كنت سأنتحر

الجديد  أحلام بشارات [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(57)]

تفصيل من تخطيط: فيصل لعيبي
تحوّلني الحروب إلى شخص ينقّب، مثل واحد ينبش في الردم، وبين صراخ الفاقدين، وخوفهم، ولحظة المفاجأة، أحاول أن أجد شيئًا. أولًا أبدأ في داخلي فأبحث فيه، وفي قصائد أصدقائي؛ فأبحث في عواطفهم، وفي بيت العائلة؛ في الجوارير، وأرجع إلى الدفاتر القديمة، الخسارات: ربما نجت خسارة واحدة فأجددها.

أفتح أيضًا نافذة في جدار غرفتي: ربما يطلّ على منظر لم تسرق الحرب منه شيئًا ولا أحدًا. لا أترك شيئا دون أن أختبره؛ هذا ما يحدث لإنسان يريد أن ينجو! هذا البحث يحوّلني من كاتبة إلى قارئة؛ فتبدأ رحلة البحث عن كاتب، وحتى لا أنسى ما قرّرته، أسجّل على ورقة صغيرة بلون أصغر، وأعلّقها بجانب المرآة التي أطمئن، بزجاجها، على ملامحي: أقرأ كي أنجو.

أريد أن أقرأ لـ – وأسميه: الساحر، فعلت ذلك كثيرًا، تقريبًا كل حرب، أجد نجاتي في كتابات كتّاب عاشوا حروبًا سابقة، وماتوا، ومضت سنوات على موتهم وعلى هروبهم من حروبهم، وكتابتهم عن هروبهم من حروبهم.

أقرأ لكتّاب غير مشهورين، شباب موهوبين يحاولون الهرب مثلي، لكنّ صوت الموت العالق في آذانهم، يوتّرهم، فسرعان ما ينكشفون أمامي، وسرعان ما أنكشف أمامهم: مجموعة من الفارّين، نقف على طرف نربّت على أكتاف بعض، أو نشتم بعضا!

أريد أن أكتب، يبدو ذلك قرارًا أكيدًا ونهائيًا وجريئًا، للتوّ فعلت ذلك، الآن الآن، يبدو طوق نجاة بالفعل، أكتب لأنجو ولينجو معي قارئ بعيد، لقد وضعت خطة محكمة: سأكتب، وسيصل كتابي إلى قارئ ما يائس، يعيش على سطح هذه الأرض، سيرسل لي قارئي رسالة يقول فيها: إنّ إحدى رواياتك القصيرة أنقذتني من اليأس، كنت سأنتحر قبل القراءة بقليل، وها أنذا لم أفعل، ولولا ذلك ما كتبت لك ولما وصلتكِ رسالتي! لن يشم رائحة هروبي، ما يعني أنّي نجحت في إخفاء رائحة الخوف: تلك حرفتي؛ الكتابة، كتبت بلغة فرحة. ساخرة. وناجية. مثل ذلك الخبر سيكون كفيلًا بإنقاذي؛ من البداية كنت أخطط لذلك: أن أكتب ما يحلو لي في أيّ وقت في هذه الحياة.


كاتبة من فلسطين