ظلال‭ ‬من‭ ‬الشك

أثارت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والثورات‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬التاريخ‭ ‬توقعات‭ ‬وتطلعات‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬لدى‭ ‬جميع‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬ثورة‭ ‬وأخرى‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬أحداثها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬تقلبات،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أثارت‭ ‬ثورة‭ ‬1919‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬نموا‭ ‬مطردا‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الأصعدة،‭ ‬يتسم‭ ‬بالسرعة‭ ‬والقوة،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬متناغم‭ ‬هادئ‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ارتبطت‭ ‬بعض‭ ‬الثورات‭ ‬بالعنف‭ ‬والحرب‭ ‬كالثورة‭ ‬السورية‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬والثورة‭ ‬المصرية‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬فقد‭ ‬أضر‭ ‬تقلب‭ ‬السياسة‭ ‬وكثرة‭ ‬التيارات‭ ‬المتصارعة‭ ‬فيها‭ ‬المناخ‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬إضرارا‭ ‬رهيبا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يذكرنا‭ ‬بالضرر‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬تسببت‭ ‬فيه‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بالحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬والذي‭ ‬انعكست‭ ‬آثاره‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬العموم‭.‬

الجديد  وائل إبراهيم الدسوقي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(112)]

تخطيط: فيصل لعيبي
في العادة‭ ‬تتفجر‭ ‬الثورة‭ ‬وتنتهي‭ ‬لتبدأ‭ ‬الدولة‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬اصطلاحا‭ ‬“فترة‭ ‬النقاهة”،‭ ‬وعلى‭ ‬حد‭ ‬قول المفكر‭ ‬الأميركي‭ ‬كرين‭ ‬برنتون‭ ‬عام‭ ‬1938‭ ‬أن‭ ‬“فترة‭ ‬النقاهة‭ ‬تتميز‭ ‬بنكسة‭ ‬أو‭ ‬نكستين،‭ ‬وأخيرا‭ ‬تنتهي‭ ‬الحمّى‭ ‬ويستعيد‭ ‬المريض‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وربما‭ ‬يشعر‭ ‬بالقوة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النواحي‭ ‬نتيجة‭ ‬التجربة،‭ ‬ويكتسب‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬مناعة‭ ‬لفترة‭ ‬ما‭ ‬ضد‭ ‬مرض‭ ‬مماثل‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬كلية‭ ‬إنسانا‭ ‬جديدا،‭ ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بثورة‭ ‬كاملة،‭ ‬فتخرج‭ ‬منها‭ ‬قوية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬جديدة‭ ‬تماما”‭.‬

وثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬أفرزت‭ ‬خطابا‭ ‬فكريا‭ ‬للأدباء‭ ‬يتسم‭ ‬بروح‭ ‬النضال‭ ‬ومقارعة‭ ‬الأحداث،‭ ‬ويمكنني‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬شخصي‭ ‬أن‭ ‬أدباء‭ ‬العرب‭ ‬أحرزوا‭ ‬منتهى‭ ‬التوفيق‭ ‬في‭ ‬خطابهم‭ ‬المجتمعي،‭ ‬فاستحالت‭ ‬كلماتهم‭ ‬إلى‭ ‬سيل‭ ‬دافق‭ ‬من‭ ‬المنطق‭ ‬وقوة‭ ‬الحجة‭ ‬أمام‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وأعوانها،‭ ‬حتى‭ ‬نراهم‭ ‬يأخذون‭ ‬بخصوم‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أطرافهم،‭ ‬فلا‭ ‬يفلتون‭. ‬فلقد‭ ‬ترك‭ ‬رواد‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر‭ ‬للعرب‭ ‬إرثا‭ ‬عظيما‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬مواقفهم‭ ‬أصبحت‭ ‬ناموسا‭ ‬يسير‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬مفكر‭ ‬حر‭ ‬يشعر‭ ‬بآلام‭ ‬شعبه،‭ ‬ويمكننا‭ ‬استحضار‭ ‬شخصية‭ ‬مؤثرة‭ ‬كالشيخ‭ ‬“علي‭ ‬يوسف”‭ ‬الصحفي‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬واجه‭ ‬طغيان‭ ‬خديوي‭ ‬مصر‭ ‬باستخدام‭ ‬الخطابة‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬إلقاء‭ ‬ظلال‭ ‬الشك‭ ‬على‭ ‬مواقف‭ ‬الحاكم،‭ ‬ونشر‭ ‬روح‭ ‬التضامن‭ ‬الذي‭ ‬يستلزم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الكل‭ ‬يدا‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬نصرة‭ ‬الحق‭ ‬ودفع‭ ‬السوء،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬انعكاسا‭ ‬لآثار‭ ‬الثورة‭ ‬العرابية‭ ‬عام‭ ‬1881‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬المصري‭ ‬والعربي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

لقد‭ ‬شعر‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬تفجّر‭ ‬الثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن‭ ‬أن‭ ‬عليهم‭ ‬تبعات‭ ‬كبيرة‭ ‬تجاه‭ ‬مستقبل‭ ‬بلادهم،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬حذّر‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬من‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬ينحدر‭ ‬إليه‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منهم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ‭ ‬المختلفة،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬أعلن‭ ‬انتصار‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬استبداد‭ ‬النظم‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬أحلامه‭ ‬لعقود،‭ ‬وأن‭ ‬الثورات‭ ‬تعد‭ ‬انتصارا‭ ‬لدعاة‭ ‬الحرية‭ ‬على‭ ‬استبداد‭ ‬السلطان‭. ‬وقد‭ ‬ترجمت‭ ‬كافة‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬بعد‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬أدبية‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إيقاظ‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬كله،‭ ‬وفتحت‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬أمام‭ ‬الطلائع‭ ‬المستنيرة‭ ‬لتشارك‭ ‬بالفكر‭ ‬والعمل‭ ‬فيما‭ ‬يتهدد‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬كوارث‭ ‬عملت‭ ‬الثورات‭ ‬المضادة‭ ‬على‭ ‬تفجرها،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬جناتها‭.‬

ولكن‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬النضج‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفكرية‭ ‬عموما،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حاول‭ ‬الإتجار‭ ‬بآلام‭ ‬الوطن‭ ‬لتحقيق‭ ‬شهرة‭ ‬أو‭ ‬مال،‭ ‬فظهرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬تتفجر‭ ‬مع‭ ‬حدث‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬آثاره‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬حدوثه،‭ ‬فيتسرع‭ ‬قلمهم‭ ‬بالكتابة‭ ‬عنه‭ ‬ويعرضون‭ ‬أنفسهم‭ ‬لانتفاء‭ ‬كتاباتهم‭ ‬بانتفاء‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬ولدتها،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬طبعت‭ ‬عدة‭ ‬أعمال‭ ‬أدبية‭ ‬خلال‭ ‬نفس‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬فيه‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬المصرية،‭ ‬مما‭ ‬دعا‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬إلى‭ ‬نصح‭ ‬الأقلام‭ ‬الشابة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الشهرة‭ ‬والمال‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الألم،‭ ‬بأن‭ ‬يحرصوا‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬أعمال‭ ‬تجسّد‭ ‬عمق‭ ‬الثورة‭ ‬وعمق‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحدث‭ ‬لتكون‭ ‬الرؤية‭ ‬أوضح‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭ ‬ساهمت‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬فضح‭ ‬النظم‭ ‬الحاكمة‭ ‬وإثارة‭ ‬النقاش‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬ترجم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬ثورات‭ ‬لا‭ ‬مفرّ‭ ‬منها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬آثارها‭ ‬صعبة،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬المناقشات‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬الدردشة‭ ‬المغلقة‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬التواصل‭ ‬على‭ ‬فيس‭ ‬بوك‭ ‬وتغريدات‭ ‬تويتر،‭ ‬ظهرت‭ ‬روح‭ ‬إيجابية‭ ‬جديدة‭ ‬تجاه‭ ‬مسائل‭ ‬البلاد‭ ‬المصيرية‭.‬

وبفعل‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬تحولت‭ ‬النقاشات‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬السطحي‭ ‬الذي‭ ‬يناقش‭ ‬الأحداث‭ ‬على‭ ‬حذر‭ ‬وخوف‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬الحاكم‭ ‬إلى‭ ‬طابع‭ ‬البحث‭ ‬والاستقصاء‭ ‬والتحرّي‭ ‬الدقيق‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬الحكومات‭ ‬وممارساتها‭ ‬العدائية‭ ‬تجاه‭ ‬الشعوب،‭ ‬ودراسة‭ ‬المواقف‭ ‬بعناية‭ ‬واهتمام‭ ‬بصورة‭ ‬تختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬التهاون‭ ‬واللامبالاة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أعتقد‭ ‬شخصيا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭ ‬أبدا،‭ ‬فالثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭ ‬حرّكت‭ ‬المياه‭ ‬الراكدة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تستقرّ‭ ‬حتى‭ ‬تتحقق‭ ‬أحلام‭ ‬الشعوب‭ ‬كافة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬حر‭ ‬كريم‭.‬

كما‭ ‬أفادت‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬علم‭ ‬التاريخ‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬حقيقة‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬الماضية‭ ‬والتي‭ ‬تشابهت‭ ‬في‭ ‬مقدماتها‭ ‬وأحداثها‭ ‬ونتائجها‭ ‬مع‭ ‬مقدّمات‭ ‬وأحداث‭ ‬ونتائج‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة،‭ ‬بل‭ ‬وإننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬نتوقع‭ ‬نتائج‭ ‬حدث‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬معرفتنا‭ ‬بما‭ ‬يتشابه‭ ‬معه‭ ‬تاريخيا،‭ ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬حجم‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬أحداث‭ ‬1954‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬52‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬2011،‭ ‬وكذلك‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬السابق‭ ‬“حافظ‭ ‬الأسد”‭ ‬لأزمات‭ ‬سوريا‭ ‬بعد‭ ‬توليه‭ ‬الحكم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يرتكبه‭ ‬ابنه‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬مؤامرات‭ ‬وجرائم‭ ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬السوري،‭ ‬مستفيدا‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬تغلغلت‭ ‬أفكارها‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬من‭ ‬أيّام‭ ‬حكم‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تفسير‭ ‬مواقف‭ ‬تاريخية‭ ‬غامضة‭ ‬لبعض‭ ‬الجماعات‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية‭ ‬اتضح‭ ‬تماما‭ ‬بعد‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المباشر‭ ‬بهم‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كشفت‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬بوضوح‭ ‬دون‭ ‬تزييف‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬ربيعه،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسمح‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬تحقق،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والحضاري،‭ ‬واهتراء‭ ‬القيم‭ ‬والقناعات‭ ‬والتراكم‭ ‬الثقافي،‭ ‬والتطورات‭ ‬البطيئة‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬المجتمعي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالنضج‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إدراك‭ ‬أعمق‭ ‬للمشاكل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والفكر‭. ‬وهنا‭ ‬يرى‭ ‬الكاتب‭ ‬والمفكر‭ ‬السوري‭ ‬الدكتور‭ ‬إلياس‭ ‬فرح‭ ‬أن‭ ‬“الثورة‭ ‬والفكر‭ ‬كائنان‭ ‬حيان‭ ‬متحدان‭ ‬ضمن‭ ‬وحدة‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق‭ ‬هي‭ ‬المعاناة،‭ ‬وإن‭ ‬ابتعدت‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬الإلهام‭ ‬يحدث‭ ‬التزييف‭ ‬الثوري‭ ‬والتشويه‭ ‬الثقافي”،‭ ‬والذي‭ ‬بدوره‭ ‬يصبّ‭ ‬دوما‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬النظم‭ ‬الاستبدادية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬امتطاء‭ ‬جواد‭ ‬الثورة‭ ‬والانطلاق‭ ‬به‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وتونس‭ ‬خلال‭ ‬الأعوام‭ ‬الخمسة‭ ‬المنصرمة،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬اكتماله‭ ‬وتقدّمه‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬سوف‭ ‬يفجر‭ ‬إبداعا‭ ‬ثقافيا‭ ‬وفكريا‭ ‬يضع‭ ‬الحلم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬الفكري‭ ‬والتاريخي‭ ‬المناسب‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الزمن‭.‬


كاتب من مصر