علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(157)]

لوحة: محمد عباس
منذ‭ ‬أحداث‭ ‬يناير‭ ‬2015،‭ ‬والجدل‭ ‬حام‭ ‬لا‭ ‬يفتر،‭ ‬حول‭ ‬دوافع‭ ‬العنف،‭ ‬ودور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توقّيه‭ ‬لحماية‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وقرار‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬بفرض‭ ‬حالة‭ ‬طوارئ‭ ‬لأن‭ ‬البلاد‭ ‬تخوض‭ ‬حربا،‭ ‬ثم‭ ‬قرارها‭ ‬بنزع‭ ‬الجنسية‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يهدد‭ ‬أمن‭ ‬البلاد‭ ‬وسلامة‭ ‬أهلها،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الجدل‭ ‬قد‭ ‬ظل‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬سبل‭ ‬التصدي‭ ‬له،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬اتخذ‭ ‬وجهة‭ ‬أخرى‭ ‬حينما‭ ‬وجه‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم،‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬مانويل‭ ‬فالس،‭ ‬اليساري‭ ‬شكلا،‭ ‬واليميني‭ ‬مضمونا،‭ ‬اتهامات‭ ‬مباشرة‭ ‬لعلماء‭ ‬الاجتماع،‭ ‬الذين‭ ‬يختلقون‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬الأعذار‭ ‬للإرهابيين،‭ ‬فتَحوّل‭ ‬الجدل‭ ‬إلى‭ ‬خصام‭ ‬حادّ‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والمثقفين‭. ‬

كانت البداية‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬2015،‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬ألقاها‭ ‬فالس‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬قال‭ ‬فيها‭ ‬‭"‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتمل‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬باستمرار‭ ‬عن‭ ‬أعذار‭ ‬أو‭ ‬مبررات‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬لما‭ ‬جرى‭"‬،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬الشهرَ‭ ‬الماضي،‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬2016،‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭ ‬ليعلن‭ ‬أنه‭ ‬‭"‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬عذر‭ ‬اجتماعي،‭ ‬سوسيولوجي‭ ‬أو‭ ‬ثقافي‭"‬‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرب‭ ‬عن‭ ‬تبرّمه‭ ‬مما‭ ‬أسماه‭ ‬‭"‬ثقافة‭ ‬الأعذار‭"‬،‭ ‬مضيفا‭: ‬‭"‬أن‭ ‬تُفسّر‭ ‬معناه‭ ‬أنك‭ ‬تَصفح‭.‬‭"‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬حفيظة‭ ‬جانب‭ ‬هامّ‭ ‬من‭ ‬المفكرين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬مارسيل‭ ‬غوشيه،‭ ‬أكثر‭ ‬الفلاسفة‭ ‬رصانة،‭ ‬وأقلّهم‭ ‬ميلا‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬اليمين،‭ ‬فرونالد‭ ‬ريغن،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كان‭ ‬عاب‭ ‬عام‭ ‬1983‭ ‬على‭ ‬‭"‬الفلسفة‭ ‬الاجتماعية‭"‬‭ ‬‭(‬‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬أيضا‭ ‬بفلسفة‭ ‬اليسار‭ ‬‭)‬‭ ‬نزوعها‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬‭"‬المجرمين‭ ‬نتاجا‭ ‬بائسا‭ ‬لظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬سيئة‭"‬‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬كما‭ ‬يوضّح‭ ‬الأمريكي‭ ‬هوارد‭ ‬بيكر‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬هدفين‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصهما‭ ‬في‭ ‬سؤالين‭ ‬بسيطين‭: ‬كيف‭ ‬نفسّر‭ ‬العبقرية؟‭ ‬وكيف‭ ‬نفسّر‭ ‬الجريمة؟‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمُ‭ ‬موزارت‭ ‬ولا‭ ‬مجرمٍ‭ ‬سفاح‭ ‬إلا‭ ‬كشخصين‭ ‬متفردين،‭ ‬فموهبتهما‭ ‬‭-‬‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬البشرية‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬الشرّ‭ ‬‭-‬‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لأي‭ ‬قانون‭. ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬تفسيرها‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بنتيجة‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعدي‭ ‬على‭ ‬الجمال‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والنظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭. ‬والذين‭ ‬يمارسون‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬محاولة‭ ‬تحليل‭ ‬الموهبة‭ ‬الفنية‭ ‬والانحراف‭ ‬الإجراميّ‭ ‬تعرضهم‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬ليس‭ ‬أقلها‭ ‬تنمّر‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬هواهم،‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مصلحتهم،‭ ‬ليحيلوا‭ ‬نتائجهم‭ ‬إلى‭ ‬صدف‭ ‬الولادة‭ ‬والعبقرية‭ ‬ومسؤولية‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭.‬

وغاية‭ ‬فلسفة‭ ‬المسؤولية‭ ‬تلك‭ ‬واضحة‭ ‬كما‭ ‬بيّنت‭ ‬أعمال‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭: ‬جعل‭ ‬المهيمنين‭ ‬والمنتصرين‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬الفئات،‭ ‬وخاصة‭ ‬أولئك‭ ‬المتفوقين‭ ‬دراسيّا‭ ‬أو‭ ‬مهنيّا،‭ ‬أمرًا‭ ‬مشروعًا،‭ ‬بمعنى‭ ‬‭"‬إن‭ ‬نحن‭ ‬أغنياء‭ ‬فالفضل‭ ‬فيه‭ ‬لأنفسنا‭ ‬‭(‬أسطورة‭ ‬الصانع‭ ‬نفسه‭ ‬بنفسه‭ ‬self-made-man‭)‬‭. ‬وإن‭ ‬نحن‭ ‬متألقون‭ ‬دراسيا‭ ‬فالفضل‭ ‬لملكاتنا‭ ‬الذهنية‭ ‬‭(‬أسطورة‭ ‬الموهبة‭)‬‭ ‬أو‭ ‬مجهوداتنا‭ ‬‭(‬أسطورة‭ ‬الاستحقاق‭)‬‭. ‬وإن‭ ‬نحن‭ ‬مشهورون‭ ‬ومعترف‭ ‬بنا‭ ‬فالفضل‭ ‬لمهارتنا‭ ‬الاستثنائية‭ ‬‭(‬أسطورة‭ ‬العبقرية‭)"‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬هيمنة‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬نتيجة‭ ‬اختيارات‭ ‬أو‭ ‬نجاحات‭ ‬فردية،‭ ‬ولا‭ ‬دخل‭ ‬للاعتبارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فيها‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬اعتاد‭ ‬عليه‭ ‬اليمين‭ ‬بدءا‭ ‬بعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬ريمون‭ ‬بودون‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬التهم‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬تدعي‭ ‬انتماءها‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تَني‭ ‬تتيامن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمجتمعية‭ ‬وأخيرا‭ ‬الدستورية‭ ‬بمحاولة‭ ‬فرض‭ ‬قانون‭ ‬ضمن‭ ‬الدستور‭ ‬يشرّع‭ ‬لنزع‭ ‬الجنسية‭ ‬عمّن‭ ‬يحمل‭ ‬جنسيتين‭ ‬‭(‬والمستهدفون‭ ‬هم‭ ‬المهاجرون‭ ‬العرب‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭)‬،‭ ‬فذاك‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬الجدل‭ ‬ضرامًا‭. ‬لأن‭ ‬الحكومة‭ ‬تضع‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬من‭ ‬يلزمه‭ ‬إثبات‭ ‬جدوى‭ ‬علومه‭ ‬وأبحاثه‭ ‬ومؤلفاته‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬قد‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬استباق‭ ‬الخطر‭ ‬والتحذير‭ ‬منه‭. ‬فاليسار‭ ‬تاريخيا‭ ‬كان‭ ‬مرتبطا‭ ‬بتطور‭ ‬النظر‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬العالَم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬التفاوت‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬ليست‭ ‬طبيعية،‭ ‬وأن‭ ‬الهيمنة‭ ‬بأنواعها،‭ ‬كولونيالية‭ ‬وطبقية‭ ‬وذكورية،‭ ‬كانت‭ ‬نتاج‭ ‬عوامل‭ ‬تاريخية،‭ ‬وفتح‭ ‬السبل‭ ‬أمام‭ ‬أفكار‭ ‬تحويل‭ ‬مشاكل‭ ‬التفاوت‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعمل‭ ‬السياسي،‭ ‬وفي‭ ‬رأي‭ ‬إريك‭ ‬أيشيمان‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬لونفيل‭ ‬أوبس،‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التناسق‭ ‬لدى‭ ‬حكومة‭ ‬اليسار‭ ‬الحالية،‭ ‬التي‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مطمح‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للتفاوت‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والثقافي‭ ‬والمدرسي،‭ ‬حين‭ ‬تتبنى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬مفردات‭ ‬أولئك‭ ‬الذين،‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬واليمين‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬يختزلون‭ ‬كل‭ ‬تفسير‭ ‬في‭ ‬‭"‬ثقافة‭ ‬أعذار‭"‬‭ ‬مزعومة‭. ‬فبعد‭ ‬التماهي‭ ‬معهما‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الليبرالي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وفي‭ ‬قضية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الإشكالية،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬أمنية‭ ‬تتغذى‭ ‬بالخوف‭ ‬وتتعهّده،‭ ‬فإن‭ ‬التخلي‭ ‬عما‭ ‬مثّل‭ ‬قيم‭ ‬الأنوار،‭ ‬أي‭ ‬المعرفة‭ ‬والعقل‭ ‬والفكر‭ ‬النقدي،‭ ‬يكمّل‭ ‬المشهد‭ ‬الكارثي‭ ‬ليسار‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬مهمته‭ ‬وأخان‭ ‬مثُلَه‭ ‬العليا‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬يُطرح‭ ‬على‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحليل‭ ‬الحتميات‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬سلوك‭ ‬الإرهابيين‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نُخليهم‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬أفعالهم؟‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬لجريدة‭ ‬لوموند،‭ ‬أجاب‭ ‬برنار‭ ‬لاهير‭ ‬أن‭ ‬العلماء‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬مهمتهم‭ ‬تحديد‭ ‬الجناة‭

وقد‭ ‬بلغ‭ ‬الخلاف‭ ‬أشُدّه‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬أحد‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع،‭ ‬هو‭ ‬برنار‭ ‬لاهير‭"‬‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ليون،‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬كتاب‭ ‬جديد‭ ‬عنوانه‭ ‬‭"‬لأجل‭ ‬السيوسيولوجيا،‭ ‬ولأجل‭ ‬وضع‭ ‬حدّ‭ ‬لثقافة‭ ‬الأعذار‭ ‬المزعومة‭"‬‭ ‬للردّ‭ ‬على‭ ‬الخصوم،‭ ‬أكّد‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأكثر‭ ‬جدية‭ ‬يقودون‭ ‬عملهم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬المساءلة‭ ‬النقدية‭ ‬والاستقصاء‭ ‬الميداني‭ ‬وتأويل‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬يحصلون‭ ‬عليها‭. ‬وهم‭ ‬يعيدون‭ ‬تركيب‭ ‬الظروف‭ ‬والحكايات‭ ‬المتداخلة‭ ‬‭-‬‭ ‬من‭ ‬الأشمل‭ ‬إلى‭ ‬الأخص‭ ‬‭-‬‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬فيها‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬يرومون‭ ‬فهمها‭. ‬يقومون‭ ‬بذلك‭ ‬دون‭ ‬إصدار‭ ‬أحكام‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬العام‭. ‬ومن‭ ‬ثَمّ‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬العالَم‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬إيجاد‭ ‬ذريعة‭ ‬للصفح‭ ‬عن‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يكوّنونه‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬رفض‭ ‬التفسير‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬استنتاجات‭ ‬علمية‭ ‬يمثل‭ ‬تراجعا‭ ‬ظلاميا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬المدرسة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬درجاتها‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عبّر‭ ‬عنه‭ ‬رولان‭ ‬بارت‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‭"‬ميثولوجيات‭"‬‭ ‬حيث‭ ‬شبّه‭ ‬معاداة‭ ‬المثقفين‭ ‬بـ‭ ‬‭"‬البوجادية‭"‬‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬بيير‭ ‬بوجاد‭ ‬‭(‬1920‭-‬2003‭)‬،‭ ‬زعيم‭ ‬التجار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬خمسينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬يندّد‭ ‬بـ‭ ‬‭"‬كثرة‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬شهائد،‭ ‬ومتعددي‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم،‭ ‬ورجال‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والحالمين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬كل‭ ‬صلة‭ ‬بالواقع‭"‬‭. ‬فالتيار‭ ‬المعادي‭ ‬للمثقفين،‭ ‬يقول‭ ‬بارت،‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬‭"‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬بوضوح،‭ ‬عليه‭ ‬أوّلا‭ ‬أن‭ ‬يصاب‭ ‬بالعمى،‭ ‬ويرفض‭ ‬تجاوز‭ ‬المظاهر،‭ ‬ويقبل‭ ‬بلا‭ ‬نقاش‭ ‬ما‭ ‬يقترحه‭ ‬الواقع،‭ ‬ويعتبر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬ينوب‭ ‬عن‭ ‬التفسير‭ ‬عند‭ ‬الرّدّ‭ ‬عَدمٌ‭"‬‭. ‬وختم‭ ‬نهاية‭ ‬تحليله‭ ‬بقوله‭ ‬إن‭ ‬‭"‬إيديولوجيا‭ ‬معادة‭ ‬المثقفين‭ ‬تشمل‭ ‬أوساطا‭ ‬سياسية‭ ‬مختلفة‭"‬‭. ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬فرنسا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬متطورة‭ ‬أخرى،‭ ‬كاليابان‭ ‬مثلا،‭ ‬حيث‭ ‬دعا‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الجامعات‭ ‬اليابانية‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬أقسام‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬‭"‬لكي‭ ‬تلائم‭ ‬حاجيات‭ ‬المجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭"‬‭.‬

ولما‭ ‬كان‭ ‬الدافع‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬لحق‭ ‬الفرنسيين‭ ‬مؤخرا‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬إرهابية،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬يُطرح‭ ‬على‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحليل‭ ‬الحتميات‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬سلوك‭ ‬الإرهابيين‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نُخليهم‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬أفعالهم؟‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬لجريدة‭ ‬لوموند،‭ ‬أجاب‭ ‬برنار‭ ‬لاهير‭ ‬أن‭ ‬العلماء‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬مهمتهم‭ ‬تحديد‭ ‬الجناة‭ ‬أو‭ ‬خلع‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬الأفراد‭ ‬الذي‭ ‬يرتكبون‭ ‬أعمالا‭ ‬إجرامية‭. ‬فالأعمال‭ ‬الفردية‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬معنى‭ ‬إلا‭ ‬متى‭ ‬وضعت‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬لعلاقات‭ ‬الترابط‭ ‬الماضية‭ ‬والراهنة‭. ‬وهي‭ ‬حقيقة‭ ‬موضوعية‭ ‬لا‭ ‬ينكرها‭ ‬أحد،‭ ‬مثلما‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬الميكانيزمات‭ ‬التي‭ ‬يقترحها‭ ‬علينا‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬والبيولوجيا‭. ‬وأضاف‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬‭"‬المسؤولية‭ ‬الفردية‭ ‬مسألة‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬قضائية،‭ ‬وليست‭ ‬مفهوما‭ ‬علميا‭ ‬محدّدا‭. ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نحكم،‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬العدالة‭ ‬تأخذ‭ ‬مجراها‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العلم،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الشرح‭ ‬والفهم،‭ ‬ينزع‭ ‬المسؤولية،‭ ‬فهذا‭ ‬خلط‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والقانون،‭ ‬بين‭ ‬المختبر‭ ‬والمحكمة‭.‬‭"‬

ويتمسك‭ ‬الخصوم‭ ‬بأن‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أهملت‭ ‬في‭ ‬تفسيرها‭ ‬العوامل‭ ‬الدينية،‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬بجانب‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬ارتكاب‭ ‬أعمال‭ ‬إجرامية‭. ‬وفي‭ ‬رأي‭ ‬جيرالد‭ ‬بونّر‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬الدينيّ‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دليل‭ ‬جهل‭ ‬وفي‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬دليل‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭. ‬لأن‭ ‬العلم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أدرجت‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬منذ‭ ‬أمد‭ ‬بعيد‭ ‬كمبحث‭ ‬أساس‭ ‬لفهم‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬لدى‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التلاحم‭ ‬الرمزي‭ ‬للعالَم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لدى‭ ‬إميل‭ ‬دوركايم،‭ ‬فالدين‭ ‬هو‭ ‬عنصر‭ ‬اجتماعي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الدولة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والثقافة‭ ‬والقانون‭ ‬أو‭ ‬الاقتصاد‭. ‬والخلط‭ ‬متأت‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬خاطئ‭ ‬لمصطلح‭ ‬‭"‬اجتماعي‭"‬،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأذهان‭ ‬معادل‭ ‬للطبقة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬الوسط‭ ‬الاجتماعي‭.‬

والرأي‭ ‬الغالب‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أن‭ ‬الفهم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الحكم‭. ‬ولكن‭ ‬الحكم‭ ‬‭(‬وتسليط‭ ‬العقاب‭)‬‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الفهم‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬الحكم‭ ‬وتسليط‭ ‬العقوبة‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬ينتشر‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلوم‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬أدائها‭ ‬عملها،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬تنتأ‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬فكرة‭ ‬تأويل‭ ‬‭"‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭"‬‭ ‬أو‭ ‬‭"‬إرادة‭ ‬الفهم‭"‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عذر‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬لتبرئة‭ ‬المذنبين‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية