المفاجأة

من‭ ‬المبكر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أثر‭ ‬انتفاضات‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬لسببين‭ ‬اثنين،‭ ‬أولهما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬شكلت‭ ‬محاولة‭ ‬لتحقيق‭ ‬قطيعة‭ ‬سياسية‭ ‬مع‭ ‬تاريخ‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بعهد‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تتشكل‭ ‬منذ‭ ‬نهايات‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والتي‭ ‬جاء‭ ‬أغلبها‭ ‬عبر‭ ‬انقلابات‭ ‬عسكرية،‭ ‬لفرض‭ ‬سلطته‭ ‬بالقوة،‭ ‬وتكريس‭ ‬استبداده‭ ‬ودكتاتورياته‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬المديدة‭. ‬لقد‭ ‬ألغى‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬إمكانية‭ ‬قيام‭ ‬مجتمعات‭ ‬المواطنة‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬وعطّل‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬تكريسها‭ ‬للبنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القديمة‭ ‬لعصر‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬عشائرية‭ ‬وطائفية‭ ‬ومناطقية،‭ ‬لتوفير‭ ‬شروط‭ ‬تحكمها‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتها‭. ‬لقد‭ ‬شكّل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬سقوط‭ ‬الأنظمة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدير‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬حالة‭ ‬كمون،‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الفوضى‭ ‬والصراع‭ ‬الدامي‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬سقوط‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬الفرصة‭ ‬المواتية‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬مستغلة‭ ‬واقع‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني،‭ ‬والتدخلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬هناك‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭.‬

الجديد  مفيد نجم [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(116)]

السبب الثاني‭ ‬الذي‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬السبب‭ ‬السابق،‭ ‬يتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الهبّات‭ ‬الفجائية‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬انفجار‭ ‬شعبي،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬القيادات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬وتمتلك‭ ‬مشروعا‭ ‬وطنيا‭ ‬بديلا‭ ‬سياسيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وثقافيا،‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬قيام‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي،‭ ‬الذي‭ ‬عملت‭ ‬رموز‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬على‭ ‬استغلاله‭ ‬لاستعادة‭ ‬مواقعها‭ ‬والانقضاض‭ ‬على‭ ‬مكتسبات‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭. ‬لقد‭ ‬اعتقدت‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬الشعبية‭ ‬أن‭ ‬إسقاط‭ ‬رأس‭ ‬النظام،‭ ‬يشكّل‭ ‬مدخلا‭ ‬لعملية‭ ‬التغيير‭ ‬متجاهلة،‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬متناسية‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬متكامل،‭ ‬يتجاوز‭ ‬إطار‭ ‬الشعارات‭ ‬العريضة‭ ‬التي‭ ‬رفعتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬حامل‭ ‬سياسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ملء‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬والنهوض‭ ‬بمسؤولية‭ ‬قيادة‭ ‬عملية‭ ‬التحول‭ ‬السياسي،‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والفساد،‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬والحريات‭ ‬والعدالة‭ ‬والمواطنة‭.‬

‮ ‬لقد‭ ‬أسهمت‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬حالة‭ ‬الإفلاس‭ ‬السياسي‭ ‬والجماهيري‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬الأحزاب‭ ‬اليسارية‭ ‬والقومية،‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬قوى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬هي‭ ‬ثورات‭ ‬إسلامية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬رموز‭ ‬النظام‭ ‬السابق،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬البلبلة‭ ‬والصراع‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تعقيد‭ ‬صورة‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬وعلى‭ ‬تشرذم‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تلتفّ‭ ‬حول‭ ‬مطالب‭ ‬الجماهير‭ ‬المنتفضة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنشغل‭ ‬بكيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسبها‭ ‬الحزبية‭ ‬والسلطوية‭.‬

ومما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي،‭ ‬هو‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬فيها‭ ‬الأنظمة‭ ‬المستبدة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬قوى‭ ‬الانتفاضة‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الشبابية‭ ‬منها‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تمتلك‭ ‬الرؤية‭ ‬السياسية‭ ‬الناجزة‭ ‬لمواجهتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬افتقارها‭ ‬إلى‭ ‬الانسجام‭ ‬السياسي‭ ‬والفكري،‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬عمليات‭ ‬التحويل‭ ‬باتجاه‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترفع‭ ‬شعاراتها،‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬والديمقراطية‭. ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الإرباك‭ ‬والفوضى‭ ‬ساعد‭ ‬قوى‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬والبنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإثنية‭ ‬القديمة،‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسبها،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬الرابط‭ ‬الوطني‭ ‬الجامع،‭ ‬وثقافة‭ ‬المواطنة،‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬دولة‭ ‬الاستبداد‭ ‬على‭ ‬تغييبها،‭ ‬واستبدالها‭ ‬بثقافة‭ ‬الفساد‭ ‬والانتهازية‭.‬

‮ ‬‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬الانتفاضات‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والإبداع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مبكرا،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬جميع‭ ‬الثورات،‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬احتاجت‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬ومخاضات‭ ‬دامية‭ ‬وعسيرة‭ ‬حتى‭ ‬استطاعت‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭.‬

الانتفاضات‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية

شكلت‭ ‬انتفاضات‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬مفاجأة‭ ‬حقيقية‭ ‬للمثقف‭ ‬العربي،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬شكّلته‭ ‬للشارع‭ ‬العربي‭ ‬نفسه،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬للواقع‭ ‬جرى‭ ‬فيها‭ ‬تكريس‭ ‬سلطة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والدولة‭ ‬الأمنية‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الثقافة‭ ‬والعمل‭ ‬الثقافي‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المفاجأة‭ ‬تحوّلت‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬حقيقية،‭ ‬عندما‭ ‬وضعتهم‭ ‬أمام‭ ‬اختيارين‭ ‬اثنين،‭ ‬إما‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬مطالب‭ ‬الشعب‭ ‬المنتفض‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة،‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستبداد،‭ ‬بدؤوا‭ ‬بخلع‭ ‬أقنعتهم‭ ‬القديمة،‭ ‬وارتداء‭ ‬أقنعة‭ ‬جديدة‭ ‬حاولوا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تبرير‭ ‬خيانتهم‭ ‬المكشوفة‭ ‬لمنظومة‭ ‬القيم‭ ‬الفكرية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬ادعوا‭ ‬أنهم‭ ‬رسلها،‭ ‬والمبشرون‭ ‬بها‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الزلزال‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬فإن‭ ‬استجابات‭ ‬الكتّاب‭ ‬العرب‭ ‬وتفاعلهم‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬المطلوب،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التاريخي‭

‮ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬القوميين‭ ‬سابقا،‭ ‬والليبراليين‭ ‬حاليا،‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مثقفو‭ ‬اليسار‭ ‬القومي‭ ‬والماركسي،‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬تجاوز‭ ‬حالة‭ ‬التكلس‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والسياسي،‭ ‬وممارسة‭ ‬أيّ‭ ‬نقد‭ ‬موضوعي‭ ‬لما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬تجارب‭ ‬أحزابهم،‭ ‬ومسؤوليتها‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الخراب‭ ‬والتصحر‭ ‬السياسي،‭ ‬وانعدام‭ ‬أيّ‭ ‬شرط‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬المقهورة‭. ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬الحس‭ ‬التاريخي‭ ‬والوطني‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬المثقفين،‭ ‬معززا‭ ‬بخوفها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ‭ ‬وعلامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الماضي‭ ‬المرذول،‭ ‬جعلها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬تحالفاتها‭ ‬القديمة-الجديدة‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستبداد‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬مأمول‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬مرتهن،‭ ‬أو مكاسب‭ ‬ستفقدها‭ ‬مع‭ ‬سقوط‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭.‬

وتندرج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬فئة‭ ‬مثقفي‭ ‬السلطة،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬بنيتها،‭ ‬وأدواتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬مشروعها‭ ‬السياسي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬تكريس‭ ‬الفساد‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتغييب‭ ‬الدور‭ ‬التنويري‭ ‬والنقدي‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإضفاء‭ ‬الشرعية‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬الاستبداد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تخلّيها‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬الثقافة‭ ‬والمثقفين‭. ‬إن‭ ‬ارتباط‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬مع‭ ‬الاستبداد‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬كرّست‭ ‬سلطتها‭ ‬ومكاسبها‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الوظيفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

على‭ ‬هامش‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬الثلاث‭ ‬تبرز‭ ‬فئة‭ ‬المثقفين‭ ‬الرماديين‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬اللاموقف،‭ ‬وتنقسم‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬إلى‭ ‬قسمين،‭ ‬فئة‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬بلورة‭ ‬موقف‭ ‬واضح‭ ‬مؤيد‭ ‬أو‭ ‬معارض‭ ‬لهذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬إما‭ ‬نتيجة‭ ‬لحالة‭ ‬الصراع‭ ‬التي‭ ‬تعيشها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬وعيها‭ ‬التاريخي‭ ‬والسياسي،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬المجاهرة‭ ‬بموقفها‭ ‬المناهض،‭ ‬فهي‭ ‬مع‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تجاهر‭ ‬به،‭ ‬بحجة‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬تارة،‭ ‬أو‭ ‬أسلمة‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬أو‭ ‬عسكرتها‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭. ‬ويندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬الرماديين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬السوريين‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬والذين‭ ‬حاولوا‭ ‬أن‭ ‬يخفوا‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬القناع‭ ‬دوافع‭ ‬لا‭ ‬وطنية،‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬دوافع‭ ‬الفئة،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تتحدث‭ ‬طوال‭ ‬مرحلة‭ ‬النضال‭ ‬السلمي‭ ‬عن‭ ‬قاعدة‭ ‬النظام‭ ‬الشعبية،‭ ‬ثم‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬العسكرة‭ ‬مبررا‭ ‬لموقفها‭ ‬المناهض‭ ‬لهذه‭ ‬الانتفاضة‭.‬

التحول‭ ‬والوعي

أمام‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬انتفاضات‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬ومتلاحقة،‭ ‬كان‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬دلالات‭ ‬هذا‭ ‬الحدث،‭ ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬قد‭ ‬تجاوزته،‭ ‬فظل‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬هامشها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الترقب‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الفعل،‭ ‬لأسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحالة‭ ‬الفساد‭ ‬الثقافي‭ ‬والانتهازية‭ ‬التي‭ ‬كرّستها‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافة‭ ‬الدولة،‭ ‬وارتباط‭ ‬مصالح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬بالنظام‭ ‬القائم،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬المبادرة‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬التيارات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تتصدر‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬حالة‭ ‬الجمود‭ ‬الفكري‭ ‬والعقائدي‭ ‬عند‭ ‬مثقفي‭ ‬اليسار‭.‬

‮ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬إما‭ ‬مثقف‭ ‬سلطة‭ ‬أو‭ ‬مثقف‭ ‬حزب،‭ ‬أو‭ ‬مغيبا‭ ‬أو‭ ‬مضطهدا‭ ‬لمعارضته‭ ‬استبداد‭ ‬السلطة،‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬المثقفين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬محكوما‭ ‬بالاختلاف‭ ‬والتباين‭ ‬الكبير،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬وقد‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬أن‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستبداد‭ ‬قد‭ ‬غيّبت‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬طوال‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخها،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬المثقف‭ ‬تابعا‭ ‬لها،‭ ‬وخادما‭ ‬لسلطتها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمنحه‭ ‬أيّ‭ ‬دور‭ ‬فاعل‭ ‬ومؤثر‭ ‬تشعره‭ ‬بأهمية‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المفارق‭ ‬وما‭ ‬خلقة‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬انقسام‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬المثقفين،‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬مواقف‭ ‬داعمة‭ ‬ومؤيدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬لهذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬ولمطالبها‭ ‬المشروعة،‭ ‬لكن‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬إطار‭ ‬الدعم‭ ‬المعنوي‭ ‬الفردي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬والتأثير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيم‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أطر‭ ‬وروابط‭ ‬محلية‭ ‬وعربية‭ ‬تشكل‭ ‬جبهة‭ ‬ثقافية،‭ ‬تنهض‭ ‬بمهمة‭ ‬تعبئة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتفعيل‭ ‬مواقفه‭ ‬لمساندة‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬للبلدان‭ ‬التي‭ ‬تتواجد‭ ‬فيها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬التنسيقيات‭ ‬والروابط‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الانتفاضات‭ ‬لتأمين‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬لها،‭ ‬لتعزيز‭ ‬صمودها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬محاولات‭ ‬الالتفاف‭ ‬عليها،‭ ‬وحرفها‭ ‬عن‭ ‬مسارها‭ ‬الوطني‭ ‬التحرري‭.‬

الانتفاضات‭ ‬والأدب

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الزلزال‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬فإن‭ ‬استجابات‭ ‬الكتّاب‭ ‬العرب‭ ‬وتفاعلهم‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬المطلوب،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التاريخي‭ ‬وأهميته‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬بينما‭ ‬اكتفى‭ ‬جزء‭ ‬آخر‭ ‬منهم‭ ‬بمراقبة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬وانتظار‭ ‬ما‭ ‬ستنجلي‭ ‬عنه‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الجماهير‭ ‬المنتفضة‭ ‬وسلطة‭ ‬الاستبداد‭ ‬الحاكمة‭. ‬كتّاب‭ ‬آخرون‭ ‬ممن‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬تسويق‭ ‬أنفسهم‭ ‬وأدبهم،‭ ‬ظلوا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبدوا‭ ‬أيّ‭ ‬موقف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬امتيازاتهم‭ ‬ومكاسبهم،‭ ‬لذلك‭ ‬تجدهم‭ ‬يتصدرون‭ ‬الأنشطة‭ ‬والاحتفالات‭ ‬والجوائز‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المخجل‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬مواقف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬والكتّاب‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬انحازوا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬منذ‭ ‬لحظتها‭ ‬الأولى،‭ ‬وواكبوا‭ ‬مسيرتها‭ ‬وتحوّلاتها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلوا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬إيمانهم‭ ‬بقضية‭ ‬الحرية‭ ‬والتغيير‭ ‬واستعادة‭ ‬الشعوب‭ ‬المقهورة‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬حاضرها‭ ‬ومستقبلها‭. ‬لقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬حاولوا‭ ‬فيها‭ ‬تجسيد‭ ‬معاني‭ ‬الثورة‭ ‬وبطولات‭ ‬جيل‭ ‬التغيير،‭ ‬لكن‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬كتبت‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬حالة‭ ‬الفوران‭ ‬العاطفي‭ ‬والانفعالي‭ ‬الذي‭ ‬واكب‭ ‬مسيرة‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬بينما‭ ‬استطاعت‭ ‬تجارب‭ ‬شعرية‭ ‬وروائية‭ ‬أخرى،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬محدودة‭ ‬أن‭ ‬تتمثل‭ ‬الأبعاد‭ ‬الإنسانية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الانتفاضات،‭ ‬وأن‭ ‬تستحضر‭ ‬المشاهد‭ ‬المروّعة‭ ‬‮ ‬لعنف‭ ‬سلطة‭ ‬الاستبداد‭ ‬وهمجيتها،‭ ‬في‭ ‬محاولتها‭ ‬لإعادة‭ ‬الشعب‭ ‬المنتفض‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الطاعة‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬دموية‭ ‬المشهد‭ ‬وتعقيداته‭ ‬وتداخلاته‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬واستنزاف‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬داخلية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضات‭ ‬قد‭ ‬شكّلت‭ ‬تحولا‭ ‬تاريخا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬العربية،‭ ‬أصبح‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬خلقتها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استعادت‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مغيّبة‭ ‬ثقتها‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬وإسقاط‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تتلاعب‭ ‬بمصائرها،‭ ‬ولا‭ ‬تحقق‭ ‬لها‭ ‬العدالة‭ ‬والحرية‭ ‬التي‭ ‬تنشدها‭. ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬العرب‭ ‬قد‭ ‬استوعبوا‭ ‬كثيرا‭ ‬هذا‭ ‬المتغير،‭ ‬الذي‭ ‬يجعلهم‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬الحرية‭ ‬والتغيير‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬قوى‭ ‬كثيرة‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭ ‬أن‭ ‬تعيقها‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي