الجمال والقبح والأمل واليأس

الجديد  إبراهيم القاضي [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(56)]

لوحة: فاتح المدرس
في زمن يعاد فيه رسم الخرائط فوق أرضنا، زمن استحال فيه زمرة من البشر إلى قنابل موقوتة، مجهّزة في أيّ لحظة للانفجار في وجوه الآخرين، لا لذنب اقترفوه سوى، أن هؤلاء “الآخرون” لا يقفون على نفس الضفة من نهر الأيديولوجيات المتطرفة.. زمن تحوّل فيه الزعيم أو القائد إلى مصاص دماء، يمتصّ دماء شعبه، من أجل كرسيّ السلطة.. في زمن الصراع بالدّم.. حيث يبحث الناس عن ابتسامة، عن بارقة أمل في نهاية نفق طال انتظار عبوره.. زمن صار فيه الوطن الكبير مفعولا به لا فاعلا.. حيث يقف المواطن العربي كتمثال خشبي منصاعًا في استسلام لما يرتبه له الكبار..

لا يعيش الرّوائيّ العربي في برج عاجي، بالتأكيد لديه التزام باعتباره مواطنًا في المقام الأول، ودور مقدس وهو الجهاد بالقلم من أجل حرية التعبير.. الحرية التي ستمكّنه هو في الأخير أن يمارس دوره الإبداعي بعيدًا عن الإطارات المجهّزة من قبل السلطة سواء كانت دينية أو سياسية..

يعاني الرّوائيّ في زمن الحروب والاستبداد الأمرّين، فهو كمن يمشي على صراط، يحاول أن ينجو بنفسه وبإبداعه من جحيم الاستبداديين.. فالفن هو أرقى ما أنتجه البشر، وبالتالي يجب على الكاتب أن يسمو بفنه وأن يبتعد بمسافات عن الأطراف المتصارعة، أن يقف في المنتصف، ويكتب ما يمليه عليه إبداعه وخياله، ليس ما يمليه عليه قائد حزب أو زعيم طائفة دينية، أن يشغل نفسه دائمًا بالإنسان الذي هو أبقى وأهمّ من ذلك الزبد الذي سيذهب جفاء، أن يكتب عن الإنسان وقضيته التي لن تسقط أبدًا بالتقادم.

أن يكون محايدًا، ذلك الحياد الإيجابي، الذي يجعله يسمو فوق خلافات المتنازعين، ويمكنه بأن يرى الصورة بشكلها الأوضح..

هو جندي لا يعرف ميدانًا غير ميدان الجهاد من أجل حرية التعبير، يدافع عنها، ويموت من أجلها إذا مستها نيران الصراعات، سلاحه القلم والضمير، فلا يبيعهما لملوك الطوائف ممن يقتاتون على دماء البشر..

إن الرّوائيّ لصاحب رسالة مقدسة كالأنبياء والرسل، وعليه من الواجبات الكثير نحو وطنه وأمته، وكما قال الأديب العظيم الراحل يوسف إدريس “على المبدع أن يستيقظ حين تغفو الأمة وأن ينام حين تستفيق من غفوتها”.

لا أهوى حديث المؤامرات، ولا أراه حبكة جيدة لحل مشاكلنا، فنحن العرب دائمًا نستند إلى ذلك الحائط المريح الذي يجعلنا ننام في سبات عميق قريري العين بدلًا من البحث في الأسباب الحقيقية لما نعانيه.

أخيرًا، ليس الرّوائيّ بزعيم سياسي ولا قائد عسكري، هو فنان ينقّب عن الجمال حتى في مواطن القبح، ويبحث عن الحب ولو في أماكن البغض، وعن الأمل في زمن الإحباط واليأس.


كاتب من مصر