بشريحة‭ ‬“المثقفون‭ ‬العرب”‭ ‬‭(‬مهما‭ ‬ادّعى‭ ‬هؤلاء‭ ‬بدون‭ ‬حق‭ ‬ولا‭ ‬حقيقة‭ ‬أنهم‭ ‬استشرفوا‭ ‬الثورات‭ ‬المذكورة‭ ‬ونظروا‭ ‬لها‭ ‬وتوقعوها‭ ‬وأنهم‭ ‬آباؤها‭ ‬الفكريون‭)‬‭. ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬المنتمين‭ ‬لتلك‭ ‬الشريحة‭ ‬‭(‬مع‭ ‬وجود‭ ‬استثناءات‭ ‬فردية‭ ‬قليلة‭ ‬طبعاً‭)‬‭ ‬كانوا‭ ‬إما‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬الإرث‭ ‬الثقافي‭ ‬القروسطي‭ ‬عينه،‭ ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬مستسلمون‭ ‬له‭ ‬ولهيمنته،‭ ‬أو‭ ‬يدافعون‭ ‬عنه‭ ‬ويستفيدون‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬يخدمونه‭ ‬خوفاً‭ ‬وانصياعاً‭. ‬كان‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬جوانبه‭ ‬انتفاضة‭ ‬‭(‬واعية‭ ‬أو‭ ‬لاواعية؟‭ ‬سؤال‭ ‬يستحق‭ ‬الدراسة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭)‬‭ ‬على‭ ‬ذاك‭ ‬التراكم‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬أسميه‭ ‬هنا‭ ‬“ثقافة‭ ‬قروسطية”‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬انتمى‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬استسلم‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬دافع‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬خدمها‭. ‬لا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬هوة‭ ‬سحيقة‭ ‬تفصل‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬شباب‭ ‬وشابات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬وبين‭ ‬تلك‭ ‬الشريحة‭ ‬الافتراضية‭ ‬المسماة‭ ‬“المثقفون‭ ‬العرب”‭. ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أوجهه‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الانتفاضة اللاثقافية على‭ ‬حالة‭ ‬موت‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬انتمى‭ ‬أو‭ ‬حاول‭ ‬النجاة‭ ‬أو‭ ‬استكان‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيء‭ ‬حيال‭ ‬حالة‭ ‬“موت‭ ‬الثقافة”‭ ‬تلك‭.‬

في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬أحاول‭ ‬توصيفه‭ ‬هنا،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أسباب‭ ‬وعناصر‭ ‬تعثر‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬وعدم‭ ‬تحقيقه‭ ‬النتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الثقافي‭ ‬والمجتمعي‭. ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬الصانع‭ ‬لظهورة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬الفرصة‭ ‬المطلوبة‭ ‬لخلق‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬ومعرفي‭ ‬منظم‭ ‬وواضح‭ ‬المعالم‭ ‬والماهية،‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحكم‭ ‬بأيّ‭ ‬شكل‭ ‬علمي‭ ‬موثوق‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬نجاحهم‭ ‬أو‭ ‬فشلهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬جمعية‭ ‬نسميها‭ ‬“ثقافة‭ ‬الربيع‭ ‬العربي”‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬“الثقافة”،‭ ‬كما‭ ‬قلت،‭ ‬سيرورة تراكمية تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬ومدى‭ ‬تاريخي‭ ‬كي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬وجودها‭ ‬وديمومتها‭ ‬من‭ ‬عدمها‭. ‬وهذا‭ ‬المدى‭ ‬الزمني‭ ‬والتاريخي‭ ‬لم‭ ‬يعطَ‭ ‬بعد‭ ‬الفرصة‭ ‬أو‭ ‬الأفق‭ ‬لخلق‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬“الثقافة”‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”،‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬سيُعطى‭ ‬ذاك‭ ‬الأفق‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭. ‬أبني‭ ‬رأيي‭ ‬المتشائم‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬مراقبتي‭ ‬لردة‭ ‬فعل‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تجاه‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬ذاته‭ ‬وما‭ ‬قدمه‭ ‬شباب‭ ‬وشابات‭ ‬الربيع‭ ‬المذكور‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وأحلام‭ ‬ورؤى‭.‬

لقد‭ ‬حاول‭ ‬أبناء‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬السائدة،‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬الخلفيات‭ ‬والتيارات‭ ‬السياسية‭ ‬اليسارية‭ ‬واليمينية‭ ‬والإسلاموية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكبتوا‭ ‬فعل‭ ‬الشباب‭ ‬ويقاوموه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يركبوا‭ ‬موجته‭ ‬لتطويعه‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليه‭ ‬وتوظيفه‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أجندات‭ ‬خاصة،‭ ‬أو‭ ‬يضعوا‭ ‬ثقافتهم‭ ‬القروسطية‭ ‬الإقصائية‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬وواضحة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬لمسوا‭ ‬فيه‭ ‬ملامح‭ ‬مقومات‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬ومعرفي‭ ‬جديد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتكون‭ ‬في‭ ‬ظهرانين‭ ‬المجموع‭ ‬العربي‭ ‬الشاب‭ ‬المعاصر‭. ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬يفشل‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬ممثلاً‭ ‬بالشرائح‭ ‬المجتمعية‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬فكرية‭ ‬معرفية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتأرض‭ ‬تاريخياً‭ ‬وجمعياً‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬“ثقافة”‭ ‬جديدة‭ ‬تأخذ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬ماوراء‭ ‬قفص‭ ‬القروسطية‭ ‬المسجون‭ ‬فيه‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬يلاحظ‭ ‬المراقب‭ ‬لإرهاصات‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬حدوثه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬كصراع‭ ‬شعوب‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬حاكمة‭ ‬استبدادية‭ ‬ومجرمة‭ ‬يخفي‭ ‬تحته‭ ‬صراع‭ ‬موازٍ‭ ‬أكثر‭ ‬بنيوية‭ ‬وخطورة‭ ‬وجدية،‭ ‬برأيي،‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬محاولات‭ ‬الأجيال‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭ ‬لخلق‭ ‬ثقافتها‭ ‬وسيرورتها‭ ‬الفكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬بها،‭ ‬والتي‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تاريخها‭ ‬وزمنها‭ ‬هي،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ضد‭ ‬محاولات‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬السائدة‭ ‬‭(‬متمثلة‭ ‬بأحزاب‭ ‬وأيديولوجيات‭ ‬وتيارات‭ ‬سياسية‭ ‬ودوغمائية‭ ‬دينية‭ ‬ولا‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭)‬‭ ‬لمنع‭ ‬تلك‭ ‬المحاولة‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬وللتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭ ‬الشابة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬العدو‭ ‬الأول‭ ‬والأخطر‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والفساد‭ ‬والقمع‭.‬

يبدو‭ ‬لي‭ ‬كمراقب‭ ‬أنَّ‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭ ‬ستحمل‭ ‬صراعاً‭ ‬مستداماً،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬عنفياً‭ ‬وتفكيكياً‭ ‬بشكل‭ ‬خطير،‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬العامة‭. ‬ستستمر‭ ‬محاولات‭ ‬أتباع‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬بالهيمنة‭ ‬وركوب‭ ‬موجة‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬لترسيخ‭ ‬وجودها،‭ ‬بل‭ ‬وتأبيده‭ ‬إن‭ ‬أمكن‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭. ‬ولكن‭ ‬ستستمر‭ ‬أيضاً‭ ‬أحلام‭ ‬الجيل‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬وستستمر‭ ‬محاولاتهم‭ ‬لخلق‭ ‬مخيالات‭ ‬فكرية‭ ‬وتوجهات‭ ‬معرفية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬زمنهم‭ ‬وتاريخهم‭ ‬وعن‭ ‬طبيعة‭ ‬العالم‭ ‬الأوسع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشون‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬يمكنهم‭ ‬أن‭ ‬ينعزلوا‭ ‬عنه‭ ‬ويتقوقعوا‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬فضاءه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عيشنا‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬معولم‭ ‬مترابط‭ ‬إلكترونياً‭ ‬ومعلوماتياً‭ ‬ووجوداً‭ ‬بصورة‭ ‬لم‭ ‬يعرفها‭ ‬من‭ ‬خلقوا‭ ‬ثقافة‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬ولم‭ ‬يعيشوا‭ ‬فيها‭. ‬سيظل‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬يحلم‭ ‬بتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الطموح‭ ‬بخلق‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬ومعرفي‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬بالنتيجة‭ ‬تراكماً‭ ‬جمعياً‭ ‬يخلق‭ ‬“ثقافة”‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭. ‬ولكن،‭ ‬الطريق‭ ‬طويل‭ ‬جداً‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعبره‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله،‭ ‬الجيد‭ ‬والسيء‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬مرحلة‭ ‬انحطاط‭ ‬ونكوص‭ ‬وتحلل‭ ‬معرفي‭ ‬وثقافي‭ ‬وفكري‭ ‬بكل‭ ‬أنواعه‭ ‬وأنماطه‭. ‬عصر‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬مساهمات‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬وأدبية‭ ‬وأكاديمية‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬تمثل،‭ ‬برأيي،‭ ‬فعل‭ ‬خلق‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭. ‬بل‭ ‬تتمرأى‭ ‬أمامنا‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭ ‬حالة‭ ‬“موت‭ ‬الثقافة”‭ ‬ومرحلة‭ ‬تعرية‭ ‬بدأت‭ ‬لانحلال‭ ‬الثقافة‭ ‬القروسطية‭ ‬في‭ ‬ظهرانين‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬


شاعر وباحث أكاديمي من سوريا مقيم في أميركا