ثورة النص الأدبي

الجديد  إبراهيم فرغلي [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(56)]

لوحة: فيصل لعيبي
أعتقد أنني خلال العام الأول لثورة 25 يناير لم أتمكّن من أن أكتب شيئًا، كانت الأحداث تتلاحق، والتاريخ يمرق أمامنا على الأرض، وعلى الشاشات، والمرء يحاول أن يفهم ويستوعب، وأن يلتقط المعاني من بين الفوضى والدّم والقتل. أن يستجلي الحقائق من بين أبواق ملوّنة، كل يذيع ويبث وينشر ما يودّ أن يرى أو يروّج له.

توقف الأدب بالتالي، توقفت الكتابة فالذهن مشتّت، والأحداث مخيفة وموتّرة، وكتبت تعليقات عدة ومقالات عن الثورة والأمل، وحتى وصول الإخوان للسلطة، ثم شاركت بمقالات انتقدت فيها هذه السلطة الفاشلة وكنت على يقين من أن هذا الفشل لا يمكن له أن يستمر أكثر من عام على أقصى تقدير.

ثم انتبهت بعد وقوع الإخوان أن البديل الثوري الذي نسير خلفه لا يمتلك أفقًا، ولا استراتيجية، ولا ذهن سياسي، ولا حتى إرادة حقيقية لعمل ثوري مدني على الأرض. وبدأ ولا يزال خطابي يتوجه بالنقد اللاذع لهذا الفشل والتشرذم وضيق الأفق. لكني أدركت أيضُا أن الثورة ليست مطلوبة في “السّياسي” فقط، بل أصبحت مطلبًا ملحّا للوعي الاجتماعي، والشعبي، لا ثورة يمكن أن تنجز مع شعب قد تأتيه الديمقراطية لكنه يستخدمها إما ضد مصلحته أو ضد مستقبله.

هنا قلت إن ثورتي ستتمثل في نصي الأدبي فقط، كنت شرعت في كتابة مجموعة نصوص إيروتيكية قبل 25 يناير، ثم قلت إن الإيروتيكا في زمن الثورة رفاهية وترف لا مكان لهما الآن وهنا فتوقفت. لكنّي أدركت في نهاية حكم الإخوان أن هذه النصوص الإيروتيكية هي ثورتي الحقيقية، وعكفت على الانتهاء من التجربة بشكل كامل ونشرتها.

صحيح أنها لم تأخذ حقها من الاهتمام، لكني لا زلت أراها تجربتي الثورية المهمة. ثم اكتشفت أن جانبًا من فكرة الوعي وتحقيقه لا بد أن تتوجه للشباب والمراهقين الذين تفيض من حولهم نصوص خفيفة مسليّة ومكتوبة بالعامية وفقيرة الخيال، فقررت أن تكون ثورتي الثانية في كتابة أدب حقيقي لهذه الفئة من أجل تحقيق وعي مختلف بفكرة الفن والرّواية والمعرفة لهذا الجيل، إضافة طبعًا إلى مشروعي الرّوائيّ المهتم بسؤال المعرفة والثورة على الرقابة والرقيب كما في “أبناء الجبلاوي” وكذلك في روايتي الأحدث “معبد أنامل الحرير”. إذا تحرر الوعي في الهامش البعيد غير المنتبه له من النخب ولا السلطات تتحقق الحرية. هذا زعمي وظني.


كاتب من مصر