جبل‭ ‬الجليد‭ ‬أم‭ ‬اثر‭ ‬الفراشة

ثقافة‭ ‬لا‭ ‬تُقدس‭ ‬الحرية‭ ‬لا‭ ‬يعول‭ ‬عليها‭. ‬صدحت‭ ‬حناجر‭ ‬الآلاف‭ ‬بالهتاف‭ ‬للأخيرة‭. ‬فهل‭ ‬ولدت؟‭ ‬كيف‭ ‬للحرية‭ ‬أن‭ ‬تكون؟‭ ‬هل‭ ‬تلمس‭ ‬المصريون‭ ‬هذه‭ ‬الثمينة؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬وصلت‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة‭ ‬وبقيت‭ ‬رهينة‭ ‬شوارعها؟‭ ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬تتمرغ‭ ‬سوريا‭ ‬بوحل‭ ‬الحرب‭ ‬لأجلها؟‭ ‬كذلك‭ ‬حال‭ ‬اليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬وربما‭ ‬عشرات‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعرف،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬ثقافة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭. ‬ثقافة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬الحرية‭ ‬إلا‭ ‬الاسم‭ ‬فقط‭. ‬جولة‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬ميراث‭ ‬الكتابات‭ ‬والأدبيات‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬ملامح‭ ‬للحرية‭ ‬أبداً‭. ‬نظم‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬تضم‭ ‬مروحة‭ ‬واسعة‭ ‬كالشرف،‭ ‬والشجاع،‭ ‬والكرم،‭ ‬والنبل،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقد‭ ‬الحرية‭. ‬كيف‭ ‬لثقافة‭ ‬نشأت‭ ‬على‭ ‬حوامل‭ ‬دينية‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عنها‭ ‬إنها‭ ‬مشوهة‭ ‬أن‭ ‬تحرض‭ ‬على‭ ‬نقدها‭ ‬وربما‭ ‬نقضها‭ ‬برمتها‭. ‬كيف‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقدس‭ ‬قاتلتها‭ ‬البريئة؟

الجديد  جابر بكر [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(110)]

تخطيط: فيصل لعيبي
جبل‭ ‬الجليد

اليقين‭ ‬في‭ ‬قصد‭ ‬الدين،‭ ‬هنا،‭ ‬هو‭ ‬الميراث‭ ‬الفقهي‭ ‬والتشريعي‭. ‬تفسيرات‭ ‬غمرت‭ ‬ملايين‭ ‬الصفحات‭ ‬حبرا‭ ‬وخرّبت‭ ‬مثلها‭ ‬من‭ ‬العقول‭. ‬فقه‭ ‬يقدس‭ ‬السلف‭ ‬ويكرس‭ ‬ميراثهم‭. ‬يعطل‭ ‬العقل‭. ‬يمنع‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العبد‭ ‬وربه‭. ‬العلاقة‭ ‬الحرة‭ ‬طبعا‭. ‬يمررها‭ ‬عبر‭ ‬بوابات‭ ‬المشايخ‭ ‬ورجالات‭ ‬الدين‭. ‬يبني‭ ‬هرما‭ ‬كمعابد‭ ‬المصريين‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الله‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬واقع‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬تغيرت‭ ‬هذا‭ ‬الثقافة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬خمس‭ ‬على‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬الاستبداد‭ ‬و”الحرية”؟

لن‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ ‬ملامح‭ ‬الجماعات‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أو‭ ‬ليبيا‭ ‬أو‭ ‬اليمن‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬البلاد‭. ‬سأقف‭ ‬قليلا‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬تركته‭ ‬التحركات‭ ‬المدنية‭ ‬والثورية‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭. ‬واقع‭ ‬يعاني‭ ‬نقص‭ ‬المثقف‭ ‬الفاعل‭ ‬ويكاد‭ ‬يختنق‭ ‬بحالات‭ ‬المثقفين‭ ‬الطوباويين‭. ‬مثقفون‭ ‬تركوا‭ ‬الشارع‭ ‬لمصيره‭. ‬بعضهم‭ ‬التزم‭ ‬الصمت‭ ‬بانتظار‭ ‬نضوج‭ ‬المشهد‭ ‬الكلي‭. ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬التزم‭ ‬نداء‭ ‬الشارع،‭ ‬لكنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬أصيب‭ ‬بخيبة‭ ‬الأمل‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬انحراف‭ ‬المسار‭ ‬الثوري‭. ‬البقية‭ ‬كانوا‭ ‬يغردون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الوسط‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬موقفا‭ ‬أخلاقيا‭ ‬من‭ ‬الثورات‭ ‬عموما‭ ‬ولكنها‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬آمنة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الواقع‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تنساق‭ ‬بمسارات‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬وموقفها‭ ‬الأخلاقي‭ ‬من‭ ‬الحرية‭.‬

يوما‭ ‬ما،‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬نقاش‭ ‬يعقدها‭ ‬الشيخ‭ ‬الفيلسوف‭ ‬جودت‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬وحضر‭ ‬الجلسة‭ ‬باحث‭ ‬علم‭ ‬اجتماع‭ ‬سوري‭ ‬–‭ ‬بريطاني‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬اسمه‭ ‬اليوم،‭ ‬بدأ‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬وعمق‭ ‬الأفكار‭ ‬فيه،‭ ‬وأثر‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬وكيف‭ ‬نكتشفها،‭ ‬وشبّه‭ ‬الفكرة‭ ‬بجبل‭ ‬الجليد‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬منه‭ ‬أصغر‭ ‬كثيرا‭ ‬ممّا‭ ‬يخفيه‭ ‬الماء‭. ‬وقال‭ ‬إن‭ ‬التصرفات‭ ‬الجماعية‭ ‬تُعبّر‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬دفينة‭ ‬وعميقة‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنها‭ ‬أسس‭ ‬المنظومة‭ ‬الفكرية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

الكسل‭ ‬كان‭ ‬مثاله‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عنه،‭ ‬فهو‭ ‬حالة‭ ‬شبه‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭. ‬الموظف‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬إلا‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬طيلة‭ ‬الشهر‭. ‬والسر‭ ‬أنه‭ ‬ينتظر‭ ‬رزقه‭ ‬من‭ ‬خالقه‭. ‬العمق‭ ‬لهذه‭ ‬الحالة‭ ‬مقولات‭ ‬شعبية‭ ‬كثيرة،‭ ‬“كالرزق‭ ‬على‭ ‬الله”‭ ‬و”كلو‭ ‬من‭ ‬رب‭ ‬العباد”‭. ‬حاملها‭ ‬الأعمق‭ ‬بعض‭ ‬أعمدة‭ ‬يقال‭ ‬إنها‭ ‬أحاديث‭ ‬نبوية‭ ‬شريفة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬دودة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬صخرة‭ ‬خلق‭ ‬رزقها‭ ‬معها‭. ‬وتُحمل‭ ‬تلك‭ ‬الأعمدة‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬خاطئ‭ ‬لآية‭ ‬“ما‭ ‬خلقت‭ ‬الإنس‭ ‬والجن‭ ‬إلا‭ ‬ليعبدون”‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬خلق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬لعبادته‭ ‬لا‭ ‬للعمل‭ ‬والبناء‭ ‬والخدمة،‭ ‬وإن‭ ‬خالف‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬آية‭ ‬الاستخلاف‭ ‬لأدم‭ ‬في‭ ‬الأرض‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬طبقات‭ ‬الأفكار‭ ‬كما‭ ‬وصف‭ ‬الباحث‭ ‬السوري،‭ ‬كجبل‭ ‬الجليد‭.‬

أثر‭ ‬الفراشة

لو‭ ‬أردنا‭ ‬تطبيق‭ ‬نظرية‭ ‬الأفكار‭ ‬تلك‭ ‬على‭ ‬الثورات‭ ‬ونتاجها،‭ ‬لقلنا‭ ‬بأن‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬اكتشف‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الصراخ‭ ‬بما‭ ‬يريد‭. ‬الصوت‭ ‬هو‭ ‬آلية‭ ‬التواصل‭ ‬الأكثر‭ ‬انتشارا‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬العرب‭. ‬فخرجت‭ ‬المظاهرات‭ ‬المهيبة‭ ‬حاملة‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭ ‬عميقة‭ ‬الدلالة‭. ‬“حرية‭ ‬إلى‭ ‬الأبد”،‭ ‬“الشعب‭ ‬يريد‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام”،‭ ‬حملت‭ ‬المظاهرات‭ ‬والوقفات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬واللافتات‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المفاجأت‭. ‬اختفى‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬المتخم‭ ‬بالبنادق‭. ‬تأخر‭ ‬الرصاص‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭ ‬مقاوما‭ ‬جرائم‭ ‬النظام‭ ‬البشعة‭ ‬بالصدور‭ ‬العارية‭. ‬خلعت‭ ‬مصر‭ ‬عباءة‭ ‬العسكر‭ ‬بزمن‭ ‬قياسي،‭ ‬وذهب‭ ‬مبارك‭ ‬إلى‭ ‬المحاكمة‭. ‬بات‭ ‬المشهد‭ ‬مثيرا‭ ‬ويبشر‭ ‬بتحولات‭ ‬عميقة‭.‬

لكن،‭ ‬عادت‭ ‬مصر‭ ‬سريعا‭ ‬إلى‭ ‬فراش‭ ‬الجنرال‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬السيسي‭. ‬وكادت‭ ‬تونس‭ ‬تسقط‭ ‬ومازالت‭ ‬تتأرجح‭. ‬سوريا‭ ‬غرقت‭ ‬بالدماء‭. ‬اليمن‭ ‬يقاتل‭ ‬لأجل‭ ‬بقاء‭ ‬النزر‭ ‬اليسير‭ ‬من‭ ‬الدولة‭. ‬ليبيا‭ ‬تشتت‭ ‬واستحالت‭ ‬مقاطعات‭ ‬ممزقة‭ ‬تسعى‭ ‬لإنتاج‭ ‬حكومة‭ ‬وحدة‭ ‬وطنية‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬تحمل‭ ‬الثقافة‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬الفشل؟‭ ‬هل‭ ‬يحمل‭ ‬المثقف‭ ‬المسؤولية‭ ‬أو‭ ‬بعضها؟‭ ‬أيمكن‭ ‬لنا‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬المثقف‭ ‬حالة‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬المجتمع؟‭ ‬أم‭ ‬الثقافة‭ ‬بذاتها‭ ‬شيء‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬متناول‭ ‬الجميع؟‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬فلماذا؟‭ ‬وكيف‭ ‬السبيل‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق؟

الحقائق‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬المال‭ ‬يلعب‭ ‬بواقع‭ ‬المنطقة،‭ ‬فالنفط‭ ‬وتجارة‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬عامرة‭ ‬على‭ ‬جثث‭ ‬آلاف‭ ‬الأبرياء‭. ‬النقود‭ ‬المبللة‭ ‬بدماء‭ ‬الأطفال‭ ‬الممزقين‭ ‬لأشلاء‭ ‬والغرقى‭ ‬على‭ ‬شواطئ‭ ‬العالم‭ ‬المتحضر،‭ ‬تعطي‭ ‬السياسيين‭ ‬تبريراً‭ ‬لهذا‭ ‬الخراب‭ ‬أو‭ ‬استمراره‭ ‬ووقده‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ترمدت‭ ‬ناره‭. ‬والثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬تشكل‭ ‬حاملا‭ ‬متينا‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬المصائب‭. ‬ثقافة‭ ‬تقدس‭ ‬القوة‭ ‬والعنف‭ ‬وتعتبر‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬الهدف‭ ‬جهاداً‭ ‬أو‭ ‬شجاعة‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭. ‬وتُغيّب‭ ‬الحكمة‭ ‬وتعتبرها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والجبن‭ ‬واللين‭ ‬والهشاشة‭.‬

مثقف‭ ‬ينزوي‭ ‬بعيداً‭ ‬وينظر‭ ‬للناس،‭ ‬ماذا‭ ‬يتوجب‭ ‬عليهم‭ ‬التفكير‭ ‬به؟‭ ‬وآخر‭ ‬غارق‭ ‬بتحليل‭ ‬المشهد،‭ ‬وكأنه‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭. ‬والأخير‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬وكأنه‭ ‬سقط‭ ‬من‭ ‬النرويج‭ ‬ليجد‭ ‬نفسه‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬هؤلاء‭ ‬ساعدوا‭ ‬ودعموا‭ ‬التطرف‭ ‬ليسود‭ ‬ويكرس‭ ‬وجوده‭ ‬بقوة‭. ‬فالمثقف‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬الشارع‭ ‬كان‭ ‬مُصاب‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يوما‭ ‬ما،‭ ‬وكأن‭ ‬المرض‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يلازم‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الغارق‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الدماء‭ ‬النابعة‭ ‬عن‭ ‬جهالة‭ ‬عميقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغماض‭ ‬العيون‭ ‬عنها‭.‬

كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬لا‭ ‬يُغيّب‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بالنمو‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وظهور‭ ‬أقلام‭ ‬غنية،‭ ‬تنظم‭ ‬الشعر‭ ‬وتكتب‭ ‬الرواية‭ ‬والقصة،‭ ‬وعيون‭ ‬تُشكل‭ ‬أفلاما‭ ‬وثائقية‭ ‬حصدت‭ ‬جوائز‭ ‬عالمية،‭ ‬لكن‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬ربما‭ ‬ينقرضون‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬العناية،‭ ‬ودن‭ ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬سبيلهم‭ ‬ليكونوا‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬أبراجهم‭ ‬العاجية‭.‬

أيولد‭ ‬الإبداع‭ ‬من‭ ‬المجزرة؟‭ ‬هل‭ ‬فعلا‭ ‬تصدق‭ ‬النظرية‭ ‬بأن‭ ‬النار‭ ‬التي‭ ‬تحرق‭ ‬الشعوب‭ ‬تخلق‭ ‬مبدعيها‭ ‬وإن‭ ‬بعد‭ ‬حين؟‭ ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬سننتظر‭ ‬تلك‭ ‬الولادة‭ ‬وهل‭ ‬ستجد‭ ‬لها‭ ‬سبيلا‭ ‬للانتشار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُدفن‭ ‬تحت‭ ‬البراميل؟‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬الأمنيات‭ ‬والأسئلة‭ ‬لا‭ ‬جواب‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬بالانتظار،‭ ‬وهذا‭ ‬الأخير‭ ‬مهنة‭ ‬الصابرين،‭ ‬ولا‭ ‬وجود‭ ‬لصابرين‭ ‬كما‭ ‬أبناء‭ ‬الجلدة‭ ‬السمراء‭ ‬التي‭ ‬ولدنا‭ ‬منها‭.‬


كاتب من سوريا مقيم في باريس