دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(160)]

نقف في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬السمعية/البصرية‭ ‬أو‭ ‬الثقافة‭ ‬التلفزيونية‭ ‬تحديدا‭. ‬ثمة‭ ‬موقف‭ ‬عدائي‭ ‬متأصل‭ ‬لدى‭ ‬المثقفين،‭ ‬ومنهم‭ ‬الادباء،‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭. ‬لا‭ ‬ينكرون‭ ‬انتشارها‭ ‬وشعبيتها،‭ ‬ولكنهم‭ ‬لا‭ ‬يحبونها‭.‬

ثمة‭ ‬أسباب‭ ‬نفسية‭ ‬وتاريخية‭ ‬وعملية‭ ‬للموقف‭.‬

المثقف‭ ‬العادي‭ ‬يحب‭ ‬القلم‭ ‬والورق‭. ‬هاتان‭ ‬واسطتان‭ ‬يستطيع‭ ‬التعامل‭ ‬معهما‭ ‬بسهولة‭. ‬يقرأ‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬ورقي‭ ‬ويكتب‭ ‬على‭ ‬ورق‭. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الكمبيوتر،‭ ‬يصر‭ ‬اغلب‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬بقلم‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬اسمائهم‭. ‬الارتياح‭ ‬النفسي‭ ‬والاطمئنان‭ ‬والعلاقة‭ ‬الزمنية‭ ‬بهذه‭ ‬الأدوات‭ ‬البسيطة‭ ‬المؤثرة،‭ ‬تمنحه‭ ‬الثقة‭ ‬بأن‭ ‬مجال‭ ‬الخطأ‭ ‬قليل‭.‬

تاريخيا‭ ‬أيضا‭ ‬وجد‭ ‬المثقف‭ ‬نفسه‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صنعة‭ ‬التلفزيون‭. ‬التلفزيون‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمثقف‭ ‬هو‭ ‬إعلام‭ ‬وترفيه،‭ ‬والعاملون‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬أشباه‭ ‬السياسيين‭ ‬وأشباه‭ ‬الصحفيين‭ ‬وأشباه‭ ‬المثقفين‭. ‬ما‭ ‬لهؤلاء‭ ‬ومهنة‭ ‬الثقافة‭ ‬والنقد؟‭ ‬المثقف‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬وقلمه‭ ‬وأوراقه‭ ‬ومكتب‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬منزوٍ‭ ‬ليقدم‭ ‬منتوجه‭. ‬التلفزيوني‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬إلا‭ ‬بفريق‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ابنية‭ ‬واستوديوهات‭ ‬وإضاءة‭ ‬وكاميرات‭ ‬وهرج‭ ‬ومرج‭ ‬لكي‭ ‬يقدم‭ ‬5‭ ‬دقائق‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭.‬

الجانب‭ ‬العملي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬المثقف‭ ‬مثلا‭ ‬يحترم‭ ‬السينما‭ ‬لأنها‭ ‬تشبع‭ ‬الناظرين‭ ‬بصريا‭ ‬وسمعيا‭. ‬السينما‭ ‬شيء‭ ‬فاخر‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬الأسود‭ ‬والأبيض‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬عصر‭ ‬الالوان‭ ‬والعرض‭ ‬الواسع‭ ‬‮«‬سكوب‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬التلفزيون‭ ‬ظل‭ ‬معنا‭ ‬لسنوات‭ ‬بشاشة‭ ‬صغيرة‭ ‬ونوعية‭ ‬صورة‭ ‬بائسة‭. ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المحاولات‭ ‬التقنية‭ ‬لتكبير‭ ‬الشاشة‭ ‬وتحسين‭ ‬نوعية‭ ‬الصورة‭ ‬فيها‭. ‬ولم‭ ‬تمنح‭ ‬الالوان‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬التلفزيون‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬ثراء‭ ‬محسوسا،‭ ‬وأمعنت‭ ‬النوعيات‭ ‬الرديئة‭ ‬من‭ ‬أشرطة‭ ‬الفيديو‭ ‬المستنسخة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورة‭ ‬التلفزيون‭ ‬كناقل‭ ‬غير‭ ‬أمين‭ ‬للصورة‭ ‬والصوت‭ ‬والإنتاج‭ ‬الفني‭. ‬هل‭ ‬جربت‭ ‬أن‭ ‬تشاهد‭ ‬فيلما‭ ‬سينمائيا‭ ‬بانوراميا‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬تلفزيون‭ ‬20‭ ‬بوصة؟‭ ‬ستحبط‭ ‬بالتأكيد‭ ‬وستختفي‭ ‬من‭ ‬أمامك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭.‬

لكن‭ ‬التلفزيون‭ ‬فرض‭ ‬نفسه،‭ ‬بشعبيته‭ ‬أولا‭ ‬وبالتقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬وفرها‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭. ‬هذا‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمثقفين‭ ‬تجاوزه‭. ‬التلفزيون‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬كتاب‭ ‬الجماهير،‭ ‬وشاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬البراقة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الصورة‭ ‬الجميلة‭ ‬هي‭ ‬سينما‭ ‬البيت‭.‬

المثقف‭ ‬ينتظر‭ ‬ان‭ ‬يهتم‭ ‬القارئ‭ ‬بمطالعة‭ ‬رواية‭ ‬عظيمة‭ ‬مثل‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬والسلام‮»‬‭ ‬لليو‭ ‬تولستوي‭. ‬القارئ‭ ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬خياراته،‭ ‬بين‭ ‬تمضية‭ ‬ست‭ ‬ساعات‭ ‬لمشاهدة‭ ‬ست‭ ‬حلقات‭ ‬من‭ ‬الانتاج‭ ‬شبه‭ ‬السينمائي‭ ‬بتقنية‭ ‬رقمية‭ ‬وبتفاصيل‭ ‬أخاذة‭ ‬وبين‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬سميك‭ ‬من‭ ‬1300‭ ‬صفحة‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬مد‭ ‬اليد‭ ‬اليه‭ ‬ليبدأ‭ ‬بقراءته‭. ‬المثقف‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬ان‭ ‬يغوص‭ ‬بالرواية‭ ‬وان‭ ‬يرسم‭ ‬في‭ ‬مخيلته‭ ‬تلك‭ ‬المناظر‭ ‬الربيعية‭ ‬الجميلة‭ ‬او‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬تسيل‭ ‬على‭ ‬الثلوج‭. ‬القارئ‭ ‬يثق‭ ‬بقدرة‭ ‬طاقم‭ ‬تلفزيوني‭ ‬بروح‭ ‬سينمائية‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬يحول‭ ‬الرواية‭ ‬الى‭ ‬سيناريو‭ ‬ومشاهد‭ ‬وحوارات‭ ‬توفر‭ ‬عليه‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬الذهني‭. ‬المثقف‭ ‬يريد‭ ‬للقارئ‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬الرواية‭ ‬ليفهم‭ ‬عصرها‭ ‬وروحها‭ ‬وأن‭ ‬ينغمس‭ ‬فيما‭ ‬تعنيه‭ ‬فكريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬كتابتها،‭ ‬عصر‭ ‬بدايات‭ ‬الرواية‭ ‬الحديثة‭. ‬القارئ‭ ‬ينظر‭ ‬فيرى‭ ‬كما‭ ‬هائلا‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تنزل‭ ‬الأسواق‭ ‬اسبوعيا‭ ‬ولن‭ ‬يجد‭ ‬الفرصة‭ ‬لقراءتها‭ ‬فيذهب‭ ‬مختارا‭ ‬إلى‭ ‬مشاهدتها‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬وهو‭ ‬مستلقٍ‭ ‬على‭ ‬الكنبة‭ ‬آخر‭ ‬المساء‭.‬

يعترف‭ ‬المثقف‭ ‬بهزيمته‭ ‬ضمنيا‭ ‬لينسب‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القارئ‭ ‬صار‭ ‬مشاهدا‭ ‬وأنه‭ ‬اعتاد‭ ‬التسلية‭ ‬والترفيه‭ ‬(أو‭ ‬حتى‭ ‬التفاعل‭ ‬الدرامي‭ ‬الباكي)‭. ‬ولكنه‭ ‬يسأل‭: ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الترفيه‭ ‬والتسلية؟‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نقرأ‭ ‬روايات‭ ‬وقصصا‭ ‬فقط‭. ‬ثمة‭ ‬مكتبات‭ ‬كاملة‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬والفن‭ ‬والعلوم‭ ‬والطبيعة‭ ‬والصحة‭. ‬هذه‭ ‬كلها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الثقافة‭ ‬العامة‭ ‬واغلب‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬غير‭ ‬مطروح‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الدقة‭ ‬او‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬اليومية‭ ‬وفي‭ ‬المقالات‭ ‬العابرة‭.‬

يكتشف‭ ‬المثقف،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬أن‭ ‬التلفزيون‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬اهتماما‭ ‬بما‭ ‬ليس‭ ‬تسلية‭ ‬وترفيها‭. ‬البرامج‭ ‬الاستقصائية‭ ‬والعلمية‭ ‬والفكرية‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظرة‭ ‬متجددة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالوعي‭ ‬الشعبي‭ ‬بالأشياء‭. ‬التلفزيون‭ ‬يستقطب‭ ‬حتى‭ ‬أشهر‭ ‬الكتاب‭ ‬والعلماء‭ ‬والأطباء‭ ‬والمهتمين‭ ‬بالبيئة‭ ‬وعالم‭ ‬الحيوان‭ ‬لكي‭ ‬يعيدوا‭ ‬تقديم‭ ‬نتاجهم‭ ‬بصريا‭ ‬عبر‭ ‬التلفزيون‭. ‬كم‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬سيقرأ‭ ‬كتابا‭ ‬عن‭ ‬القرود‭ ‬في‭ ‬أدغال‭ ‬الامازون؟‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬سيجد‭ ‬متعة‭ ‬كبيرة‭ ‬واهتماما‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬فيه‭ ‬بمتابعة‭ ‬برنامج‭ ‬يطارد‭ ‬تلك‭ ‬القردة‭ ‬بكاميرا‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬وبمايكروفونات‭ ‬تلتقط‭ ‬دبة‭ ‬النملة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يجادل‭ ‬بشعبية‭ ‬وعمق‭ ‬برامج‭ ‬محطة‭ ‬مثل‭ ‬ناشيونال‭ ‬جيوغرافيك‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬برامج‭ ‬من‭ ‬عالمنا‭ ‬تهتم‭ ‬بالحيوان‭ ‬والطب‭ ‬وحوادث‭ ‬الطائرات‭ ‬والفضاء‭ ‬بنفس‭ ‬العمق‭ ‬والدقة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أصم‮»‬‭ ‬تعريفي‭ ‬بالموضوعات؟

مثقفنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬أن‭ ‬يحسم‭ ‬حيرته‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬جديد‭ ‬فيه‭ ‬فسحة‭ ‬ومجال‭ ‬لكل‭ ‬التنويعات‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الوعي‭ ‬والاهتمام‭ ‬وفي‭ ‬المغزى‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭. ‬عقد‭ ‬الماضي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬نتركها‭ ‬في‭ ‬الماضي.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة