أن نكتب الفرد الحر

الجديد  محمد الحباشة [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(100)]

رسمة: فيصل لعيبي
هذا السّؤال يجعلني أستحضر مقولة للفيلسوف الفرنسيّ “جيل دولوز″ هي “أن نبدع، هو أن نقاوم”. ولعلّنا من خلال الكتابة الرّوائيّة لا نفعل شيئًا آخر غير هذا: أن نقاوم. ولحظة الدّم التي يشهدها العالم العربيّ الآن هي استمرار لتاريخ طويل من الاستبداد السّياسي والدّيني اللّذين يتشاركان في خصوصيّة هي: إلغاء الفرد الحرّ.

وبالتّالي، أن نكتب الرّواية في لحظة الدّم هذه، يعني أن نكتُبَ الفردَ الحرَّ. في وسط هذه الفظاعات التي يفرضها علينا التّاريخ العامّ، نتساءل: كيف نتمكّن من الكتابة عن فرد قادر أن يحيا بحريّة داخل زمن خاصّ؟ كان هذا السّؤال قد طُرِحَ طوال تاريخ الرّواية الحديثة الغربيّة عمومًا والعربيّة خصوصًا. بهذا المعنى، أن نقاوم لحظة الدّم روائيّا هو أن نكتب داخل تاريخ الرّواية الحديثة نفسه، وأن نكون أوفياء لجماليّات الرّواية قبل أيّ شيء آخر.

فالاستبداد السّياسي والدّيني، هما فعلًا ثيمتان مغريتان لكتابة الرّواية، ولكن التوجّه نحوهما مباشرة، وبأطروحات مسبقة، قد يضرّ بالرّواية أكثر ممّا قد يفيدها، وعلى الأرجح سينتج نوعًا من الكتابة المتسرّعة الرّديئة، التي تأتي كأنّها بيان سياسيّ فجّ أو تسلسل لشعارات من تلك التي ترفع كلّ يوم.

يجب أن ننتبه إلى أنّ الاستبداد السّياسي والدّيني مجرّد ثيمتين داخل السّياق الرّوائيّ وليسا السّياق الرّوائيّ. ما من شكّ في أنّ الرّواية تقدّم معرفة، وما يميّز هذه المعرفة أنّها غير يقينيّة، بل نسبيّة جدًّا، تتعلّق بمتغيّرات التّجربة الإنسانيّة التي تخوضها الشّخصيّات، وحتْما ليس كلّ ما يعرفه “وليد مسعود” عن الحبّ مثلًا في رواية جبرا إبراهيم جبرا “البحث عن وليد مسعود” هو نفس ما يعرفه “يونس الأسدي” في رواية “باب الشّمس″ لإلياس خوري. هذه المعرفة الرّوائيّة التي لا تخضع لأيّ شكل من أشكال اليقين، هي تمامًا عكس “المعرفة” التي تريد أن تفرضها أنظمة الاستبداد السّياسي والدّيني التي تراهن على اليقينيّات التي تحكم الإنسان عمومًا والعربيّ خصوصًا.

بإمكاننا أن نلاحظ أنّ أغلب العرب بعيدون جدًّا عن نسب القراءة في العالم، حتّى وإن كانت نسبة القراءة عندنا في تصاعد، وهم بالتّالي بعيدون عن المعرفة الرّوائيّة التي كنت أتحدّث عنها، لذلك، لا يمكن أبدًا أن نوفّر بديلًا للخطابين السّياسي والدّيني المستبدّين، دون أن نكون قادرين على الوصول إلى مجموعة أكبر من القرّاء.

وهذه هي مسؤوليّة مشتركة بين الرّوائيّ والنّاشر. الغاية من كتابة الرّواية تتغيّر من كاتب إلى آخر حسب الدّوافع التي تخصّ كلّ واحد فينا على حدة، ولكنّ الغاية من النّشر هي، حسب اعتقادي، نفسها، وهي تشكيل مجموعة من القرّاء. أن نقاوم لحظة الدّم روائيًّا، هو أن نشكّلَ مجموعة أكبر من قرّاء الرّواية في العالم العربيّ.


كاتب من تونس