زقاق الجن

عتبات الحرب ومكعب الهويات

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(16)]

لوحة: بهرام حاجو
لو يستطيع الكاتب أن يفعل ما فعله لؤي كيالي، فيقوم بجمع لوحاته وإحراقها ليبدأ من جديد، لفعلت هذا. ليس لأنها لم تكن ذات قيمة. بل لأن الواقع الحيّ في بلادي منذ العام 2011 أكثر قيمة من كل قيمة.

ولكن كل شيء يرتبط بما حوله بقوة، مهما حاولت انتزاعه من سياقه. ومهما فكرت أن السياق لم يكن سياقاً أصلاً. ما أؤمن به أنا أن مجرى النهر هو مجرى النهر ذاته. وأن كل حرف أو ضربة سكين وريشة ورجفة وتر حدثت قبل الآن، إنما تشارك في خلق هذه اللحظة التي نحن فيها الآن.

لكنني قبل هذه اللحظة كنت قد رجعتُ إلى دمشق، وبقيت عالقاً في عوالمها. أتحرّك في الممرات الرحبة المتعرجة، بين البيوت الحجرية، وعلى صخور البازلت المتراصة تحت الأقدام، حسناً، لم يكن ما قلته في السابق، هو الحقيقة كلها، فاليوميات تتغير، وتلك التي اخترت لها اسم “يوميات يهودي من دمشق”، كانت أكثر من يوميات، في جانب منها، دوّنت مسارات شخصيات عشت معها، وأخرى ستعيش من بعد تدوينها، وسيكون لها دورٌ في ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط، بعضها سيذوي مثل زهر ضئيل رهيف، وبعضها سيلاحقني، فعلاً، خارج الكتاب الذي صدر، وظننت أنه لن يكون أكثر من رواية تسجيلية، أو ربّما يوميات عادية، راقبت التحوّل الكبير في الدلالة، تحوّل السوريين المبكّر، إلى “يهود جدد”.

***

في التكية السليمانية، تسبح أرواح القرن السادس عشر، وتختبئ في الحجرات الصوفية، والدكاكين الصغيرة الضيقة، البروكار والمطرزات، صدرية قماش الصاي التي اخترت أن تلبسها قبل سنوات بلونيها الذهبي والأسود والأحمر، تنزل الدرجات الاثنتي عشرة عبر الباب العتيق المخرّق بالمسامير العملاقة، تموج بك الأرض، تعلو وتنخفض، دوارٌ ممتع خفيف وثقيل، إن انعطفت يساراً نحو صُنّاع العجمي الدمشقي الفاتن، حيث ورشة صانع الميداليات الجصيّة، وورثته الصغار، المكان الذي عملتَ فيه يوماً، دون أن يبقى في ذاكرتك منه شيء، حتى لا يفقدها عقلك سحرها، وربما حتى يخالطها مع وهم قديم.

يساراً أيضاً، بابٌ صغير عليه كلاب نحاسي، ملفوف عليه خيط مغطّس بعرق عتيق، حمل أفكار المشاوير اليومية عبر عشرات السنين التي امتدّت فيها يدٌ ثابتة رغم عروقها المندفعة كأنهار، لتعلّقه على ضفة الباب الواجهة الخشبية، حيث حلقة من حديد أسود.

يبقى الكلاب مرخياً في الصباحات الدمشقية الباردة، لتظهر إلى جواره لوحات تتدلى من الواجهة، بعضها من الورق وبعضها الآخر من القماش أو النحاس، عنتر وعبلة والزير سالم والأسد الذي قتله في الرسومات والحكايات الشعبية، ثَمّ غبارٌ خلف وأمام الأشياء، وفوضى لا تزعج العجوز الصلب بنظاراته ذات الطراز الخمسيني، إطارٌ أسود وعدسات معتمة، تظنه أعمى، ولكنه ليس أعمى، وأنت تعرف أنه لم يكن أعمى يوما، اختار أن يكون ساكن المدينة وأحد شهودها، منذ أن قدم إليها في العام 1947.

ـ أنت ابن عمتي.

ـ هي عمة جدي.

ـ لا فرق، ابن عمتي، تعال أريك آخر الرسومات.

يأخذني ناجي عبيد، الرسام العجوز، الذي جاء من دير الزور ذات يوم أواسط الأربعينات من القرن العشرين، ليزور دمشق، راكباً سيارة أجرة، ولكنه حين وصل إلى المدينة الساحرة، أصابه مرضها، وتلبّسه وسواسها، فابتلي بمرض نادر، قال الأطباء إنه “فوبيا السيارات”، ولم يعد قادراً على مغادرة المكان، ولا ركوب أيّ وسيلة مواصلات تعيده من حيث أتى، ليعلق هو الآخر في فضاء الكرة الحيوية المسماة دمشق، الزماني المكاني، ذي الأبعاد الألف.

***

صوت سلاسل الذهب التي تتدلى من يدي وعنق ناجي، لا يمكن أن يغادر مشهد الجلسات الطويلة التي جمعتني به، عبر ثلاثة عقود دمشقية، كان وحيداً وحزيناً، عادياً، صاحب حرفة، وليس صاحب فكرة مجنونة، وكان هذا أكثر ما يثيرني في تكوينه، يرسم ويبيع للسائحات والسائحين، وللعابرين، وقد يهدي لوحاته بلا مقابل، يأتي صباحاً إلى محله الصغير في سوق المهن اليدوية في التكية السليمانية، ماشياً بالطبع، عابراً طريقه من بيته في حيّ الشعلان، إلى المنشية ثم نهر بردى، ثم التكية، حاملاً معه أكياساً ممتلئة برقاب الدجاج وأرجله، سيكون هناك من ينتظره، أجيال من القطط التي عرفت موعدها مع ناجي كل صباح، يطعمها من رزقه الذي كسبه بالأمس، فهو يؤمن أن عليه واجبين اثنين، الأول أن يطعم تلك القطط، والثاني أن يكفّر بهذا عمّا فعله في الماضي.

***

ـ لماذا تحمل مسدساً على خاصرتك؟

ـ هذا منحني إياه وزير الداخلية محمد رباح الطويل، قبل مجيء حافظ الأسد، يعني ربما أواخر الستينات.

ـ لكن لماذا؟ ما حاجة رسام إلى مسدس قاتل؟

ـ أخي أنا كان لي دور يوماً ما.

ـ دور في ماذا؟

ـ في الشعبة الثانية.

ـ المخابرات السورية.

ـ لا أخفيك، أنا أطلقت بيدي هاتين، رصاصة الرحمة على كثير من معارضي الحكم في سوريا.

***

دفتر يومياتي القديم، لم يكن يريد وصف الأشياء كما هي، وهي تقع، ولكن أنا كنت ألحّ على هذا، فاختار كل منّا، أخيراً، طريقته في الكتابة، أنا أعيش الحدث، وهو يسرده ويراقبني، ويغيّر فيه قليلاً ليضمن حمايتي في بلد يموت فيه الإنسان لأيّ سبب، وعلى رأس تلك الأسباب، الاقتراب والتحرش بالوحشية التي حكمت سوريا، على مرّ العشرات من الأعوام.

كان فيه اليهود والمسلمون والمسيحيون واللادينيون، وبعضهم غادره، ليعود إليه، وكان فيه الإرهابيون، الذين أردت منهم أن يطلّوا برؤوسهم ليكونوا الإشارات إلى الأشياء، لا الأشياء ذاتها، علامات الحدث، لا تفاصيله، كانوا أطيافاً ولم يكونوا ممثلين في فيلم سينمائي، وأنا كنت أحد أولئك الأبطال، يسري عليّ ما يسري على الجميع في قفص الحكاية.

قابلت بعضهم خارجه، بعدها، وبعضهم زال عن الوجود، من سميته “أبو المحجن”، كان اسمه الحقيقي “أبو القعقاع ـ محمود قول أغاسي” الذي أسس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يعرفه العالم اليوم باسم isis، أو “داعش”.

***

في اليوم الثامن والعشرين من شهر أيلول، من العام 2007، يخرج الشيخ من جامعه، بعد صلاة الجمعة، بعد أن يلتقي بمريديه، ويقضى معهم نحو ساعة، في أيلول، تبدأ الشمس بالزوال مبكّرة، لكن آثار الصيف ما تزال تسري على مدينة حلب، الساعة الثالثة عصراً، تكاد تشبه الغروب.

جامع الإيمان، خطوات بعد خروجه من البوابة محاطاً بمريديه ومرافقيه، تقترب سيارة نقل صغيرة، فيها ثلاثة أشخاص، ينزل منها أحدهم، فيظن الشيخ أن الشاب يريد تقبيل يده، يبتسم له بغطرسته الروحانية، ويكاد يمدّ يده نحوه، لكن أربع رصاصات تنطلق من مسدس كان الشاب يوجهه نحو الشيخ، تتوزع على جسده الطويل.

عاد القاتل إلى سيارة النقل، التي غادرت بسرعة هائلة، لكن المصلّين لحقوا بها، حتى أوقفوها وقبضوا على من فيها، وسلّموهم إلى المخابرات السورية، وانقطع خبرهم أو أيّ ذكر لهم منذ تلك اللحظة وحتى اليوم.

مات أبو القعقاع، بعد ستة أشهر من صدور روايتي التي كان هو بطلها.

***

إخاد، اليهودي الذي هاجر من دمشق، إلى الولايات المتحدة، وقابلته صدفة في نيويورك، لم يكن قد هاجر بالفعل، لكن جسر الرحيل والعودة، عن دمشق وإليها، لا يتوقف، ولا نهاية لألغازه وأسراره، جسر من الخيال، جسر من الواقع الحديدي، جسر من الزجاج الأخضر، جسر من الحكايات.

***

بعض ما يحدث مع أيّ شخص من سكان الشام، يشبه الكذب، وبعضه الآخر يشبه الأحلام، في كل دقيقة تمرّ عليه، تنمو من حوله أعشاب من القصص، ونباتات تتسلق بسرعة نحو الفراغ، تلفّه وتغطّيه، ليصبح هو تفصيلاً من تفاصيلها، وليس مركزها وراويها، وحين يرويها، لا يرويها، بل يخبر عنها ما أذنت له أن يراه منها، فتضيع الحدود بين ما يعرفه هو، وما حصل في الواقع.

لكن كلّ ما يخبركم عنه أهل الشام، حقيقي، واقف على أرض اليقين، كما لو كان في وثائق قاضٍ، أو مستندات محكمة، أو صفحات روائي مهووس بجمع القصاصات الصفراء القديمة، مثلما كان ناجي يفعل، لكن ناجي يفعل هذا مع قصاصات الصحف، فلم يكن يهتم بما يكتب عنه بين الوقت والآخر، بل كان هوسه ينصبّ على ورق أصفر من نوع آخر.

***

ـ يقولون عني إني بخيل، شديد البخل، شحيح، وأعبد المال، لكن هذا ليس صحيحاً، أنا أعبد “الجمع″، أجمع الأشياء، كل الأشياء، وأحتفظ بها، سيكون لها دورٌ ما يوماً ما، لا أعرف، ربّما، قد لا يكون، لكن كل شيء جدير بالحفظ، انظر إلى قبضتي، صافحني، هل ترى؟ هل هذه قبضة رجل في التسعين من عمره؟ طبعاً لا، هذه قبضة إنسان احتفظ بطاقته، هل تريد أن أريك ما أحتفظ به؟

يقول ناجي عبيد كلماته، وهو يشعل البخور في غرفة الضيوف في بيته في الشعلان، ويذهب ويعود، حاملاً مفتاحاً كبيراً، يتوجه نحو خزانة خشبية مصدّفة، يفتح أحد أبوابها، ويخرج أشياء مختلفة، يضعها على الطاولة أمامي.

ـ هذه لوحة أصلية، طلب الرئيس أديب الشيشكلي من رسام فرنسي رسمها، وهي تصوّره بثيابه العسكرية، لكننا صادرناها.

ـ من أنتم؟

ـ الشعبة الثانية، وأنا أخذتها، لأنّهم لم يكونوا يعرفون قيمتها الحقيقية، هذه لوحة ثمينة، لأنها تظهر كيف رأى الرسام الفرنسي الجنرال الشيشكلي، أنظر إلى ملامح الحب والحنان التي وضعها في وجهه، كانوا يرونه هكذا، أما هذا فهو ناب فيل، ملبّس بالفضة، اشتريته من الست ليلى الرفاعي، زوجة خالد بيك العظم، تعرف أنها عاشت بقية حياتها من بعده، وكان تلعب القمار في القصاع، وهذه لوحة لمونيه.

ـ أعرف المكان الذي كانت ترتاده وتلعب فيه القمار.

ـ جيد، أما هذا، فهو شيء سيلفت نظرك، هذه ورقة، فيها خواطر، كتبها زميلي في الشعبة الثانية، الذي قضى خدمته العسكرية معنا، قبل أن يرحل إلى بيروت ويصبح مشهوراً.

ـ من؟

ـ علي

ـ من علي؟

ـ علي أحمد سعيد، الذي سمّى نفسه فيما بعد، باسم إله فينيقي.

***

طيور، طيور، آلاف الطيور تخفق فوق خرائط المدينة، وترسم بأمواجها فراغاً جديداً غير الفراغ، السماء زرقاء برتقالية بيضاء غسقية، والغيم يتنفّس كصدر، يعلو وينخفض، ينخفض حتى يلامس حواف البيوت التي لا سقوف لها، تدرك العناكب بحكمتها أنّ شيئاً ما سيحصل عمّا قريب، فتبدأ بالتحرك مبتعدة عن ظهيرة حائرة، ترمي العنكبوت خيطها من الأعلى، نازلة عمودياً بموازاة الجدار الحجري، ترى عيونها الكثيرة ما يدور في الطيارة، غرفة الخلوة في السطح الدمشقي، وتراقب الوحشة، والأثاث المهترئ، مقطّع الجلد، المقاعد التي هجرها الجالسون من أمدٍ بعيد، طاولة عليها كؤوس من زجاج رخيص، تلتقط العنكبوت صورة فقاعات الهواء في بلّور الكؤوس الفارغة إلا من هواء راكد، تواصل هبوطها في الفضاء الدمشقي، لا أحد يصدر الضجيج، ولا أطفال يلعبون في الطابق الثاني، حيث غرف النوم، ولا أبوابها موصدة بعناية، ثمة شقوق بين الباب والملبن، متروكة على عجل.

خيط الذهب السائل المنساب من الأعلى، يغيب في جهالة مساره الثقيل، إلى الأسفل، عتبة الباب توشك أن تقترب، حجر أسود عالٍ، شجيرات فوضوية نبتت على أطرافها، تحت، غطاء من قضبان حديدية حمراء قانية، تآكلها الصدأ، عتمة، ظلام، أمتارٌ من الهبوط في الغيب، كائناتٌ لا تنظر إليها العنكبوت، رائحة الرطوبة، قطرات ماء تهوي في العميق، ضوء خافت.

فتحة في الأسفل، يمرّ الهواء باتجاهين، يميل الخيط يميناً ويساراً ميلاناً خفيفاً، قبل أن يندلق النور إلى الأعلى غامراً جسد العنكبوت الدقيق، تراهم من الأعلى، حول طاولة من خشب الجوز، رجلين، والدخان يتصاعد من حولهما إلى الأعلى، على شكل سحب بطيئة.

***

ليلة الأمس، رأيت أنّي في شارع قديم، وأنّي أدخل محلاً بسيطاً، رأيت البديري الحلاق، ولكنه لم يرني، كان كل شيء بالأبيض والأسود، باهتاً، زائل الحدود بين التفاصيل، كما لو كان شريطاً سينمائياً قديماً متقطعاً، كان البديري حلاقاً، ولكنه كان مؤرخ الشام في العصور المعتمة أيضاً، قبل ثلاثمئة عام، في أواسط القرن الثامن عشر، قرأت يومياته عشرات المرات، وصحّحت كلماتها، وأوّلت ما غاب عمّن حقّق المخطوطة التي عثر عليها الشيخ محمد سعيد القاسمي من عطّار في السوق، بعد أن لفّ له العطار ما اشتراه منه في ورقة، استرعت انتباهه حين رجع إلى بيته، وما لبث أن عاد إلى العطار، ليشتري منه بقية الورق، وكان عنوان تلك الصفحات “حوادث دمشق اليومية”.

رأيت البديري، يراقب الناس، ويختلس الفرصة، مسترقاً السمع إلى ما يقولونه، وهم يتخاصمون، أو يتحدثون عن الأسعار، أو عن والي دمشق، أسعد باشا العظم، تركته يدوّن ما يسمعه، وجلستُ على كرسيّ الزبائن القاسي، ونظرت في المرآة الصغيرة الموضوعة أمامي، رأيت نفسي، ورأيت البديري الحلاق، وهو ينظر إليّ، وكأنه يراني، كان يراني.

لوحة: بهرام حاجو

***

ـ هل كان علي معكم في الشعبة الثانية؟

ـ نعم هذا شيء يعرفه كثيرون.

ـ وماذا كان يفعل؟

ـ لا أعرف، ولا أهتم أصلاً، هو شخص متصنّع، وكان يتزلّف للضباط، المهم، هذه الورقة المتشققة، هي من تلك التي كان يسميها شعره العظيم، اقرأ كان كلاماً، ولكنه كان جميلاً، عليّ أن أعترف “أومأ، ناثراً شعل نور، في جفنه مرقص خيال، وفي يده أرجوحة أمل، وتلفتت الأجواء، تستحم بإشعاعاته المذهبة، وتنسج من خيوطها المتلألئة، وشاحاً تتيه به، وتنشره على المدى تموجات عبقة، وتتفتح براعم الزهور، ويتبطن الأثير صدى كلمات”، ليس هذا ما أريدك أن تراه.

ـ مقتنيات هامة وثمينة.

ـ الحقيقة أن الأثمن، هو في زبالة الشعبة الثانية.

ـ زبالة الشعبة الثانية!

ـ نعم، لا أقصد الزبالة بالمعنى الحرفي، لكن القصد، ما كانوا يريدون التخلص منه ورميه مع الفضلات، الورق.

ـ تقصد ما كانوا يريدون إتلافه.

ـ كان قسم كبير من الأوراق، يذهب إلى محرقة، ولكني كنت أقطع عليه الطريق، وآخذ الأكياس، وأنشغل بفرزها في الليل، بعضها كلام عادي وأوامر عسكرية وإدارية، لكن من بينها، ما هو هام جداً وكل هذا ما زلت أحتفظ به حتى اليوم رغم مرور خمسين سنة.

***

كانت الأيام الأولى من العام 2011، اتصل بي المحامي الشهير هائل اليوسفي، وطلب أن يراني على وجه السرعة، كان صوته متهدجاً، وهو أصلاً يتحدث بأسلوب مسرحي درامي، كان صديقاً لي، رغم فارق العمر الكبير، بيني وبينه، وكان يسألني في أحيان كثيرة عن أفكار تدور في رأسه أو رأسي.

مكتبه في الشارع الذي ينحدر من سكة حديد الحجاز، يميناً قرب مكتبة النوري، درجات قليلة، مدخل الملهى الليلي “الكروان”، عليك أن تتذكر تنبيه أبي منيب لضيوفه “إذا نزلت إلى الأسفل ستجد نفسك في كباريه الكروان، وإذا صعدت إلى الأعلى ستجد أنك تقف أمام باب هائل اليوسفي”.

كان اليوسفي ذكياً، وشعبياً، اكتسب ذاكرة قوية بسبب عمله في المحاماة وأروقة المحاكم، وصار ينقل كل تلك القصص على شكل مسلسل إذاعي يعرفه السوريون جيداً، ويتابعونه ظهيرة كل ثلاثاء، ويتابعون أبطاله الذين أصبحوا كائنات حية، أسماؤها على ألسنة الناس، المساعد جميل والرائد هشام، مصوراً لهم عبر الحوار الصوتي، جرائم القتل والسرقة والاختطاف والتحقيقات والمحاكمات، منتهياً دوماً بعبارة “باسم الشعب” لينطق القاضي بحكمه، بعد كشف الجريمة، وكانت البيوت والشوارع تصمت طيلة دقائق “حكم العدالة”، غير أن هذا كلّه، ليس ما كان يريد منّي اليوسفي مناقشته.

جلست على الأريكة الطويلة، قبالة الرجل العجوز، قال بنبرته التي توحي بأنه مصاب بالبرد المزمن، إنه يمتلك القصة الحقيقية للجاسوس الإسرائيلي إيلياهو كوهين، الذي عاش في سوريا بداية الستينات، وعرّف نفسه بأنه مهاجر سوري اسمه “كامل أمين ثابت”.

كان شيقاً بالنسبة إليّ، الاستماع إلى هكذا أفكار، وكان اليوسفي يعرف هذا، قال إنه يحتفظ بنسخٍ من محاضر التحقيق الأصلية مع كوهين، وأنه حصل عليها من القاضي صلاح الضللي الذي حقق معه وحكم عليه بالإعدام، وأن لديه مصدراً آخر يثق به هو المحامي الفرنسي جاك مارسيه، محامي كوهين.

عرض عليّ المحامي العجوز، أن نشترك، هو وأنا بكتابة كتاب، ثم يتحول إلى فيلم سينمائي عالمي، يروي قصة كوهين الحقيقية، لا تلك التي روّجها الحكم في سوريا وقتها، وفي السنوات الطويلة اللاحقة، وزوّدني بمغلف ضخم، يضم كل تلك المحاضر والقرارات والاستجوابات المتصلة بكوهين، وقال “ادرسه على مهلك”.

***

في الحجرة السفلية، في البيت المهجور، تحت الغطاء ذي القضبان الحديدية الحمراء القانية التي تآكلها الصدأ، يضيع خيط العنكبوت في الدخان، ويعلو جدال بين الرجلين الجالسين أمام الطاولة، ينعكس ظل أحدهما على الجدار الحجري العاري من أيّ دهان، الظل يحرّك يديه، ويشيح برأسه مرة يميناً ومرة يساراً، يجلس ثم ينهض. يجمد الرجل الآخر، وكأنه تمثال ناطق، حين يصمتان، يعلو الصمت من حولها، لا شيء يصل إلى هذا المكان المعزول عن العالم.

ـ علينا أن نغادر هذا المكان.

ـ لا.

ـ لماذا؟

ـ اختنقت.

ـ وأنا أيضاً.

ـ لكن أنت تريد البقاء.

ـ لا أريد البقاء، عليّ أن أبقى.

ـ لماذا؟

ـ لأنني يجب أن أبقى هنا، أنت بوسعك أن تذهب، الباب مفتوح.

ـ لا أذهب وحدي، نذهب معاً أو نبقى معاً.

ـ إذاً نبقى معاً.

***

ما زلتُ أمشي في دمشق، هذه والتي كانت، معاً، والشوارع تتغير كل لحظة أمام عيني، تتبدل الأزمنة إلى الوراء وإلى الأمام، تختفي مبانٍ وأخرى تعلو شاهقة، تظهر تلالٌ، وتتدفق أنهار، وتتكسر جسور، وتمتد أخرى، تشتعل حرائق، ويندفع شجر سريع النمو، أمشي الطريق من القنوات، منحدراً نحو الحلبوني، أرصفة باعة الكتب، والجامعة القديمة، طاحون ماء هائل يرتفع في أرض منبسطة على ظهر التلة، حيث صنعاء الشام، كما سمّاها الأمويون، قريباً من قبر ابن تيمية، رائحة البارود العثماني تندفع بقوة من ثكنة صارت جامعة في ما بعد، بستان مسوّر، ترتفع فيه الأشجار العالية، تميل مع هواء بردى، وتميل مع الشمس، كان الليل ملعبه وفتنته، موسيقى الشجر تعزف أنغامها، لتصل الألحان إلى ما وراء سور دمشق، حيث يصغي الناس إلى العزف الهادئ حيناً والصاخب أحياناً، وفي الصباحات البعيدة، كان الرجال يذهبون إلى ذلك البستان، بحثاً عن المغنين الغامضين، غير أنهم لم يكونوا يعثرون على أحد.

بستان تمرّ منه طريق متعرجة، تضيق وتضيق كلما توغل فيها الإنسان، ويزداد لونها الأخضر حدّة وقتامة، يخفت الضوء حتى يغيب في الشجر، تهمس أشجار الجوز، وترد عليها أشجار الكينا، التين صامت، والتوت خجول، المشمش يتساقط، والجانرك يتعرّق بالندى، حياة كاملة، مستغنية عن الحياة في الخارج، تضيق الطريق وتتعرج، متر، ثم نصف متر، ثم شبران، من يعيش هنا؟ لا أحد، بل هم هناك، ولهم حياتهم، عالمهم، في “زقاق الجن”.

***

سكنت هذه المدينة عن سابق قصد ونيّة، وكانت هويتها هدفي، وفكرتي، واهتمامي الأول والأخير، ولم يكن كل ما تبقى سوى التفاصيل التي ستملأ يومياتي فيها، كيلا تكون دفاتري مقتصرة عليها وعليّ، أستيقظ كل صباح لاكتشافها من جديد، وكأنّي وصلت إليها للتوّ، قبل دقائق فقط، ولا تنتهي الرحلات فيها، ولا حدود لما يمكنني أن أعرفه لأول مرة هنا.

دمشق ليست الدمشقيين، ولا المهاجرين الذين جاؤوا إليها في كل عصر ومن كل مكان، هي قائمة بذاتها، وحدها، ولها روحها الآسرة، التي تعبر الأزمنة والبشر.

في حي زقاق الجن، في الطابق الخامس، على أطراف القشلة التي صارت جامعة، بيتي الصغير، الذي يطلّ على قاسيون وعلى المدينة، والعالم، في الوقت ذاته، إليه تصعد الكلمات التي تقال في الأسفل، وإليه أصعد ثمان وتسعين درجة، عابراً بين الطبقات الضبابية الزرقاء والوردية إلى غيم الطابق الخامس، الذي يخفي خلف بابه كوناً خارج الزمان والمكان، كوناً موازياً مختلفاً عمّا يدور في الخارج.

***

ليس محزناً أن تسكن دمشق، ولا أن تغادرها، مدينة للبهجة والحيل الفيزيائية، مدينة للخيال، لا يمكنك أن تعيش في دمشق بلا خيال رحب خلاّق، وإن لم يكن خيالك لائقاً بما تريده دمشق، فإن المدينة سرعان ما تطحنك فيها، وتطردك إلى حيث لا تكون سوى مستوطن عابر، لا تزورك أرواحها المتجوّلة، ولا تكشف لك عن أسرارها، وستطويك بعد حين.

***

غرفة من بيت كبير، جدرانها سميكة، وشبابيكها غرف صغيرة في الجدران، كان يوسف يجلس ساعاته الطويلة في الصمت والدخان، وكنت على موعد يومي في شتاءات داكنة، كانت “السيدة” تحضر الشاي، بينما ينظر الوالد من صورته البيضاء والسوداء المعلقة على الحائط، يقرأ مواقف النفّري، ويرسم نجوماً على الورق المهترئ للكتاب المجلّد بعناية.

يأتينا الصوت من الحارات القائظة القريبة، أذان العشاء، يقف يوسف الناحل وقفة العسكري، حتى ينتهي المؤذن العجوز في جامع الفردوس في حي الجبيلة، والليل يحمل الهمسات، ومعها تمجيد قادم بعد صمت طويل.

***

تصلنا الأصوات من الأعلى، ونحن في الأسفل في قبونا السرّي، أنا وهو، هو وأحدٌ ما، لا أذكر، في البيت المهجور، أصوات القذائف، أصوات الحرب، وعويل النساء، صراخ الأطفال، ورعود الأحجار التي تتهاوى مع انهيارات الأبنية.

ـ أنت يهودي، لماذا عدتَ في هذا الوقت؟ وسط الجهاديين الذين يحلمون بقطع رأسك؟

ـ عدتُ لأني يجب أن أعود.

ـ أنا أريد الابتعاد، لم يعد هذا المكان آمناً، ستعتقلني المخابرات، أو يقتلني الجهاديون، ألا تخشى منهم؟

ـ لا.

ـ لا تخشى منهم؟

ـ لا.

ـ ماذا تريد؟

ـ عليّ أن أنجز ما ينبغي عليّ إنجازه، بعدها يمكنني المغادرة.

ـ وما هو الذي يتوجب عليك إنجازه؟

ـ إخراج ما أخفيناه في هذا المكان في تلك السنوات، ثم عليك أن تنتبه إلى أنه لم يعد هناك فارقٌ كبير بين أن تكون سورياً أو أن تكون يهودياً، تماهينا معاً، عليكم أن تعرفوا هذا، سواء كنتم مسلمين أو مسيحيين.

***

أنزل درجات بيتي الثماني والتسعين، وأعبر الرصيف العاصف بالطلاب والطالبات، إلى ضفة الجامعة، أقرأ كل عناوين الكتب في بسطات الحلبوني، وأتفقّد لحاء شجرة الكينا العملاقة على منعطف الجسر، لكني لا أنعطف إلى الجسر، أدور حول شجرة الكينا، وأمضي إلى السور الأبيض يساراً، ثم يظلّني ظلّ الأسدين العملاقين في المتحف، وفي وسط المسافة قبل زاوية السياج الحديدي لحديقة المتحف، أنزل درجات التكية السليمانية من جهة الغرب، آثار المعمار سنان في تفاصيل المكان، ورائحة رذاذ الماء على الأحجار الصغيرة المرصوفة في طرقات تتماوج على هواها، ممشى بين الشجيرات، تميل عليه القبة المصبوبة من رصاص بين مئذنتين مستوحشتين، في آخر الدرب الخضراء تلك، ينفتح باب على عالم ناجي، حيث أكون قد وصلت إلى قريبي البسيط والعادي والغامض في آن معاً.

***

عاد إخاد اليهودي إلى دمشق أيضاً، ليكون آخر اليهود المتبقين فيها، بالإضافة إلى عجوزين تجلسان قرب حائط الكنيس المتهدم، جاء ليشهد التحولات، على عتبات السنة التي انفجر فيها الشعب غضباً، أراد أن يسكن في البيت المهجور، مهجوراً مثله، لا تمر عليه الأحداث التي ستقع، ولا تهوي عليه قذائف هاون من السماء، ولا تقتحم عليه البيت وحوش لا تميّز اللون والدين والعرق، تقتل من أجل سيدها في القصر، وتفرّغ شرّها مثل سمّ العقارب المعتّق.

***

كان رجلاً ماكراً، عميق الشر، وكانوا ينظرون إليه على أنه أعظم شخصية ظهرت في تاريخهم بعد علي بن أبي طالب، الذي كان إلهاً، في معتقداتهم، ولذلك فقد ورث الرئيس تلك الصفة عنه، فهو إلهٌ بالضرورة.

“ليس مجرد ضابط، ولا سياسي عادي” هذا ما كنت تسمعه ممن يتحدثون إليك بصدق عن نظرتهم إلى علويّ منهم، حتى أولئك البسطاء، منهم، الذين كانوا يسيرون خلفه بعماء، وساروا خلف ابنه من بعده بالعماء ذاته، كانوا يدركون أن الإمام معصوم عن الخطأ، حتى لو بدا للعالم كله أنه خطأ، فالفارق كبير بين الإنسان العادي والإله، وهذا إلهٌ من إله.

“لكن هذا الإله، في الفترة الأخيرة، أخذت تظهر عليه علامات التغيّر، وبات يتصرف بصورة غير متوقعة” هذا ما قالته لي من كانت تزوره في مكتبه، في القصر الجمهوري، أو في قصوره في جبال الساحل السوري، وتقضي ساعات معه على انفراد، كان القلق والخوف مكتوبين في عينيها بحروف واضحة أمامي.

***

اجتمعت الأسرة، وقرّرت قراراً لا رجعة فيه، لحفظ صورة وتاريخ الرجل، وكي تتمكن رسالته ورسالة شعبه من الاستمرار في الوجود، وكان المجتمعون دائرة ضيقة جداً، اقتصرت على الأبناء والبنت وزوجها والأم وشقيقها وولديه.

***

كنا محبوسين في هذا القبو، إرادياً، لا يد لأحد في تقييد حركتنا، كان بوسعنا، في أيّ لحظة صعود تلك الدرجات الحجرية الرومانية القديمة، وفتح الباب والذهاب، كلٌ في سبيله.

لكننا بقينا، بينما كان يصلنا غبار الدمار من الخارج عبر فتحات السقف الخشبي، أو من تحت الباب، أو من الطاقات الضيقة التي كان يأتي منها نور خافت بارد سرعان ما يضيع في ظلام القبو.

***

ـ عليك أن تشرح لي رأيك الذي تكرّره، كيف يمكن لهذه الأرض أن تكون أرضاً للجميع، وفي الوقت ذاته ليست لأحد؟

ـ هل هو صعب لهذه الدرجة؟

ـ ليس صعباً، لكني لم أفهمه.

ـ الأرض لا تقبل الهوية الواحدة، وإن حاولت العصب والشعوب، لكن سرعان ما تنقلب الأرض على هذا التفكير، وتبدأ بتشرّب الهويات الجديدة، وقد يحاول الإنسان رفع صوته بالحق التاريخي، والأرض التاريخية، ومن هذه القصص، لكن هذا لا ينفع، كلّه يفشل.

ـ الواقع إذاً أنه لا يوجد حق تاريخي؟

ـ لا يوجد حق تاريخي.

ـ وكيف تبرّر مطالبات الإسرائيليين والعرب والأكراد والسريان والآشوريين بحقوقهم التاريخية إذاً؟

ـ وماذا عن حقوق اليهود الأرثوذكس والكتبة من نسّاخ الشريعة وخبراء الناموس، والفريسيين، والصدوقيين الأكابر، والهيرودسيين، أشكناز وسفرديم؟

ماذا عن المسلمين السنّة، ماذا عن المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة، ماذا عن الوهابيين؟ وماذا عن الشيعة، جماعة الولي الفقيه، والعلويين والإسماعيليين والدروز، ماذا عن المسيحيين الشرقيين والغربيين، الروم والسريان والكاثوليك والموارنة؟ ماذا عن الحق التاريخي لكل هؤلاء؟

ـ لكن أليس هذا طبيعياً؟ في العالم كله؟

ـ أنت تضحكني يا صديقي… وهل العالم طبيعي حقاً؟

***

كان قد بدأ يتعمّد إطالة يده في يد المرأة التي تصافحه برهبة وتقديس، بينما كان إبهامه يمر على عروقها الزرقاء، يدور صانعاً دواماتٍ من الذعر الذي ينتقل إلى نبضها عبر الدم المرتعش.

لم يعد يلتزم بهيئته التي يعرفها الجميع، ولم يعد صامتاً كتمثال، كان يحدّثها عن السياسة الدولية، وفجأة يسألها عن أحوال أسرتها، ثم ينتقل إلى الحديث عن صديق عمره، صلاح جديد، الذي طعنه في الظهر، ثم يطلب منها أن تتكلم، ويطمئنها إلى أنه ليس مخيفاً كما يظهر في الصور، وقد آن لها بعد كل تلك اللقاءات أن تعرفه على حقيقته.

هو إنسان بسيط، يقول عن نفسه، لا يريد من الدنيا شيئاً، بضع حبات من الزيتون الأسود، ويسميه العلويون “العطّون” أو “العيطون” وخبز رقيق، ولو توفر “الشنكليش” الجبن المدفون في التراب، سيكون عالمه كاملاً حينها.

لم تكن تصدّق هذا، ولعلها كانت تصدّقه، فلا يمكن للإله أن يكذب، لكن كان يصعب عليها أن تتخيله، فتكمل دائرة أسئلتها بالقول “بالعكس، لا يمكن لي أن أستغرب هذا، فكيف يمكن للإله أن يكون إن لم يكن على هذه الصورة؟ إله البساطة، إله الأرض، إله العلويين”.

***

بدأ يحدّث نفسه في غرفته الفخمة، سجنه الخاص، صحيح أن الممرضات لا ينقطعن عن التردد عليه، لكنه يبقى وحيداً بين المرور والآخر لإحداهن.

“هل سأمضي حياتي هنا؟ وحيداً؟ مثل صلاح جديد؟ مثل الآخرين؟”.

كان صوته يرعد داخل صدره، لكنه لم يكن يتكلّم، كان يشخص ببصره، بالعينين ذاتهما، اللتين عرفهما الناس، عيني القوي الذي لا رحمة في قلبه، لكنه خلف تلك العينين، كان وحيداً وخائفاً من شيء واحد، أن يمضي الوقت وحيداً مثل صلاح جديد والآخرين.

***

نقلب الورق، هائل اليوسفي وأنا، وندرس الملاحظات الواردة في محاضر التحقيق مع إيلياهو كوهين، أشياء كتبها القاضي الضللي، وأشياء كتبها الضباط المحققون، وأشياء كتبها آخرون لا نعرف من هم.

ـ هل تعتقد يا أستاذ هائل أن كوهين كان جاسوساً؟

ـ طبعاً، وهل تشك في هذا؟

ـ لا أشك، بل إني أذهب أبعد، هذا الرجل لم يكن جاسوساً في يوم من الأيام، هو يقوم بمهمة وطنية كبرى، كما كان يعتقد، ليس هو فقط، بل الذين كانوا يشرفون على تحريكه، والذين تعاونوا معه. لم تكن المعلومات هي ما يبحث عنه كوهين.

ـ كان يملك أجهزة إرسال للبرقيات المشفّرة، أصلاً هي التي كشفته، هذا معروف.

ـ نعم، هذا ما قيل.

ـ ما قيل هو ما حصل.

ـ لا، ما قيل هو ما أرادوا قوله، ما حصل، أمرٌ آخر.

***

ـ أنا عاصرت هذا.

قال لي ناجي، كنت أحاول استدراجه إلى ذلك الزمن.

ـ وهل كنت تشعر أن شيئاً ما غير عادي سيحدث، من خلال عملك في الشعبة الثانية؟ أقصد هل كان المناخ يشي بترقب ما؟

ـ لا أبداً، كان كل شيء طبيعياً، كنا نعتقل الناس، الشيوعيين خاصة، الإسلاميون لم يكونوا مشكلة، كانت لديهم أفكار لا تشكل خطراً على الدولة.

ـ كان عبدالناصر يعدمهم، وأنتم كنتم ترون أنهم لا يشكلون خطراً على الدولة!

ـ إسلاميو مصر غير إسلاميي سوريا.

مرّ هذا الحديث برأسي، وأنا أجلس أمام عصام العطار في بيته في آخن غرب ألمانيا، بعد سنوات، لم أكن أراه رجلاً ينتمي إلى اللحظة التي كنت أقابله فيها، كنت أنظر إلى الستينات، وأسأل: لماذا تركتم الآخرين يستولون على السلطة طواعية؟ ولماذا رفضتم المشاركة في الحكم؟ كانت الحياة السياسية في سوريا تسمح لكم بذلك؟

كان العطار بسنواته الست والثمانين يبتسم، يجيب بكلمات هاربة “نحن أخي إبراهيم، كانت أهدافنا أبعد من سوريا، سوريا كانت قطعة صغيرة من العالم الذي حلمنا بتغييره”.

ـ نعم، حلمتم بتغيير العالم، فسلّمتم سوريا للعسكر والطائفيين، بعد أن حاربتم العلمانيين؟

ـ هذا ما حصل، ولكن ليس هذا ما كنا نتوقعه.

***

تعلو أصوات القذائف وترتجّ الأرض بنا، تصل الاستغاثات الخافتة، والأنين، وهلع الأطفال من كرة اللهب التي لم نكن نراها من قبونا السرّي، ولكننا كنا نتخيلها، لم يكن لدينا جهاز تلفزيون، ولم نكن نعرف ما الذي يحدث في الأعلى، نعرف بدايته فقط، غير أننا لم نفهم، طواعية، كيف مضت الأمور.

كنت أكتب، وكان يقرأ، لا يدور بيننا، ما يحدث عادة في الأفلام السينمائية والروايات، فلا يفكر واحدنا بالشك بالآخر، أو بالانقضاض عليه، أو بالتهامه كما حين يضيع اثنان في الصحراء، بعد أن يتضور الاثنان جوعاً.

أحياناً كنت لا أفعل شيئاً، بينما هو يقضي الوقت في الصلاة والتأمل، وفي أحيان أخرى، كنت أدرس الحجر وتكويناته، وأتخيّل زمن بنائه، ومن بناه على هذا المنسوب من الأرض، ومن أين أحضره من بناه؟ من ريف حلب، أم من محيط قاسيون والقلمون أو طريق عدرا حيث مقالع الصخر؟ وما الذي يمكن أن يكون قد خبأه أحدهم فيه كما فعلت أنا وصديقي هذا قبل سنوات.

بعض الناس، اعتقد أنني استعملت الترميز العالي، حين تحدثت عن إخفاء مخطوطات في هذا القبو، ربما كي أشير إلى معنى ما، رسمته على شكل مخطوطات، لكن الحقيقة أن الواقع يحمل رمزية عالية وحده، دون أن نقوم بترميزه نحن.

وما يحدث في الحياة الحقيقية، لا يقل إدهاشاً، وقد يكون، ولا بد أن يكون أكثر سحراً من الخيال والأدب والروايات والشعر والسينما.

وحين سيقرأ العالم في وكالات الأنباء، بعد سنوات، أخباراً تتحدث عن نقل مخطوطات تاريخية ذات قيمة دينية، من دمشق إلى إسرائيل، في عمليات للكوماندوس الإسرائيلي، تمت تحت جناح الليل، وحين تظهر تلك المخطوطات والقطع في متاحف الدولة اليهودية، حينها سيتضح أن الواقع الذي كتبت عنه، كان واقعاً حياً لا مجرّد ترميز، فطمر الكنوز والأسرار، من أكثر العادات الشعبية السورية عراقة وتقديساً، كان سائداً في القديم، ولم ينقطع يوماً.

***

لم يكن الموت قدراً هذه المرة، كان خياراً، وكان من الأفضل أن يعلنوا موته، فمن سيمسك بالخيوط إن مات فجأة؟ لا شك أنها ستنفلت على الفور من بين أيديهم، ولذلك كان عليهم أن يقتلوه قبل أن يقتله الشعب.

***

ولم يكن الموت قدراً لهؤلاء الذين يسقطون فوقنا ونحن نسمع صوت ارتطام عظامهم بالحجر الحي على الطريق، كان خياراً بدوره، وكان خياراً لذيذاً لليائسين، أعيد الآن كلمات صديقي الممثل السوري فارس الحلو، الذي كنت ألتقيه في بستانه في قلب دمشق، في منطقة العدوي، حيث كان يؤسس مسرحاً ومشاغل للنحت والنشاطات الثقافية، وينتقل من البستان إلى البيت القديم في الوهدة خلف شجيرات التين، على بعد أمتار، كان فارس يفلسف لحظة الخروج في مظاهرة، ويبحث لها عن شرعية إنسانية، في فهمه لقرار الإنسان بالخروج عاري اليد والصدر أمام رصاص المخابرات السورية “الطلقة ليست مهمة، الرصاصة ليست هي القصة، وأنت إذا سمعتها، فهذا سيعني أنها تجاوزتك ولم تقتلك، لأن صوتها سيأتي بعد خروجها من فوهة البندقية، هذا خبر سار، وإن كانت الرصاصة ستقتلك فلن تتمكن من الشعور بها، لأنهم يستهدفون الرؤوس، والرصاصة التي تصيب الرأس لن تعطيه فرصة للشعور بالألم”.

***

لم يكن الموت قدراً، للذين حملوا السلاح للدفاع عن إلههم، كان اختياراً.

***

أجلسوني مع فيديو لسليمان العيسى. وقالوا لي إن عليّ أن أستمع وأشاهد أناشيده وشعره القديم. وكيف لا يفعلون هذا وهم يرون أني قد حققت ما قاله وما حلم به.

رأيته عجوزاً صامتاً مثل شبح بلا وزن. بينما ظللت أطرق متأملاً في العميق كما أظهر في صوري الرسمية.

كان يقرأ. وكنت أتذكر كيف كنا نسمع قصائده الأولى في الضيعة وتحت السنديانة وفي المدينة البحرية اللعينة.

*النص فصل من رواية تصدر قريبا


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا