لوك‭ ‬فيري خلاص‭ ‬علماني

لوك‭ ‬فيري‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الجدد‭ ‬الذين‭ ‬حاولوا‭ ‬إحداث‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬مع‭ ‬جيل‭ ‬الرموز‭ ‬والأسماء‭ ‬اللامعة‭ ‬التي‭ ‬سطعت‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬الفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬سنوات‭ ‬الستينات‭ ‬والسبعينات‭ ‬أمثال‭ ‬سارتر،‭ ‬جاك‭ ‬ديريدا،‭ ‬جيل‭ ‬دولوز‭ ‬وميشال‭ ‬فوكو‭ ‬وغيرهم‭. ‬وكغيره‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الجدد‭ ‬أمثال‭ ‬ميشال‭ ‬أونفري‭ ‬وأندري‭ ‬سبونفييل‭ ‬وفريديريك‭ ‬شيفتر‭ ‬وباسكال‭ ‬بروكنر‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مشاربهم،‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬سجن‭ ‬التأمل‭ ‬النظري‭ ‬وينزل‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬لتنشغل‭ ‬بقضايا‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي،‭ ‬وقد‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬التربية‭ ‬قبل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭. ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬السوربون‭ ‬ومن‭ ‬هيدلبرغ‭ ‬بألمانيا‭ ‬ودرَّس‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعات‭ ‬فرنسية‭ ‬كثيرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بنشر‭ ‬إنتاجه‭ ‬الفكري‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1984‭ ‬والذي‭ ‬استهله‭ ‬بكتاب‭ ‬“الفلسفة‭ ‬السياسية”‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬أجزاء‭. ‬وعرف‭ ‬لوك‭ ‬فيري‭ ‬وبدأ‭ ‬يسطع‭ ‬نجمه‭ ‬إثر‭ ‬إصداره‭ ‬بمعية‭ ‬ألان‭ ‬رونو‭ ‬سنة‭ ‬1985‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬ضجة‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“فكر‭ ‬1968‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬وجه‭ ‬نقدا‭ ‬لاذعا‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬السائدة‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬أحداث‭ ‬68‭ ‬بفرنسا‭. ‬ثم‭ ‬توالت‭ ‬إصدارات‭ ‬غزيرة‭ ‬لاقت‭ ‬بعضها‭ ‬نجاحا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬المكتبات‭ ‬كــ”النظام‭ ‬الإيكولوجي‭ ‬الجديد”‭ ‬و”الإنسان-الإله‭ ‬أو‭ ‬معنى‭ ‬الحياة”‭ ‬و”ثورة‭ ‬الحب،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬روحانية‭ ‬علمانية”‭ ‬وغيرها‭.. ‬وآخر‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬“الابتكار‭ ‬المدمر”‭ ‬(2014)‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التسجيلات‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أقراص‭ ‬مضغوطة‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يبسط‭ ‬عبرها‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬وأهم‭ ‬قضاياها‭. ‬

الجديد  حميد زناز [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(143)]

“لا‭ ‬تهتم‭ ‬الفلسفة‭ ‬بشيء‭ ‬غير‭ ‬محاولة‭ ‬إيجاد‭ ‬معنى‭ ‬للحياة،‭ ‬وقد‭ ‬أمضيت‭ ‬قرابة‭ ‬الأربعين‭ ‬عاما‭ ‬وأنا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التعريف،‭ ‬تقول،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فهو‭ ‬التعريف‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬قلبي”‭. ‬هل‭ ‬تفضلت‭ ‬بشرح‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف؟

فيري‭:‬ يلتقي‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬بالفلسفة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬تحديدا،‭ ‬كما‭ ‬تعلم‭. ‬وحينما‭ ‬ندقق‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية‭ ‬والمقررات‭ ‬البيداغوجية‭ ‬المخصصة‭ ‬لهذه‭ ‬المادة‭ ‬نجدها‭ ‬تقدم‭ ‬أساسا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬كلمات‭ ‬مفتاحية‭ ‬ثلاث‭: ‬التفكير،البرهنة،‭ ‬النقد‭. ‬والفكرة‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬يدور‭ ‬حولها‭ ‬تعليم‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬هي‭ ‬عرض‭ ‬الفلسفة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬موجهة‭ ‬لمساعدة‭ ‬الشبان‭ ‬والشابات‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬الفكري‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بأنفسهم‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬جديرة‭ ‬بالتقدير‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬حتى‭ ‬مفيدة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬“التربية‭ ‬المدنية”،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬إطلاقا‭ ‬بالفلسفة‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬القديم‭ ‬وكما‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭. ‬وأنا‭ ‬أعي‭ ‬ما‭ ‬أقول‭. ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬فيلسوف‭ ‬بأتمّ‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة‭ ‬يفكر‭ ‬ويبرهن‭ ‬ويستعمل‭ ‬العقل‭ ‬النقدي‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك؟‭ ‬كثيرون‭.. ‬

هل‭ ‬تعتقد،‭ ‬عن‭ ‬جد،‭ ‬أن‭ ‬عالم‭ ‬بيولوجيا‭ ‬أو‭ ‬فنانا،‭ ‬أبا‭ ‬أو‭ ‬أما‭ ‬لعائلة،‭ ‬لا‭ ‬يفكرون‭ ‬ولا‭ ‬يقدمون‭ ‬أدنى‭ ‬حجج؟‭ ‬الكل‭ ‬يفكر‭ ‬ويملك‭ ‬عقلا‭ ‬نقديا‭ ‬ويحاول‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقدم‭ ‬من‭ ‬أطروحات،‭ ‬حتى‭ ‬رجال‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله،‭ ‬فهم‭ ‬ليسوا‭ ‬بفلاسفة‭! ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬جعلني‭ ‬أقترح‭ ‬تعريفا‭ ‬آخر‭ ‬للفلسفة،‭ ‬كتعريفها‭ ‬بأنها‭ ‬“مذهب‭ ‬خلاص”‭ ‬علماني،‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬تنافس‭ ‬مع‭ ‬الديانات‭ ‬الكبرى‭. ‬فكل‭ ‬الفلسفات‭ ‬الكبرى،‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬هي‭ ‬مذاهب‭ ‬خلاص‭ ‬دون‭ ‬إله‭. ‬

هل‭ ‬تصبح‭ ‬الفلسفة‭ ‬عقيدة‭ ‬بدورها؟

فيري‭:‬ في‭ ‬والواقع‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الديانات‭ ‬الكبرى،‭ ‬تعِدُ‭ ‬الفلسفة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬تكريس‭ ‬حياتهم‭ ‬لها‭ ‬بأنهم‭ ‬سيتمكنون‭ ‬من‭ ‬إنقاذ‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأنفسهم‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأديان‭ ‬الكبرى‭ ‬تعد‭ ‬الإنسان‭ ‬بإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الخلاص‭ ‬ولكن‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الآخر،‭ ‬الله‭ ‬(وليس‭ ‬بنفسه)‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬الإيمان‭ ‬(وليس‭ ‬العقل)‭. ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬الفرق‭ ‬الحقيقي‭ ‬الوحيد‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬والدين‭. ‬

ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬رأسا‭ ‬هو‭ ‬المتعلق‭ ‬بمعنى‭ ‬ذلك‭ ‬الخلاص‭.. ‬نتخلص‭ ‬من‭ ‬ماذا؟

فيري‭ :‬“الخلاص،‭ ‬تقول‭ ‬المعاجم،‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬كبير‭ ‬أو‭ ‬مصيبة‭ ‬كبيرة”‭. ‬وجاءت‭ ‬كلمة‭ ‬“خلاص”‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬اللاتينية‭ ‬واليونانية‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬“أنقذ”‭. ‬ولكي‭ ‬نذكر‭ ‬فيلسوفين‭ ‬يونانيين‭ ‬أساسين‭ ‬إبيكتيت‭ ‬وأبيقور،‭ ‬فمن‭ ‬أيّ‭ ‬خطر‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مصيبة‭ ‬أراد‭ ‬المفكران‭ ‬إنقاذ‭ ‬تلامذتهما‭ ‬وأتباعهما‭ ‬وهما‭ ‬المختلفان‭ ‬جذريا؟‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬وجودنا‭ ‬ويحاصره،‭ ‬وربما‭ ‬نحسن‭ ‬القول‭ ‬إذا‭ ‬قلنا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يعكّر‭ ‬صفو‭ ‬حياتنا‭ ‬ويمنعنا‭ ‬من‭ ‬الحركة‭. ‬فالرغبة‭ ‬في‭ ‬الحكمة،‭ ‬ونشدان‭ ‬السكينة،‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬الترجمة‭ ‬الأحسن‭ ‬والأقرب‭ ‬لكلمة‭ ‬فيلو-صوفيا‭. ‬هي‭ ‬القناعة‭ ‬بأننا‭ ‬ما‭ ‬دمنا‭ ‬مطوّقين‭ ‬بالخوف‭ ‬فمن‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬“الحياة‭ ‬الطيبة”‭ ‬ومن‭ ‬المستحيل‭ ‬بلوغ‭ ‬السكينة‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فمن‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أحرارا‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭ ‬وأن‭ ‬ننفتح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬وأن‭ ‬نتمتع‭ ‬بأريحية‭ ‬ما‭: ‬حينما‭ ‬نخاف‭ ‬نكون‭ ‬مضطربين،‭ ‬متلعثمين،‭ ‬بمعنى‭ ‬نكون‭ ‬غير‭ ‬أحرار‭ ‬ومتقوقعين‭ ‬على‭ ‬ذواتنا‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬لكي‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬السكينة،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬خوفنا‭ ‬وهواجسنا،‭ ‬وخلافا‭ ‬للديانات‭ ‬التوحيدية‭ ‬الكبرى،‭ ‬تعدنا‭ ‬الفلسفة‭ ‬بأننا‭ ‬نستطيع‭ ‬وبأنفسنا‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬العقل‭ ‬بلوغ‭ ‬تلك‭ ‬السكينة،‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الغير‭ ‬أو‭ ‬الإيمان‭.‬

من‭ ‬أين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمد‭ ‬المرء‭ ‬الطاقات‭ ‬لبلوغ‭ ‬“حياة‭ ‬طيبة”‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬عجوز‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تؤمن‭ ‬بنفسها؟‭ ‬“أنا‭ ‬أورو-‭ ‬مركزي”،‭ ‬هكذا‭ ‬تقول،‭ ‬فهل‭ ‬شرحت‭ ‬لنا‭ ‬أكثر؟

فيري‭:‬ كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أسمع‭ ‬وعلى‭ ‬الخصوص‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬والمتدينين‭ ‬عموما‭ ‬أن‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الأوروبية‭ ‬العلمانية‭ ‬وبما‭ ‬أنها‭ ‬بعيدة‭ ‬بل‭ ‬محرومة‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬البعد‭ ‬الروحي،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬استسلمت‭ ‬إلى‭ ‬وهم‭ ‬“أنا‭ ‬بدون‭ ‬النحن”‭ ‬الغارق‭ ‬في‭ ‬أنانية‭ ‬مفرطة‭. ‬ولأنها‭ ‬مجتمعات‭ ‬تعيش‭ ‬قطيعة‭ ‬شبه‭ ‬كلية‭ ‬مع‭ ‬المطلق،‭ ‬فستسقط‭ ‬في‭ ‬نسبية‭ ‬يائسة‭. ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬يعيش‭ ‬فائضا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المقدس،‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬يعاني‭ ‬نقصا‭ ‬فادحا‭ ‬في‭ ‬الأمر‭. ‬فالأول‭ ‬عامر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللزوم‭ ‬والثاني‭ ‬فارغ‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭. ‬وتحليل‭ ‬كهذا‭ ‬يجد‭ ‬صدى‭ ‬كبيرا‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬الذين،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬مؤمنين‭ ‬وغير‭ ‬مؤمنين،‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬اليمين،‭ ‬والذين‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الليبرالية‭ ‬في‭ ‬إرضائهم‭. ‬وشخصيا‭ ‬لا‭ ‬أتفق‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬أذهب‭ ‬مذهبا‭ ‬مضادا‭ ‬له‭ ‬تماما‭. ‬

كيف‭ ‬ولماذا؟

فيري‭:‬ أولا،‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬العلمانية‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬اختراع‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬الشيء‭ ‬ونقيضه،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬عامرة‭ ‬وخاوية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬فبطبيعة‭ ‬تكوينها‭ ‬وبنائها‭ ‬هي‭ ‬تشكل‭ ‬إطارا‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬مهمته‭ ‬إعطاء‭ ‬معنى‭ ‬وفرضه‭ ‬كأيديولوجية‭ ‬رسمية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنظيم‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬فقط‭. ‬فأن‭ ‬نطالب‭ ‬من‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فهذا‭ ‬لعمري‭ ‬التناقض‭ ‬بعينه‭. ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬–‭ ‬وعلى‭ ‬الخصوص‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬استبدلوا‭ ‬الروحانيات‭ ‬التقليدية‭ ‬بديانات‭ ‬الخلاص‭ ‬الأرضي‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬ينتظرون‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬يائسين‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬غايات‭ ‬جليلة‭ ‬للجميع‭ ‬–‭ ‬هم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬وهضم‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬التالية‭: ‬بما‭ ‬أن‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬الليبرالية‭ ‬علمانية‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬بمعنى‭ ‬محايدة،‭ ‬فلكل‭ ‬منا‭ ‬والحال‭ ‬هذه‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬معنى‭ ‬لحياته‭ ‬بطريقة‭ ‬فردية‭. ‬والفردية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفرد‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬الآخرين،‭ ‬“دون‭ ‬الآخرين”‭ ‬وإنما‭ ‬“دون‭ ‬الدولة”‭. ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬لا‭ ‬متناهية‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬عاطفية‭ ‬وثقافية‭ ‬وعائلية‭ ‬وجمعوية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬سُمح‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬مسالم‭ ‬وضعت‭ ‬فيه‭ ‬العلمانية‭ ‬حدا‭ ‬للحروب‭ ‬الدينية‭ ‬وباتت‭ ‬تحترم‭ ‬فيه‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ويحترم‭ ‬فيه‭ ‬الغير‭. ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬حال،‭ ‬فالدولة‭ ‬الليبرالية‭ ‬لا‭ ‬تهمل‭ ‬أبدا‭ ‬أو‭ ‬تتجاهل‭ ‬الجانب‭ ‬الجماعي،‭ ‬وإنما‭ ‬فقط‭ ‬يعود‭ ‬للإفراد‭ ‬أنفسهم‭ ‬نسج‭ ‬علاقات‭ ‬خصبة،‭ ‬وإعطاء‭ ‬معنى‭ ‬لوجودهم‭ ‬وبناء‭ ‬ذواتهم‭ ‬بذواتهم،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬أصعب‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬الأمر‭ ‬لأيديولوجية‭ ‬دينية‭ ‬رسمية‭. ‬يجوز‭ ‬للدولة‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬المبادئ‭ ‬العامة‭ ‬للقانون‭ ‬وضمان‭ ‬السلام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فما‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬سوى‭ ‬الإفراد‭ ‬وحدهم‭. ‬

لنعد‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬المقدس‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إذا‭ ‬سمحت،‭ ‬أنت‭ ‬تعتقد‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يختف،‭ ‬كيف؟

فيري‭:‬ من‭ ‬يزعم‭ ‬بأن‭ ‬المقدس‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الحديثة‭ ‬يرتكب‭ ‬خطأ‭ ‬مزدوجا‭: ‬فأولا‭ ‬تبقى‭ ‬الديانات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬حاضرة‭ ‬بالمقدار‭ ‬الذي‭ ‬يحبذه‭ ‬الأفراد،‭ ‬وثانيا‭ ‬توجد‭ ‬رموز‭ ‬غير‭ ‬دينية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬العلاقة‭ ‬بالمطلق‭ ‬إذ‭ ‬المطلق‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬المقابل‭ ‬للدنيوي‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضحي‭ ‬بحياتنا‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬ولا‭ ‬نحتاج‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مؤمنين‭ ‬لنقدس‭ ‬أوطاننا‭ ‬أو‭ ‬ببساطة‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬نحب‭ ‬مثلا‭. ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬خواء‭ ‬روحي‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭ ‬من‭ ‬الدين،‭ ‬فعلى‭ ‬العكس‭ ‬تماما،‭ ‬فمجتمعاتنا‭ ‬الأوروبية‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعروفة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬حرة‭ ‬وأكثر‭ ‬أخلاقية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعروفة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭. ‬يريد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬يوهمنا‭ ‬بأن‭ ‬أوروبا‭ ‬هي‭ ‬الاستعمار‭ ‬وتجارة‭ ‬الرقيق‭ ‬والإبادات‭ ‬الجماعية‭ ‬فقط‭!‬

ولكن‭ ‬تلك‭ ‬حقائق‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬نكرانها‭.

.‬

فيري‭:‬ الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬قارتنا‭ ‬هي‭ ‬بالأحرى‭ ‬من‭ ‬ألغى‭ ‬العبودية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬الإلغاء‭ ‬مفروضا‭ ‬بالقوة‭ ‬وإنما‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬الأنوار‭ ‬الأوروبية‭. ‬ويقال‭ ‬أيضا‭ ‬إن‭ ‬شعوب‭ ‬الجنوب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يغريها‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬سقوط‭ ‬حر‭! ‬وألاحظ‭ ‬العكس‭ ‬تماما‭ ‬وخير‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬يقصدون‭ ‬قارتنا‭ ‬اليوم‭ ‬مضحّين‭ ‬بحياتهم‭ ‬أحيانا‭. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لقد‭ ‬مال‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لصالح‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الخمسين‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬بخطى‭ ‬سريعة‭ ‬نحو‭ ‬التغريب‭. ‬ويبقى‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الاستثناء‭ ‬الوحيد‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬لا‭ ‬انحطاط‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬في‭ ‬رأيك؟

فيري‭:‬ إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬انحدار‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬اليوم‭ ‬فهو‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬فقط‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬أبدا‭ ‬إلى‭ ‬انعدام‭ ‬المبادئ‭ ‬الأخلاقية‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬قيمنا‭ ‬الإنسانية،‭ ‬الأخوة‭ ‬والتضامن‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭.. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬دول‭ ‬العناية‭ ‬والرفاه‭ ‬وهذا‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬سلبيا‭ ‬ضدنا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المنافسة‭ ‬المعولمة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أصبح‭ ‬وضعنا‭ ‬صعبا‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬الوافدين‭ ‬الجدد‭. ‬ولهذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬نموذجنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

في‭ ‬كتابك‭ ‬”‭ ‬الإنسان‭ ‬المؤله‭ ‬أو‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬“،‭ ‬تتابع‭ ‬تطور‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬انبثقت‭ ‬عن‭ ‬علمنة‭ ‬المجتمع‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ونفهم‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تحليلك‭ ‬أن‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬الدين‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر،‭ ‬وأن‭ ‬دليل‭ ‬الإنسان‭ ‬غدا‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬أخلاقية‭ ‬مؤسسة‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.. ‬فهل‭ ‬هذه‭ ‬السيرورة‭ ‬قابلة‭ ‬للتعميم‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كله؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬خصوصية‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وتأليهها‭ ‬للكائن‭ ‬البشري؟

فيري‭:‬ مثل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هيجل‭ ‬الذي‭ ‬وصف‭ ‬الوعي‭ ‬الشقي‭ ‬وصفا‭ ‬جيدا،‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والنقاد‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الليبرالية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬إدراك‭ ‬سوى‭ ‬ما‭ ‬ينهار‭ ‬ويموت‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وتقريبا‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬أبدا‭ ‬ما‭ ‬ينبثق‭ ‬ويبدأ‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تلك‭ ‬النزعة‭ ‬التشاؤمية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قوية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أطلقت‭ ‬العنان‭ ‬للفكر‭ ‬السلبي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬التفاؤل‭ ‬يبدو‭ ‬سذاجة‭ ‬والتشاؤم‭ ‬ذكاء‭. ‬وفي‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬التشاؤم‭ ‬مرض‭ ‬العصر‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تحصى‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تعلن‭ ‬انحطاط‭ ‬أوروبا،‭ ‬انهزام‭ ‬الغرب‭ ‬وسقوطه،‭ ‬اضمحلال‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬فشل‭ ‬الليبرالية‭ ‬المؤكد‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬التكهنات‭ ‬التي‭ ‬نقرأ‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬صفحات‭ ‬تلك‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬مصير‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ ‬سوى‭ ‬مأساويا‭. ‬أحسن‭ ‬إجابة‭ ‬ربما‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الزعم‭ ‬مقولة‭ ‬جورج‭ ‬برنانوس‭ ‬الشهيرة‭ ‬“إذا‭ ‬كان‭ ‬المتفائل‭ ‬غبيا‭ ‬سعيدا،‭ ‬فليس‭ ‬المتشائم‭ ‬سوى‭ ‬غبي‭ ‬شقي”‭.‬

كلمة‭ ‬جميلة‭ ‬وعميقة‭ ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬تقصد‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬هنا؟

فيري‭:‬ يجب‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬أن‭ ‬الأنماط‭ ‬التقليدية‭ ‬للتضحية‭ ‬الجماعية،‭ ‬العنيفة‭ ‬وواسعة‭ ‬النطاق‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬تجاوزها‭ ‬تماما‭. ‬فمن‭ ‬يرغب‭ ‬اليوم،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬أن‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬الثورة؟‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬تقريبا‭ ‬لا‭ ‬أحد‭. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الكآبة‭ ‬السائدة،‭ ‬أعتقد‭ ‬بأن‭ ‬أهم‭ ‬خبر‭ ‬سار‭ ‬ليس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لألفية‭ ‬كاملة‭ ‬هو‭ ‬انتهاء‭ ‬الحروب‭ ‬الوطنية‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أعتز‭ ‬وأبتهج‭ ‬بهذا‭ ‬السلم،‭ ‬أنا‭ ‬الفرنسي‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬الفلسفة‭ ‬بألمانيا‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الميدان؟‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬هراءات‭ ‬الماوية‭ ‬القاتلة‭ ‬التي‭ ‬خلّفت‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬فظيعة،‭ ‬فاستثناء‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬الطاعنين‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬المسكونين‭ ‬بحب‭ ‬الظهور،‭ ‬فلا‭ ‬مثقف‭ ‬لا‭ ‬يسره‭ ‬تصفية‭ ‬هذه‭ ‬الماوية‭ ‬وذهابها‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة‭. ‬

وفي‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الحروب‭ ‬اليوم؟

فيري‭:‬ هي‭ ‬مقرفة‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تلطخ‭ ‬العالم‭ ‬بالدماء‭ ‬اليوم‭! ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬ويكفي‭ ‬للقول‭ ‬بأننا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الخواء،‭ ‬إزاحة‭ ‬السحر‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬والهروب‭ ‬المدني؟‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬ذلك‭ ‬إطلاقا‭. ‬بل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬وهم‭ ‬الوعي‭ ‬الشقي‭ ‬النموذجي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحبّ‭ ‬أن‭ ‬يحبّ‭. ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬ليس‭ ‬إجهازا‭ ‬بأيّ‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬على‭ ‬المقدس‭ ‬أو‭ ‬كسوفا‭ ‬للقيم‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬تجسيد‭ ‬جديد‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬جديد،‭ ‬وجه‭ ‬الإنسانية‭. ‬اطرح‭ ‬على‭ ‬نفسك‭ ‬بكل‭ ‬أمانة‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬من‭ ‬أجل‭ ‬من‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬أنت‭ ‬مستعد‭ ‬للتضحية‭ ‬بحياتك؟‭ ‬بكلمات‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬تعتبره‭ ‬كمقدس،‭ ‬كجدير‭ ‬بالتضحية؟

سأعيد‭ ‬توجيه‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭ ‬إليك‭..‬

فيري‭:‬ سيكون‭ ‬الجواب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أغلبيتنا‭ ‬الساحقة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭: ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬المقدس‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد‭ ‬وليس‭ ‬التجريدات‭ ‬الفارغة‭ ‬للدين‭ ‬والسياسة‭ ‬التقليديتين‭. ‬وبفضل‭ ‬هذه‭ ‬الليبرالية‭ ‬المفترى‭ ‬عليها‭ ‬كثيرا،‭ ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬ولادة‭ ‬وجه‭ ‬إنساني‭ ‬جديد‭ ‬مغاير‭ ‬لإنسية‭ ‬فولتير‭ ‬وكانط‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والعقل‭ ‬وتلك‭ ‬الأنوار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حقا‭ ‬حاملة‭ ‬لمشروع‭ ‬تحرر‭ ‬واسع‭ ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬قاد‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬الامبريالية‭ ‬وإلى‭ ‬الاستعمار‭. ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك‭: ‬إنسية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كولونيالية‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬ميتافيزيقا،‭ ‬إنسية‭ ‬تعال‭ ‬وحبّ‭ ‬وغيرية‭. ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬ابتداع‭ ‬مقولات‭ ‬فلسفية‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إشكاليات‭ ‬هذه‭ ‬الإنسية‭ ‬الجديدة‭ ‬والآمال‭ ‬المعلقة‭ ‬عليها‭. ‬وأقل‭ ‬ما‭ ‬نقول‭ ‬هو‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬الرهان‭ ‬يستحق‭ ‬كل‭ ‬اهتمامنا‭.

هل‭ ‬لديك‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬العربية‭ ‬اليوم‭ ‬وهل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فلسفة‭ ‬غير‭ ‬غربية؟

فيري‭:‬ يبدو‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬الفلسفة‭ ‬الذي‭ ‬اقترحت‭ ‬منذ‭ ‬قليل‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬علمانية‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون‭. ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬يوجد‭ ‬علماء‭ ‬لاهوت‭ ‬ومفكرون‭ ‬كبار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدين‭ ‬كالقديس‭ ‬توما‭ ‬الإكويني‭ ‬وباسكال‭ ‬لدى‭ ‬المسيحيين‭ ‬وابن‭ ‬سينا‭ ‬وابن‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭. ‬فكتاب‭ ‬“فصل‭ ‬المقال”‭ ‬لابن‭ ‬رشد‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬رائع‭ ‬حقيقة‭ ‬ومؤلفه‭ ‬شارح‭ ‬عظيم‭ ‬لأرسطو‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬جدا‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬المسيحي‭ ‬وآدابه‭. ‬ولكن‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الفكر‭ ‬عميقا،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬فلسفة‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التفلسف‭ ‬دون‭ ‬التحرر‭ ‬نهائيا‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬الدين‭.‬

يقدم‭ ‬أندري‭ ‬كومت‭ ‬سبونفييل‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬فيلسوف‭ ‬مادي‭ ‬مأساوي‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬ميشال‭ ‬أونفري‭ ‬نفسه‭ ‬فيلسوفا‭ ‬متعويا‭.. ‬فكيف‭ ‬يصنف‭ ‬السيد‭ ‬لوك‭ ‬فيري‭ ‬نفسه؟

فيري‭:‬ كإنسي‭ ‬(هومانيست)،‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الثاني‭ ‬للكلمة‭ ‬الذي‭ ‬حدثتك‭ ‬عنه‭ ‬سابقا،‭ ‬إنسية‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬أحاول‭ ‬تشييدها‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬


كاتب من الجزائر مقيم في باريس