النقد الحضاري العربي

شغل العرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين بقضية النقد، وظهر الوعي النقدي عندهم في أعمال هامة وكان بمثابة عنوان صريح لدعوة جديدة نتجاوز ما نحن فيه إلى ما نصبو إليه. نجد ذلك بداية في كتاب علال الفاسي (النقد الذاتي) 1952 وعبدالكبير الخطيبي (النقد المزدوج) 1980 ويستمر المغاربة في الاهتمام بقضية النقد فيكتب الجابري عن (نقد العقل العربي) وهو العمل الذي حفّز الكثيرون للكتابة حوله خاصة جورج طرابيشي في (نقد نقد العقل العربي).

الجديد  أحمد عبدالحليم عطية [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(8)]

لوحة: حسين جمعان
هذا الاهتمام بالنقد نجد تأكيدا قويا عليه لدى صاحب النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. وهذا الاهتمام لا يمنع حضور محاولات هامة في النقد خاصة لدى أصحاب النقد الثقافي مثل: السيد ياسين وصلاح قنصوة. والمحاولة التي نخصص لها هذه الدراسة، وهي إسهام المفكر والمناضل الفلسطيني الذي غادرنا منذ عشر سنوات هشام شرابي حول النقد الحضاري عند العرب، التي ترتبط ارتباطا وثيقا مع عمله الهام في النقد الحضاري بإسهامه الأساسي في نقد المجتمع البطريركي.

وقد حظيت أعمال شرابي بالدرس والبحث منذ صدور عدد مجلة اتجاه البيروتية حوله في الاحتفالية التي عقدت في مسرح المدينة ببيروت نوفمبر 2000 وندوة مكتبة الإسكندرية “هشام شرابي وأزمة المجتمع العربي” والكتاب الذي أصدرناه حوله “نقد المجتمع الأبوي: قراءة في أعمال هشام شرابي” وسلسلة الندوات التي عقدت في جامعتي منتوري والسانيا في قسنطينة ووهران وصدرتا في كتاب “النقد الحضاري بين الاختلاف والحداثة” في مايو 2005، وأخيرا ندوة بيت الحكمة قرطاج تونس وهي الندوة التي لم يحضرها شرابي لوفاته قبل عقدها مباشرة.

يوضح شرابي أنه بعد مرور أكثر من قرن ونصف القرن على بدء إرسال البعثات العلمية إلى الغرب وغياب المجتمع المدني فيه بعد تحقيق الاستقلال في أنحاء الوطن العربي كافة وفقر إنتاجه الفكري والأدبي والفني، فإن مهمة النقد الحضاري تتعدى نقد الفكر المجرد ونظرياته وتهدف إلى كسر الدائرة المفرغة التي عاشها المجتمع العربي في المئة سنة الأخيرة. يقول “وفي تناولي إشكالية التغيير حددت هدف النقد الجذري على الصعيدين النفسي والمعرفي في الإطاحة بسلطة الأب ولا أعنى الأب البيولوجي فحسب بل كلّ من يحل مكانه في حياة الفرد؛ الأمر الذي يستدعي الإطاحة بالخطاب الأبوي الذي يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة والإعلان أن الحقيقة ليست ملكا لأحد بل هي إجماع في سياق تاريخي متغير وملك للجميع، أما على الصعيد الأيديولوجي فيرمي هذا النقد الجذري الى الارتفاع عن الجدل التجريدي باعتناق مبدأ التعددية الأيديولوجية”.

يؤكد شرابي على أن النقاد العلمانيين “يهدفون عند طرحهم مفهوم الحداثة إلى إقامة إطار ومفاهيم تختلف إلى حد بعيد عن الأطر والمفاهيم الغريبة التي يستمدون منها مقاييسهم العلمانية وعددا من مفاهيمهم النقدية، وذلك لأن المنطلق الفكري لدى معظمهم هو الواقع المعيش لا الفكر الأكاديمي المجرد، فالإرادة التي تغذي هذا الفكر النقدي وتخلع عليه صفته الواقعية هي إرادة الرفض للفكر البطركي الأبوي ونظامه السياسي والأخلاقي التي يعبر عنها المثقفون والتي تنبع من إصرارهم على تفكيك هذا النظام وأسسه الأيديولوجية، أما الأساليب التي يتبعها المثقفون في ذلك فتختلف عن أساليب الجيل السابق باتباعها استراتيجية جديدة تقوم على التحليل التفكيكي الذي يكشف عن عورتها الأيديولوجية بطريقة غير مباشرة ويظهر نفاقها الأخلاقي ويجرّدها من مشروعيتها الكاذبة” (ص 91)، وبهذا المعنى “يشكل النص النقدي العلماني الصحيح طعنة مسددة إلى قلب السلطة المهيمنة وأيديولوجيتها” (ص 91).

يرى شرابي أن المجتمع الذي نحيا فيه هو مجتمع متضارب تحكمه التناقضات على صعيد الفكر كما على صعيد الممارسة والحياة اليومية فهو مثلا في حين يحلم بالوحدة الشاملة يمارس التفتت والتشرذم وفي حين يسن القوانين والدساتير المثالية لا يتعاطى إلا القمع والإكراه وحين ينادي بالمبادئ السامية والحقوق الإنسانية والحرية والعدالة يناقض بأعماله وممارساته كل القيم الأخلاقية وكل حقوق المواطن والإنسان، وفي هذا المجتمع تتجسد السلطة في الإرادة الفردية لا في المؤسسات أو القوانين أو العلاقات الموضوعية. الأمر الذي يفسر التقطع التاريخي الذي يحكم تطوره الحضاري ويفسر مثلا تخلفه العلمي.

المعرفة التي اكتسبها العرب عن أنفسهم في العصر الحديث، إنما هي بمعظمها معرفة أوروبية أو غربية في الأصل، المعرفة التي يعرفها العرب المعاصرون عن أنفسهم ليست معرفة ذاتية

يهدف شرابي من خلال هذه المقدمة إلى وضع إطار فكري يمكننا من تحديد منهج تحليلي نقدي يتناول المجتمع. يقول شرابي “أصبحنا لا نعرف إلا الوعي المباشر، أصبحنا سجناء الآنية وردة الفعل الأوتوماتيكية، وفقدنا أيّ قدرة على النقد والتمييز أو التوصل إلى أيّ نوع من أنواع الوعي الذاتي الذي تحتاج إليه الشعوب والمجتمعات لمجابهة واقعها وللحفاظ على بقائها”. (ص9) .

ويضيف “إذا أردنا لمجتمعنا العربي أن يتجاوز أزمته المتفاقمة، وأن يسترجع قواه ويدخل ثانية في مجرى التاريخ فلا بد له من القيام بعملية نقد حضاري تمكّنه من خلق وعي ذاتي مستقل واستعادة العقلانية الهادفة، ولا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال التفاعل الفكري الحر والنقاش المستمر لا بين المفكرين والمثقفين وحسب بل بين جميع الفئات والأحزاب والتجمعات وعلى صعيد المجتمع ككل”.

هناك كما يذكر لنا بدايات لحركة نقد حضاري نراها تنمو وتزدهر اليوم في المجتمع العربي متمثلة في فكر نقدي ديمقراطي مشارك ينبع من الحوار والتبادل الحر ويناهض في آن أيديولوجية الفكر الثوري القديم وغيبيات الفكر الأصولي النامي، من هنا كانت أهم أولويات هذا الفكر الناقد تأمين الحرية الفكرية- حرية القول والكتابة والحوار- لا على صعيد القانون والدستور وحسب بل على صعيد الرأي العام والممارسة اليومية أيضا.

ويعدد لنا شرابي في مقدمة كتابه ثلاث ظواهر تكمن في صميم ما يرمي هذا النقد الحضاري إلى كشفه في العقد الأخير من هذا القرن وهي الحداثة، وقضية المرأة ثم القوى، أو الحركات الاجتماعية.

ويتناول هذا الوعي إشكاليتين مركزيتين هما هيمنة البنية الأبوية في المجتمع العربي المعاصر وسبل استئصالها جذريا. إن النقد الحضاري كما يرى لا يستطيع بحد ذاته تحقيق أيّ شيء على صعيد الممارسة المباشرة. لكنه يسلط الضوء على الواقع وتاريخه ويكشف عن حقيقته الظاهرة والخفية ويخطط أساليب ومتطلبات راسما الخريطة الفكرية التي تضيء سبل التفكير والممارسة معا. بهذا فإن النقد الحضاري يشكل الشرط الأساسي لعملية التغيير الاجتماعي وهو الخطوة الأولى لأيّ حركة اجتماعية جدية ترمي إلى استئصال الأبوية من مجتمعنا وإلى السير به نحو مستقبل آخر يقرره أبناؤه لا المتسلطون عليه أو القلة المنتفعة منه.

يعرض شرابي في كتابه إلى قضايا أساسية هي القضايا المهيمنة على المجتمع العربي في نهاية القرن العشرين في أقسام أو محاور ثلاث أساسية علي التوالي هي أولاً لغة النقد الحضاري، ثانيا الذات في صورة الآخر، وثالثاً معنى الحداثة. وهي قضايا مرتبطة ارتباطاً منطقياً وبنيوياً تقدم لنا مهمة وغاية النقد الحضاري.

يحدد لنا شرابي منذ البداية ضرورة القبول بالتعدد والاختلاف ونبذ الشمولية والأبوية في الثقافة التي يمكنها مواجهة الثقافة المهيمنة، وعنده “لا يمكن مجابهة الواقع السياسي والثقافي المهيمن في المجتمع الأبوي مجابهة حقيقية من داخله من ضمن إطاره الفكري والسياسي ومن خلال لغته التقليدية، فالمجابهة الحقيقية لا تحدث إلا بالخروج من الأطر الأبوية وباستعمال لغة تختلف عن لغة السلطة وتكون بذلك قادرة على خلخلة الفكر المهيمن وإقامة أسس وعي جديد”. (ص16).

فكما أن الطريقة الوحيدة لتحقيق الحرية الديمقراطية على صعيد الممارسة تكمن في نبذ الشمولية والفوقية الأبوية السلطوية، فإن تحقيق الحرية على الصعيد الفكري يتركز في الانفتاح الفكري وفي التعددية الفكرية لهذا فإن إفساح المجال للتعددية الأيديولوجية والاختلاف الفكري هو الشرط الأساسي لقيام وعي ذاتي حديث كما هو القاعدة التي لا غنى عنها لقيام ممارسة ديمقراطية سليمة.

ويرى أن الصعوبة التي يجابهها القارئ في قراءة النص النقدي الجديد هي الصعوبة عينها التي يجابهها إزاء كل جديد غير مألوف ولا مخرج من هذا إلا بإتقان القراءة الجديدة بالأسلوب الجديد الذي يتطلبه النص الجديد يقول “دون استعمال النص الجديد باستعمال المفاهيم الجديدة واللغة الجديدة لا يمكن تغيير الوعى والعكس هو الصحيح”. (ص 18) الإشكالية التي تمثلها قراءة النص فالقارئ إذا لم يتثقف تثقيفا جديدا في القراءة ليصبح قادرا على القراءة النقدية الواعية لا يمكن أن يتغلّب على صعوبة أيّ نص وهو إن لم يتمكّن من تجاوز أسلوب القراءة (السمعية) الساكنة والدّخول في القراءة المشاركة الفعالة يبقى أسير الظلمة الفكرية السائدة والصوت الأبوي المهيمن. هنا يتمّ التغلب على صعوبات المعنى والمضمون لا من خلال سلطة عليا تقرر محتوى الفكر وشرعية النص بل من خلال نظرة جديدة وفهم مختلف للذات والعالم والآخرين ويتوصل إليها الوعي الناقد والمشاركة الجماعية في النشاط الفكري الحر.

ويؤكد شرابي على “ضرورة ترجمة المقولات والمفاهيم الفكرية الأجنبية لإدماجها في النص النقدي الجديد، فهذا شرط أساسي لنهوض لغة عربية نقدية جديدة مختلفة في آن عن لغة الوعى الأبوي وعن لغة الترجمات العربية للنصوص الأجنبية”. (ص 21). إلا أن الخطر الذى يجابهه المثقفون والكتاب والنقاد العرب فيما يرى هو الابتعاد عن معالجة الواقع العربي بإشكالياته الاجتماعية والسياسية والانصراف إلى معالجة الإشكاليات الإبستيمولوجية واللغوية والأنتولوجية التي تشغل أصحاب الكتابات البنيوية والسيميولوجية والتفكيكية في الغرب.

ويسأل شرابي ما هو هدف الكتابة النقدية؟ ما يجب أن يكون هدف النص النقدي العربي؟ ويجيب “أن يقدم النص النقدي أكثر من مجرد وصف البديل للبنى القائمة، بأن يوفر تمهيدا فكريا واجتماعيا للأرضية المطلوبة لإقامة البنى البديلة. ولا يتم هذا إلا بعملية نقدية مباشرة للبنى التقليدية (الأبوية) القائمة في أنواعها كافة”.

ويرى أن الشرط الأساسي لأيّ مشروع نقدى يرمي إلى “مجابهة واقعنا الراهن مجابهة جدية أي مجابهته كما هو وليس كما يتصوره المأخوذون بالغرب. ويكون بتحديد الإشكالات الحقيقية المنبثقة من الواقع الراهن ومعالجتها بالأساليب والمقاربات التي يفرضها هذا الواقع، يحدد التيار النقدي الفلسفي السائد بأنه تيار فكرى مستقل، تيار يحاول من جهة تجنب أخطاء الماضي وتجاربه الأيديولوجية بالتركيز على النظرية النقدية الجذرية التي تهدف إلى تفكيك كلّ من الخطاب الليبرالي والخطاب القومي والخطاب الماركسي الثوري، ومن جهة أخرى إلى صياغة أطر فكرية جديدة لإعادة فهم الذات والآخر، ولتدشين كتابة جديدة قادرة على إعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي وإثبات شرعية التعددية الفكرية والسياسية في المجتمع العربي المعاصر. فإذا كان المقال السائد في الغرب اليوم هو المقال النقدي الحضاري فالمقال المهيمن في المجتمع العربي هو المقال الأصولي الديني بأشكاله المختلفة”. (ص 27).

هكذا فإن الحركة النقدية الحديثة لا تجابه قمع السلطة السياسية وحسب، بل كذلك عداء الحركة الأصولية والقطاعات الجماهيرية الواسعة السائرة في ركابها، من هنا انبثق الخطاب الثوري الجديد على شكل خطاب نقدي حضاري يرفض الشرعيات المطلقة ولا يعترف بمطلب الحقيقة الواحدة الشاملة ويصر على الاختلاف السياسي والتعددية الفكرية ويضع حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وقضية المرأة على رأس اهتماماته الفكرية والاجتماعية.

ويتساءل “إذا كان ممكنا بحسب هذا التحديد التحدث عن منظور علمي غربي ذي إطار فكرى غربي، إزاء معرفة الآخر اللاغربي، فبأيّ طريقة تتم هذه المعرفة؟ وما هي علاقة الذات الغربية بذات الآخر اللاغربي وكيف يحصل فيها فهم الآخر ضمن هذه العلاقة” (ص 36).

يرى شرابي أنه يمكننا استيعاب دور الحركة النقدية العربية الحديثة التي قامت في مطلع عصر النهضة كمحاولة توفيقية بين الاتجاه العلماني الغربي والاتجاه الإسلامي التراثي، ثم تحولت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى محاولة نقدية تهدف إلى تجاوز الاتجاهين الغربي والأصولي وإقامة موقف فكري مستقل.

ويرمز هذا الوعى النقدي العلماني الجديد إلى نقد النمط الغربي الأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية (النمط السائد في المدارس ومعاهد الوطن العربي) والتخلص من هيمنته وفي الوقت نفسه نقد المنظور التراثي الأصولي العاجز عن القيام بهذه المهمة، ويقدم شرابي قراءة نقدية لعدد من النصوص التي تمثل عينة أو مثالا للكتابة العلمية الغربية، ومن هذه النصوص نصان يمثلان ما يقصده بالبحث العلمي الاستعماري أحسن تمثيل الأول دراسة سيكولوجية للكاتب الفرنسي أندريه سرفيه نشرت بعد الحرب الأولى مباشرة بعنوان “سيكولوجية المسلمين”، والثاني بحث أنثروبولوجي للكاتب اليهودي رفائيل بتاي صدر في مطلع السبعينات بعنوان “العقل العربي”، وإضافة إلى العديد من النصوص ومن بينها كتاب كارلتون كون “القافلة: قصة الشرق الأوسط”، وكذلك نجد غيرتز في كتابه “مشاهدة الإسلام: التطور الديني في المغرب”، ثم دراستان بقلم اثنين من أبرز المستشرقين المعاصرين هما غوستاف فون غروبيناوم في “كتابه الإسلام الحديث”، و برنارد لويس “الساميون والمعادون للسامية”.

إن المعرفة التي اكتسبها العرب عن أنفسهم في العصر الحديث، إنما هي بمعظمها معرفة أوروبية أو غربية في الأصل، المعرفة التي يعرفها العرب المعاصرون عن أنفسهم ليست معرفة ذاتية بالمعنى الدقيق للكلمة بل هي معرفة وساطية، نقلت إليهم بأساليب مباشرة أو غير مباشرة، وهذه المعرفة تعاني اليوم الأزمة الفكرية عينها التي تعانيها العلوم الاجتماعية والسياسية في الغرب.

تنبع أزمة العلوم الاجتماعية والإنسانيات المعاصرة من النقد الجذري الذي قام به جيل جديد من المؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين ترعرعوا في أجواء سياسية جديدة تختلف كل الاختلاف عن أجواء جيل ما قبل الحرب العالمية الثانية، فطرحوا أسئلة حول نظام الفكر المهيمن وأساليبه وأوّلياته.

وهو يركز على “حركة النقاد العرب الطليعيين الذين تأثروا بهذه الحركة النقدية في الغرب خلال العقدين الاخيرين، وعلى شرح محتوى الخطاب النقدي العلماني الجديد وتحليل الأساليب والمناهج التي صنعت وتصنع هذا الخطاب” (ص 49) .

والأطروحة الرئيسية التي تقدمها الحركة النقدية العربية الجديدة هي أن “المعرفة المنقولة أو المستوردة والتي تنشئ الوعي المنقول أو المستورد لا يمكن أن تحرر الفكر أو أن تطلق قوى الخلق والإبداع في الفرد أو المجتمع بل هي تعمل في أعمق المستويات على تعزيز علاقات التبعية الثقافية والفكرية والاجتماعية”. (ص 51).

تحاول الحركة النقدية الجديدة منذ نشوئها في السبعينات “التخلص من نماذج الفكر الديني الأصولي ونماذج الفكر الأبوي (الحديث)، وهى تهدف خصوصا إلى تفكيك الفكر الأصولي واحتكاره النص الديني والوقوف في الوقت عينه بوجه الأبوية المحدثة وادعاءاتها في تحديد معنى الحداثة”. (ص 52).

اختار شرابى ما يقارب الإثني عشر كاتبا وكاتبة يمثلون الاتجاهات الخمسة الكبرى في الحركة النقدية: الماركسي، الفرويدي، البنيوي، التفكيكي، والنسائي. وتشكل هذه الاتجاهات الفكرية، رغم تباينها عند ناقدنا، خطا فكريا موحدا ينسجم في أسلوبه النقدي، والذي يلخص بمحاولته زعزعة الخطاب المهيمن ونظامه الفكري والاجتماعي بأشكاله الثلاثة: الأصولي الديني، التقليدي (الأبوي)، والأبوي المستحدث.

يقول شرابي “في السبعينات في مرحلة ما بعد (النكسة) أصبح ممكنا ولأول مرة تحدي النظام القائم والتساؤل حول شرعيته التاريخية والسياسية، ولو بشكل مداور ونجد مثالا على هذا التحدي ما يرد في كتابات أدونيس وعبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط. يعيد أدونيس في ‘الثابت والمتحول’ قراءة التاريخ العربي والإسلامي بأسلوب نقدي يثير فيه التساؤل حول صحة الأصالة في القراءات الدينية الأصولية والقراءات الأبوية التقليدية والمستحدثة معا.

وتوازى قراءة أدونيس النقدية لتاريخ الثقافة العربية عند صاحب النقد الحضاري قراءة عبدالله العروي التي انطلقت من موقع علماني وراديكالي فقد طرح العروي في كتابه ‘الأيديولوجية العربية المعاصرة’ وبشكل جذري إشكالية المعنى والنسبية التاريخية للمقولات الفكرية كافة.

أما محمد أركون فقد تناول مسألة التاريخ الإسلامي من زاوية تختلف نوعا ما عن الزاوية التي تناولها أدونيس والعروي فالحاجز الأكبر عند أركون هو كسر طوق الفكر التقليدي وتعتمده أساليب علوم اللسانيات، والسيميولوجيا الجديدة ومنهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ويحاول الجابري بابتعاده عن الموقف الإسلامي والتقليدي الأبوي والموقف الغربي (بما فيه الموقف الماركسي) اتباع اتجاه نقدى جديد يقوم على التحليل الإبستيمولوجي متجنبا كافة المواقف الأيديولوجية على نمط تحليل فوكو، أما الكاتب التونسي هشام جعيط فيعالج في كتابيه الرئيسيين ‘الشخصية العربية الإسلامية” و”المصير العربي والإسلام وأوروبا’ معظم القضايا التي أثارها ادونيس وأركون والجابري وعلى رأسها قضية التراث والدين والهوية العرقية ومشكلة الحداثة من منطلق التضارب أو التناقض الذي يميز في نظره تجربة المغرب”. (ص 57).

ويحدد ثلاث تيارات رئيسية: في الاتجاه الماركسي العربي المعاصر: وهي التيار الماركسي التقليدي، التيار الماركسي الإسلامي، والتيار الماركسي الغربي ويحاول تحديد هذه التيارات من خلال كتابات ثلاثة ماركسيين عرب هم: طيب تيزيني وحسين مروة وإلياس مرقص، كما يحدد الكتابات الخاصة بهم.

يمكننا تمثيل النشاط النقدي في حقلي علم الاجتماع (السوسيولوجيا) وعلم الاجتماع النفسي (السوسيولوجيا السيكولوجية) من خلال أعمال حليم بركات (سوريا) وعلى زيعور (لبنان)ومصطفى صفوان (مصر)، أما أهمية عمل مصطفى صفوان في ترجمة كتاب زيغموند فرويد تفسير الأحلام فتكمن كما يذكر شرابي في “فتح آفاق جديدة أمام الفكر النقدي كانت مغلقة في وجهه حتى الآن فهذه الترجمة الدقيقة للمرجع الرئيسي في علم النفس التحليلي (الفرويدي) تضع الإطار الفكري واللغة التحليلية الفذة التي صنعها فرويد في متناول النقاد الجدد بشكل شامل لأول مرة، فعلى الرغم من أن عددا من كتابات فرويد قد ترجمت إلى العربية بدءا بالخمسينات فان ترجمة تفسير الاحلام تعتبر قفزة نوعية في تعريب الفكر الفرويدي ومفاهيمه المعقدة”. (ص63)

ويتوقف شرابي في تحليله النقدي الحضاري لأعمال كل من كمال أبو ديب وعبدالفتاح كيليطو وعبدالقادر الفاسي الفهري ومحمد بنيس وعبدالكبير الخطيبي قائلاً “برزت نظرية البنيوية في الفكر العربي الحديث في منتصف التسعينات وكانت أول دراسة متكاملة حول الحركة البنيوية ومدارسها المختلفة كتاب أستاذ الفلسفة المصري زكريا إبراهيم ‘مشكلة البنيوية’، وتكمن أهمية دراسة زكريا إبراهيم في أنها تقدم مفاهيم ومصطلحات جديدة مستقاة من نظرية البنيوية (كالتي قدمها صفوان من التحليل النفسي)وهي الآن جزء لا يتجزأ من لغة المقال النقدي لدى العديد من الكتاب الجدد.

ومثال آخر على هذا الزخم الفكري الاتجاه الإبستيمولوجي الذي يتخذه الفكر المغربي من خلال النزعة البنيوية وتشديدها على النقد الذاتي ومثال على هذا الاتجاه المنهجي في الأدب والعلوم الإنسانية والذي شارك فيه عبدالله العروي وعبدالفتاح كيليطو وعبدالقادر الفاسي الفهري ومحمد عابد الجابري وقدم لها الطاهر وعزيز.

تحاول الحركة النقدية الجديدة منذ نشوئها في السبعينات “التخلص من نماذج الفكر الديني الأصولي ونماذج الفكر الأبوي (الحديث)، وهى تهدف خصوصا إلى تفكيك الفكر الأصولي واحتكاره النص الديني

يرى شرابي أن النزعة التفكيكية التي يتحدث عنها بنيس والتي نجدها في أقوى تعابيرها عند عبدالكبير الخطيبي الذي ينطلق من الموقف الراديكالي القائل إن الاستقلال الفكري لا يتم باتباع النموذج الغربي ولا بالعودة إلى النموذج التراثي التقليدي بل يتجاوزهما معا، ومع أن الخطيبي أكثر النقاد العرب اتجاها نحو الغرب في تفكيره وأسلوبه ولغته إلا أنه يؤكد ضرورة التخلص من الهيمنة الفكرية الغربية من خلال (قطيعة) كاملة فالمعرفة الغربية، بنظره، ملوثة في أعلى تعابيرها. يطرح الخطيبي مفهوم (النقد المزدوج) لتحديد مهمة السوسيولوجيا في الوطن العربي والعالم الثالث عموما.

إلا ان ما يستوقف شرابي هو الموقف من المرأة فهو يرى أن اللافت للنظر هو أن الحركة النقدية ليس لها ما تقوله حول مشكلة المرأة في المجتمع عدا بعض الأقوال والشعارات المعهودة هذا في حين أن الحركة الأصولية تعطي اهتماما كبيرا لموضوع المرأة معلنة أن الشريعة الإسلامية تحمي حقوق المرأة وتمنحها مدى كبيرا من الحرية.

ويرى شرابي أنه يمكن استشفاف الشعور بالخطر فيما يتعلق بموقف المرأة ومصيرها في المجتمع القائم من خلال ما تقوله ثلاث مفكرات عربيات تناولن موضوع المرأة بجد ورصانة هن: السعداوي وفاطمة المرنيسي وخالدة سعيدة. وفى حين أن مشكلة المرأة تغمط وتشوه في الفكر الأصولي فهي تهمش في الحركة القومية والحركة الاشتراكية على السواء. وعلى الرغم من توجهها اليساري، فإن نوال السعداوي لا تتردد في انتقاد اليسار الرجالي لعدم تفهمه لمشكلة المرأة وعجزه عن اتخاذ موقف جديد إزاء هذا المشكل، بينما فاطمة المرنيسي في كتابها الحريم السياسي ترى أن غياب الحرية السياسية وفقدان المساواة بين الرجل والمرأة هي المشكلة المركزية التي تدور حولها قضية الحريات الديمقراطية وحقوق الانسان في المجتمع العربي.

وتقف خالدة سعيد فيما يوضح شرابي “في مقدمة النقاد العرب بتفهمها العميق للأزمة الفكرية والفنية المعاصرة وتحليلها لهذه الأزمة بلغة تتميز بالدقة والعمق والوضوح” (ص 74)، إن خالدة سعيد تصل إلى الموقف نفسه الذي وصلت إليه نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وهو أن تحرير المرأة غير ممكن بلا عمل جماعي يتجاوز مجرد النشاط النسائي.

لكن على صعيد آخر فإن المشكلة الرئيسية التي تجابهها الحركة النقدية العربية تنبع من كون مفاهيمها ومقولاتها مستمدة من ثقافة غربية عن القضايا الفكرية والقضايا الاجتماعية التي يعمل ويعيش فيها النقاد والمثقفون العرب من هنا نرى أزمة الحركة النقدية وارتباطها المستمر بالأزياء الفكرية الغربية وتغيراتها وعجزها عن تحقيق استقلالها الذاتي واتباع خطها الفكري المستقل.

يقول “إن الخطر الأكبر الذي يجابه الحركة الفكرية في الغرب في انعزالها الأكاديمي وابتعادها عن الواقع المعيش وصراعاته، أما الصعوبة التي لا يستطيع النقاد العرب التغلب عليها أو التهرب منها بسهولة فهي الصعوبة الممثلة بالتناقض بين النقد الجذري الذي ترمي إلى ممارسته الحركة النقدية الجذرية واللغة التي تضطر إلى استعمالها في ممارسة هذا النقد”. (ص 79).

ويرى شرابي أنه على الرغم من كل هذه الصعوبات التي يذكرها إلا أن بالإمكان صياغة خطاب علماني نقدى قادر على مجابهة الخطاب الأبوي المهيمن وتجاوزه. غير أن هذا المشروع الفكري يتطلب ليس تفكيك اللغة المهيمنة وأسلوبها التعبيري وحسب كما يفعل بعض النقاد العرب بل تفنيد العقلية التي تنغرس فيها هذه اللغة ومصطلحاتها واساليب تعبيرها. وعلى هذا الاساس يمكن القول “إن بإمكان الاسئلة التي ينطلق منها هذا المشروع أن تحدد إذا أثيرت بشكل جديّ ومسؤول أبعاد نقد جديدة وأطرا فكرية قادرة على إفراز تنظيم مستقل لا يهدف إلى إزاحة الخطاب المهيمن للحلول محله بل إلى إفساح المجال الفكري لانبثاق خطابات مستقلة ترفض كل أشكال الهيمنة وترحّب بالاختلاف والتعدد الفكري على أنواعه”. (ص80).

هناك سؤال في غاية الأهمية يطرحه علينا شرابي في القسم الثالث من كتابه “النقد الحضاري” هو: هل يمكن الدخول في الحداثة بواسطة لغة غير حديثة، لغة مازالت في مرحلة ما قبل الحداثة، بمفاهيمها ومصطلحاتها وأطرها الفكرية؟ ويرى أن “الخطر الأكبر على حركة النقد الجذرية يأتي من داخلها أي من خطر التمسك بالأيديولوجيات الماضية وبالاتجاهات الفكرية والاتجاهات السياسية التقليدية التي لم تعد تصلح لمجابهة أوضاع نهاية القرن العشرين وتحدياته. إن هدف النقد الحضاري في المرحلة الحاضرة هو نقد النظام الأبوي وتعريته ايديولوجيا وتفتيته سياسيا من الداخل.. هذا هو النظام الذى يحكم حياة الفرد في جميع المجتمعات السابقة للحداثة فيخضع فيه الفرد إلى نظام واحد بأشكال مختلفة تقوم كلها على نظام السلطة الواحدة والإرادة الواحدة التي نجد نموذجها البنيوي وأصلها التاريخي في سلطة الأب”. (ص 89- 90).


ناقد وأكاديمي من مصر