شعر‭ ‬لا‭ ‬ينقذ‭ ‬العالم

“شطح‭ ‬الولد”‭. ‬قلت‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬وأنا‭ ‬أقلّب‭ ‬سؤالاً،‭ ‬“هل‭ ‬بإمكان‭ ‬الشعر‭ ‬أن‭ ‬ينقذ‭ ‬العالم؟”‭. ‬هل‭ ‬بإمكانه‭ ‬حقاً؟‭ ‬سؤال‭ ‬مائع‭. ‬ولكنه‭ ‬يبقى‭ ‬سؤالا‭. ‬له‭ ‬وزنه‭ ‬الفلسفي،‭ ‬وقلة‭ ‬قليلة‭ ‬ممّن‭ ‬يهتم‭ ‬بتدويره،‭ ‬لم‭ ‬أعتقد،‭ ‬صدقاً،‭ ‬أنّي‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭. ‬أرّقني‭ ‬السؤال‭ ‬أشهرا‭ ‬عدة،‭ ‬وأعترف‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أهتم‭ ‬بقراءة‭ ‬من‭ ‬حاول‭ ‬التنطّع‭ ‬للإجابة‭ ‬عنه‭. ‬كما‭ ‬لن‭ ‬يهمهم‭ ‬أن‭ ‬يقرؤوا‭ ‬إرهاصاتي‭ ‬هذه‭. ‬لأعزّي‭ ‬نفسي،‭ ‬وأخفّف‭ ‬من‭ ‬إحراجي‭ ‬البادي،‭ ‬قلت‭ ‬لصديق‭ ‬بصوت‭ ‬عالٍ‭: ‬إن‭ ‬قيمة‭ ‬السؤال‭ ‬يكمن‭ ‬أحياناً‭ ‬بما‭ ‬يرفعُ‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬من‭ ‬أشنيات‭. ‬يصبح‭ ‬التفكير‭ ‬محض‭ ‬تحريك‭. ‬دوّر‭ ‬بمغرفتك‭ ‬الكبيرة‭ ‬بحيرة‭ ‬المياه‭ ‬الراكدة‭ ‬هذه،‭ ‬و”تفرّج،‭ ‬يا‭ ‬معلم”‭. ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬أتاني‭ ‬سؤال‭ ‬كهذا؟

الجديد  حسام جيفي [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(141)]

لوحة: عدي الأتاسي
كتب ‬دعتني‭ ‬جامعة‭ ‬دوك‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2016‭ ‬لأشارك‭ ‬بندوة‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬دعتني‭ ‬“كشاعر”،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أعتده‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬اعتدت‭ ‬أن‭ ‬أُدعى‭ ‬“كطبيب”،‭ ‬وبالأخص‭ ‬كطبيب‭ ‬نفسي‭. ‬يعني؛‭ ‬أن‭ ‬أتوقع‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬“التداخلات”‭ ‬و”العلاج”‭ ‬و”الشفاء”،‭ ‬وعوامل‭ ‬الخطر،‭ ‬ومحفّزات‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭. ‬أدواتي‭ ‬‭(‬الطبنفسية‭)‬‭ ‬أعرفها،‭ ‬اختبرتها،‭ ‬غيّرت‭ ‬بها‭ ‬‭-‬أو‭ ‬يحلو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أتخيّل‭ ‬أنّي‭-‬‭ ‬حيوات‭ ‬بشر‭ ‬كثيرين‭. ‬بالمقابل،‭ ‬أدواتي‭ ‬الشعرية‭ ‬لا‭ ‬أراها‭ ‬مجدية‭. ‬ومعالم‭ ‬تأثيرها‭ ‬‭-‬إن‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭-‬‭ ‬تتبدى‭ ‬كخيط‭ ‬يلفّ‭ ‬قماش‭ ‬كفن‭ ‬ضحية‭ ‬واحدة،‭ ‬في‭ ‬مجزرة‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬مؤلفة‭. ‬ضئيل،‭ ‬تافه،‭ ‬غير‭ ‬مهم‭.‬

عجز‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬مدولب‭ ‬يجرّه‭ ‬شاعر‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬للشعر‭ ‬أن‭ ‬يقدّمه‭ ‬للعالم‭ ‬اليوم،‭ ‬ولمَ‭ ‬ذهبت‭ ‬بجعبة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬فارغة؟‭ ‬ورطة‭ ‬حقيقية‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحين‭ ‬موعد‭ ‬قراءتي‭ ‬لبعض‭ ‬القصائد،‭ ‬سمعت‭ ‬قصصاً‭ ‬ألفتها،‭ ‬كطبيب،‭ ‬عن‭ ‬قهر‭ ‬إنساني‭ ‬مزمن‭. ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬مركّبة،‭ ‬وموت‭ ‬بطيء‭. ‬عن‭ ‬هشام‭ ‬الطفل‭ ‬والشاهد‭ ‬الوحيد‭ ‬على‭ ‬مصرع‭ ‬أبيه‭ ‬ذبحاً،‭ ‬والذي‭ ‬أراد‭ ‬في‭ ‬العيد‭ ‬بندقية‭ ‬كلاشينكوف‭ ‬بدل‭ ‬الدمية‭. ‬وعن‭ ‬أمّه‭ ‬فاطمة‭ ‬التي‭ ‬دفنت‭ ‬زوجها‭ ‬ونصف‭ ‬أولادها‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬ونزحت‭ ‬مع‭ ‬النصف‭ ‬الآخر،‭ ‬وماتزال‭ ‬تحاول‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬عالمها‭ ‬الجديد‭. ‬عن‭ ‬وعن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المآسي‭ ‬البشرية‭. ‬فعلاً‭ ‬أحسست‭ ‬بتفاهة‭ ‬ما‭ ‬أملك‭ ‬تقديمه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭. ‬ماذا‭ ‬سأقول‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا؟‭ ‬هل‭ ‬حقّاً‭ ‬يغيّر‭ ‬الشعر‭ ‬شيئاً؟

سؤال‭ ‬ملغوم،‭ ‬خبيث،‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬على‭ ‬السطح‭. ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أستجمع‭ ‬أفكاري‭ ‬وأفصّل‭ ‬تسريبة‭ ‬معينة‭ ‬تقنعني‭ ‬بجدوى‭ ‬وقيمة‭ ‬ما‭ ‬سأقوم‭ ‬بفعله‭. ‬حسناً،‭ ‬ليس‭ ‬المقصود‭ ‬بالـ”تغيير”‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬الوقائع‭ ‬وتبديل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬من‭ ‬نزف‭ ‬نفسي،‭ ‬إنما‭ ‬‭-‬ربما‭-‬‭ ‬تغيير‭ ‬تجربة‭ ‬فاطمة‭ ‬الانفعالية‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬حصل‭. ‬“دعني‭ ‬أشرح‮…‬”،‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬صديقي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يستمع‭ ‬لهذياني‭ ‬بكل‭ ‬أدب‭ ‬وصبر‭ ‬ونحن‭ ‬ننتظر‭ ‬الحافلة‭ ‬التي‭ ‬ستقلّنا‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭. ‬“تخيّلْ،‭ ‬هذه‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬أطفالها‭ ‬ونزحت،‭ ‬وهي‭ ‬تعيش‭ ‬يومياً‭ ‬مع‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬السوداء،‭ ‬تلوم‭ ‬الذات،‭ ‬والآخرين،‭ ‬وتوجّه‭ ‬غضبها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬أفكارها‭ ‬تمسك‭ ‬بيد‭ ‬المشاعر‭ ‬وتجرّها‭ ‬جرّاً‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭. ‬لم‭ ‬تسنح‭ ‬الفرصة‭ ‬لفاطمة‭ ‬كي‭ ‬تعالج‭ ‬ذهنياً‭ ‬ما‭ ‬مرّ‭ ‬بها‭ ‬وبعائلتها‭. ‬عَبَرَت‭ ‬هي‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬تبقّى‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬برّ‭ ‬الأمان‭. ‬حدوداً،‭ ‬من‭ ‬قرى‭ ‬وبشر‭ ‬وبلاد‭. ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تسير‭ ‬“أوتوماتيكيا”‭ ‬مدفوعة‭ ‬بغريزة‭ ‬البقاء‭. ‬الآن‭ ‬يمكن‭ ‬لحياتها‭ ‬النفسية‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬في‭ ‬محاور‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتباينة‭. ‬هل‭ ‬تجد‭ ‬حيّزاً‭ ‬آمناً‭ ‬لتحاول‭ ‬فيه‭ ‬استيعاب‭ ‬ما‭ ‬حصل،‭ ‬وتلبسه‭ ‬معنى‭ ‬ما؟‭ ‬هل‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬بيدها‭ ‬لخلق‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الجديد؟‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬المعنى‭ ‬المخلوق‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭. ‬فضفاضاً‭ ‬عليها‭ ‬ربما‭. ‬عباءة‭ ‬واسعة،‭ ‬متهدّلة،‭ ‬تخفي‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تظهر‭. ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬تعدّل‭ ‬فاطمة‭ ‬من‭ ‬مقاسات‭ ‬المعنى‭ ‬وتطرّزه‭ ‬بالألوان،‭ ‬والكتابات‭ ‬الحبرية‭. ‬قلت‭ ‬مستطرداً‭ ‬“هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬حيّز‭ ‬آمن‭ ‬هو‭ ‬حتماً‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬الشعر‭ ‬تقديمه”‭. ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬بورقة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬الموبايل‭ ‬أو‭ ‬جهاز‭ ‬اللابتوب،‭ ‬تأخذ‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬الوراء،‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬داخلها،‭ ‬تراقب‭ ‬وتدوّن‭ ‬ما‭ ‬ترى‭. ‬بلا‭ ‬فلاتر،‭ ‬بلا‭ ‬أحكام‭. ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬انعكاساتها‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬هو‭ ‬الكتابة‭ ‬وهو‭ ‬الشعر‭. ‬بأيّ‭ ‬شكل‭ ‬أو‭ ‬نوع‭ ‬كان‭. ‬ربما‭ ‬ستحتاج‭ ‬فاطمة‭ ‬لمن‭ ‬يمسك‭ ‬يدها‭ ‬بالتجربة‭ ‬ويساعدها‭ ‬ويشجعها‭ ‬على‭ ‬الكتابة،‭ ‬ولكن‭ ‬النتيجة‭ ‬واحدة‭. ‬إذا‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تطلق‭ ‬ذاك‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬بداخلها‭. ‬أن‭ ‬تصغي‭ ‬إليه‭ ‬بتمعّن‭. ‬أن‭ ‬ترسمه‭ ‬على‭ ‬الورق‭. ‬تشريح‭ ‬النفس،‭ ‬هو‭ ‬الشعر‭. ‬أن‭ ‬ترمّم‭ ‬عجينة‭ ‬الذات‭ ‬اللدنة‭. ‬تخلق‭ ‬جذعاً،‭ ‬تخلق‭ ‬طرفاً،‭ ‬تربّي‭ ‬إلهاً‭. ‬هو‭ ‬الشعر‭. ‬أوليست‭ ‬هذه‭ ‬إحدى‭ ‬خصائص‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬أيضاً؟

شعر‭ ‬وقراءة‭ ‬وخيالات‭. ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬دوك،‭ ‬غمرني‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالشعر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المؤلمة‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭ ‬الإنساني‭. ‬ربّما‭ ‬ثمة‭ ‬للكلمة‭ ‬مكان‭ ‬وسط‭ ‬العجز‭ ‬المستمر‭. ‬“ربّما‭ ‬أعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬بالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬اعتلجني‭ ‬لأشهر‭!‬”‭. ‬قلت‭ ‬ولم‭ ‬أنتبه‭ ‬إلى‭ ‬أنّي‭ ‬حاججت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬بصوت‭ ‬عال‭ ‬وبحماس‭ ‬أمام‭ ‬الصديق‭ ‬الذي‭ ‬حلا‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يجاملني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الباذخة‭ ‬من‭ ‬فتل‭ ‬العضلات‭ ‬والشوارب‭ ‬الذهنية‭. ‬“من‭ ‬حظي‭ ‬أنك‭ ‬صافي‭ ‬البال‭ ‬هذا‭ ‬المساء”‭ ‬قلت‭ ‬مداعباً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أصعد‭ ‬حافلة‭ ‬الرحيل‭ ‬وأسمع‭ ‬تعليقه‭ ‬النصف‭-‬مشاكس،‭ ‬“فليكتب‭ ‬الجميع‭ ‬شعراً،‭ ‬لعلنا‭ ‬نغيّر‭ ‬العالم”‭. ‬أردت‭ ‬فعلاً‭ ‬أن‭ ‬أصدّقه،‭ ‬ولكنني‭ ‬رفعت‭ ‬أكتافي‭ ‬محتاراً،‭ ‬وتابعت‭ ‬التحديق‭ ‬في‭ ‬انعكاس‭ ‬جميل،‭ ‬يشبه‭ ‬يداً‭ ‬مفتوحة‭ ‬تمتد‭ ‬نحوي،‭ ‬طبعتها‭ ‬مصابيح‭ ‬الطرق‭ ‬على‭ ‬زجاج‭ ‬الحافلة‭.‬


شاعر من سوريا مقيم في بوسطن/أميركا