إبادة حضارة سوريا

الجديد  أسامة حبشي [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(57)]

لوحة: رندة مداح
نحن في الوجع والألم نسير وكأنّنا نسير في شرخ مرآة الزمن بلا توقف، كل ما يحيط بنا صار مرعبًا ومقززًا، ومنهكًا لكل جميل بداخلنا، في لحظة وأخرى نرى دولا تزول من الخريطة، ودولا أخرى تصارع من أجل عدم المحو من أرضها وأهلها.. وكأنّ الأمر يشبه وضع اليد كالغمامة على العين، والعين تذهب في ظلامها بلا عودة، والظلام بحافة النهر، والنهر أماتته طلقة من مستعمر، وطلقة من ابنه، وبات الغد كالأمس قاتما، ومصبوغا بدم الحاضر، الدّم ينبت في فلسطين، ويفوح من العراق، وسوريا تفضح كهنة الدّم وتجاره، سوريا التي شهدت مالم تشهده هيروشيما وناجازاكى.. والكتابة كيف تكون دون دم، كيف تكون دون رصد للهدم وللتشريد، ولكنها تحتاج لفهم أيضًا، والكل في متاهة عدم الفهم يغوص.. الكاتب الآن في وضع لا يحسد عليه! زخم من القتل وزخم من التطورات التاريخية التي لن يسامحنا عليها التاريخ مطلقًا، والحرف يعجز عن التعبير عن طفل يموت بجانب حائط أو داخل بيته، كم من اللاجئين أصبح في زيادة مرعبة، وكم من الدّم لا يطاق، وأنت ككاتب مطالب أن تكتب؟!

إن الحضارات الكبرى ينتقم منها، ويراد لها الزوال، ونحن في زمن حضارة الدّم والقتل، قامت أميركا على القتل والإبادة لحضارة الهنود الحمر وتحاول الآن إبادة حضارة سوريا كما قتلت حضارة العراق، عِشتار يُنتهك أثرها، وتغتصب حدائقها وأنهارها، وكذلك حضارة الفينيقيين سرقها اليهود من قبل ويحاولون الآن إبادة كلّ ما يمتّ لتلك الحضارة مرة أخرى.

والدين هو لبّ فكرة القتل الآن تحت ما يسمى بداعش وغيرها وكلنا نعلم من أين خرجت وأين تمت صناعتها، وهذا ما يرجعنا مرة أخرى لكهنة الدين أو كهنة الدّم كما قلت في رواية “حجر الخلفة” التي صدرت 2013، الكهنة فقط وصانعو الكتب المشكوك في قدسيتها ومن تَبعهم هم من أرادوا تغليف الآلهة بلغات الدّم من خلال نواميس سرمدية تخصّهم وتخص حدسهم المخلوط برغبات حسية مطلقة من أجل السيطرة على الآخر، فاغتالوا عن قصد لحظة الكشف ولحظة فيضان الجمال من كل شيء، اغتالوا لحظة التعري الكامل أمام الطبيعة، وسجنوا البراح اللامنتهي في بضع كلمات تنهى ذاك عن فعل هذا وتأمر هذا بفعل ذاك.


كاتب من مصر