بيت‭ ‬الخائب

الانغلاق‭ ‬الهويّاتي‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬العرب

الجديد  أحمد‭ ‬دلباني [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(86)]

لوحة: عمار النحاس
يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬جليا‭ ‬للمتأمل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬المُجتمعات‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ ‬–‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬العربيِّ‭ ‬بخاصة‭ ‬–‭ ‬أنَّ‭ ‬زمن‭ ‬اليوتوبيات‭ ‬التقدمية‭ ‬والأحلام‭ ‬الخلاصية‭ ‬الجماعية‭ ‬الكبيرة‭ ‬قد‭ ‬ولّى‭ ‬لصالح‭ ‬تفاقم‭ ‬اليأس‭ ‬واضمحلال‭ ‬جاذبية‭ ‬المُستقبل. ‬ونعتقدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬أبرز‭ ‬مُؤشر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذكرنا‭ ‬هو‭ ‬تنامي‭ ‬خطابات‭ ‬الهوية‭ ‬وانفجار‭ ‬الأصوليات‭ ‬المُختلفة‭ ‬بما‭ ‬يشي‭ ‬بانكماش‭ ‬واضح‭ ‬أمام‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها. ‬هذا‭ ‬زمنُ‭ ‬التمركز‭ ‬الجديد‭ ‬بامتياز: ‬تطرفٌ‭ ‬هوياتي‭ ‬شرقا‭ ‬وغربا‭ ‬نستطيعُ‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ملامحه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتماء‭ ‬بقناديل‭ ‬الذات‭ ‬الجماعية‭ ‬والمُتمظهر،‭ ‬تحديدًا،‭ ‬في‭ ‬الطائفية‭ ‬الدينية‭ ‬والتمركز‭ ‬العرقيِّ‭ ‬واحتلال‭ ‬اليمين‭ ‬السياسيِّ‭ ‬صدارة‭ ‬البرامج‭ ‬المطروحة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬المُنهكة‭ ‬بمشاكلها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬نجدُ‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر‭ ‬صدى‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفكر‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬التراجع‭ ‬التدريجيِّ‭ ‬عن‭ ‬مُكتسبات‭ ‬“الأنوار”‭ ‬وسردية‭ ‬التقدم‭ ‬والنزعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكونية‭ ‬لصالح‭ ‬“مديح‭ ‬الحدُود”‭ ‬كما‭ ‬يُشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عنوان‭ ‬كتابٍ‭ ‬مُهم‭ ‬للمفكر‭ ‬الفرنسيِّ‭ ‬ريجيس‭ ‬دوبريه‭. ‬هذا‭ ‬الأمرُ‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نرى‭ ‬–‭ ‬مُؤشرٌ‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أزمةٍ‭ ‬تعيشها‭ ‬الحداثة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تدشين‭ ‬نهايةٍ‭ ‬سعيدةٍ‭ ‬للتاريخ‭.‬

مطلب الانتماء‭ ‬مطلبٌ‭ ‬مشروع‭. ‬لكلّ‭ ‬هويته‭ ‬ولكلّ‭ ‬الحقُ‭ ‬في‭ ‬هويةٍ‭ ‬مفتوحةٍ‭ ‬على‭ ‬الاغتناء‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مُرتكزات‭ ‬ثقافيةٍ‭ ‬وحضارية‭ ‬متعدِّدة. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحوِّل‭ ‬التشبث‭ ‬بالهوية‭ ‬إلى‭ ‬علامةٍ‭ ‬على‭ ‬اليأس‭ ‬والانكماش‭ ‬ورفض‭ ‬الآخر‭ ‬المُختلف؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬“هوية‭ ‬قاتلة”‭ ‬كما‭ ‬يُعبِّرُ‭ ‬أمين‭ ‬معلوف؟‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬الشعورَ‭ ‬بالانتماء‭ ‬للمصائر‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬لحظةٍ‭ ‬تنسفُ‭ ‬جسورَ‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬وتحول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬مُتنابذة؟‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وغيرها‭ ‬تطرحُ‭ ‬تحدياتٍ‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬ثقافيا‭ ‬وسياسيا. ‬ولا‭ ‬غروَ‭ ‬في‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الأمرَ‭ ‬أصبح‭ ‬يطبعُ‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬بطابع‭ ‬العنصرية‭ ‬المُتنامية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الخطورة. ‬ونعتقدُ‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬البحثُ‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬بنيويةٍ‭ ‬للنزوع‭ ‬العنصريِّ‭ ‬في‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬بعينها‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬مُجمل‭ ‬الشروط‭ ‬السوسيو‭-‬‭ ‬سياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬استجابة‭ ‬وردَّ‭ ‬فعل‭ ‬عن‭ ‬الاختلال‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بعالمه‭ ‬فردًا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭.‬‮ ‬

‬العنصرية،‭ ‬في‭ ‬عمقها،‭ ‬حلمٌ‭ ‬بالصفاء‭ ‬الأول‭ ‬وكأنها‭ ‬حنينٌ‭ ‬رومنطيقيّ‭ ‬وتوقٌ‭ ‬رعويّ‭ ‬إلى‭ ‬عهودٍ‭ ‬لم‭ ‬تتعرَّض‭ ‬فيها‭ ‬الذاتُ‭ ‬إلى‭ ‬التصدع‭ ‬الذي‭ ‬يُسبِّبه‭ ‬التاريخ‭ ‬والتغير. ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬أجدني‭ ‬هنا،‭ ‬شخصيا،‭ ‬أتفقُ‭ ‬مع‭ ‬الملاحظة‭ ‬البصيرة‭ ‬لذلك‭ ‬الباحث‭ ‬المُفكر‭ ‬الذي‭ ‬اعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬القومية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬‭(‬وهي‭ ‬عنصرية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭)‬‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬باعتبارها‭ ‬نوستالجيا‭ ‬قبَلية‭ ‬كردِّ‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬التفكك‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬الروابط‭ ‬التقليدية‭ ‬للذات‭ ‬الجماعية‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العهد‭ ‬الصناعي‭ ‬وتوسع‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة. ‬هذا‭ ‬يعلمنا‭ ‬شيئا‭ ‬مهما: ‬هو‭ ‬أنَّ‭ ‬العنصرية‭ ‬انكماشٌ‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬وإفصاحٌ‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والتغير‭ ‬وحضور‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأرضيِّ‭.‬

‭‬لا‭ ‬تخلو،‭ ‬برأينا،‭ ‬ثقافة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬نزوع‭ ‬عنصريّ‭ ‬جاهز‭ ‬لأن‭ ‬ينفجرَ‭ ‬متى‭ ‬توفرت‭ ‬الشروط‭ ‬الموضوعية‭ ‬لذلك. ‬كأنَّ‭ ‬العنصرية‭ ‬موجودة‭ ‬بالقوة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منظومةٍ‭ ‬ثقافيةٍ‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬رؤيةٍ‭ ‬للعالم‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تضمرُ‭ ‬تمركزا‭ ‬للذات‭ ‬مهما‭ ‬ادَّعت‭ ‬الكونية‭ ‬والشمولية؛‭ ‬وهي‭ ‬جاهزة‭ ‬لأن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬وجودٍ‭ ‬بالفعل‭ ‬كلما‭ ‬شعرت‭ ‬الهوية‭ ‬الجماعية‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬الذي‭ ‬يزحزحها‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬أو‭ ‬يشوّش‭ ‬على‭ ‬نرجس‭ ‬صفاءَ‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬تعكسُ‭ ‬جماله‭ ‬الاستثنائي. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬نود‭ ‬التركيز‭ ‬عليه،‭ ‬هنا،‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬التطرف‭ ‬الهوياتي‭ ‬في‭ ‬طبعته‭ ‬العربية‭ ‬الرَّاهنة‭ ‬والذي‭ ‬يتجلّى،‭ ‬تحديدًا،‭ ‬في‭ ‬الأصولية‭ ‬الدينيَّة‭ ‬والطائفية‭ ‬السياسية. ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمرُ‭ ‬إلا‭ ‬نتاجا‭ ‬طبيعيا‭ ‬انبثق‭ ‬عن‭ ‬إخفاق‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬العربية‭ ‬وأصبح‭ ‬يمثل‭ ‬أبرز‭ ‬ملامحها‭ ‬ثقافيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬بعد‭ ‬عقودٍ‭ ‬من‭ ‬سيادة‭ ‬وهيمنة‭ ‬الغنائية‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬في‭ ‬صورتيها‭ ‬القومية‭ ‬والاشتراكية‭. ‬إنَّ‭ ‬التطرف‭ ‬الهوياتي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أمارات‭ ‬فشل‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربيِّ‭.‬

‬‭‬ربما‭ ‬كان‭ ‬التطرف‭ ‬الهوياتي‭ ‬مرضَ‭ ‬العصر. ‬ولكننا‭ ‬لن‭ ‬نُوافقَ‭ ‬–‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬سببًا‭ ‬لمتاعبنا‭ ‬الحالية‭ ‬أو‭ ‬لجحيم‭ ‬العُنف‭ ‬الذي‭ ‬نشهدُ‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفه،‭ ‬أولا‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ،‭ ‬نتيجة‭. ‬التطرفُ‭ ‬نتيجة‭ ‬وليس‭ ‬اختيارًا‭ ‬أو‭ ‬سببا‭ ‬أوَّل‭ ‬يتحكمُ‭ ‬بخيوط‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تصنعُ‭ ‬تراجيديا‭ ‬العالم. ‬إنه‭ ‬علامة‭ ‬أزمة‭. ‬ومن‭ ‬الأنسب‭ ‬أن‭ ‬تُقرأ‭ ‬الأزمة‭ ‬المُعقدة‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الثقافيّ‭ ‬والحضاريِّ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬روح‭ ‬اختزالية‭ ‬لا‭ ‬تنظرُ‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬الجُزء‭ ‬الظاهر‭ ‬من‭ ‬الجَبل‭ ‬الجليديِّ. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نطرحُ‭ ‬فرضية‭ ‬أولى‭ ‬نراها‭ ‬ضرورية: ‬التطرفُ‭ ‬علامة‭ ‬اختلال‭ ‬يجدُ‭ ‬أساسهُ‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭. ‬إنهُ‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬وليس‭ ‬فعلا‭ ‬بادئا‭ ‬مُستقلا‭ ‬بذاته‭. ‬وهو‭ ‬اختلاجٌ‮ ‬–‭ ‬قد‭ ‬يكونُ‭ ‬يائسا‭ ‬–‭ ‬ولكنهُ‭ ‬يُفصحُ‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬تقاومُ‭ ‬الذبح. ‬وربما‭ ‬أولى‭ ‬علاماتِه‭ ‬المُؤكدة‭ ‬تنامي‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬بشكل‭ ‬مُبالغ‭ ‬فيه‭ ‬منذ‭ ‬عشريتين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬انتكاساتٍ‭ ‬وفشلا‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬المُتوازنة‭ ‬كالعالم‭ ‬العربيِّ. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬التطرفُ‭ ‬بالظهور‭ ‬–‭ ‬بوصفه‭ ‬عنفا‭ ‬ماديا‭ ‬ورمزيا‭ ‬ورفضا‭ ‬للآخر‭ ‬المُختلف–‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬انكماش‭ ‬واحتماءٍ‭ ‬من‭ ‬سديم‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تفقدُ‭ ‬فيها‭ ‬الذات‭ ‬بوصلة‭ ‬الاتجاه‭ ‬فتهرولُ‭ ‬باحثة‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬والدفء‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬التدشينيّ‭ ‬وأساطير‭ ‬البدايات‭ ‬السعيدة‭. ‬التطرفُ،‭ ‬في‭ ‬كلمة،‭ ‬ملجأ‭ ‬الذات‭ ‬الخائبة‭.‬

يتموقعُ‭ ‬عالمنا‭ ‬العربيّ‭ ‬–‭ ‬الإسلاميّ‭ ‬ضمنَ‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الإثنوغرافي‭ ‬والسياسيّ‭/‬الاستراتيجيّ‭ ‬الغربيّ‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭. ‬لقد‭ ‬بقيَ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬الطبيعيّ‭ ‬والتثاقف‭ ‬الإيجابيّ‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬وقع‭ ‬ضحية‭ ‬للمطامع‭ ‬الإمبريالية‭ ‬المُرتبطة‭ ‬بالسيطرة‭

‬التطرفُ‭ ‬انغلاقٌ‭ ‬أيضا. ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬تخصّ‭ ‬ثقافة‭ ‬بعينها‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يتعلقُ‭ ‬بمظهر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الثقافة‭ ‬–‭ ‬كالدين‭ ‬مثلا‭ ‬–‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬التطرفُ‭ ‬الأبرز‭ ‬للعيان،‭ ‬اليوم،‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬المُرتبط‭ ‬بالدِّين‭ ‬وتأويلاته‭ ‬التي‭ ‬تُبرِّرُ‭ ‬العنفَ‭ ‬ضدَّ‭ ‬المُختلِف‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف. ‬إنَّ‭ ‬نقيضَ‭ ‬التطرف،‭ ‬أعني‭ ‬الانفتاحَ‭ ‬واحتضان‭ ‬الآخر‭ ‬والتعدد،‭ ‬لا‭ ‬يزدهرُ‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تشعرُ‭ ‬فيها‭ ‬الذاتُ‭ ‬الجماعية‭ ‬بأنها‭ ‬مُهدَّدة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الخيبة‭ ‬والفشل‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الاندماج‭ ‬الواثق‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬العولمية. ‬خلافا‭ ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬يبدُو‭ ‬التطرف‭ ‬زمنا‭ ‬أندلسيا. ‬إنه‭ ‬نتاجُ‭ ‬هذا‭ ‬الشرخ‭ ‬الذي‭ ‬تولّدهُ‭ ‬الفوارقُ‭ ‬المتزايدة‭ ‬والضياع‭ ‬المُرتبط‭ ‬بالشعور‭ ‬الطاغي‭ ‬بفقدان‭ ‬الهوية‭ ‬وغياب‭ ‬معالم‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يفقدُ‭ ‬مُرتكزاتِه‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الواثقة‭. ‬إنَّ‭ ‬التطرّفَ‭ ‬الدِّينيَّ‭ ‬نفسه‭ ‬يأخذ،‭ ‬دائما،‭ ‬شكل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬مُهدَّدةٍ‭ ‬بفعل‭ ‬التحديث‭ ‬المُتوحش‭ ‬الذي‭ ‬يُدمِّرُ‭ ‬أشكال‭ ‬التضامن‭ ‬التقليدية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحققَ‭ ‬نقلة‭ ‬واثقة‭ ‬–‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وثقافيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬أوضاع‭ ‬جديدة‭ ‬مُتحرِّرة‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬النوستالجيا‭ ‬الخلاصية. ‬فالتطرفُ‭ ‬رفضٌ‭ ‬للعالم‭ ‬لحظة‭ ‬تحولهِ‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬صراع‭ ‬تكرّسُ‭ ‬قانونَ‭ ‬الغاب. ‬كأنهُ‭ ‬إفصاحٌ‭ ‬طفوليّ‭ ‬عن‭ ‬الهوية،‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬الصّراخ‭ ‬العالي‭ ‬ضدَّ‭ ‬امِّحاء‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬سندًا‭ ‬للذات‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية‭. ‬إذ‭ ‬يبدُو‭ ‬أنَّ‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬السَّائد‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬تعمِّمُ‭ ‬قانونَ‭ ‬السوق‭ ‬وتجعلُ‭ ‬من‭ ‬الربح‭ ‬والاستغلال‭ ‬قيمة‭ ‬مطلقة‭ ‬–‭ ‬قد‭ ‬خلقت‭ ‬ثقافة‭ ‬همّها‭ ‬الأول‭ ‬مُحاربة‭ ‬هوية‭ ‬الإنسان‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجلى‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬ثقافاته‭ ‬المُتنوعة‭ ‬وشبكة‭ ‬العلاقات‭ ‬الرمزية‭ ‬المُعقدة‭ ‬التي‭ ‬يُقيمها‭ ‬مع‭ ‬مُحيطه‭ ‬وموروثه. ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬العولميَّة‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬الأبرز‭ ‬–‭ ‬أعني‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المُعمَّم‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬تستطيعُ‭ ‬صنعَ‭ ‬هوية‭ ‬جديدة‭ ‬للإنسان‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تنتجُ‭ ‬النمطية‭ ‬والسطحية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬إنها‭ ‬ثقافة‭ ‬تفتقرُ،‭ ‬بشكل‭ ‬مُوجع،‭ ‬إلى‭ ‬مُرتكزات‭ ‬العمل‭ ‬وإلى‭ ‬المصابيح‭ ‬التي‭ ‬تنتصبُ‭ ‬منارة‭ ‬في‭ ‬الطريق‭.‬

يتموقعُ‭ ‬عالمنا‭ ‬العربيّ‭ ‬–‭ ‬الإسلاميّ‭ ‬ضمنَ‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الإثنوغرافي‭ ‬والسياسيّ‭/‬الاستراتيجيّ‭ ‬الغربيّ‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭. ‬لقد‭ ‬بقيَ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬الطبيعيّ‭ ‬والتثاقف‭ ‬الإيجابيّ‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬وقع‭ ‬ضحية‭ ‬للمطامع‭ ‬الإمبريالية‭ ‬المُرتبطة‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة. ‬وكان‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعرفَ‭ ‬التحديث‭ ‬الشكليَّ‭ ‬والتبعية‭ ‬لدوائر‭ ‬صُنع‭ ‬القرار‭ ‬الأجنبيَّة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحداثة‭ ‬والاستقلال‭ ‬الفعليّ‭ ‬والتنمية‭ ‬الشاملة‭. ‬والنتيجة‭: ‬فشل‭ ‬في‭ ‬التحديث‭ ‬الإيجابيّ‭ ‬وإخفاقٌ‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تقطعُ‭ ‬مع‭ ‬بنياتِ‭ ‬الاستبداد‭ ‬القديم‭ ‬والسلطة‭ ‬الأبوية‭. ‬لقد‭ ‬بقيت‭ ‬مُجتمعاتنا،‭ ‬بهذا،‭ ‬رهينة‭ ‬لزمن‭ ‬ثقافيّ‭ ‬وسياسيّ‭ ‬يُهيمنُ‭ ‬عليه‭ ‬العُنفُ‭ ‬الرمزيّ‭ ‬والماديّ‭ ‬ويشهدُ‭ ‬هزاتٍ‭ ‬خطيرة‭ ‬وعودة‭ ‬لقوى‭ ‬سوسيو‭-‬‭ ‬ثقافية‭ ‬وسياسية‭ ‬تمثل‭ ‬مُمانعة‭ ‬أمام‭ ‬التحديث‭ ‬الكسيح،‭ ‬وترفعُ‭ ‬شعارات‭ ‬الهوية‭ ‬والأصالة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭. ‬هذا‭ ‬ربما‭ ‬ما‭ ‬يدعوني،‭ ‬شخصيًّا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أميِّز‭ ‬بين‭ ‬العنف‭ ‬والتطرف‭. ‬فالعُنفُ‭ ‬بنية‭ ‬مُضمرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ثقافة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تقومُ‭ ‬على‭ ‬سيطرة‭ ‬فئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تفرضُ‭ ‬نظامها‭ ‬القيمي‭ ‬والرَّمزي‭ ‬وتخلعُ‭ ‬عليه‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭. ‬هذا‭ ‬الأمرُ‭ ‬أصبح‭ ‬معروفا‭ ‬منذ‭ ‬نبَّهنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭ ‬في‭ ‬درسه‭ ‬الشهير‭. ‬والعنفُ‭ ‬الذي‭ ‬يُميِّز‭ ‬مُجتمعاتنا‭ ‬بالأخصّ‭ ‬يقومُ‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬السوسيو‭-‬‭ ‬سياسية‭ ‬البطريركية‭ ‬وثقافتها‭ ‬التقليدية. ‬أما‭ ‬التطرفُ‭ ‬فهو‭ ‬إعلانُ‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬المُضمَر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬مرجعية‭ ‬إلغائية‭ ‬للآخر‭ ‬المُختلف‭ ‬متى‭ ‬شعر‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الضياع‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬يُحقق‭ ‬انتقالا‭ ‬طبيعيا‭ ‬مُتوازنا‭ ‬إلى‭ ‬الحداثة‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالذات‭. ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬جنونُ‭ ‬التطرف‭. ‬وفي‭ ‬كلمة‭: ‬التطرفُ‭ ‬عنفٌ‭ ‬مُعلنٌ‭ ‬ومُمَسرَحٌ‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬العنف‭ ‬المُضمَر‭ ‬الذي‭ ‬يميِّز‭ ‬كل‭ ‬بنية‭ ‬سوسيو‭-‬‭ ‬سياسية‭. ‬إنهُ‭ ‬عملية‭ ‬دفن‭ ‬للرأس‭ ‬في‭ ‬رمال‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬تسردُ‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬قصة‭ ‬استرجاعها‭ ‬لمكانتها‭ ‬بعد‭ ‬فاجعة‭ ‬التيه‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬الذي‭ ‬فرضهُ‭ ‬عليها‭ ‬العالمُ‭ ‬المُهيمِن‭.‬

يبدو‭ ‬العالم‭ ‬العربيّ‭ ‬اليوم‭ ‬وكأنه‭ ‬يتراجعُ‭ ‬عن‭ ‬مشاريعه‭ ‬النهضوية‭ ‬التي‭ ‬اعتراها‭ ‬الذبول. ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬المواطنة‭ ‬والعيش‭ ‬المُشترك. ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الحريات‭ ‬الفردية‭ ‬والعامة. ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التعددية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬المُختلف‭. ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬مرجعياتٍ‭ ‬مدنية‭ ‬لعمل‭ ‬المُجتمع‭. ‬لا‭ ‬سيادة‭ ‬إلا‭ ‬لخطابات‭ ‬الانغلاق‭ ‬الديني‭ ‬والطائفي. ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُرسِّخ‭ ‬الجدران‭ ‬الثقافية‭ ‬التاريخية‭ ‬باعتبارها‭ ‬“جدار‭ ‬برلين”‭ ‬جديدًا‭ ‬كما‭ ‬يُعبَّر‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬بإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نؤرخ‭ ‬للعالم‭ ‬العربيِّ‭ ‬باعتباره‭ ‬عالما‭ ‬يتأبّى‭ ‬على‭ ‬انتصار‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬لصالح‭ ‬ديمومة‭ ‬اللامعقول‭ ‬في‭ ‬مُختلف‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭ ‬العامة. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬مُشكلة‭ ‬الجدران‭ ‬التي‭ ‬تنتصبُ،‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬مُشكلة‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬جذر‭ ‬ثقافي‭/‬تاريخيّ‭ ‬لم‭ ‬يُتح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتعرَّض‭ ‬للنقد‭ ‬الكافي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تحت‭ ‬سماواتٍ‭ ‬أخر‭ ‬وفي‭ ‬أوروبا‭ ‬تحديدًا‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬النهضة‭. ‬فمن‭ ‬المعروف‭ ‬أنَّ‭ ‬الحداثة‭ ‬السياسية‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬حداثة‭ ‬الدولة‭ ‬–‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬انسلاخا‭ ‬من‭ ‬الروابط‭ ‬التقليديَّة‭ ‬وأشكال‭ ‬التضامن‭ ‬التي‭ ‬مثّلتها‭ ‬الطائفة‭ ‬الغالبة‭ ‬وهي‭ ‬تدَّعي‭ ‬احتكار‭ ‬الخلاص‭ ‬وتمثيل‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأنطولوجية‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬الديني‭. ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬انعكاسا‭ ‬للسَّماء. ‬وكانت‭ ‬المدينة‭ ‬العربية‭ ‬“مدينة‭ ‬الله”‭ ‬كما‭ ‬حلم‭ ‬بذلك‭ ‬القديس‭ ‬أوغسطين. ‬ولكننا‭ ‬نعلمُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬مُؤسَّسة‭ ‬تخلّت‭ ‬عن‭ ‬مهمَّة‭ ‬حراسة‭ ‬الحقيقة‭ ‬أو‭ ‬تمثيلها‭ ‬لتصبحَ‭ ‬فضاءً‭ ‬قانونيا‭ ‬ومُؤسَّسيا‭ ‬يضمنُ‭ ‬العيش‭ ‬المُشترَك‭ ‬والمُواطنة‭ ‬ويصونُ‭ ‬الحقوقَ‭ ‬المُتساوية‭ ‬للأفراد. ‬الدولة‭ ‬المدنيَّة‭ ‬الحديثة،‭ ‬في‭ ‬كلمة،‭ ‬هي‭ ‬“مدينة‭ ‬الإنسان”‭. ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬العالمُ‭ ‬العربيّ‭/‬الإسلاميّ‭ ‬ثوراته‭ ‬المعرفيَّة‭ ‬والفلسفية‭ ‬والثقافية‭ ‬الضرورية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬زحزحة‭ ‬نظام‭ ‬الحياة‭ ‬القديم‭ ‬عن‭ ‬عرشه‭ ‬وتجاوز‭ ‬دولة‭ ‬الوصاية‭ ‬والطائفة‭ ‬الغالبة‭ ‬كليا؛‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬تغيّرًا‭ ‬عميقا‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬مُؤسَّساته‭ ‬القاعدية‭ ‬وبقي‭ ‬يُراوحُ‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬زمنه‭ ‬الثقافيّ‭ ‬التقليديّ‭ ‬الرَّاكد،‭ ‬وهو‭ ‬الأمرُ‭ ‬الذي‭ ‬يُفسِّرُ‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬المُمانعة‭ ‬التي‭ ‬تقفُ‭ ‬حائلا‭ ‬دون‭ ‬نجاح‭ ‬أيّ‭ ‬ثورة‭ ‬أو‭ ‬انتفاضةٍ‭ ‬تتطلعُ‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬الفعليّ‭ ‬والقطع‭ ‬مع‭ ‬بقايا‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬وقيمها‭ ‬وموروثها‭ ‬المُؤسَّسي‭. ‬كما‭ ‬نستطيعُ‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ظل‭ ‬كابحا‭ ‬لكل‭ ‬تململ‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الفعلية‭ ‬باعتبارها‭ ‬وعدًا‭ ‬بالخلاص‭ ‬من‭ ‬بنيات‭ ‬الاستبداد‭ ‬بمُختلف‭ ‬أشكاله. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نعتقدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬“الجدران‭ ‬العربية”‭ ‬التي‭ ‬تمزقُ‭ ‬مُجتمعاتنا‭ ‬اليوم‭ ‬تحتاجُ‭ ‬منا‭ ‬إلى‭ ‬معاول‭ ‬الأنسنة‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬احتجاجات‭ ‬العقل‭ ‬النقديّ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الرابطة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬المُواطنة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أشكال‭ ‬الانتماء‭ ‬التقليدية‭ ‬السَّابقة‭ ‬على‭ ‬الحداثة‭.‬


كاتب من الجزائر