‬أسئلة‭ ‬نشأة‭ ‬السردية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة

اتجه‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة،‭ ‬اتجاهاً‭ ‬جديداً‭ ‬ذا‭ ‬عمق‭ ‬معرفي،‭ ‬مستنداً‮ ‬إلى منهجيات‭ ‬وطرائق‭ ‬تحليل‭ ‬خصبة،‭ ‬ورؤى‭ ‬مغايرة‭ ‬لم‭ ‬يألفها‭ ‬الخطاب‭ ‬النقدي‭ ‬التقليدي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المنجز النقدي‭ ‬الذي‭ ‬عُني‭ ‬بالآثار‭ ‬الشعرية‭ ‬واستنطاقها‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬الحديثة قد‭ ‬شهد‭ ‬توسعاً،‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الكتب،‮ ‬والندوات،‭ ‬والملتقيات،‭ ‬فإن‭ ‬الدراسات‭ ‬النقدية،‭ ‬والأبحاث‭ ‬المعنية‭ ‬بالآثار‭ ‬السردية‭ ‬ما زالت‭ ‬محدودة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬المظهر‭ ‬السردي‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬كونه‭ ‬يشكل‭ ‬إلى جانب‭ ‬النتاج‭ ‬المعرفي‭ ‬والشعري‭ ‬الهيكل‭ ‬الكلي‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬بتجلياتها‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية‭.‬

الجديد  ليلى الشهيل [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(150)]

من بين النقاد العرب الذين انتدبوا أنفسهم لمعاينة هذا المظهر وقراءة أنواعه المختلفة قراءةً منهجيةً تقوم على الاستنطاق والتحليل والتصنيف، الناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم، الذي صدرت له حتى الآن مجموعة كتب في هذا السياق منها: السردية العربية، المتخيل السردي، تحليل النصوص الأدبية، موسوعة السرد، والرواية العربية: الأبنية السردية والدلالية.

يتألف الكتاب الأخير (الصادر في طبعتين: الأولى ضمن سلسلة “كتاب الرياض” الشهرية 2007، والثانية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2013) من مقدمة حول نظم صوغ المتون السردية، وسبعة فصول تتناول “الأبوية الذكورية والسرد التفسيري”، “تقنيات السرد من البحث إلى الاستكشاف”، “التمثيل السردي وتعدد المرجعيات الثقافية”، “الرواية وتقنيات السرد الكثيف”، “الرواية والتركيب السردي”، “السرد والجسد”، و”السيرة الروائية: إشكالية النوع والتهجين السردي”.

تقوم هذه الفصول على قراءة نقدية منهجية في المستويات البنائية والدلالية لنحو سبعين رواية عربية ومترجمة، مفصلةً في تحليل نظم صوغ متونها، ومراكز الرؤى فيها، وأساليبها السردية، والخصائص والعناصر الفنية التي تتميز بها، وأنواع الرواة ومواقعهم وأدوارهم في الخطاب.

الأبوة الذكورية

يحلل الفصل الأول فكرة الأبوة الذكورية في المدونة السردية لنجيب محفوظ (ست روايات)، ليخلص إلى أن هذه الفكرة قد تنامت من بعدها الواقعي الاجتماعي إلى بعدها الميتافيزيقي، ثم إلى الملحمي من خلال التدرج في نسق القيم الأبوية الذي قام رهانه على تبني مفهوم القوة الذكورية المهيمنة، واختزال النساء إلى مجموعة دونية، فالنماذج الكبرى منهن يتردّدن بين الصبر، والطاعة المطلقة، والإغواء، ومحاكاة الذكور في أدوارهن، فيما تُنبذ، وتُرمى بالمروق الشخصيات النسائية التي تحاول الخروج على مدار القيم الأبوية، أو تلك التي تسعى إلى تبني قيم مغايرة.

كيفيات تشكيل الحكاية

يكشف الفصل الثاني عن إمكانية السرد الواسعة، في الرواية العربية، للانشقاق على النسق التقليدي الذي يمثله السرد التفسيري المنطقي، فلم تكتفِ الرواية بإنتاج حكاية متخيلة متدرجة، بل شغلت بكيفيات تشكيلها وعرضها، منتقلة من التمثيل الشفاف، حيث ينصبّ التركيز على الحكاية بوصفها لبّ النص إلى التمثيل السردي الذي يُدرج الحكاية بوصفها مجرد عنصر فني في سياق شبكة متداخلة ومتضافرة من العناصر، وبذلك يتيح مجالاً كافياً لبيان الكيفية التي يُنتج السرد بها العالم المتخيّل، ويمكّن المتلقي من معرفة طرائق تناوب الرواة في عرض مواقفهم، ودورهم في تركيب الأحداث، والشخصيات، والخلفيات الزمانية- المكانية.

تمثيل المرجعيات الثقافية

في الفصل الثالث يبحث الناقد إبراهيم في كيفية إظهار السرد في الرواية العربية قدرة كبيرة على تمثيل المرجعيات الثقافية المتعددة، وإعادة تشكيلها، حيث تدرج من الترميز إلى الإيحاء، كما ظهر في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، إلى التوثيق، كما تجلّى في رواية “مجنون الحكيم” لسالم حميش. وبين هاتين الدرجتين المتباينتين تعددت درجات التمثيل السردي في إعادة التمثيل السردي في إعادة إنتاج موضوعات التنازع بين نسقي الطبيعة والثقافة، والذكورة والأنوثة، والشرق والغرب، والصحراء والمدينة، والطبائع الثابتة والمواقف المتحوّلة، وهو أمر يكشف بأن التمثيل السردي لم يقتصر على ضرب محدد من ضروب التمثيل، بل تعدّى ذلك إلى تنوعات خصبة جعلت الرواية العربية تنخرط في تأويل المرجعيات، وتقدّم لها تمثيلات متعددة أضفت عليها قيمةً فنيةً جديدةً جعلتها في مقدّمة الأنواع الأدبية الجديدة التي استأثرت باهتمام كبير بناءً على الوظائف المتنوعة التي قامت عليها.

تداخل مستويات السرد

تكشف النصوص الروائية التي يتّخذ منها الفصل الرابع موضوعاً للتحليل عن الشبكة المعقدة للعالم السردي، فلم يعد البناء التقليدي للحكاية هو المستأثر باهتمام الروائيين، بل توزّع الاهتمام على الحكاية المتخيلة، وكل عناصرها الفنية من شخصيات وأحداث وأزمنة وأمكنة، وتتخطّى ذلك إلى قضية المتلقّي. كما يتّضح من التحليل أن تداخل مستويات السرد، وتدخّلات المؤلفين مباشرةً أو عبر الرواة، والإعلان عن أهدافهم وغاياتهم، ورغبتهم في صوغ المادة السردية على وفق ضروب بناء محددة، كل ذلك كان يتسرّب خلل السرد نفسه، مما يفضي إلى أن تكون الحكاية والسياق السردي الحاضن لها، وعلاقة كل ذلك بالمؤلفين والرواة موضوعاً تعالجه النصوص الروائية بوصفه وحدةً عضويةً من المكونات السردية. وهذه التقنية تمنع حالة الاستغراق القصوى في العالم المتخيّل، وتدفع بالمتلقّي دائماً إلى مساءلة النص، وتكشف عن أن عملية بناء العوالم السردية لا تتم في حياد وبراءة، بل هي جزء من عملية التركيب السردي التي يتولّى أمرها المؤلفون بوصفها عملية تتوزع على مهمتي رواية الأحداث، والبحث في كيفية تركيبها.

تركيب البنيات السردية

يحلل الناقد إبراهيم في الفصل الخامس الكيفيات التي تتركب بها البنيات السردية للنصوص الروائية، سواء كان ذلك على مستوى بناء الأحداث، أو إعادة إنتاج المرجعيات الثقافية والاجتماعية. ويخلص الناقد إبراهيم في هذا الفصل إلى أن الرواية العربية تخطت حبسة الانغلاق على حكاية شفافة مسلّية مكتفية بذاتها إلى مزيج متنوع من الأحداث والوقائع التي تمسّ المرجعيات مباشرةً، وتعيد إدراجها متناثرةً في سياقاتها السردية، وهو أمر يؤكد على الإمكانات الهائلة للسرد الذي انخرط مباشرةً في البحث والاكتشاف، وتورّط في قضية التاريخ، والواقع، وحكايات المهمّشين، والمرويات التاريخية القديمة.

السرد والأنوثة

يخصص الناقد الفصل السادس لتحليل تسعة نصوص روائية نسائية، ويقف على مجموعة من الظواهر الفنية المتماثلة والمتكررة فيها، على رأسها تمركز السرد حول الأنوثة التي يُصار إلى تأكيدها والاحتفاء بها من خلال الجسد كعلامة، مع الإيحاء إلى الهيمنة المضمرة للذكورة التي تتوارى في تضاعيف السرد. ويذهب التحليل إلى أن جميع تلك النصوص تنزع إلى بحث للخروج من مكان والانتقال إلى مكان آخر، مع إحساس عميق بتمزق الهوية الأنثوية، والسعي إلى الحفاظ عليها، وترميمها، سواء من خلال الاستغراق في لذات الجسد، وتلبية رغباته، أو في منع استغلاله واستثماره من الذكور، أو في رفض عطالته وتعفنه في مكان منعزل ومغلق، أو في عدم القدرة على التواصل الحقيقي مع الرجل المستهيم خطابياً، أو في فقدانه المعنى الحقيقي لوجوده وقيمه.

وتتكرر ثيمة الجسد في تحليل الناقد إبراهيم لمجموعة من السير الروائية العربية في الفصل الأخير، فيستنتج أن بعضها يحتفي بالجسد، ويشغل به بوصفه عنصراً مهيمناً يحتاج إلى الاكتشاف المتواصل، يصار غالباً إلى الإفصاح عمّا يواجهه الجسد من إخفاقات وانكسارات وعطالة، وحينما يتاح له أن يعبر عن خلجاته وتطلعاته، فإنه ينغمر في اللذة والمتعة كتعويض عن خفض قيمته، في ثقافة تقصي ملذاته وراء الحجب السرية، وتستبعده، وتفرض عليه أن يمارس أفعاله في منأى عن العيون.

مثل هذا الاحتفاء، الذي يشكل نوعاً من المعارضة الصريحة لجملة التواطئات الثقافية والأخلاقية الفاعلة في المجتمع، يظهر في “الخبز الحافي” و”الشطار” لمحمد شكري ، و”بيضة النعامة” لرؤوف مسعد، و”خطوط الطول.. خطوط العرض” لعبدالرحمن مجيد الربيعي، في حين لا يستأثر الجسد بالاهتمام في “أصداء السيرة الذاتية” لنجيب محفوظ، و”بقايا صور” لحنا مينة.

ويرى الناقد إبراهيم أن هذين الموقفين من الجسد يخفيان رؤيتين، ويتصلان بأصلين، فالأدب السردي في الثقافة العربية لعب ببراعة على ثنائية التخفي والتستر من جهة، والتصريح والكشف من جهة ثانية.


كاتبة من السعودية مقيمة في ليدز