الوعي‭ ‬الشقي

ربّما‭ ‬كان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬“هيغل”‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الصواب‭ ‬والصدقية‭ ‬عندما‭ ‬قدم‭ ‬وصفا‭ ‬طريفاً‭ ‬عن‭ ‬طريقة‭ ‬حضور‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني،‭ ‬فهي‭ ‬تأتي‭ ‬-بحسبه-‭ ‬متأخرة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الغسق‭ ‬تشبيها‭ ‬لها‭ ‬ببومة‭ ‬مينيرفا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬بالطيران‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يرخي‭ ‬الليل‭ ‬سدوله،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعالق‭ ‬الموجود‭ ‬بين‭ ‬المجيء‭ ‬المتأخر‭ ‬للبومة‭ ‬ووسمها‭ ‬بالحكمة‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬الغربي،‭ ‬فإنّ‭ ‬الترميز‭ ‬المنشود‭ ‬الذي‭ ‬نريده‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬هو‭ ‬الـتأكيد‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يصر‭ ‬عقلا‭ ‬بعد،‭ ‬لأنّه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬المنهج‭ ‬وأدغال‭ ‬المفهوم‭ ‬وأنفاق‭ ‬الموضوع،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬مجرد‭ ‬فكر‭ ‬يتعاطى‭ ‬مع‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬نصوص‭ ‬تفسيرية‭ ‬كبرى‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬اكتسبت‭ ‬تواجدا‭ ‬تحليليا‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬ويأتي‭ ‬دوما‭ ‬متأخراً‭ ‬وفارضاً‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الحدث،‭ ‬معتقدا‭ ‬أنّه‭ ‬يستطيع‭ ‬الإمساك‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفهم‭ ‬والتأويل‭.‬

الجديد  البشير ربوح [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(114)]

تخطيط: فيصل لعيبي
لا يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجاري‭ ‬بعض‭ ‬الذهنيات‭ ‬التي‭ ‬تعشق‭ ‬الوصف‭ ‬المتسرع،‭ ‬لهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭ ‬المعاصر،‭ ‬فالتوصيف‭ ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬عليها‭ ‬بحسبانها‭ ‬ربيعاً‭ ‬عربياً‭ ‬هو‭ ‬وصف‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬إذ‭ ‬تحرك‭ ‬كلمة‭ ‬الربيع‭ ‬دلالات‭ ‬القوة،‭ ‬والولادة،‭ ‬والفرح،‭ ‬والحياة،‭ ‬والمعنى‭ ‬والمستقبل‭ ‬والتكاثر،‭ ‬وتنشّط‭ ‬هذا‭ ‬اللفظة،‭ ‬الحواس‭ ‬الخمس‭ ‬والخيال‭ ‬وخاصة‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬جدار‭ ‬الموت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ . ‬إنّ‭ ‬الواقع‭ ‬يشي‭ ‬بأنّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلا،‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬عُنفي‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬به،‭ ‬بعدما‭ ‬بدأت‭ ‬الروائح‭ ‬الكريهة‭ ‬تخرج‭ ‬متدفقة‭ ‬من‭ ‬البطون‭ ‬المنتفخة‭ ‬لهذه‭ ‬النظم‭ ‬المتسلطة‭ ‬التي‭ ‬طال‭ ‬ليلها،‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬جوف‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ثمرة‭ ‬طبيعية‭ ‬لعصور‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الكولونيالية‭ ‬وسيطرة‭ ‬الدول‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تأوّلت‭ ‬الاستقلال‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬وصاية‭ ‬مطلقة‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬القاصرة‭ ‬رغما‭ ‬عنها‭ ‬وهي‭ ‬تحدثها‭ ‬بلغة‭ ‬التمنّن‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬الذي‭ ‬أتمسك‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التحليل،‭ ‬باعتبار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬“تغيير‭ ‬عُنفي”،‭ ‬لا‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬استقراء‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬عموما،‭ ‬لأنّ‭ ‬التغيير‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يطال‭ ‬البنية‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أعماقها‭ ‬وفي‭ ‬مرجعياتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬تغيّر‭ ‬فعلا‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تمجّد‭ ‬الفرد‭ ‬المطلق‭ ‬الذي‭ ‬يتمظهر‭ ‬في‭ ‬شيخ‭ ‬القبيلة،‭ ‬عمدة‭ ‬القرية،‭ ‬رئيس‭ ‬الحزب‭ ‬الأبدي،‭ ‬ربّ‭ ‬الأسرة‭ ‬المتأله،‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬سلف‭ ‬له‭ ‬وفي‭ ‬حدود‭ ‬معرفته‭ ‬ينتهي‭ ‬التاريخ‭ ‬ويتوقف‭ ‬الزمن،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ذهنيته‭ ‬المغلقة‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬طفقت‭ ‬تشتغل‭ ‬وإن‭ ‬بصورة‭ ‬محتشمة‭ ‬وبطيئة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬التسلطية‭ ‬التي‭ ‬انغرست‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬والرؤى‭ ‬وكذلك‭ ‬اللّغة‭ ‬المتواجدة‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬اليومية‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬بحيث‭ ‬دشّن‭ ‬الخطاب‭ ‬العربي‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التأويل‭ ‬الوجودي،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬الفرد‭ ‬العربي‭ ‬يتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الحرية،‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي،‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬الإيجابي،‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬وضمانات‭ ‬الكرامة،‭ ‬الذهاب‭ ‬رأساً‭ ‬صوب‭ ‬تحصين‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة،‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬حديث‭ ‬يستبطن‭ ‬نزعة‭ ‬التسلّط‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬دوما‭ ‬إلى‭ ‬ربوعها‭ ‬الأولى‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تنفتح‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬مسائل‭ ‬حداثية‭ ‬كانت‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬محرمة‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬يتفكّر‭ ‬فيها،‭ ‬مثل‭ ‬مسألة‭ ‬التداول‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬النقد،‭ ‬وطرح‭ ‬قضايا‭ ‬الدين‭ ‬ومظاهر‭ ‬التديّن‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التشريح‭ ‬الفكري‭ ‬بأدوات‭ ‬معرفية‭ ‬معاصرة،‭ ‬والتوجّه‭ ‬صوب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالتراث‭ ‬السياسي‭ ‬الممجد‭ ‬للحاكم‭ ‬الأوحد،‭ ‬وظهور‭ ‬مثقفين‭ ‬جدد‭ ‬يتحكمون‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الصورة،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بمثقفي‭ ‬الإعلام‭.‬

بهذا‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نأمل‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬حداثي‭ ‬بامتياز،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الإرهاصات‭ ‬تمنحنا‭ ‬أملا‭ ‬بقدوم‭ ‬زمن‭ ‬يكون‭ ‬أفضل‭ ‬ثقافيا‭ ‬وسياسياً،‭ ‬لأنّ‭ ‬مسألة‭ ‬التغيير‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تشكّلها‭ ‬الأولي،‭ ‬ولم‭ ‬تنتقل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬النضج‭ ‬وجني‭ ‬الثمرات،‭ ‬وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬الوعي‭ ‬صوب‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬ويبدأ‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحارقة،‭ ‬والذي‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬على‭ ‬أنّنا‭ ‬لامسنا‭ ‬موعدنا‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يسبح‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬الحداثة‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬الحرية،‭ ‬ونتقاطع‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نتحرر‭ ‬من‭ ‬أغلال‭ ‬وقيود‭ ‬العبوديات‭ ‬الجديدة،‭ ‬ومن‭ ‬عمق‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬فهم‭ ‬الغرب‭ ‬ولأوّل‭ ‬مرة‭ ‬أنّ‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬بدورها‭ ‬شعوب‭ ‬جديرة‭ ‬بالحرية‭ ‬والمسؤولية‭ ‬والكرامة‭ ‬والمواطنة،‭ ‬ولها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تطرح‭ ‬رؤيتها‭ ‬الوجودية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

على‭ ‬أساس‭ ‬ذلك،‭ ‬ومن‭ ‬وحي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬تقصي‭ ‬الخلخلة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬بعد‭ ‬التغيير‭ ‬العُنفي،‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مآلات‭ ‬إيجابية‭ ‬لهذا‭ ‬الفعل‭ ‬حيث‭ ‬أنّه‭ ‬فعّل‭ ‬وبشكل‭ ‬مكثّف‭ ‬مقدرة‭ ‬المعارضة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تبيان‭ ‬مساوئ‭ ‬الحكم‭ ‬المطلق،‭ ‬وفي‭ ‬تنوير‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الوصاية‭ ‬والدونية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬المتفائل‭ ‬لا‭ ‬يعفينا‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬سهام‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الكتلة‭ ‬الثقافية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمفاعيل‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والاجتماع،‭ ‬وإلى‭ ‬البُنى‭ ‬التربوية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تترعرع‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الدكتاتورية،‭ ‬لأنّ‭ ‬الأمر‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بمستوى‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تبرح‭ ‬بعد‭ ‬معجمها‭ ‬اللغوي‭ ‬الذي‭ ‬يمجد‭ ‬الاستقرار‭ ‬المميت‭ ‬ويتوجس‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الأفعال‭ ‬الفردية‭ ‬المتميزة‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬التغيير‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الظلام،‭ ‬وتتكئ‭ ‬على‭ ‬موروث‭ ‬فقهي‭ ‬تشكّل‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تاريخية‭ ‬محددة،‭ ‬وهي‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬زمنه‭ ‬انتهى،‭ ‬ولكنها‭ ‬تعض‭ ‬عليه‭ ‬بالنواجذ‭ ‬لأنّه‭ ‬يمنحها‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬المطلقة‭ ‬على‭ ‬رقاب‭ ‬الناس‭ ‬ومخيالهم‭ ‬التفكيري،‭ ‬وتسلّط‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬هراواتها‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأحرار‭ ‬الذين‭ ‬يفكرون‭ ‬بطريقة‭ ‬مخالفة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬سائد‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬تجتمع‭ ‬فيه‭ ‬النقائض،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬الحسن‭ ‬كلّ‭ ‬الحسن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المتغير‭ ‬العُنفي،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نرقب‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬بعض‭ ‬القبح‭ ‬في‭ ‬ثناياه،‭ ‬فالأمر‭ ‬يتمرّد‭ ‬على‭ ‬التصنيف‭ ‬الثنائي‭ ‬أي‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬الملائكية‭ ‬والنزوع‭ ‬الشيطاني،‭ ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬التمشي‭ ‬يتنزّل‭ ‬الخطاب‭ ‬التحليلي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬العُنفي‭ ‬ثمرة‭ ‬مفاعيل‭ ‬تاريخية‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬حصيلة‭ ‬نشاط‭ ‬إنساني‭ ‬خالص،‭ ‬يمتلك‭ ‬القابلية‭ ‬للتأويل‭ ‬المزدوج‭ ‬والشقي،‭ ‬بحيث‭ ‬تؤدي‭ ‬بنا‭ ‬القراءة‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحدث،‭ ‬ولكي‭ ‬نفك‭ ‬طلاسمه‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أنّ‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬داخل‭ ‬مسار‭ ‬الندم‭ ‬على‭ ‬فعلته‭ ‬التغييرية‭ ‬العُنفية،‭ ‬فهناك‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬ترفع‭ ‬بكل‭ ‬جرأة‭ ‬شعار‭ ‬عودة‭ ‬الأنظمة‭ ‬السابقة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬الذي‭ ‬كنّا‭ ‬نشتكي‭ ‬منه‭ ‬وننزعج‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬وحضوره‭ ‬وسطوته‭ ‬القاتلة،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تنجز‭ ‬شيئاً‭ ‬تلتحق‭ ‬به‭ ‬ومن‭ ‬خلاله‭ ‬بحقل‭ ‬الحداثة،‭ ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬بينية‭ ‬تريد‭ ‬إنجاز‭ ‬الوثبة‭ ‬الحضارية‭ ‬المنتظرة‭ ‬وترغب‭ ‬في‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الأزمنة‭ ‬البائدة‭.‬

الثابت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬تحليل‭ ‬أثر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬معضلة‭ ‬كبيرة،‭ ‬لأنّ‭ ‬كل‭ ‬القراءات‭ ‬ممكنة‭ ‬وواردة،‭ ‬وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬غياب‭ ‬النصوص‭ ‬الكبرى‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬التأسيسي‭ ‬يمكن‭ ‬لكلّ‭ ‬التحليلات‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬لها‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الثقافي،‭ ‬ومرحلة‭ ‬الفكر‭ ‬التي‭ ‬يتخبط‭ ‬فيها‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬تُضاعف‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬وتَرفع‭ ‬من‭ ‬كثافتها‭ ‬المعرفية‭ ‬الغامضة‭.‬


كاتب وأكاديمي من الجزائر