سرديّة القهر

الجديد  شكري مبخوت [نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(80)]

“لحظة الدّم”؟. ولكن متى توقّف تاريخ الدّم المسفوح، وإن تخثّر أحيانًا أو تجمّد لفترات، في ليل الاستبداد العربيّ المتطاول؟

سيكتب الرّوائيّ كما كتب من سبقه في لحظات القتل الأهوج. لا شيء سيتغيّر. له أن يصمت مذهولًا من هول ما يقع لأنّ السرد بحث عن مغزى ومعنى لا توفّره إلاّ مسافة ما لاستخراج الأساسيّ من ركام التفاصيل والأحداث المتسارعة. إنّه في حاجة إلى أن ينكفئ في برجه العاجيّ (لا بدّ من برج عاجيّ للتأمّل والتفكير!) يلتقط خيوط الدراما اليوميّة التي تدور حلقاتها البذيئة المتكرّرة أمامه.

كلّ الأيدي ملطّخة بالدّم وتدير على طريقتها التوحّش باسم شرعية احتكار وهم الدولة للعنف أو باسم الطائفة أو القبيلة أو المذهب والدين القويم. كنا، وما نزال، في مرحلة ما قبل الدولة. لذلك تخرج مفردات الهمجيّة من قواميس التوحّش: القتل والثأر والقصاص والعين بالعين والبادئ أظلم. وكلهم بدؤوا فظلموا. فهذه التراجيديا اليوميّة التي ذهب في وهمنا أنها بلغت ذرى غير مسبوقة لا تعدو عند التأمّل أن تكون عودًا على بدء متعاود. لنقرأ التاريخ ففيه أكثر من خبر مشابه بقطع النظر عن العبر.

فثمّة، بصرف النظر عن نظريّات المؤامرة حتّى إن وجدت، أمر دفين أبعد من الغلبة السّياسية وحبّ الرئاسة وأقمصة عثمان جميعًا يصنع مصّاصي الدّماء هؤلاء.

ثمّة، بصرف النظر عن جغرافيّات السياسة الدوليّة والإقليميّة، نداء من الأقاصي يستدعي الربّ والأصل المقدّس الموهوم في حفل باذخ لأكل لحوم البشر والشرب من أحواض الدّماء المسفوكة.

في هذا تحديدًا، حين نكشط جلدة الاستبداد السّياسي والتزييف الأيديولوجيّ الدّيني، تتجلّى حقيقة القهر العربيّ وله صور:

صورة الجسد المقموع الذليل المحتقر يعيش أوجاعه فتصّاعد إلى السماوات العلى كبتًا يلهث وراء الحور العين وازدراء لكثافته التي تستحيل طاقة متفجّرة تسمّى إرهابًا أو انغماسًا أو استشهادًا. تتعدّد الأسماء ونكران الجسد واحد، وصورة خيال كسيح ضيّق كحفرة القبر يعمّره قيظ الصحراء ووهجها وجدب البداوة وإملاقها، يتيه في خرائط الفراغ والتكرار. وهو، في أحسن الأحوال، خيال يلوك مثالات وأوهامًا مستهلكة عن حداثة لم ينفذ إلى مفاعيل إنشائها. أمّا الإبداع فلا إبداع.

وصورة لغة محنّطة لا تقول الذات ولا تجوس في أقاصي الكيان. لغة مستعارة فقدت بريقها منذ قرون أو لغة قاصرة متلعثمة لا تعرف قواعد إعرابها للإبانة عن “الجوهر الفرد” فتعجز عن سبر الأشياء والأسماء والأفكار والأوجاع والأحلام.

في هذا تحديدًا ما يتغذّى منه الأدب الرّوائيّ لو شاء أن يروي سرديّة القهر في لحظات الدّم الذي لم يحقن منذ أحقاب. حينها سينقّب في أرشيف الوجع الذي يراكم ملفّات ضخمة من وثائق الجسد المغتصب والخيال المقموع واللّغة العاجزة. يفتح الرّوائيّون هذا الأرشيف ليكتبوا بمداد الكشف والفضح سرديّة القهر فيرى الناس خارطة الجروح الحقيقيّة النازفة. فما الدّم المهدور في هذه اللحظة، سائلًا مدرًارا أو متخثّرًا أسود، إلاّ ما يرشح من توحّش مضمر متأصّل وقتل خفيّ مستفحل.


كاتب وروائي من تونس