‬الرواية‭ ‬العربية الأبنية‭ ‬السردية‭ ‬والدلالية

شهد النقد الروائي العربي المعاصر، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، طفرة في الدراسات التي قاربت موضوع ظهور السردية العربية الحديثة، ركزت على ناحيتين‭:‬ نشأتها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإشكالية الريادة فيها‭.‬ ذهب بعضها إلى أنها نشأة عربية خالصة، محاججاً بما اكتنز به الموروث العربي القديم من تقاليد سردية مخصّبة يعدّها من منظوره النبع الأصيل الذي انهمرت منه البواكير السردية الأولى لجيل التنوير، ورأى بعضها الآخر أنها فن جديد لا علاقة له بهذه المرويات السردية القديمة، بل حصيلة التلاقح الثقافي والأدبي مع الغرب‭.‬

الجديد  مهيار أيوب [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(152)]

المغربي أحمد الجرطي، يراجع في كتابه «أسئلة نشأة السردية العربية الحديثة بين سوسيولوجيا الأدب وخطاب ما بعد الكولونيالية»، الصادر حديثاً عن دار فضاءات الأردنية، هذه الدراسات، ويصنّف اتجاهاتها ويحاورها من أجل المساءلة الكاشفة لأوّلياتها التصورية والإجرائية، بهدف تنسيب وتحيين منجزها النقدي، متسائلاً: هل تحركت بين الانبهار بالمرجعيات النقدية الغربية، وبين الخضوع لإطلاقية تصوّراتها وأحكامها، أم أنها استطاعت أن تتوشح بوعي نقدي مُتقد نزّاع إلى الإفادة من كشوفاتها المنتجة لكن دون الخضوع لشمولية نتائجها؟

يقع الكتاب في ثلاثة فصول، تتفرع إلى مجموعة مباحث، الأول بعنوان «نظرية الرواية في النقد الغربي بين سوسيولوجيا الأدب وخطاب ما بعد الكولونيالية»، تناول فيه الباحث أهم التنظيرات النقدية التي أنجزت داخل سوسيولوجيا الأدب حول نشأة الرواية وعلاقتها بفضائها التاريخي والاجتماعي، وركز بالتحديد على الإبدالات التي أثرى بها كلّ من جورج لوكاتش، وميخائيل باختين، وبيير زيما طروحات سوسيولوجيا الأدب حول نظرية الرواية، وأهم الإضافات التي أثرى بها إدوارد سعيد نظرية الرواية من منظور نقدي جديد هو خطاب ما بعد الكولونيالية. وحرص الباحث في متابعته لهذه النظريات النقدية على استبطان الخلفيات الفلسفية والمحددات التاريخية المتواشجة مع كشوفاتها النظرية والإنجازية، والموجهة لغاياتها النقدية المنشودة من أجل تعبيد الطريق لإدراك طبيعة التلقي النقدي العربي وتثمينه لهذه المحمولات المعرفية الوافدة، ومدى تراوحه بين شراك الامتثالية والمطابقة، أو نزوعه نحو إنتاجية الاختلاف والمغايرة.

راجع الباحث في الفصل الثاني، الذي عنونه بـ»إشكاليات نشأة السردية العربية الحديثة في ضوء التنظير النقدي العربي السوسيولوجي» أربعة مشاريع نقدية بارزة في الحقل الثقافي العربي استرفدت طروحات سوسيولوجيا الأدب التصورية والتحليلية في التنظير لنشوء الرواية العربية الحديثة، وتواشجاتها مع المحاضن التاريخية والحضارية لعصر النهضة، الذي شهد انبلاج بواكير نصوصها السردية، وهي لكل من النقاد: محمد برادة، فيصل دراج، جابر عصفور، ويمنى العيد. كما عزّز هذا الفصل التطبيقي بتركيب موسّع قارن من خلاله حصيلة هذه المشاريع النقدية العربية، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينها، سواء من حيث تعيينها لطبيعة منشأ الرواية العربية وعلاقتها بالتراث السردي، وبالموروث الغربي الوافد، أو من حيث تقويمها لتطور السردية العربية، وكيفية تشابكها مع اشتراطاتها التاريخية والدنيوية، ومدى نجاحها في استيلاد حداثتها الخاصة الممهورة بنسوغ زمنها الاجتماعي الخاص، وتطلّعاته الحضارية النوعية.

بحث أحمد الجرطي في الفصل الثالث، الذي وضع له عنوانا «أسئلة نشوء السردية العربية الحديثة في ضوء خطاب ما بعد الكولونيالية عند عبدالله إبراهيم»، موضوع الرواية وإشكاليات التجنيس والتمثيل، ووقف من خلاله على مساءلة كيفية محاورة الناقد إبراهيم لمستويين من التنظيرات النقدية الغربية المنجزة في مجال نظرية الرواية، مستوى أول حاول استكشاف الدينامية الفنية والتعبيرية للرواية انطلاقا من توصيف كيفية تحدّر وتشكل أنظمتها السردية، وتبلور مغايراتها التجنيسية، وقد ارتبطت كشوفاته الأولى بالمدرسة الشكلانية الروسية التي أحدثت تحولاً فارقا في نظرية الأدب، ثم انخصبت بإسهامات لاحقة مبهرة اقترنت بالنقد الفني الأنجلوسكسوني، وبالشعرية البنيوية الفرنسية. ومستوى ثان حاول استبطان خصوصية الرواية انطلاقا من التركيز على وظيفتها الاجتماعية والنقدية، وما تروم تقطيره من مرجعيات مضمرة وأبعاد أيديولوجية مواربة في تفاعلها مع فضائها التاريخي والمجتمعي والمؤسساتي، وفي تصارعها مع هياكله السياسية، وأنساقه السلطوية المرئية والمستترة، للتأبّي على التدجين والترويض، من أجل الاحتفاظ بهامشيّتها المقلقة والمشاكسة في تثوير الوعي، وتكسير ما هو مكرّس وقائم.

واستفاض الباحث في مشروع الناقد إبراهيم، فتابع خصوصية التصور الجديد الذي اجترحه حول نشأة السردية العربية الحديثة في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستقصى منطلقاتها النظرية والتحليلية المرتبطة بخطاب ما بعد الكولونيالية عند إدوارد سعيد، كما ناقش أهم الآليات التحليلية التي انتهجها إبراهيم في تفكيك المعايير النقدية التي تشبّث بها عدد من النقاد العرب في إثباتهم وتوكيدهم ريادة زينب للرواية العربية، كاشفاً عن هشاشتها من جهة، ونافذا من جهة ثانية إلى ما يندس داخل تضاعيفها من مقاييس نقدية مستقاة من المنجز النقدي الغربي، ومتمركزة حول تنميطاته الثقافية الراسخة، ومصادراته الفنية والجمالية الجاهزة والمقولبة. وتساءل أيضا في هذا الاتجاه ذاته عن حقيقة المقترح الجديد الذي يستميت إبراهيم في الذود عن أهليته لريادة الرواية العربية ومدى كفاءته، وتماسك وصلابة محدداته الأدبية والفنية، وهو المقترح الذي يتجلى في متن سردي موسوم بـ «وي إذن لست بإفرنجي» لخليل الخوري الصادر بحلب سنة 1860م.

إلى جانب هذه الفصول الثلاثة المشكلة لمفاصل الكتاب الأساسية، حرص الباحث أحمد الجرطي على إنهاء دراسته بخاتمة صاغ من خلالها النتائج العامة التي توصّل إليها في مقاربته لأهم المشاريع النقدية العربية التي متحت من منطلقات سوسيولوجيا الأدب، وخطاب ما بعد الكولونيالية في التنظير لنشأة الرواية العربية في عصر النهضة وتطورها.


كاتب من لبنان مقيم في نيقوسيا