‬سيبويه‭ ‬روائيا

‮«‬تعويذة‭ ‬العيفة‮»‬ وكاتب‭ ‬يزوغ‭ ‬كلاعب‭ ‬كرة

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(148)]

من‭ ‬يعرف‭ ‬توفيق‭ ‬العلوي‭ ‬مثلي‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬زميلا‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬بمنوبة‭ ‬نابغة‭ ‬جيله‭ ‬في‭ ‬النحو‭ ‬العربي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬زملاؤه‭ ‬الذين‭ ‬لقبوه‭ ‬بسيبويه‭ ‬زمانه‭ ‬كلّما‭ ‬استعصى‭ ‬عليهم‭ ‬إعراب‭ ‬مفردة‭ ‬أو‭ ‬تفكيك‭ ‬جملة‭ ‬أو‭ ‬لإيضاح‭ ‬لبس‭ ‬بين‭ ‬حال‭ ‬وتمييز‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬الالتباس‭ ‬بينهما،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يراوده‭ ‬شك‭ ‬أنّ‭ ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬افتكّه‭ ‬النحو‭ ‬من‭ ‬نادي‭ ‬اتحاد‭ ‬جبل‭ ‬الجلود‭ ‬بالعاصمة‭ ‬وملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم اللعبة‭ ‬التي‭ ‬أتقن‭ ‬جملها‭ ‬وتراكيبها‭ ‬ووظائفها‭ ‬وعشقها‭ ‬تماما‭ ‬كعشقه‭ ‬للغة‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬شأن‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬اللغوية‭ ‬وسيصبح‭ ‬عالما‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربيّة‭ ‬وأسرارها‭ ‬وأستاذا‭ ‬كبيرا‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسيّة،‭ ‬ولكنه–‭ ‬وهذه‭ ‬المفاجأة‭ ‬العظمى-‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬أنّ‭ ‬العلوي‭ ‬الذي‭ ‬قضّى‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬يرحل‭ ‬بين‭ ‬متون‭ ‬النحو‭ ‬القديم‭ ‬ومدوّنات‭ ‬اللسانيات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬يتحفنا‭ ‬هذه‭ ‬الأيّام‭ ‬بإبداع‭ ‬أدبي‭ ‬تحلّق‭ ‬فيه‭ ‬اللغة‭ ‬بعيدا‭ ‬بأجنحة‭ ‬الخيال‭ ‬في‭ ‬أنطولوجيا‭ ‬الولادة‭ ‬والموت‭ ‬والحب‭ ‬والغياب،‭ ‬تتجاسر‭ ‬على‭ ‬الممنوعات‭ ‬والحياء‭ ‬تمزج‭ ‬الشفوي‭ ‬بالمدوّن‭ ‬والشعبي‭ ‬بالعالم‭ ‬وتعقد‭ ‬قرانات‭ ‬بين‭ ‬نقائض‭ ‬خلناها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقترن‭ ‬البتّة‭ ‬متحرّرة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬روحها‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬من‭ ‬عقلانية‭ ‬النحو‭ ‬ومراقبته‭. ‬النحو‭ ‬يميت‭ ‬اللغة‭ ‬ويقتل‭ ‬الإبداع‭ ‬ويراقب‭ ‬اللغة‭ ‬مراقبة‭ ‬الشرطي‭ ‬للخارجين‭ ‬عن‭ ‬النسق‭ ‬والنظام،‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للعدول‭ ‬والانزياح‭ ‬فيه،‭ ‬كل‭ ‬انزياح‭ ‬وتجوّز‭ ‬اختراق‭ ‬لممنوع‭ ‬ومحرّم‭ ‬–‭ ‬هكذا‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬اعتقدنا-‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬لنحويّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬روائيا‭ ‬ومبدعا؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‮ ‬‭ ‬المعجزة؟

الإعجاز بدوره قضيّة لغوية بامتياز في الثقافة العربيّة الإسلاميّة والعارف بأسرار اللغة وإكراهاتها وقواعدها ومعجزاتها وكراماتها، بل العالم بالأساليب التي تتحدّث بها عن نفسها لقادر أن يذعنها ويطوعها لتتحدّث عمّا لا يمكن لأوّل وهلة أن تتحدّث به وأن تتكلّم اللغة على اللغة بلغة أخرى غير التي عهدناها في كمّ هائل من الروايات العربيّة.

كان ذلك هو الإحساس الذي شعرت به وأنا أٌقرأ الصفحات الأولى من رواية “تعويذة العيفة” لتوفيق العلوي. أطمْئِن قلبي. “سيبويه روائيا”. كلّما تقدّمت في القراءة ازداد يقيني. لغة تتعتق من جملة إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر، مشروع متجدّد من فاتحة الرواية إلى قفلتها يسري سريان الماء في النهر. لو لم أخبر منذ عقود مضت قدرة العلوي على الروغان بكرة القدم وبمنافسيه في ملعب كلية الآداب بمنوبة لفوجئت بروغانه المذهل في السرد. لا يتوقف إلّا ليسرع ولا يخطو خطوات إلى الأمام إلّا وأرجعك إلى الوراء ولا يصيح بك ويناديك كما لم ينادك لاعب آخر ويشوّقك بأعجوبة لم تخطر لك على بال وعلى وشك الإنجاز حتى يتركك متلهفا لا تعرف وأنت رفيقه في الميدان وفي الهدف والوسيلة إلى آخر لحظة ما يخبئه لك في لحظة المتعة “متعة النصّ” متعة اللعبة البارتية التي تتوحّد فيها اللغة بالجسد في نظام واحد غير قابل للانفصام.

غيرّ أنّ هذا المستوى من الرواية على أهميته ليس هو الذي جعل أناملي ترتعش لأوّل وهلة لقراءتها على جناح السرعة. إنّه عنوانها واسم بطلها “العيفة” وتعويذته. شعرت بحسرة لا تضاهيها إلّا حسرتي على “العيفة الهويمل” نفسه وأنا أراه ثمّ أرى ابنته راضية في نهاية الرواية: الراضية واللّاراضية تدفعان ضريبة تسمية لم تختاراها لأنفسهما. كنت قد كتبت مقالا منذ مدّة ونشرته حول دلالات الأسماء عند العرب اعتمدت فيه على كتابات للجاحظ كثيرا ما كنتُ وتوفيق العلوي وثلّة من أقراننا في سنتنا الثانية بالجامعة نقتطف منها نصوصا لتقطيعها وترييشها نحويا معا دون الالتفات إلى مضامينها ودلالاته. من أفضل المصادر العربيّة القديمة التي نجد فيها قاموسا للأسماء الإشكالية التي قد يشعر بعض أصحابها بما شعر بها العيفة: لعنة التسمية هو كتاب الحيوان للجاحظ الذي عدّد فيه أسماء الحيوان التي أطلقت لدى العرب على الإنسان يقول الجاحظ “والعرب إنّما كانت تسمّى بكلب وحمار وحجُر [جمع حجَرٌ] أي الأنثى من الخيل وجُعل [ضرب من الخنافس] وقرد على التفاؤل بذلك وكان الرجل إذا وُلد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول ذئبا، تأوّل فيه الفطنة والخبث والمكر والكسب، وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجلد. وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت والكسب وغير ذلك”. ثمّ يمضي الجاحظ في تعداد الأسماء التي يبدو بعضها اليوم غريبا أشدّ الغرابة “أنّ العرب قد تركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة وسبع وهو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب كما نراهم يسمّون الرجل جملا ولا يسمونه بعيرا ولا يسمّون المرأة ناقة ويسمّون الرجل ثورا ولا يسمّون المرأة بقرة، ويسمّون الرجل حمارا ولا يسمّون المرأة أتانا ويسمّون المرأة عنزا ونعجة ولا يسمونها شاة.. والمرأة تسمّى كبشة وكُبيشة والرجل يُكنّى أبا كبشة. قال أبو قردودة ينشد شعرا [هزليا]: كُبيشة عرسي تريد الطلاقا *** وتسألني بعد وهن فراقا”.

لو لم أخبر منذ عقود مضت قدرة العلوي على الروغان بكرة القدم وبمنافسيه في ملعب كلية الآداب بمنوبة لفوجئت بروغانه المذهل في السرد. لا يتوقف إلّا ليسرع ولا يخطو خطوات إلى الأمام إلّا وأرجعك إلى الوراء

ثمّة صلة تربط العلوي بالجاحظ ليس في البيان والتبيين فقط، وإنّما كذلك في رمزية الأسماء وما يمكن أن نطلق عليه بـ”تراجيديا الأسماء عند العرب”. الذيب اسم من قاموس الأسماء للجاحظ العتيق هو اسم صديق العيفة في رواية العلوي، الشاب الباريسي أصيل القصرين ذو العينين الزرقاوين الذي من حسن حظه أنّ اسمه يُنطق في فرنسا المقيم فيها (addhib)، قريب على كلّ حال من أديب (ص32). من قال إن التراجيديا لا يمكن أن تتحوّل إلى ملحمة؟ الواقع: واقع الرواية وواقع الحياة يثبت ذلك فكم من اسم أطلقه على صاحبه أهله الفلاحون تعويذة مثل العيفة أو تفاؤلا بأن يكون طالع خير وخصب مثل “العزقال” ليعزق الأرض ويفلحها لتنبت حَبّا وحُبّا صار عند تحوّله إلى العاصمة البورجوازية طالب علم وحُبّ حملا ثقيلا تنوء بحمله الأرض والجبال ولكن بمجرّد أن يلتحق صاحبه بعاصمة الأنوار فارا بجلده واسمه حتّى يصير أزغال (Azghal) أشبه بالغزال يتغنّى بجماله كلّ لسان وترسمه على شفاههنّ البنات الحسان!

فاتني في مقالي المنشور وهذا سبب حسرتي ولم تصلني الرواية بعد اسم العيفة الذي فطنت أنّه يوفّر لي مادة ثريّة لدراسة تراجيديا الاسم ما لا توفّره لي الأسماء الجاحظية من التنقير في هذه الرمزية وتفكيك أوصالها. العيفة يختزل كما لا يمكن لاسم آخر أن يختزله، عصارة يمتزج فيه الموت بالحياة في نخب واحد كما لا يكمن أن يمتزجا في نخب آخر غيره. سمّي العيفة كذلك لأنّه كما يقول مدير المدرسة عند التحاقه بها لأوّل مرّة مخاطبا المعلّم الذي يصفه بأنّه تلميذ ممتاز كلّ ما فيه سمن وعسل إلّا اسمه. سامح الله الأولياء “اسمع أنا أعرف بعض تقاليد وعادات أهل القرية.. يجب أن تفهم طريقة التسمية في عائلة العيفة.. لقد توفي أربعة من إخوته، ولدان وبنتان ولم يتجاوز كلّ منهم السنين الأربع فسمّاه جدّه العيفة ليعافه الموت ويترك سبيله، وكذلك فعلوا بأخته معيوفة طريقة في التطيّر” (ص33) . هكذا سمّي العيفة عيفة ليعافه الموت فإذا بالحياة هي التي تعافه، ما زاد الطين بلّة هو لقبه “الهويمل”. أهمله الموت بقدر ما أهملته الحياة، فلا هو بالحيّ ولا هو بالميّت، في منزلة بين المنزلتين: حيّ ميت. قرأت منذ سنوات طويلة نصّا لفرويد حول الأسماء أظنّه من كتابه “السيكولوجيا المرضية للحياة اليوميّة” يحذّر الوالدين من مغبّة تسمية وليد باسم شقيقه أو شقيقها الميت. عندما يقع الوالدان في هذا الفخّ لأنّهما لم ينجزا عمل الحداد، بلغة النفسانيين على أحسن وجه سيعاملان الابن الحيّ معاملة الميت، يصير كما يقول فرويد موضوعا ميّتا حيّا (Un objet mort vivant) سيغدقان عليه حنانا وعطفا هو في الحقيقة ليس موجّها له وإنّما لشقيقه الغائب وما الغائب الحقيقي إلّا الحاضر. تسمية كارثية تهدّد الطفل بالانفصاميّة وبالسكيزوفرينيا. ليت فرويد حاضر بيننا ليقرأ “تعويذة العيفة” أو أحد تلامذته بما في ذلك أساتذة علم النفس بالجامعة التونسية ليدرك أنّ تركيبة هذا الاسم لجمعه في دال واحد التانتوس والإيروس الذي قد لا يوفّره أيّ اسم بالألمانية واللاتينيّة – والله أعلم- يلخّص الجبرية النفسية القاهرة للكبار رجالا ونساء التي عبّر عنها فرويد في قوله “الطفل أبو الرجل”. رحلة العيفة من الصِّبا مرورا بالمرحلة الطلابية بكلية 9 أفريل بالعاصمة المتزامنة مع العمل في حضائر البناء وبعد زواجه من مريم موظفة الداخليّة وإنجابه لبنت، كاتب مبدع ولكنه متخفٍّ ينشر روايات تلاقي نجاحا باهرا بهويّة، كاتب مجهول أطبقت عليه عقدة التسمية– الإخصاء: إخصاء الأب والدولة هي رحلة الهوية الجريحة، رحلة حياة موت لم تنته إلّا اليوم الذي أعلن فيه تحت قبة البرلمان عن هويته الحقيقية لينتقل من ضيق العبودية في البرلمان إلى رحابة الحرية وراء القضبان!

تعويذة العيفة هي تعويذتنا جميعا في تاريخ تونس المعاصر، تعويذة جيل الاستقلال الذي وُلد مع ولادة الدولة- اللّادولة الوطنيّة! وتذوّق ثمرتها، حلاوة وعلقما في ذات الوقت كمن يُجبر على أكل برتقالة: نصفها صالح للأكل والآخر للقمامة. جيل لم تفتح له الدولة -المدرسة أحضانها في كلّ شبر من تراب البلد لتعلّمه وتنتشله من براثن الجهل والتوحّش والبهيمية إلّا لتذيقه بعد ذلك من صنوف الهمجيّة والعذاب أطباقا متعدّدة الروائح والألوان.


كاتب من العراق