المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬والانغلاق

أليس‭ ‬الوضع‭ ‬مناسبًا‭ ‬الآن‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الظّرف‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬حيث‭ ‬الحروب‭ ‬والدمار‭ ‬والغلبة‭ ‬والقهر‭ ‬أصبحت‭ ‬معايير‭ ‬العمل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬ليقابلها‭ ‬أعمال‭ ‬تخريبية‭ ‬أخرى‭ ‬تعتمد‭ ‬الإرهاب‭ ‬الأعمى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬للإنسان‭ ‬معنى،‭ ‬أليس‭ ‬الوضع‭ ‬مناسبًا‭ ‬لكي‭ ‬نعيد‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬هويّتنا‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خصائص‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي؟‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬الضّروري‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتّخذ‭ ‬موقفًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الكارثي‭ ‬حتّى‭ ‬نتفادى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كلّ‭ ‬أحادية‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬وكلّ‭ ‬تشابه‭ ‬في‭ ‬الكائن؟‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬نكون‭ ‬نحن؟

الجديد  فتحي التريكي [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(72)]

لوحة: عمار النحاس
في الحقيقة،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬اهتمام‭ ‬الأيديولوجيّين‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬تجديد‭ ‬مُثلهم‭ ‬الموحَّدة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مساءلة‭ ‬الشّعوب‭ ‬مساءلة‭ ‬تجمعهم‭ ‬في‭ ‬نحن،‭ ‬وتعرّف‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬بمكوّناته‭. ‬تُوجد‭ ‬إجابة‭ ‬فوريّة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ترضيَنا‭ ‬ونصّها‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬عرب‮»‬‭ ‬أو‮ «‬نحن‭ ‬مسلمون‮»‬‭. ‬يتحوّل‭ ‬السّؤال‭ ‬إذن‭ ‬إلى‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الواحد‭ ‬منّا‭ ‬عربيًّا؟‭ ‬ومسلما؟‭ ‬وما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬محددا‭ ‬بأمور‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟

سأنطلق من‭ ‬الملاحظة‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬عند‭ ‬هشام‭ ‬شرابي‭ ‬في‭ ‬مبحثه‭ ‬“النقد‭ ‬الحضاري‭ ‬للمجتمع‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين”‭ ‬والتي‭ ‬اعتبرت‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬قد‭ ‬دخلنا‭ ‬منعطفا‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الثقافي‭ ‬العام‭ ‬وقد‭ ‬ظهر‭ ‬جليّا‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬صاحب‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭ ‬يحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬وإلى‭ ‬صياغة‭ ‬جديدة‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬تفكيكا‭ ‬كليا‭ ‬على‭ ‬المنوال‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاك‭ ‬دريدا‭ ‬لبعض‭ ‬مظاهر‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬والغربية‭. ‬لأن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬الجذري‭ ‬لأوضاعنا‭ ‬وفكرنا‭ ‬وثقافتنا‭ ‬وملامح‭ ‬هويتنا‭ ‬كما‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬التمسّك‭ ‬بالأيديولوجيات‭ ‬الماضية‭ ‬وبالاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬التقليدية‭ ‬وكأنها‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬هوياتنا‭.‬

لذلك‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬حاليا‭ ‬يستوجب‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬والتصورات‭ ‬اللازمة‭ ‬لفهم‭ ‬انفجارات‭ ‬الهويات‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬معالم‭ ‬جديدة‭ ‬لنهضة‭ ‬عربية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحاور‭ ‬كل‭ ‬الهويات‭ ‬دون‭ ‬إقصاء‭ ‬ودون‭ ‬هيمنة‭. ‬إنها‭ ‬فلسفة‭ ‬جديدة‭ ‬وجذرية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬الفعلي‭ ‬والحقيقي‭ ‬بالتنوع‭ ‬الخلاق‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬والهويات‭ ‬المكوّنة‭ ‬للعالم‭ ‬العربي. ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬بينت‭ ‬ملامحها‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬قراءات‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬التنوع‭ ‬الصادر‭ ‬بتونس‭ ‬عن‭ ‬الدار‭ ‬العربية‭ ‬للنشر‭ ‬أوائل‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ودعوت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬توحيد‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بوسائل‭ ‬العنف‭ ‬والإقصاء‭ ‬وبناء‭ ‬مرتكزات‭ ‬تنوّعية‭ ‬لانتماءاتنا‭ ‬الحضارية‭ ‬وتجذير‭ ‬ملتزمات‭ ‬تحديث‭ ‬أنماط‭ ‬حياتنا‭ ‬وتأقلمها‭ ‬مع‭ ‬مستجدات‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬حاضره‭.‬

وقبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬إشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬وأسباب‭ ‬انغلاقها‭ ‬وانفجارها‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬بالمعقولية‭ ‬العربية‭ ‬الحالية‭ ‬ونقدها‭ ‬نقدا‭ ‬جذريا‭. ‬فالمتصفّح‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬توظيفها‭ ‬اليوم‭ ‬سياسيا‭ ‬وإعلاميا‭ ‬وثقافيا‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الحياتية‭ ‬العامة‭ ‬يلاحظ‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬وهلة‭ ‬الشرخ‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يسكنها‭. ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬تتقبل‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يردّ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬متطورة‭ ‬ولكنها‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬ترفض‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬ممكنة‭ ‬ونعني‭ ‬الحداثة‭ ‬ومستتبعاتها‭. ‬فمثلها‭ ‬مثل‭ ‬من‭ ‬يمتطي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬سيارته‭ ‬ويستعمل‭ ‬أعصر‭ ‬الوسائل‭ ‬لقيادتها‭ ‬ويلعن‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬الحداثة‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬سببا‭ ‬فيها‭ ‬والغرب‭ ‬وأهله‭ ‬وهلم‭ ‬جرا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المستهترات‭.‬

وقد‭ ‬يزداد‭ ‬هذا‭ ‬الشرخ‭ ‬عمقا‭ ‬عندما‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬مرجعية‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬تبقى‭ ‬دائما‭ ‬متأصلة‭ ‬في‭ ‬السلف‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬تحاول‭ ‬استيعاب‭ ‬نتائج‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬فتكون‭ ‬بذلك‭ ‬مستهلكة‭ ‬غير‭ ‬مبدعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬بل‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

فكيف‭ ‬تتمظهر‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬بشرخها‭ ‬العميق؟

1- ‬أول‭ ‬أمر‭ ‬يلفت‭ ‬انتباهنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬مازالت‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التجميع‭ ‬والتفتيش‭ ‬والتأريخ‭ ‬والنقل‭ ‬والتنقيل‭ ‬والشرح‭ ‬والتفسير‭. ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬طور‭ ‬التأليف‭ ‬والابتكار‭ ‬والإبداع‭ ‬والإنتاج‭ ‬الحقيقي‭ ‬للأفكار‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والتصورات‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭. ‬فهي‭ ‬إذن‭ ‬معقولية‭ ‬نقلية‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬تقفز‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬النقد‭ ‬العلمي‭ ‬والجذري‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأنها‭ ‬مازالت‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬المحرمات‭ ‬والممنوعات‭ ‬والمحجّرات‭ ‬بأنواعها‭ ‬المختلفة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي‭ ‬وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الديني‭ ‬والاجتماعي‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬قد‭ ‬حررت‭ ‬الأقلام‭ ‬والأفواه‭ ‬والإبداع‭ ‬مثلما‭ ‬يحصل‭ ‬الآن‭ ‬بتونس‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كابوس‭ ‬المحرّم‭ ‬والممنوع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مهيمنا‭ ‬ومعيقا‭ ‬للتحديث‭ ‬والتقدم‭ ‬والإبداع‭.‬

2- ‬إن‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬هيمنة‭ ‬الوجداني‭ ‬والانفعالي‭ ‬والغريزي‭. ‬وقد‭ ‬شدّد‭ ‬الفلاسفة‭ ‬منذ‭ ‬أفلاطون‭ ‬على‭ ‬حيوانية‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬واعتبروا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يكتسب‭ ‬إنسانيته‭ ‬متى‭ ‬استنجد‭ ‬بالعقل‭ ‬ومتى‭ ‬أصبح‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬بالعقل‭ ‬والتعقل‭ ‬ولا‭ ‬بالعواطف‭ ‬والغضبية‭ ‬والوجدان‭.‬

فقد‭ ‬بينت‭ ‬في‭ ‬دراساتي‭ ‬السابقة‭ ‬كيف‭ ‬أننا‭ ‬مازلنا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬قضايانا‭ ‬بواسطة‭ ‬الغضب‭ ‬والانفعال‭ ‬وأحيانا‭ ‬بالعنف‭ ‬العشوائي‭ ‬دون‭ ‬تروّ‭ ‬ودون‭ ‬نقد‭ ‬وتنظير‭ ‬واستشراف‭. ‬فمعقوليتنا‭ ‬ليست‭ ‬معقولية‭ ‬التحليل،‭ ‬والبحث،‭ ‬والدرس‭ ‬والتحقيق‭ ‬والنقد‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬معقولية‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكارات‭ ‬العلمية‭ ‬والاكتشافات‭ ‬التكنولوجية‭. ‬مازلنا‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬التكفير‭ ‬والتحريم‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬سابقا‭.‬

على‭ ‬أننا‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الوجدان‭ ‬هنا‭ ‬فلسنا‭ ‬نريد‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهميتّه‭ ‬ولا‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬معاملاتنا‭. ‬فالوجدانية‭ ‬ضرورية‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭. ‬ونعني‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬ودون‭ ‬واسطة‭ ‬مع‭ ‬الأشياء‭ ‬ومع‭ ‬الحياة‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬جون‭ ‬جاك‭ ‬روسو‭. ‬لقد‭ ‬توصل‭ ‬الإنسان‭ ‬بعقله‭ ‬وإحساسه‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬ذاته‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالغير‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬له‭ ‬الحق‭ ‬بأن‭ ‬يعيش‭ ‬ويفكّر‭ ‬ويختار‭ ‬ويبدع‭ ‬حسب‭ ‬إرادته‭ ‬وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬ثقافته‭ ‬وعقائده‭ ‬وطموحاته‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لإرادتي‭ ‬وتطبيقا‭ ‬لاختياراتي. ‬فالوجدانية‭ ‬قد‭ ‬تحرّر‭ ‬العواطف‭ ‬وتكسر‭ ‬القيود‭ ‬للتقارب‭ ‬والتحابب‭ ‬والتآنس‭ ‬والاحترام‭ ‬والتسامح‭ ‬ولكنها‭ ‬قد‭ ‬تبعث‭ ‬شحنات‭ ‬عدوانية‭ ‬وتسبب‭ ‬الكراهية‭ ‬والتقتيل‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬اللامعقول‭ ‬واللامقبول‭ ‬كتدمير‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حاليا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد‭ ‬ومن‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬والإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬لصالح‭ ‬هذا‭ ‬الاستعمار‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬وعي،‭ ‬تلك‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬يصوغها‭ ‬عقل‭ ‬ولا‭ ‬يقبلها‭ ‬ضمير‭. ‬فلسنا‭ ‬نريد‭ ‬لمعقوليتنا‭ ‬أن‭ ‬تنحو‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬في‭ ‬الوجدانية. ‬أما‭ ‬الوجدانية‭ ‬المنشودة‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تفجر‭ ‬الطاقات‭ ‬الإبداعية‭ ‬لسعادتنا‭ ‬وسعادة‭ ‬البشر‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬للروحانيات‭ ‬قيمتها‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تحرّر‭ ‬الغرائز‭ ‬ليكون‭ ‬الإنسان‭ ‬حيّا‭ ‬يتمتع‭ ‬بحياته‭ ‬وبإنسانيته‭. ‬فالإنسان‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬عقلا‭ ‬فقط‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬وآلة. ‬لأنه‭ ‬يعيش‭ ‬ويشعر‭ ‬لذة‭ ‬اختياراته‭ ‬وعقائده‭ ‬وروحانياته‭. ‬ولكن‭ ‬الشرط‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دائما‭ ‬العقل‭ ‬سيد‭ ‬الموقف‭ ‬بحيث‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ارتبط‭ ‬الوجدان‭ ‬بالعقل‭ ‬أصبح‭ ‬الوجدان‭ ‬حياة‭ ‬وأصبح‭ ‬العقل‭ ‬رحمة‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفيد‭ ‬مفهوم‭ ‬التعقل‭ ‬الذي‭ ‬استلهمناه‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬الفارابي‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬اللاهوتي‭ ‬قد‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬وأغلق‭ ‬زمانيته‭ ‬إغلاقا‭ ‬محكما‭ ‬بحيث‭ ‬سيضحى‭ ‬الغير‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬اقترب‭ ‬منها‭ ‬فوجب‭ ‬الجهاد‭ ‬ووجب‭ ‬القتال

3- ‬واستتباعا‭ ‬للنقطة‭ ‬الثانية‭ ‬فإن‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الشعارات‭ ‬والأحكام‭ ‬السريعة‭ ‬والمواقف‭ ‬الأيديولوجية‭. ‬يرى‭ ‬د‭. ‬شاكر‭ ‬النابلسي‭ ‬أنها‭ ‬أشبه‭ ‬بالثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬العثماني‭. ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬تعتمد‭ ‬“السحر‭ ‬والشعوذة‭ ‬والخرافة‭ ‬والتقديس‭ ‬والانفعالية‭ ‬والغريزية‭ ‬والشعارات،‭ ‬والأحكام‭ ‬المُسبقة”. ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬فعالية‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.. ‬فهي‭ ‬تبقى‭ ‬معقولية‭ ‬الأجوبة‭ ‬الجاهزة‭ ‬كالتي‭ ‬تأتيك‭ ‬بالتأكيد‭ ‬من‭ ‬فضائيات‭ ‬هيمن‭ ‬عليها‭ ‬“أصحاب‭ ‬القلنسوة”‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬المقدسي‭.‬

4- ‬وأخيرا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬خاضعة‭ ‬إلى‭ ‬منهجية‭ ‬المحاكاة‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬قضايانا‭ ‬اليومية. ‬مازالت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أقوال‭ ‬السلف‭ ‬وأعمالهم‭ ‬لفهم‭ ‬الحاضر‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمستقبل‭. ‬فلحلّ‭ ‬مشاكلنا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والشخصية‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الكتب‭ ‬الصفراء‭ ‬الواهية‭ ‬لنجد‭ ‬الحلول‭ ‬أحيانا‭ ‬عند‭ ‬المشعوذين‭ ‬والدجالين‭ ‬كما‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬شيوخ‭ ‬الماضي‭ ‬وكأن‭ ‬لديهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬القدر‭. ‬فالوعي‭ ‬السلفي‭ ‬الذي‭ ‬يسود‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬وعي‭ ‬مغلق‭ ‬ومتحجر‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬عبادة‭ ‬الأسلاف‭ ‬ويرفض‭ ‬كل‭ ‬إبداع‭ ‬وكل‭ ‬تفكير‭ ‬عقلي‭ ‬مشفوع‭ ‬ببرهان‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬برهانه‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أتى‭ ‬به‭ ‬السلف‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬ثقافته‭ ‬ثقافة‭ ‬تكفير‭ ‬وليست‭ ‬ثقافة‭ ‬تفكير‭.‬

وخلاصة‭ ‬القول‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬اللاهوتي‭ ‬قد‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬وأغلق‭ ‬زمانيته‭ ‬إغلاقا‭ ‬محكما‭ ‬بحيث‭ ‬سيضحى‭ ‬الغير‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬اقترب‭ ‬منها‭ ‬فوجب‭ ‬الجهاد‭ ‬ووجب‭ ‬القتال‭.‬

الهوية‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬التحديث

ليس‭ ‬ثمة‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التحديث‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬معظم‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬دون‭ ‬تبنّيه‭ ‬صراحة‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الفكر‭ ‬على‭ ‬مبدأين‭ ‬أساسيين‭: ‬بروز‭ ‬الإنسان‭ ‬الفرد‭ ‬واختيار‭ ‬الحرية‭.‬

طبعا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفهوم‭ ‬الإنسان‭ ‬غائبا‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الفلسفية‭ ‬القديمة‭. ‬بل‭ ‬نكاد‭ ‬نقول‭ ‬إنّه‭ ‬كان‭ ‬الإشكاليّة‭ ‬القصوى في‭ ‬فلسفة‭ ‬أفلاطون‭ ‬مثلا‭ ‬والشّغل‭ ‬الشاغل‭ ‬لأرسطو،‭ ‬وما‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الأفلاطوني‭ ‬والفكر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الأرسطي‭ ‬إلاّ‭ ‬محاولتين‭ ‬لربط‭ ‬النظر‭ ‬بالعمل،‭ ‬ربط‭ ‬“الفضائل‭ ‬النظريّة”‭ ‬بـ”الفضائل‭ ‬العمليّة”‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬الفارابي‭ ‬ليكون‭ ‬أفلاطون‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أرسطو‭ ‬–‭ ‬“الفيلسوف‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الإطلاق”. ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬تناول‭ ‬الإنسان‭ ‬الأنثربولوجي‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬قد‭ ‬أخذ‭ ‬وجهة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الحداثة،‭ ‬إذ‭ ‬ارتكز‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرّية‭ ‬الذي‭ ‬–‭ ‬قد‭ ‬اتـّخذ‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬–‭ ‬توجّها‭ ‬جديدا‭ ‬مع‭ ‬ارتباطه‭ ‬بمفهوم‭ ‬الحقّ‭.‬

عندما‭ ‬نقول‭ ‬حرّية‭ ‬العمل‭ ‬والنظر،‭ ‬فإننا‭ ‬نعني‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬الحرّية‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬يهمّ‭ ‬الإنسان،‭ ‬تلك‭ ‬الحرّية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصدّها‭ ‬إلاّ‭ ‬حرّية‭ ‬الغير‭ ‬فتقف‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬الحدّ‭. ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬ناقصا‭ ‬باعتبار‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬سيسطـّر‭ ‬الخطّ‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬حرّيتي‭ ‬وحرّية‭ ‬الآخر‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬وغير‭ ‬محدّد‭ ‬بدقّة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬قاهرة‭ ‬تتحكـّم‭ ‬باسم‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬في‭ ‬حرّيتي‭ ‬وحرّية‭ ‬غيري‭ ‬وتنظـّم‭ ‬هذا‭ ‬التحكـّم‭ ‬في‭ ‬قوانين‭ ‬تبدو‭ ‬عادلة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬ولكنّها‭ ‬تكرّس‭ ‬هذا‭ ‬القهر‭ ‬وهذا‭ ‬التسلـّط،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تحديد‭ ‬الحرّية‭ ‬الخارجيّة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تربطني‭ ‬بالآخر‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭ ‬البشريّة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬بيـّن‭ ‬ذلك‭ ‬بالإلحاح‭ ‬كانط‭ ‬–‭ ‬احترام‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬وافقتُ‭ ‬عليها‭ ‬بطريقة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬فلا‭ ‬حرّية‭ ‬دون‭ ‬قانون،‭ ‬ولا‭ ‬قانون‭ ‬دون‭ ‬مناقشات‭ ‬عموميّة‭ ‬وموافقة‭ ‬علنيّة‭ ‬‭(‬بالإجماع‭ ‬أو‭ ‬بالأغلبيّة‭)‬‭ ‬ولا‭ ‬موافقة‭ ‬علنيّة‭ ‬دون‭ ‬احترام‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬آرائه‭ ‬ومواقفه‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتنوّعة‭.‬

في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬يعني‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬كنهه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العمليـّات‭ ‬التراكمية‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬والثروات‭ ‬وتنمية‭ ‬إنتاج‭ ‬العمل‭ ‬وتنظيم‭ ‬السّلط‭ ‬المختلفة‭ ‬داخل‭ ‬أجهزة‭ ‬محكمة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬محررة‭ ‬بذلك‭ ‬تقاليد‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬هنا‭ ‬تعمـّقا‭ ‬في‭ ‬الإشكالات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يحدثها‭ ‬مفهوم‭ ‬التحديث‭ ‬من‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬العملية‭ ‬الشائكة‭ ‬لتحويل‭ ‬المعطيات‭ ‬الثقافية‭ ‬والمرجعيات‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬الارتكاز‭ ‬على‭ ‬ذاتية‭ ‬الذات‭ ‬إلى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتواصل‭ ‬والتـّذاوت‮‭[‬1‭]‬،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬التـّذاوت‭ ‬هو‭ ‬إطار‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الاتصال‭ ‬بين‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر‭.‬

الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬هبرماس‭ ‬مثلا‭ ‬يعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬العقل‭ ‬المكوِّن‭ ‬للمفهوم‭ ‬معرّض‭ ‬دائما‭ ‬للنقد‭ ‬حسب‭ ‬قاعدة‭ ‬كانط‭ ‬القائلة‭ ‬بأنّ‭ ‬نقد‭ ‬العقل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬العقل‭ ‬نفسه‭ ‬بحيث‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬النقدي‭ ‬المنفتح‭ ‬مرتبطا‭ ‬دائما‭ ‬بالنقاش‭ ‬العمومي‭ ‬وبأخلاقيـّاته‭ ‬وبالحوار‭ ‬الذي‭ ‬سيتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬تواصلية‭ ‬هائلة‭ ‬قد‭ ‬تحقّق‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬البشر‭. ‬وبذلك‭ ‬يتم‭ ‬إرساء‭ ‬علاقات‭ ‬حوار‭ ‬واتفاق‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬تفاديا‭ ‬للعنف‭ ‬والتخاصم‭ ‬والتحارب‭. ‬فالمجال‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬مجال‭ ‬الحوار‭ ‬والتسامح‭ ‬والاحترام،‭ ‬مجال‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي‭ ‬حيث‭ ‬يتواصل‭ ‬الناس‭ ‬بأفكارهم‭ ‬ونقاشهم‭ ‬وبحرّيتهم‭ ‬وتعابـيـرهم‭ ‬المختلفة‭ ‬وحيث‭ ‬تتحدّد‭ ‬هويـّتهم‭ ‬فيحصل‭ ‬التّذاوت‭ ‬والتواصل‭ ‬بالمحبة‭ ‬التّـسالمية‭ ‬أو‭ ‬بالمواجهة‭ ‬التنافسية‭.‬

لقد‭ ‬دأب‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يقرّون‭ ‬نظريّة‭ ‬وجوب‭ ‬التحديث‭ ‬الجذري‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬على‭ ‬تكريس‭ ‬القطيعة‭ ‬النهائية‭ ‬مع‭ ‬معطيات‭ ‬الماضي‭ ‬باعتبارها‭ ‬عائقا‭ ‬أمام‭ ‬التقدم‭ ‬وتحطيما‭ ‬لمؤهلات‭ ‬العقل‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬حتى‭ ‬تلعب‭ ‬هذه‭ ‬القطيعة‭ ‬دورها‭ ‬كاملا‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬المجتمع‭.‬

‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬ركيزة‭ ‬الحاضر‭ ‬والتقاليد‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬حضور‭ ‬الماضي‭ ‬بعد‭ ‬تنقيته‭ ‬وصقله‭ ‬ولإعادة‭ ‬تأسيسه‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬وأيضا‭ ‬لأنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬هي‭ ‬استمرار‭ ‬حيوي‭ ‬ومتجدّد‭ ‬للوظائف‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والحياتية

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة‭ ‬مجدية‭ ‬حقيقة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تكريس‭ ‬عملية‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭. ‬إنّي‭ ‬أوافق‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬الحداثة‭ ‬أصلا‭ ‬هي‭ ‬اختلاف‭ ‬عن‭ ‬الجدود‭ ‬وتجديد‭ ‬للهموم‭ ‬الفكرية‭ ‬والحياتية‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬نوع‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬ونسبته‭ ‬وقيمته. ‬فلا‭ ‬يمكننا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التحديث‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تجاوز‭ ‬خلاق‭ ‬للماضي‭ ‬بمعطياته‭ ‬الشاكة‭ ‬وتعقيداته‭ ‬وتوتّراته‭. ‬ولكنني‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أؤكد‭ ‬أن‭ ‬عمليـّات‭ ‬التحديث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬تجاوزا‭ ‬للمرجعيات‭ ‬القديمة‭ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬إدراك‭ ‬فاعل‭ ‬لكل‭ ‬جوانبها‭ ‬ومستتبعاتها‭ ‬وعودة‭ ‬خلاقة‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يؤسّسها‭.‬‮ ‬ولعل‭ ‬بذلك‭ ‬يجد‭ ‬التحديث‭ ‬مساره‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬دائما‭ ‬متأصّلا‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬ومتجاوزا‭ ‬للجذور‭. ‬فالتوغل‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الجذور‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وفكرية‭ ‬هامة‭ ‬تحت‭ ‬عوامل‭ ‬التغيير‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬برز‭ ‬التحديث‭ ‬انقطاعا‭ ‬كاملا‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬فتترعرع‭ ‬سياسيا‭ ‬وثقافيا‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬انتكاسية‭ ‬وتراجعية‭ ‬تحاول‭ ‬بأساليب‭ ‬مختلفة‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬متنوعة‭ ‬الانسلاخ‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬التحديث‭ ‬وتعويضها‭ ‬بحركة‭ ‬تجديد‭ ‬السلف‭ ‬الصالح‭ ‬ومحاكاة‭ ‬أنماط‭ ‬تنظيماته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭. ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬مجتمعات‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬وثورات‭ ‬وتحولات‭ ‬وحروب‭ ‬أهلية‭ ‬يبيّن‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬“القاتلة”‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬التحولات‭ ‬التحديثية‭ ‬الضرورية‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الهاوية‭.‬

وفي‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬إذا‭ ‬دلّت‭ ‬عودة‭ ‬الفكر‭ ‬الماضوي‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الحالية‭ ‬على‭ ‬شيء فإنها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬التوتّر‭ ‬بين‭ ‬نقط‭ ‬الاستهراب‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬كل‭ ‬عملية‭ ‬تحديث‭ ‬وبين‭ ‬نقط‭ ‬التجذّر‭ ‬التي‭ ‬تشدّ‭ ‬القول‭ ‬والفعل‭ ‬إلى‭ ‬سمات‭ ‬الماضي‭ ‬والأصل‭.‬

هكذا‭ ‬إذن‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬ركيزة‭ ‬الحاضر‭ ‬والتقاليد‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬حضور‭ ‬الماضي‭ ‬بعد‭ ‬تنقيته‭ ‬وصقله‭ ‬ولإعادة‭ ‬تأسيسه‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬وأيضا‭ ‬لأنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬هي‭ ‬استمرار‭ ‬حيوي‭ ‬ومتجدّد‭ ‬للوظائف‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والحياتية‭. ‬وقناعتي‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوما‭ ‬تقويضا‭ ‬للذاكرة‭ ‬ولا‭ ‬تحطيما‭ ‬للتقاليد،‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬استخراج‭ ‬الإحداثيات‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغتها‭ ‬لتتأقلم‭ ‬مع‭ ‬القسم‭ ‬النيّـر‭ ‬والمفتوح‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬والذاكرة‭ ‬حتى‭ ‬تتجاوز‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعوق‭ ‬تطورها‭ ‬ويشدّها‭ ‬إلى‭ ‬التدحرج. ‬وسيلعب‭ ‬الفكر‭ ‬هنا‭ ‬دورا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬في‭ ‬حبك‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬نقط‭ ‬الاستهراب‭ ‬ونقط‭ ‬التجذر‭. ‬ولعل‭ ‬إعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬مهمّتها‭ ‬في‭ ‬وضعنا‭ ‬الحالي‭ ‬يتطلب‭ ‬صياغة‭ ‬تصوّرات‭ ‬جديدة‭ ‬لتلك‭ ‬الروابط‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬للتحديث‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬ضرورية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جدلية‭ ‬العودة‭ ‬والتجاوز‭ ‬وتحدّد‭ ‬التقدم‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الاستهراب‭ ‬والتجذر‭.‬

فالعمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬إرهاب‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬فئة‭ ‬ضالة،‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬الأسباب‭ ‬الكامنة‭ ‬وراءها‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬القائم‭ ‬بهذه‭ ‬العمليات‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬أهدافه‭ ‬المعلنة‭ ‬وغير‭ ‬المعلنة. ‬فليست‭ ‬هي‭ ‬تضاد‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬دينية‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬حرب‭ ‬صليبية‭ ‬أخرى‭ ‬ولم‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬صدام‭ ‬للحضارات. ‬هي‭ ‬–حسب‭ ‬رأينا‭-‬‮ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬قوية‭ ‬ضد‭ ‬اللاعدل‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬الغرب‭ ‬أن‭ ‬يظهره‭ ‬للعالم‭ ‬وكأنه‭ ‬هو‭ ‬العدل‭ ‬الإنساني‭ ‬الوحيد‭ ‬الممكن‭. ‬ولكن‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬للتصادم‭ ‬بين‭ ‬نقط‭ ‬التجذر‭ ‬ونقط‭ ‬الاستهراب،‭ ‬بين‭ ‬الانغلاق‭ ‬في‭ ‬الهويات‭ ‬القاتلة‭ ‬والهروب‭ ‬نحو‭ ‬التحديث‭ ‬والمعاصرة‭ ‬دون‭ ‬التمكن‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬سبل‭ ‬التوازن‭ ‬بينها‭.‬

مقاصد‭ ‬الهوية

إذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬بينّا‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬أرسطو‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬عميق‭ ‬لمعاني‭ ‬الهوية‭ ‬والاختلاف‭ ‬والتماثل‭ ‬والصراع‭ ‬والذات‭ ‬والآخر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬فاعلا‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬هموما‭ ‬يومية‭ ‬وقضايا‭ ‬راهنة‮ ‬‭ ‬ثقافة‭ ‬واجتماعا‭ ‬وسياسة‭. ‬ولعلنا‭ ‬لو‭ ‬تعمقنا‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬والتآليف‭ ‬المعاصرة‭ ‬غربا‭ ‬وشرقا‭ ‬لوجدنا‭ ‬أنها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬والاختلاف‭ ‬والكليّ‭ ‬والآخر‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فبعض‭ ‬هذه‭ ‬الكتابات‭ ‬إما‭ ‬مغالية‭ ‬في‭ ‬الخصوصية‭ ‬تعبر‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬عن‭ ‬ذات‭ ‬متألمة‭ ‬وقلقة‭ ‬تعيش‭ ‬آلام‭ ‬الغربة‭ ‬والتهميش،‭ ‬وإما‭ ‬مغالية‭ ‬في‭ ‬الكونية‭ ‬والتحديث‭ ‬ناسية‭ ‬تكوّناتها‭ ‬المحلية‭ ‬ومعطياتها‭ ‬التراثية‭ ‬وصبغتها‭ ‬الخصوصية‭. ‬فالذات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬دراستها‭ ‬واتخاذها‭ ‬نموذجا‭ ‬لتأملاتنا‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ألم‭ ‬التهميش‭ ‬والغلبة‭ ‬رغم‭ ‬ثرواتها‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬الضخمة‭ ‬وبهجة‭ ‬روح‭ ‬تاريخها‭ ‬الذي‭ ‬يسكنها‭ ‬بوصفها‭ ‬قد‭ ‬حملت‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬السلطة‭ ‬المادية‭ ‬والحضارية‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تؤمن‭ ‬بأنها‭ ‬تحمل‭ ‬شروط‭ ‬نهضة‭ ‬جديدة‭ ‬وفعّالة،‭ ‬شروط‭ ‬يقظة‭ ‬وجدتها‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬قرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وتجدها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬السلف‭ ‬الصالح‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬تؤمن‭ ‬به‭ ‬وتحلم‭ ‬بانبعاثه‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬فالكل‭ ‬يتحدث‭ ‬بلسان‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬الكلي‭ ‬المعرفي‭ ‬والأنطولوجي‭ ‬والكوني‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬التنوع‭ ‬والاختلاف‭ ‬والتثاقف‭ ‬والاعتراف‭. ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يكتشف‭ ‬واقع‭ ‬الغيرية‭ ‬مثل‭ ‬الهجرة‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬الغرب‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬بسوريا‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬الغرب‭ ‬سببا‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬اندلاعها‭ ‬فالكلّ‭ ‬سيتحدث‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬تواصل‭ ‬واعتراف‭ ‬ويعمّق‭ ‬الحرب‭ ‬والصراع‭ ‬مبتعدا‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الكوني‭ ‬الإنساني‭ ‬نحو‭ ‬العنف‭ ‬المتزايد،‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬العنصرية‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬السياسات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬الغرب‭ ‬عنصرية‭.. ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سلطان‭ ‬المال‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬والسلطان‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تضخّم‭ ‬بلا‭ ‬رقيب‭ ‬أضحى‭ ‬سرطانا‭ ‬خبيثا‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬الإنسانية‭ ‬ويهدد‭ ‬بقاءها‭.‬

بذلك‭ ‬تصبح‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬مسألة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كما‭ ‬بينت‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬باللسان‭ ‬الفرنسي‭ ‬“الهوية‭ ‬الإستراتيجية”‭ ‬والذي‭ ‬ترجم‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“الهوية‭ ‬ورهاناتها”‭. ‬فكيف‭ ‬للثقافات‭ ‬المتعدّدة‭ ‬أن‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬بقائها‭ ‬أمام‭ ‬هيمنة‭ ‬ثقافة‭ ‬واحدة‭ ‬تريد‭ ‬عبثا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬كونية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نحت‭ ‬منظومة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬متكاملة‭ ‬منسقة‭ ‬بقوانين‭ ‬دولية‭ ‬وضع‭ ‬لها‭ ‬اسم‭ ‬العولمة؟‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭ ‬هووية‭ ‬شائكة‭ ‬ومعقدة‭ ‬نشأ‭ ‬عنها‭ ‬صدام‭ ‬حضارات‭ ‬وتمزق‭ ‬أواصر‭ ‬الإنسانية. ‬فعادت‭ ‬للظهور‭ ‬مسألة‭ ‬الانتماء‭ ‬الهووي‭ ‬وأحيانا‭ ‬القبلي‭ ‬والعائلي‭ ‬وحتى‭ ‬العنصري‮ ‬كما‭ ‬ظهرت‭ ‬أيضا‭ ‬مواقف‭ ‬معادية‭ ‬للانتماء‭ ‬سعيا‭ ‬نحو‭ ‬التجرّد‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬التزام‭ ‬لمقوّمات‭ ‬الهويّة‭ ‬وانسلاخا‭ ‬وتنصّلا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬التاريخية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬تعبّر‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬المواقف‭ ‬“المغتربة”‭ ‬بموجب‭ ‬إيمانها‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الغرب‭ ‬وفي‭ ‬التنوير‭ ‬الغربي،‭ ‬معتقدة‭ ‬أنّ‭ ‬الحداثة‭ ‬غربية‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون. ‬وبهذا‭ ‬ترتبك‭ ‬صورة‭ ‬الهوية‭ ‬بل‭ ‬تنفجر‭ ‬لتترك‭ ‬المجال‭ ‬واسعا‭ ‬للموقف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المدّ‭ ‬السلفي،‭ ‬فخطاب‭ ‬الهويّة‭ ‬بطبعه‭ ‬خطاب‭ ‬حصري‭ ‬وإقصائيّ،‭ ‬لأنّه‭ ‬يعيّن‭ ‬الآخر‭ ‬بصفته‭ ‬خصما،‭ ‬وينظر‭ ‬إليه‭ ‬عدوّا‭ ‬أو‭ ‬عدوّا‭ ‬مرتقبا‮ ‬‭[‬2‭]‬،‮ ‬عبر‭ ‬رسم‭ ‬الدّائرة‭ ‬الجمعيّة‭. ‬لذلك‭ ‬ستكمن‭ ‬وظيفة‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الأولى‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬‮«‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬التّعارف‭ ‬بين‭ ‬أصدقاء‭ ‬‭-‬أي‭ ‬كلّ‭ ‬الذين‭ ‬يشاركون‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬سياسيّة‭-‬‭ ‬وتعيين‭ ‬العدوّ،‭ ‬وكلّ‭ ‬معسكر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬علامات‭ ‬ورموز‭ ‬وشعارات‭ ‬لخطاب‭ ‬يجمع‭ ‬أنصاره‭ ‬ويستبعد‭ ‬الآخرين‭ ‬بالطّريقة‭ ‬نفسها‮» ‬‭[‬3‭]‬‭.‬

‬إثبات‭ ‬الذّات‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬ضروريّ‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬كونية‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬عولمة،‭ ‬ودون‭ ‬إثبات‭ ‬هذه‭ ‬الذّات‭ ‬تتقوّض‭ ‬الأمم‭ ‬العملاقة‭ ‬والأمم‭ ‬الصّغيرة‭ ‬والأمم‭ ‬المريضة‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬الإثبات‭ ‬ليس‭ ‬طريقةً،‭ ‬لا‭ ‬لتفادي‭ ‬”العبر‭ ‬أممية“‭ ‬ولا‭ ‬لمعارضة‭ ‬العولمة

إذا‭ ‬أرنا‭ ‬أن‭ ‬نتجنّب‭ ‬هذا‭ ‬الاستبعاد‭ ‬حتّى‭ ‬نبلغ‭ ‬الكونيّ،‭ ‬فهل‭ ‬ينبغي‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬من‭ ‬نكون؟‮»‬‭ ‬وتعويضه‭ ‬بسؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬نكون؟‮» ‬‭[‬4‭]‬‭. ‬وفعلا،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬السّؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬نكون‮»‬،‭ ‬يستدعي‭ ‬سؤالا‭ ‬آخر‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الشّيء‮»‬،‭ ‬ويتعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬عندئذ‭ ‬بماهية‭ ‬الأشياء‭ ‬وجوهرها‭.‬

تُعرّف‭ ‬‮«‬نحن‮»‬‭ ‬في‭ ‬السّؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬نكون‮»‬‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الأجناس‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إبراز‭ ‬ما‭ ‬يكوّن‭ ‬ماهية‭ ‬الإنسان‭. ‬هناك‭ ‬إذن‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬السّؤال‭ ‬الكانطي‭ ‬‮«‬ما‭ ‬الإنسان؟‮»‬‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والسّياسي،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬فإنّ‭ ‬نطاق‭ ‬الهويّة‭ ‬يترك‭ ‬المكان‭ ‬للمجال‭ ‬الإنسانوي‭ ‬وتأخذ‭ ‬الغيريّة‭ ‬مظهرا‭ ‬ميتافيزيقيًّا‭. ‬إنّ‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬نكون؟‮» ‬‭[‬5‭]‬،‮ ‬يستتبع‭ ‬تفكيرا‭ ‬ميتافيزيقيًّا‭ ‬وإيتيقيّا‭ ‬حول‭ ‬منزلة‭ ‬الإنسان‭ ‬ويتّجه‭ ‬صوب‭ ‬وحدة‭ ‬كلّ‭ ‬النّاس‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمّيه‭ ‬”كانط“‮ ‬‭[‬6‭]‬،‮ «‬كونية‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬اكتمالها‮»‬‭[‬7‭]‬،‮ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المجموع‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬وُجد‭ ‬بين‭ ‬النّاس‭ ‬‭-‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الاحترام‭ ‬المراقب‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭-‬‭ ‬توزيعٌ‭ ‬عادل‭ ‬للثّروات‭ ‬بمقتضى‭ ‬نظام‭ ‬متماسك‭ ‬واتّفاق‭ ‬حول‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة‭. ‬وحتّى‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬عضوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجموع‭ ‬عليه‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬أخلاق‭ ‬عادلة‭ ‬تكون‭ ‬ظهيرا‭ ‬للمساواة‭ ‬وتهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬سلم‭ ‬دائم‭ ‬ونهائي. ‬ولكن‭ ‬ّ‭ ‬الواقعيّة‭ ‬السّياسيّة‭ ‬–كما‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬فيخته‭-‬‭ ‬تعلّمنا‭ ‬أنّ‭ ‬الحرب‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬هي‭ ‬إطار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬النّاس‭ ‬والدّول،‭ ‬وأنّ‭ ‬هذا‭ ‬المجموع‭ ‬الذي‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬طوباويّة،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬نكون؟‮»‬‭ ‬يتضمّن‭ ‬بداهة‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬من‭ ‬نكون؟‮»‬‭[‬8‭]‬‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬فقناعتي‭ ‬أنّ‭ ‬تعريف‭ ‬الهويّة‭ ‬والاعتراف‭ ‬بوحدة‭ ‬الانتماء‭ ‬يكوّنان‭ ‬شرطا‭ ‬أوّليا‭ ‬لكلّ‭ ‬كونيّة‭ ‬ولكلّ‭ ‬عالميّة‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة‭. ‬ولكن‭ ‬لماذا‭ ‬نطرح‭ ‬مشكل‭ ‬الهويّة‭ ‬إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نعرف‭ ‬أنّ‭ ‬عولمة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والثّقافة‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬ميلاد‭ ‬حركة‭ ‬”أممية“‭ ‬تنشئ‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر،‭ ‬مؤسّسات‭ ‬جغراسياسيّة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأمم؟‭ ‬ألم‭ ‬ينتج‭ ‬أحيانا‭ ‬عن‭ ‬قضيّة‭ ‬الهويّة‭ ‬انكماشا‭ ‬حول‭ ‬الذّات‭ ‬وشوفينيّة‭ ‬خَطِرة‭ ‬وممارسات‭ ‬إقصائيّة‭ ‬دامية؟

وحتى‭ ‬ندافع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬التوازنية‭ ‬والتعقلية‭ ‬بين‭ ‬مقتضيات‭ ‬الهوية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الكونية‭ ‬والتحديث،‭ ‬من‭ ‬الضّروري‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مصطلح‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالغيريّة‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬علينا‭ ‬رصد‭ ‬انتماءات‭ ‬هويتنا‭ ‬التّعددية‭. ‬ينبغي‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬الجديد‭ ‬”لتضافر‭ ‬الثقافات“‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬إثبات‭ ‬انتسابه‭ ‬الواقعي‭ ‬والرّمزي‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬قيم‭ ‬وإلى‭ ‬وحدة‭ ‬ترابيّة‭ ‬أنشأت‭ ‬ماضيا‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تاريخ‭ ‬قومي‭ ‬وإطار‭ ‬اجتماعي‭ ‬وثقافي‭ ‬وسياسي،‭ ‬وتمثّل‭ ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬الأطر‭ ‬نقاط‭ ‬مرجعيّة‭ ‬للهويّة‭.‬

إنّ‭ ‬إثبات‭ ‬الذّات‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬ضروريّ‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬كونية‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬عولمة،‭ ‬ودون‭ ‬إثبات‭ ‬هذه‭ ‬الذّات‭ ‬تتقوّض‭ ‬الأمم‭ ‬العملاقة‭ ‬والأمم‭ ‬الصّغيرة‭ ‬والأمم‭ ‬المريضة‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬الإثبات‭ ‬ليس‭ ‬طريقةً،‭ ‬لا‭ ‬لتفادي‭ ‬”العبر‭ ‬أممية“‭ ‬ولا‭ ‬لمعارضة‭ ‬العولمة،‭ ‬إنّما‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬بحث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تتموقع‭ ‬هذه‭ ‬الأمم‭ ‬بفعاليّة‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تدمّر‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الجغراسياسي‭ ‬الجديد‭ ‬للعالم‭ ‬الذي‭ ‬يظلّ‭ ‬مقسّما‭ ‬ومتنافسا،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬الغالب‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلاّ‭ ‬متصارعا‭.‬

ولكي‭ ‬ندرس‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬‭(‬الهويّة‭)‬‭ ‬إذن،‭ ‬من‭ ‬الضّروري‭ ‬أن‭ ‬نوضّح‭ ‬مختلف‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬الدّلالية‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬وتشابكها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحداثة‮ ‬‭[‬9‭]‬،‮ ‬والكوكبيّة‭ ‬الموسومة‭ ‬حاليّا‭ ‬بالتّحريك‭ ‬المتجدّد‭ ‬دائما‭ ‬للثّروات‭ ‬وبتطوير‭ ‬القوى‭ ‬المنتجة‭ ‬عبر‭ ‬إحداث‭ ‬سلطة‭ ‬سياسيّة‭ ‬مركزيّة،‭ ‬لكنّها‭ ‬موجّهة‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬فوق‭ ‬أمميّة‭ ‬ولا‭ ‬إقليميّة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشكيل‭ ‬هويّات‭ ‬وطنيّة‭ ‬متكيّفة‭ ‬مع‭ ‬تدويل‭ ‬شبكات‭ ‬تنقّل‭ ‬الأفكار‭ ‬والنّاس‭ ‬وعبر‭ ‬علمنة‭ ‬القيم‭ ‬والمعايير‭ ‬وانتشار‭ ‬حقوق‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسيّة‭.‬

دلالات‭ ‬الهوية

لكل‭ ‬ذلك‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬تشخيص‭ ‬مختلف‭ ‬دلالات‭ ‬مصطلح‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالحداثة‭ ‬المتحقّقة‭ ‬الآن‭ ‬عبر‭ ‬عولمة‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدفعنا‭ ‬نحو‭ ‬التّفكير‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬حاضرنا‭ ‬وارتباك‭ ‬وجودنا‭ ‬المحكوم‭ ‬بتناوب‭ ‬مرهق‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭: ‬طرف‭ ‬أول‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬انكماش‭ ‬حول‭ ‬الذّات‭ ‬يسوّغه‭ ‬نظام‭ ‬خطاب‭ ‬ارتكاسي‭ ‬سلفي‭ ‬قد‭ ‬يصبّ‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وطرف‭ ‬ثان‭ ‬هو‭ ‬تدمير‭ ‬للذّات‭ ‬مطبوع‭ ‬بنزوع‭ ‬نحو‭ ‬التغرب‭ ‬وفي‭ ‬أفضل‭ ‬الحالات‭ ‬نحو‭ ‬كونيّة‭ ‬مجرّدة‭ ‬وعولمة‭ ‬تيسّر‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬لا‭ ‬مساواة‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬النّاس‭ ‬وبين‭ ‬الشّعوب‭.‬

على‭ ‬أننا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬رمنا‭ ‬التعمق‭ ‬فكريا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات‭ ‬لتصور‭ ‬الهوية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬أربعة‭ ‬أبعاد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬طرائق‭ ‬مقاربة‭ ‬الهويّة‭:‬

البعد‭ ‬المنطقي‭ ‬والميتافيزيقي‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الهويّة‭ ‬فيه‭ ‬هي‭ ‬هويّة‭ ‬مماثلة‭ ‬ومساواة‭.‬

البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬وفيه‭ ‬تتجلّى‭ ‬الهويّةُ‭ ‬هويّةَ‭ ‬تجانس‭ ‬وإمكانيّة‭ ‬استقباليّة‭.‬

البعد‭ ‬السّيكولوجي‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الهويّة‭ ‬فيه‭ ‬هويّة‭ ‬شخصيّة‭ ‬وديناميكيّة‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذّاتي‭ ‬للفرد‭.‬

البعد‭ ‬السّياسي‭ ‬وفيه‭ ‬تكون‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬هويّة‭ ‬تكامليّة‭ ‬وذاتيّة‭. ‬ولكنها‭ ‬تتحدد‭ ‬أيضا‭ ‬بالإبعاد‭ ‬والغلبة‭ ‬والقهر‭.‬

ودون‭ ‬أن‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬فلسفية‭ ‬دقيقة‭ ‬ومعقدة‭ ‬نؤكد‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التبسيط‭ ‬أن‭ ‬الهويّة‭ ‬هي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬‮«‬وحدة‭ ‬الكائن‭ ‬المطلقة‭ ‬مع‭ ‬ذاته‮»‬‭ ‬فهي‭ ‬تعبّر‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬عن‭ ‬استحالة‭ ‬الفصل‭ ‬منطقيًّا‭ ‬وميتافيزيقيًّا‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬والماهية‭: ‬الكائن‭ ‬هو‭ ‬الوجود‭. ‬بحيث‭ ‬سيكون‭ ‬هناك‭ ‬اندماج‭ ‬كليّ‭ ‬بين‭ ‬الكون‭ ‬والوجود‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬لم‭ ‬يُعْطَ‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلاّ‭ ‬للوجود‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬وجود،‭ ‬أي‭ ‬بمنظور‭ ‬ديني‭ ‬للإله‭ ‬الخالق‭ ‬للكون‭ ‬والوجود‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُتصوّر‭ ‬إلاّ‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬وحدة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للانقسام‭ ‬إلى‭ ‬ماهية‭ ‬ووجود‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المنطقي‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬نقرّر‭ ‬أنّ‭ ‬مبدأ‭ ‬الهويّة‭ ‬‭(‬أ‭=‬أ‭)‬‭ ‬يفيد‭ ‬أصلا‭ ‬المساواة‭ ‬والمماثل‭ ‬للهو‭ ‬عينه،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬المنطق‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬مبدأ‭ ‬أساسيّ‭ ‬ينبثق‭ ‬منه‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬المبدآن‭ ‬الآخران‭ ‬وهما‭ ‬مبدأ‭ ‬عدم‭ ‬التّناقض‭ ‬ومبدأ‭ ‬الثّالث‭ ‬المرفوع‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬مبدأ‭ ‬الهويّة‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الصّعيد‭ ‬المنطقي‭ ‬والميتافيزيقي‭ ‬يتستّر‭ ‬إذن‭ ‬على‭ ‬الاختلافات‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬وجودي‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬وجود‭.‬‭ ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬القضية‭ ‬المعضلة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬بأفلاطون‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬الأب‭ ‬إلى‭ ‬التنكر‭ ‬لبرمنيدس‭. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حل‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬بواسطة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالغيرية‭ ‬ضمن‭ ‬إشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬هو‭ ‬البدء‭ ‬الحقيقي‭ ‬للفكر‭ ‬وللتفلسف‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإنّ‭ ‬مفهوم‭ ‬الهويّة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬امتحانه‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬القضيّة‭ ‬المنطقيّة‭ ‬والتّفكير‭ ‬الميتافيزيقي‭. ‬فمن‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬أميّز‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬يعرّفني‭ ‬كوحدة‭ ‬خالصة،‭ ‬ينبغي‭ ‬تأكيد‭ ‬وحدة‭ ‬الوجود‭ ‬الأصليّة‭ ‬والوظيفيّة،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬يتعيّن‭ ‬أن‭ ‬نبرز‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬تنبسط‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة،‭ ‬أي‭ ‬التّاريخ‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬إنجاز‭ ‬للهويّة‭ ‬وصيرورة‭. ‬يمكّنني‭ ‬البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬للهويّة‭ ‬من‭ ‬تدقيق‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يُبقيني‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬أحاديّ‭ ‬الجانب،‭ ‬ممّا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬انتمائي‭ ‬وحضوري‭ ‬ثابتين‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النّحو‭ ‬دائما،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬أنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬ليست‭ ‬ثبوتيّة‭ ‬وإنّما‭ ‬هي‭ ‬طاقة‭ ‬تغيير‭ ‬دون‭ ‬فساد‭.‬

‬الهويّة‭ ‬هي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬‮«‬وحدة‭ ‬الكائن‭ ‬المطلقة‭ ‬مع‭ ‬ذاته‮»‬‭ ‬فهي‭ ‬تعبّر‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬عن‭ ‬استحالة‭ ‬الفصل‭ ‬منطقيًّا‭ ‬وميتافيزيقيًّا‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬والماهية: ‬الكائن‭ ‬هو‭ ‬الوجود

تكفّ‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬عن‭ ‬إفادتها‭ ‬بواسطة‭ ‬التّماثل‭ ‬المطلق‭ ‬وبواسطة‭ ‬المساواة‭ ‬المنطقيّة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‭(‬أ‭=‬أ‭)‬،‭ ‬فتصبح‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬والطّبيعة‭ ‬تجانسًا‭ ‬وتشابهًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭.‬

يجعل‭ ‬”سارتر“‭ ‬في‭ ‬كتابه الوجود‭ ‬والعدم‮ ‬‭[‬10‭]‬،‮ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬الهويّة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬خصيصة‭ ‬مقوليّة‭ ‬‮«‬لما‭ ‬هو‭ ‬لذات‮»‬‭ ‬بصفته‭ ‬حضورا‭ ‬للذّات‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬أنطولوجيّا،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬انسجام‭ ‬مطلق‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬للتنوّع‭ ‬فيه،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬وحدة‭ ‬تأتلف‭ ‬فيها‭ ‬الكثرة‭. ‬هذا‭ ‬التّوازن‭ ‬غير‭ ‬المستقرّ‭ ‬باستمرار‭ ‬بين‭ ‬الذّات‭ ‬والآخر‭ ‬وبين‭ ‬الواحد‭ ‬والكثير‭ ‬هو‭ ‬علامة‭ ‬التّجانس‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الوجود‭ ‬إنّيته،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الهويّة‭ ‬تاريخيّة‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬أوّلا،‭ ‬وأصالة‭ ‬‮«‬وجود‭ ‬–كلّ‭-‬‭ ‬واحد‮»‬‭ ‬ثانيا‭ ‬وفق‭ ‬العبارات‭ ‬الهيدغيرية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُدرك‭ ‬كلية‭ ‬الوجود‭ ‬إلاّ‭ ‬بواسطة‭ ‬التّحليل‭ ‬الوجودي‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أسمّيه‭ ‬بالبعد‭ ‬الأنطولوجي‭-‬‭ ‬التاريخي‭ ‬للهويّة‭. ‬وينبغي‭ ‬التّذكير‭ ‬بكون‭ ‬الهويّة‭ ‬تاريخيّة‭ ‬وفق‭ ‬دلالة‭ ‬معينة‭ ‬فالهويّة‭ ‬هي‭ ‬وعي‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬كماله‭ ‬ومركزيّته‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وعندما‭ ‬نستأنف‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬الهويّة‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬تمثّل،‭ ‬نعثر‭ ‬لدى‭ ‬”لوك“‭ ‬على‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬حضور‭ ‬للذّات‮»‬‭ ‬بصفتها‭ ‬مفتاح‭ ‬الهويّة‭. ‬يعرّف‭ ‬”لوك“‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الجوهر‭ ‬المفكّر‭ ‬الذي‭ ‬نجده‭ ‬عند‭ ‬”ديكارت“،‭ ‬هويّةَ‭ ‬الشّخص‭ ‬كما‭ ‬يلي‭ ‬‮«‬يستطيع‭ ‬شخص‭ ‬أن‭ ‬يعتبر‭ ‬ذاته‭ ‬عينها‭ ‬ذاتا،‭ ‬والشّيء‭ ‬المفكّر‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬وأمكنة‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يتحقّق‭ ‬إلاّ‭ ‬بفضل‭ ‬الوعي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الفكر،‭ ‬وهو‭ ‬عندي‭ ‬حاجّي‭ ‬‭(‬ضروريّ‭)‬‭ ‬للوعي‮…‬‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يمتدّ‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بعيدا‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬باتّجاه‭ ‬فعل‭ ‬أو‭ ‬فكر‭ ‬ماض،‭ ‬تتبعه‭ ‬هويّة‭ ‬الشّخص‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭.. ‬الذّات‭ ‬هي‭ ‬هذا‭ ‬الشّيء‭ ‬المفكّر‭ ‬والواعي‭ ‬أيّا‭ ‬كان‭ ‬الجوهر‭ ‬الذي‭ ‬قُدّت‭ ‬منه‭ ‬روحيّا‭ ‬أو‭ ‬مادّيا،‭ ‬بسيطا‭ ‬أو‭ ‬مركّبا‮»‬‭.‬

لأجل‭ ‬ذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬الاحتكام‭ ‬إلى‭ ‬العبارة‭ ‬الهيدغيريّة‭ ‬التي‭ ‬اشتغل‭ ‬عليها‭ ‬”ريكور“‭ ‬بمهارة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الزّمن‭ ‬المحكي‮»‬‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬التّاريخويّة‭. ‬إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التّاريخويّة‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬أفكار‭ ‬مركزيّة‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭:‬

امتداد‭ ‬الوجود‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭.‬

الثّبات‭ ‬للذّات‭.‬

التّحوّل‭.‬

‮ولئن‭ ‬كانت‭ ‬عبارة الثّبات للذّات‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬غير‭ ‬ثبوتيّة‭ ‬تَبني‭ ‬علاقة‭ ‬تواصل‭ ‬‭-‬وفق‭ ‬طريقة‭ ‬ما‭-‬‭ ‬الكائن‭ ‬بماضيه‭ ‬وحاضره،‭ ‬فإنّ‭ ‬عبارة التحوّل تربطه‭ ‬بالمستقبليّة. ‬إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بحيويّة‭ ‬الإحالات‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬إذ‭ ‬أنّها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتكوّن‭ ‬أيضا‭ ‬بواسطة‭ ‬الممارسات‭ ‬اليومية‭ ‬للحاضر‭ ‬وبواسطة‭ ‬المستقبل‭ ‬أيضا‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬تحوّل. ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أنّه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الدّقيق‭ ‬يمثّل‭ ‬التّحوّل‭ ‬سياقا‭ ‬بيولوجيّا‭ ‬وظاهرة‭ ‬اختلاف‭ ‬وانحراف‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالأصل،‭ ‬إنّه‭ ‬اختلاف‭ ‬كيفي‭ ‬ووراثي‭ ‬وسط‭ ‬النّوع. ‬هناك‭ ‬إذن‭ ‬في‭ ‬التّحوّل‭ ‬قطع‭ ‬ووصل‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وتفتّح‭ ‬وتغيّر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الطّبيعة‭ ‬ذاتها،‭ ‬والحال‭ ‬أنّه‭ ‬يتعيّن‭ ‬في‭ ‬الهويّة‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬هذا‭ ‬الانحراف‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬وبالنّظر‭ ‬إلى‭ ‬مرجعيّة‭ ‬الماضي‭ ‬وإلى‭ ‬وحدة‭ ‬الوجود‭ ‬الأصليّة. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬خصيصة‭ ‬الهويّة‭ ‬الدّيناميكيّة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬انبساط‭ ‬وحركة‭ ‬تُبقي‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬وضعيّة‭ ‬تجدّد‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬قلق‭ ‬حدث‭ ‬الموت‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وبهجة‭ ‬الحياة‭ ‬وكمالها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭.‬

هذا‭ ‬إذن‭ ‬تعريف‭ ‬جديد‭ ‬للهويّة‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬انبساط‭ ‬وثبات‭ ‬للذّات‭ ‬وتحوّل،‭ ‬يعطي‭ ‬للاختلاف‭ ‬وللغيريّة‭ ‬وظائفهما‭ ‬التّكوينية‭ ‬في‭ ‬الأنا‭.‬‭ ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬أمرا‭ ‬فعّالا‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الهويّة‭ ‬انكماشا‭ ‬حول‭ ‬الذّات‭ ‬وإنّما‭ ‬هي‭ ‬بالأحرى‭ ‬انفتاح‭ ‬وفهم‭ ‬وتواصل‭ ‬وفعل. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬تواصل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬سواء‭ ‬مع‭ ‬الطّبيعة‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬شبيهه‭ ‬عنصرَ‭ ‬هويّته‭ ‬المركزيّ‭. ‬فالكائن‭ ‬هنا،‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬”ريكور“،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬الغير،‭ ‬فتصبح‭ ‬الهويّة‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬خطرا‭ ‬اجتماعيّا‭ ‬وسياسيّا‭ ‬لأنّها‭ ‬تصبح‭ ‬بابا‭ ‬مفتوحا‭ ‬لكلّ‭ ‬إقصاء‭ ‬ولكلّ‭ ‬انغلاق‭ ‬وليس‭ ‬المماثل‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬التحكّم‭ ‬المفرط‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬الهويّة‭ ‬بانتزاع‭ ‬خصيصة‭ ‬التحوّل‭ ‬والحركة‭ ‬منها. ‬وحتّى‭ ‬على‭ ‬الصّعيد‭ ‬الفردي‭ ‬تكون‭ ‬الهويّة‭ ‬دون‭ ‬تفتّح‭ ‬مريضة‭ ‬وعصابيّة‭ ‬لأنّها‭ ‬تصبح‭ ‬منكمشة‭ ‬حول‭ ‬ذاتها‭ ‬ورافضة‭ ‬للعالم. ‬ولأجل‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تقع‭ ‬الإشارة‭ ‬مطلقا‭ ‬بشكل‭ ‬كاف‭ ‬إلى‭ ‬الرّواسب‭ ‬الخطرة‭ ‬المترتّبة‭ ‬عن‭ ‬انكماشات‭ ‬الهويّة،‭ ‬وقد‭ ‬كتب‭ ‬”لمشيشي“‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصّدد‭ ‬‮«‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صعوبات‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬إبداعات‭ ‬الحياة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬انهيار‭ ‬الرّابط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومشاعر‭ ‬الخوف‭ ‬والعجز،‭ ‬يهدي‭ ‬الخطاب‭ ‬الإسلاموي‭ ‬رفاهيّة‭ ‬اليقينيّات‭ ‬والحلول‭ ‬التّبسيطية‭ ‬لـ”العودة‭ ‬إلى‭ ‬الهويّة”،‭ ‬متناسيا‭ ‬أنّها‭ ‬تتكوّن‭ ‬من‭ ‬أخلاط‭ ‬وامتزاج‭ ‬متحقّقة‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬التاريخ‮» ‬‭[‬11‭]‬‭.‬

أبرز‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬خصوصية‭ ‬الهويّة‭ ‬الدّيناميكية،‭ ‬وتمثّل‭ ‬هذه‭ ‬الدّينامية‭ ‬مكسبا‭ ‬واقعيّا‭ ‬لكلّ‭ ‬انتماء‭. ‬فالهوية‭ ‬التّونسية‭ ‬مثلا،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬عنصر‭ ‬لتفكيرنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعرّف‭ ‬فقط‭ ‬بوحدة‭ ‬الهويّة‭ ‬الوظيفيّة‭ ‬والأصليّة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬نتيجة‭ ‬التّاريخ‭ ‬وصنيعة‭ ‬الوعي‭ ‬بوحدته‭ ‬وبتكامله‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وبقدرته‭ ‬على‭ ‬التحوّل‭ ‬والتكيّف‭ ‬والتّغيّر‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭. ‬فالغريب‭ ‬أننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬في‭ ‬الفايسبوك‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الأصول‭ ‬البيولوجية‭ ‬للتونسي‭ ‬بنسب‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬علمية‭ ‬موثقة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬أن‭ ‬52‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬بربري‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬العشرين‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أوروبي‭ ‬وأن‭ ‬14‭ ‬بالمئة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي. ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬التّاريخ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬بصفته‭ ‬سيرورة،‭ ‬فهو‭ ‬العنصر‭ ‬الرّئيس‭ ‬لكلّ‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬الهويّة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬فرديّة‭ ‬أو‭ ‬جماعيّة،‭ ‬ولكننا‭ ‬نقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬بأحداثه‭ ‬الماضية‭ ‬حسب‭ ‬نظرتنا‭ ‬الحالية‭ ‬وبتقنيات‭ ‬معاصرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬سنفهمه‭ ‬من‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬بالضرورة‭ ‬ما‭ ‬فهمه‭ ‬أجدادنا‭ ‬لأن‭ ‬نظرتنا‭ ‬تغيّرت‭ ‬وأساليب‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأحداث‭ ‬الماضية‭ ‬تنوعت‭ ‬وتطورت‭ ‬تقنيا‭ ‬ومفهوميا‭. ‬هوية‭ ‬التونسي‭ ‬تتمثل‭ ‬أيضا‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬بصدد‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬الآن. ‬فهو‭ ‬معروف‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثورته‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مضمونها‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬الحياة‭ ‬بالكرامة‭ ‬والحرية‭.‬

‮ ‬وفي‭ ‬كلّ‭ ‬الحالات،‭ ‬فإنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬دون‭ ‬انفتاح‭ ‬على‭ ‬المختلف‭ ‬أخلاقيّا‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬فعل‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬سيرورة‭ ‬التّاريخ،‭ ‬وبلا‭ ‬نهضة‭ ‬دائمة‭ ‬للأفكار‭ ‬ولأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬وللغيريّة‭ ‬بصفة‭ ‬عامّة،‭ ‬تصبح‭ ‬مرضيّة‭ ‬وعصابيّة‭ ‬لأنّها‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬انكمشت‭ ‬حول‭ ‬ذاتها‭ ‬ورفضت‭ ‬العالم‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬به‭.‬

ولعل‭ ‬بُعد‭ ‬الهويّة‭ ‬السّيكولوجيّ‭ ‬على‭ ‬الصّعيد‭ ‬الفردي‭ ‬يمكن‭ ‬له،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬أن‭ ‬يوضّح‭ ‬لنا‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬

إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬نتاج‭ ‬تطوّر‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬وجوده‭ ‬لأنّها‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬منذ‭ ‬الطّفولة،‭ ‬نسقًا‭ ‬منتظما‭ ‬ومتدرّجا‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الثّوابت‭ ‬المعرفيّة‭ ‬والعاطفيّة،‭ ‬وهذا‭ ‬النّسق‭ ‬الخاصّ‭ ‬بالهويّة‭ ‬يعطي‭ ‬للفرد‭ ‬إمكان‭ ‬تكوّنه‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬تقييميّة‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إلى‭ ‬ذاته‭ ‬أوّلا،‭ ‬وفي‭ ‬صورة‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬ثانيا،‭ ‬وفي‭ ‬علاقته‭ ‬بالآخر‭ ‬الذّي‭ ‬يشاركه‭ ‬الوجود‭ ‬ثالثا‭. ‬ويميّز‭ ‬”جون‭ ‬ماسّونا“‭[‬12‭]‬،‮ ‬وظائف‭ ‬يضمنها‭ ‬هذا‭ ‬النّسق‭ ‬الخاصّ‭ ‬بالهويّة. ‬ومنها‭ ‬بالأساس‭ ‬‮«‬وظيفة‭ ‬تنمويّة‭ ‬ودفاعيّة‭ ‬للشّخص‮»‬،‭ ‬فهي‭ ‬استراتيجيا‭ ‬تقويم‭ ‬داخل‭ ‬الفرديّة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ومقاومة‭ ‬لكلّ‭ ‬اختلال‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬الشّخص‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭.‬

وإذا‭ ‬أضفنا‭ ‬لهذه‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬الهوية‭ ‬قدرة‭ ‬التكنولوجيّات‭ ‬المعاصرة‭ ‬والخاصّة‭ ‬بالإعلام‭ ‬والتواصل‭ ‬كالإنترنت‭ ‬مثلا‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬هويّة‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬فسنلاحظ‭ ‬في‭ ‬الحين‭ ‬أّنها‭ ‬هويّة‭ ‬متجذّرة‭ ‬في‭ ‬الأنانة‭ ‬قد‭ ‬تحاذي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أشكالها‭ ‬الأنانيّة‭. ‬فالرّصد‭ ‬الدّقيق‭ ‬لتقنيّات‭ ‬التواصل‭ ‬تبيّن‭ ‬دون‭ ‬لبس‭ ‬مقوّم‭ ‬الهويّة‭ ‬الجديدة‭ ‬الثابت‭ ‬والتي‭ ‬يتمّ‭ ‬بناؤها‭ ‬بواسطة‭ ‬المخيال‭ ‬التكنولوجي: ‬وأعني‭ ‬به‭ ‬اكتشاف‭ ‬الذّات‭ ‬وابتداعها‭ ‬وإعادة‭ ‬بنائها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬ذات‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬الانتماءات‭ ‬التقليديّة‭ ‬الكلاسيكيّة‭ ‬كالعائلة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والوطن‭ ‬والدولة‭. ‬فتكون‭ ‬الذّات‭ ‬نتيجة‭ ‬فعل‭ ‬التعبير‭ ‬والتّشكّل‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الذّات‭ ‬لذاتها‭ ‬بواسطة‭ ‬التقنيّات‭ ‬التواصليّة‭ ‬المتاحة‭ ‬عبر‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬والإنترنت‭. ‬فهي‭ ‬نتيجة‭ ‬ترميم‭ ‬شظايا‭ ‬متعدّدة‭ ‬من‭ ‬الهويّة‭ ‬قد‭ ‬يتمّ‭ ‬جمعها‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتعدّدة‭ ‬ومن‭ ‬تقنيّات‭ ‬“البلوغ”‭ ‬ولا”التاغ”‭ ‬و”الماشوب”‭ ‬زيادة‭ ‬عن‭ ‬تقنيّات‭ ‬الفيديو‭ ‬والأغاني‭ ‬والصور‭ ‬وكلّ‭ ‬المعطيّات‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬نصّية‭ ‬أو‭ ‬مرئيّة‭ ‬أو‭ ‬سمعيّة‭. ‬وكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬يأخذ‭ ‬صبغة‭ ‬المبادلة‭ ‬والإبداع‭ ‬وتكوين‭ ‬الشبكات‭ ‬والجمعيّات‭ ‬والتدخّلات‭ ‬الجماليّة‭ ‬والسياسيّة‭ ‬والأخلاقيّة‭ ‬ومزج‭ ‬الصور‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬بحيث‭ ‬ستصبح‭ ‬الذّات‭ ‬مقولبة‭ ‬داخل‭ ‬جهاز‭ ‬معقّد‭ ‬من‭ ‬التصوّرات‭ ‬والانتماءات‭.‬

لكل‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إننا‭ ‬بصدد‭ ‬تحوّلات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬تصوّر‭ ‬الهويّة‭. ‬هناك‭ ‬انهيار‭ ‬للهويات‭ ‬المنغلقة‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مجبرة‭ ‬على‭ ‬التقتيل‭ ‬والتخريب‭ ‬والإرهاب‭ ‬لإثبات‭ ‬ذاتها‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬غاياتها‭. ‬فمستقبلا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الانتماء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتاريخي‭ ‬هو‭ ‬محدّد‭ ‬الذّات‭ ‬الوحيد‭ ‬والرّئيسي‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬أبدا‭ ‬عماد‭ ‬التذاوت. ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬السّلطة‭ ‬في‭ ‬مستوياتها‭ ‬المختلفة‭ ‬‭(‬العائلة،‭ ‬المدرسة،‭ ‬الدولة‭)‬‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدّد‭ ‬لنا‭ ‬مجالات‭ ‬تفكيرنا‭ ‬وحقول‭ ‬انتماءاتنا،‭ ‬لأنّ‭ ‬الإنترنت‭ ‬قد‭ ‬فتحت‭ ‬إمكانيّة‭ ‬المشافهة‭ ‬اليوميّة‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬بالصورة‭ ‬والصوت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقنيّات‭ ‬“البلوغ”‭ ‬الفرديّة‭ ‬والجماعيّة‭. ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬التقنيّة‭ ‬كالجذريّات‭ ‬تنبت‭ ‬دون‭ ‬انتظام‭ ‬بحيث‭ ‬يصعب‭ ‬احتواؤها‭ ‬وتنسيقها‭. ‬هناك‭ ‬إذن‭ ‬إعادة‭ ‬امتلاك‭ ‬القول‭ ‬والتعبير‭ ‬والاستحواذ‭ ‬على‭ ‬المعلومة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ملك‭ ‬السلطة‭ ‬وذلك‭ ‬ليتم‭ ‬نشرها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬حسب‭ ‬غايات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬وتجارية‭.‬

وخلاصة‭ ‬القول‭ ‬فإن‭ ‬انفجار‭ ‬الهويات‭ ‬بمخاطره‭ ‬الكبرى‭ ‬سيكون‭ ‬حتما‭ ‬عماد‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬المقبل‭ ‬في‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬لأنّ‭ ‬ما‭ ‬سيبرز‭ ‬مستقبلا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تكوينات‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬مشتّتة‭ ‬تربط‭ ‬بينها‭ ‬روابط‭ ‬مختلفة‭ ‬غير‭ ‬مركزة‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬خيالية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإنترنت‭ ‬مثلا‭ ‬قد‭ ‬تأخذ‭ ‬هذه‭ ‬الرّوابط‭ ‬أشكالا‭ ‬متعدّدة‭ : ‬كنشر‭ ‬الأفكار‭ ‬والآراء‭ ‬والتحاليل‭ ‬والنتائج‭ ‬العمليّة‭ ‬والمعلومات‭ ‬الاقتصاديّة،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإنترنت‭ ‬وغيرها. ‬فمع‭ ‬تحوّل‭ ‬الذّات‭ ‬من‭ ‬الهويّة‭ ‬السّرديّة‭ ‬إلى‭ ‬الهويّة‭ ‬السيبرنيّة‭ ‬يتحوّل‭ ‬الارتباط‭ ‬والانتماء‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬العادي‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬السيبرني‭. ‬لكل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مقاومة‭ ‬الهويات‭ ‬السردية‭ ‬القاتلة‭ ‬وتحرير‭ ‬المعقولية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬نظرتها‭ ‬الماضوية‭ ‬واقتراح‭ ‬هوية‭ ‬بديلة‭ ‬متحركة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬تحولات‭ ‬العالم‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وعلميا‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬بجانب‭ ‬تجذّرها‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬حضارتها‭ ‬الغنية‭ ‬والمتنوعة‭. ‬لعلنا‭ ‬بذلك‭ ‬نضمن‭ ‬للأجيال‭ ‬العربية‭ ‬المقبلة‭ ‬حياة‭ ‬متوازنة‭ ‬غير‭ ‬منفصمة‭ ‬تتجذر‭ ‬في‭ ‬حضارتها‭ ‬كما‭ ‬يتجذر‭ ‬الآن‭ ‬الفرد‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬حضارته‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬تبني‭ ‬عمادها‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬مشاريعها‭ ‬وأعمالها‭ ‬المستقبلية‭ ‬وإبداعاتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الميادين‭ ‬فتكون‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬المتوازنة‭ ‬مدخلا‭ ‬للكونية‭ ‬ومرتعا‭ ‬للإنسانية‭.‬

‮إشارات‭:‬

‭[‬1‭]‬‮ ‬نعني‭ ‬بالتـّذاوت‭ ‬علاقات‭ ‬التبادل‭ ‬بين‭ ‬ذات‭ ‬وذات‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬ترجمة‭ ‬للكلمة‭ ‬الفرنسية‭:‬‮ ‬‭ ‬Intersubjectivité

‭[‬2‭]‬‮ ‬Clausewitz‭,‬‮ ‬De‭ ‬la‭ ‬guerre‭, ‬éd‭. ‬Minuit‭, ‬Paris‭ ‬1954‮ ‬‭, ‬p‭.‬70‭, ‬cf‭. ‬Fathi‭ ‬Triki‭,‬‮ ‬Les‭ ‬philosophes‭ ‬et‭ ‬la‭ ‬guerre‭, ‬Burini‭, ‬Sfax‭ ‬1994‭ ‬‭(‬2°édition‭)‬‭, ‬p‭.‬135‭.‬

‭[‬3‭]‬‮ ‬‭ ‬–‭ ‬Jean‭ ‬Baechler‭,‬‮ ‬Qu’est-ce‭ ‬que‭ ‬l’idéologie‮ ‬‭?‬‭, ‬coll‭.‬‮ « ‬Idées‮ »‬‭, ‬éd‭. ‬Gallimard‭, ‬Paris‭ ‬1976‭,‬p‭.‬64

‮ ‬‭[‬4‭]‬‮ ‬–‭ ‬Richard‭ ‬Rotry‭, ‬op‭, ‬cit

‭[‬5‭]‬‮ ‬–‭ ‬Richard‭ ‬Rotry‭.‬‮ «‬Universalisme‭ ‬moral‭ ‬et‭ ‬tri‭ ‬économique‮»‬‭, ‬in‮ ‬‭ ‬‮ ‬Diogène‭.‬n°‭ ‬173‭, ‬janvier-mars‭ ‬1996‭, ‬p‭.‬3‭.‬

‭[‬6‭]‬‮ ‬Emmanuel‭ ‬Kant‭,‬‮ ‬Idée‭ ‬pour‭ ‬une‭ ‬histoire‭ ‬universelle‭, ‬éd‭, ‬Vrin‭, ‬p‭ ‬229‭.‬

‭[‬7‭]-‬‭ ‬Emmanuel‭ ‬Kant‭,‬‮ ‬Idée‭ ‬pour‭ ‬une‭ ‬histoire‭ ‬universelle‭, ‬éd‭, ‬Vrin‭, ‬p‭ ‬229‭.‬

‭[‬8‭]‬‮ ‬Qui‭ ‬sommes-nous‮ ‬‭?‬‮ ‬Les‭ ‬rencontres‭ ‬philosophiques‭ ‬de‭ ‬l’UNESCO‭. ‬Ed‭. ‬Gallimard‮ ‬‭/‬Unesco‭.‬Paris‭ ‬1996‭.‬

‭[‬9‭]‬‮ ‬–‭ ‬Jurgen‭ ‬Habermas‭, ‬‮« ‬Le‭ ‬discours‭ ‬philosophique‭ ‬de‭ ‬la‭ ‬modernité‮ »‬‭, ‬‮ ‬p‭ ‬3‭.‬

‭[‬10‭]‬‮ ‬‭ ‬J‭.‬Paul‭ ‬Sartre‭, ‬L’être‭ ‬et‭ ‬le‭ ‬néant‭, ‬Ed‭, ‬Gallimard‭, ‬ΙΙ°‭ ‬partie‭, ‬p‭.‬119

‭[‬11‭]‬‮ ‬–‭ ‬Abderrahim‭ ‬Lamchichi‭, ‬‮« ‬Malaise‭ ‬social‭, ‬islamisme‭ ‬et‭ ‬replis‭ ‬identitaires‭ ‬dans‭ ‬le‭ ‬monde‭ ‬arabe‮ »‬‭, ‬revus‭ ‬confluences‭, ‬n°‭ ‬6‭, ‬Paris‭, ‬printemps‭ ‬1993‭, ‬p‭.‬41

‭[‬12‭]‬‮ ‬–‭ ‬‮« ‬Identité‭ ‬personnelle‮ ‬‭: ‬Un‭ ‬champ‭ ‬de‭ ‬recherche‭ ‬en‭ ‬voie‭ ‬d’organisation‮ »‬‭, ‬in‭ ‬Adolescence‭ ‬et‭ ‬identité‭, ‬op‭. ‬cit‭, ‬p26‭ ‬à‭ ‬44

‭[‬13‭]‬‭ ‬–‭ ‬Michel‭ ‬Faucault‭,‬‮ ‬Le‭ ‬souci‭ ‬de‭ ‬soi‭, ‬éd‭, ‬Gallimard‭, ‬1984‭, ‬p‭.‬308‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس‭ - ‬صاحب‭ ‬كرسي‭ ‬اليونسكو‭ ‬للفلسفة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي