العرب‭ ‬ومسألة‭ ‬الهوية

استشكالات‭ ‬مفهومية

الجديد  سلامة كيلة [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(90)]

لوحة: عمار النحاس
الهوية‭ ‬مفهوم‭ ‬فلسفي،‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬“طبيعة”‭ ‬الشيء،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الواقع. ‬لهذا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬الماهية‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬المجالين‭. ‬وحين‭ ‬نتلمس‭ ‬الوجود‭ ‬البشري‭ ‬نقع‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الهويات،‭ ‬بعضها‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمسار‭ ‬التاريخي،‭ ‬وبعضها‭ ‬قارّ‭. ‬فـ”القطيع″‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬وجود‭ ‬بشري‭ ‬تأسس‭ ‬على‭ ‬ضوئه‭ ‬مجتمع‭ ‬القبيلة،‭ ‬والعائلة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬شكلت‭ ‬اللغة‭ ‬هوية،‭ ‬كما‭ ‬شكّل‭ ‬الدين‭ ‬هوية‭ ‬كذلك،‭ ‬وبالتالي‭ ‬باتت‭ ‬الطائفة‭ ‬تشكّل‭ ‬هوية. ‬لتأتي‭ ‬القومية‭ ‬مشكلة‭ ‬هوية‭ ‬حديثة. ‬وكان‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي‭ ‬يفرض‭ ‬تهميش‭ ‬هوية‭ ‬وتعزيز‭ ‬أخرى‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الأمة،‭ ‬ونشوء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭ ‬الأوروبي. ‬وبالتالي‭ ‬كانت‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬التكوين‭ ‬المجتمعي‭ ‬وحدود‭ ‬تطوره‭. ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬حيث‭ ‬ظهر‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬الهوية‭ ‬كان‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحكم‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬القومي‭ ‬مع‭ ‬ميل‭ ‬البرجوازية‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة. ‬وبهذا‭ ‬تحوّل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬“شأن‭ ‬شخصي”،‭ ‬وتبلور‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانية‭. ‬كما‭ ‬نلمس‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬كان‭ ‬يهمّش‭ ‬القبيلة،‭ ‬لكن‭ ‬كذلك‭ ‬العائلة‭ ‬لمصلحة‭ ‬الفرد،‭ ‬الفرد‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬هو‭ ‬الشعب،‭ ‬أو‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يتشكّل‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬أفراد،‭ ‬وليس‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬قبائل‭ ‬ولا‭ ‬عائلات‭.‬

كل ذلك‭ ‬تحقق‭ ‬نتيجة‭ ‬التطور‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ونشوء‭ ‬الصناعة،‭ ‬وأيضاً‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وبين‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬أفكار‭ ‬الأنوار‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬هي‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬لمرحلة‭ ‬البرجوازية‭. ‬وفيها‭ ‬تتحدد‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والشعب‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى. ‬بالتالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للدين‭ ‬موقع‭ ‬هووي،‭ ‬وحتى‭ ‬العائلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬هوية. ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬متدينين،‭ ‬و”عائلات”‭. ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لا‭ ‬هذه‭ ‬ولا‭ ‬تلك‭ ‬معبّراً‭ ‬عن‭ ‬هوية. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬ربما‭ ‬تدقق‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬هويات‭ ‬قديمة‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬فاعلية‭ ‬كل‭ ‬هوية‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬المجتمعي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والهوية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬التكوين‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

إذن‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أولاً،‭ ‬إن‭ ‬هويات‭ ‬متعددة‭ ‬وجدت،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي،‭ ‬ووجودها‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتطور‭ ‬التاريخي‭ ‬ذاته. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬ثانياً،‭ ‬إن‭ ‬فاعلية‭ ‬الهويات‭ ‬مختلفة‭ ‬بين‭ ‬مرحلة‭ ‬وأخرى،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬هويات‭ ‬لكن‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬هي‭ ‬الفاعلة،‭ ‬أي‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتحدّد‭ ‬طابعة،‭ ‬وكذلك‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬كما‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬قبلاً‭. ‬ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬البشري‭ ‬كان‭ ‬“القطيع″‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التكوين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نشأت‭ ‬القبيلة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬المجتمعات‭ ‬المشاعية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬قامت‭ ‬الهوية‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬“قومي”‭ ‬‭(‬أو‭ ‬إثني،‭ ‬مثل‭ ‬البابليين‭ ‬والآشوريين‭ ‬والسريان‭ ‬والفراعنة‭ ‬والإغريق‭ ‬والطليان‭)‬‭ ‬فقد‭ ‬ظهر‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدِّد‭ ‬الهوية،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬الطابع‭ ‬القومي‭ ‬“خفية”‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭.‬

حين‭ ‬ندرس‭ ‬وضع‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬الآن،‭ ‬سوف‭ ‬نلمس‭ ‬تواجد‭ ‬وتساكن‭ ‬وتعايش‭ ‬هويات. ‬نجد‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬هويات‭ ‬قبلية‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬مستمرة،‭ ‬وتزايد‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭. ‬كذلك‭ ‬نجد‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬هويات‭ ‬دينية‭ ‬وطائفية‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬قائمة،‭ ‬وظهر‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬صراع‭ ‬بينها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعايشت‭ ‬طويلاً. ‬وفي‭ ‬مستوى‭ ‬ثالث‭ ‬نجد‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬هويات‭ ‬“إثنية”‭ ‬وقومية‭ ‬يظهر‭ ‬الصراع‭ ‬بينها‭ ‬كذلك‭. ‬بمعنى‭ ‬أننا‭ ‬نتعايش‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬“طبقات”‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬أشرت‭ ‬إليها‭ ‬قبلاً،‭ ‬والتي‭ ‬تبدو‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬تصارع‭ ‬حادّ‭ ‬يؤشر‭ ‬على‭ ‬تفكك‭ ‬العرب‭.‬

لماذا‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬هذه‭ ‬الهويات،‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تنزو؟‭ ‬وربما‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الأساس‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تهيمن‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أوروبا؟

إننا‭ ‬إزاء‭ ‬تجزئة‭ ‬قومية،‭ ‬وتفكك‭ ‬مجتمعي‭ ‬مبنيّ‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬هويات‭ ‬ماضوية،‭ ‬وأخرى‭ ‬يجري‭ ‬اشتقاقها‭ ‬من‭ ‬التجزئة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬بعضها‭ ‬تاريخياً،‭ ‬ونتج‭ ‬بعضها‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التي‭ ‬قررت‭ ‬تفكيك‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬موحداً‭ ‬من‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬‭(‬المشرق‭ ‬العربي)‬،‭ ‬بهذا‭ ‬تأسست‭ ‬الهوية‭ ‬“الوطنية”‭ ‬‭(‬أي‭ ‬القطرية)‬. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬بأن‭ ‬“الدولة‭ ‬الوطنية”‭ ‬‭(‬أي‭ ‬القطرية‭)‬‭ ‬هي‭ ‬الهوية‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتفكك‭ ‬إزاء‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وتتمزق‭ ‬على‭ ‬أساسها،‭ ‬وهي‭ ‬أصلاً‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬هوية‭ ‬بالمعنى‭ ‬التاريخي،‭ ‬بالضبط‭ ‬لأنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بالدولة‭ ‬وليس‭ ‬بالتكوين‭ ‬التاريخي،‭ ‬والدولة‭ ‬لا‭ ‬تشكّل‭ ‬هوية،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نتاج‭ ‬الهوية: ‬أي‭ ‬الدولة‭/‬الأمة. ‬فالدولة‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭ ‬ممكناً،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬يفرض‭ ‬نشوء‭ ‬الميل‭ ‬القومي،‭ ‬بالضبط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭.‬

بالتالي،‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة‭ ‬قائمة،‭ ‬وأضيف‭ ‬عليها‭ ‬“هوية”‭ ‬جديدة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬“الدولة‭ ‬الوطنية”،‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬أو‭ ‬تكرّست‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭. ‬لماذا‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬تشكّل‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مبدأ‭ ‬الدولة‭/‬الأمة؟‭ ‬أي‭ ‬لماذا‭ ‬استمرت‭ ‬الهويات‭ ‬القديمة‭ ‬فاعلة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الوقت؟

‭‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الهويات‭ ‬دون‭ ‬لمس‭ ‬التناقض‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬مع‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وميل‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وتقاسمه‭ ‬فيما‭ ‬بينها

تاريخيا‭ ‬شكلت‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬تنازعاً‭ ‬بين‭ ‬الطابع‭ ‬العربي‭ ‬والطابع‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أيديولوجية‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬سيطر‭ ‬عرب‭ ‬على‭ ‬النظام،‭ ‬وبحجة‭ ‬“عالمية‭ ‬الإسلام”‭ ‬ردت‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬فسيطرت‭ ‬على‭ ‬النظام،‭ ‬وأفضى‭ ‬هذا‭ ‬التصارع‭ ‬إلى‭ ‬تشكّل‭ ‬دول‭ ‬وإمارات،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬انهيار‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬إلى‭ ‬الانكفاء‭ ‬نحو‭ ‬القبيلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدى‭ ‬التصارع‭ ‬إلى‭ ‬الدمار‭ ‬وخراب‭ ‬المدن‭ ‬والأرض‭ ‬الزراعية‭. ‬وبهذا‭ ‬تنازعت‭ ‬دويلات‭ ‬السيطرة،‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬انهياري‭ ‬كان‭ ‬يعيد‭ ‬العلاقات‭ ‬القبلية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سيطرت‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام‭ ‬فضمت‭ ‬المنطقة‭ ‬بكل‭ ‬تفكّكها،‭ ‬القبلي‭ ‬و”الإماراتي”،‭ ‬وكان‭ ‬“يوحّدها”‭ ‬الطابع‭ ‬الإسلامي‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬دولة‭ ‬الترك‭. ‬وفي‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬مقسمة‭ ‬إلى‭ ‬ولايات،‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬ومصر‭ ‬وتونس‭ ‬والجزائر‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬الحدود‭ ‬القائمة،‭ ‬والتي‭ ‬تبلورت‭ ‬مع‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستعمارية‭.‬

إن‭ ‬سيادة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الطبيعي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسمح‭ ‬بهذا‭ ‬التفكك‭ ‬رغم‭ ‬خضوعه‭ ‬لدولة‭ ‬مركزية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬هي‭ ‬العنصر‭ ‬الموحّد‭ ‬عموماً‭.‬‭ ‬وبالتالي‭ ‬ضمت‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬هويات‭ ‬متعددة،‭ ‬هويات‭ ‬مناطقية‭ ‬وقبائلية‭ ‬ودينية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬قومية. ‬وكانت‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭ ‬تفرض‭ ‬سيادة‭ ‬هوية‭ ‬محدَّدة‭ ‬هي‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬كان‭ ‬“تركيّا”،‭ ‬بمعنى‭ ‬سيطرة‭ ‬طبقة‭ ‬تركية‭ ‬عليه‭. ‬وكانت‭ ‬الصراعات‭ ‬ضد‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬تتخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬كذلك،‭ ‬دينية‭ ‬ومناطقية‭ ‬وقبلية‭ ‬وعربية. ‬كان‭ ‬يتقاطع‭ ‬بعضها‭ ‬أحياناً،‭ ‬وكان‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬يسمح‭ ‬باستقلال‭ ‬بعضها‭ ‬كلياً‭ ‬أو‭ ‬جزئياً،‭ ‬وكذلك‭ ‬يسمح‭ ‬بسيطرة‭ ‬دول‭ ‬استعمارية‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬والجزائر‭ ‬وتونس‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن‭.‬

محاولة‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬لتحديث‭ ‬مصر‭ ‬وتصنيعها،‭ ‬والتي‭ ‬فرضت‭ ‬إرسال‭ ‬البعثات‭ ‬العلمية‭ ‬وتأسيس‭ ‬مدارس‭ ‬مدنية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬انطلاق‭ ‬فكر‭ ‬جديد‭ ‬كان‭ ‬رفاعة‭ ‬الطهطاوي‭ ‬معبِّراً‭ ‬عنه،‭ ‬حاول‭ ‬نشر‭ ‬الحداثة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العلمنة،‭ ‬هذه‭ ‬المحاولة‭ ‬فرضت‭ ‬عليه‭ ‬الميل‭ ‬لبناء‭ ‬“إمبراطورية‭ ‬عربية”،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬عُيِّن‭ ‬ممثلاً‭ ‬لها‭ ‬أصلاً‭ ‬في‭ ‬مصر‭)‬‭. ‬لهذا‭ ‬نجد‭ ‬هنا‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬فرضت‭ ‬تجاوز‭ ‬الطابع‭ ‬الديني‭ ‬للدولة،‭ ‬ونشر‭ ‬العلمنة،‭ ‬والتخلّي‭ ‬عن‭ ‬طابعها‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬لمصلحة‭ ‬دولة‭ ‬قومية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬هُزمت‭ ‬أمام‭ ‬زحف‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وحصر‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬مصر،‭ ‬فقد‭ ‬أوضحت‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والعلمنة‭ ‬والدولة‭ ‬الأمة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الميل‭ ‬لبناء‭ ‬الصناعة‭ ‬وتحديث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يفرض‭ ‬نشر‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬أتت‭ ‬مع‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬ومنها‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬القومية‭.‬

هذا‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬الحداثة‭ ‬الأوروبية‭ ‬كان‭ ‬يتوسع‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لازالت‭ ‬خاضعة‭ ‬للدولة‭ ‬العثمانية‭. ‬فقد‭ ‬نشأ‭ ‬تيار‭ ‬مناهض‭ ‬للعثمنة،‭ ‬ويطرح‭ ‬“أحقية”‭ ‬العرب‭. ‬ولهذا‭ ‬تبلور‭ ‬تيار‭ ‬فكري‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬العلمنة‭ ‬وتأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬القومية،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الأبرز‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الكواكبي،‭ ‬لكنه‭ ‬ضمّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬نخب‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭. ‬فعقد‭ ‬المؤتمر‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬سنة‭ ‬1913‭ ‬لتحديد‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقومنت‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬سنة‭ ‬1909،‭ ‬وإظهار‭ ‬تميّز‭ ‬العرب‭ ‬كأمة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تطور‭ ‬بعدئذ‭ ‬عبر‭ ‬تأسيس‭ ‬أحزاب‭ ‬قومية‭ ‬‭(‬ومنها‭ ‬المركز‭ ‬الشيوعي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوحد‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تتشكل‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬1922‭)‬،‭ ‬وتبلور‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بنشوء‭ ‬أحزاب‭ ‬البعث‭ ‬والقوميين‭ ‬العرب‭ ‬والناصرية،‭ ‬والتي‭ ‬انطلقت‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬العربي‭ ‬وهدفت‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭. ‬وبالتالي‭ ‬كان‭ ‬الميل‭ ‬التحرري‭ ‬الحداثي‭ ‬يتجه‭ ‬لتأسيس‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬التيار‭ ‬“الإسلامي”‭ ‬يسير‭ ‬نحو‭ ‬تأكيد‭ ‬ضرورة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬والسعي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬“الجامعة‭ ‬الإسلامية”‭ ‬كما‭ ‬مع‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭. ‬وهو‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬تبلور‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تتمسك‭ ‬بالهوية‭ ‬الإسلامية‭ ‬كأساس‭ ‬للنظر‭ ‬إلى‭ ‬البشر‭. ‬وكان‭ ‬مسارها‭ ‬يتجه‭ ‬في‭ ‬تصادم‭ ‬مع‭ ‬الحداثة،‭ ‬مع‭ ‬الليبرالية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والقومية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬وكل‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬عمّمتها‭ ‬الحداثة‭. ‬وأيضاً‭ ‬نشأت‭ ‬تيارات‭ ‬تحاول‭ ‬تنظير‭ ‬التكوينات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬طابع‭ ‬تاريخي،‭ ‬مثل‭ ‬الفرعونية‭ ‬والفينيقية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬السورية،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التيارات‭ ‬كانت‭ ‬ضعيفة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ولم‭ ‬تلقَ‭ ‬تأييداً‭ ‬شعبياً‭.‬

بهذا‭ ‬نلمس‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬هويات‭ ‬متعددة‭ ‬قد‭ ‬تبلورت‭ ‬في‭ ‬منظور‭ ‬فكري‭ ‬وسياسي،‭ ‬قومية‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة،‭ ‬وأصولية‭ ‬تحاول‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬“التقليدية”‭ ‬التي‭ ‬ترسّخت‭ ‬منذ‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬ومع‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وتنظيرات‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬“التشقق”‭ ‬الإقليمي‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬التاريخ‭. ‬لكن‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تطغى،‭ ‬وأنها‭ ‬البديل‭ ‬الجديد‭ ‬عن‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الماضي‭. ‬خصوصاً‭ ‬أنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بالحداثة‭ ‬والتطور،‭ ‬بعكس‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تكرّس‭ ‬الماضي،‭ ‬والإقليمية‭ ‬التي‭ ‬طرحت‭ ‬بعض‭ ‬زوايا‭ ‬الحداثة‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تربطها‭ ‬بمشكلات‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأيضاً‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تحلً‭ ‬محل‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬طويلة،‭ ‬وخلال‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬تتضمن‭ ‬كل‭ ‬الهويات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وكان‭ ‬وجود‭ ‬اللغة‭ ‬يؤسس‭ ‬لأن‭ ‬تخترق‭ ‬الشعور‭ ‬الشعبي،‭ ‬وتصوغه‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تؤسس‭ ‬لوعي‭ ‬شعبي‭.‬

لوحة: عمار النحاس

لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الهويات‭ ‬دون‭ ‬لمس‭ ‬التناقض‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬مع‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وميل‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وتقاسمه‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬لقد‭ ‬بدأ‭ ‬قضم‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬احتلال‭ ‬فرنسا‭ ‬للجزائر،‭ ‬ثم‭ ‬احتلالها‭ ‬لتونس،‭ ‬واحتلال‭ ‬إنكلترا‭ ‬لمصر،‭ ‬واحتلال‭ ‬إيطاليا‭ ‬لليبيا‭. ‬لكن‭ ‬هزيمة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إكمال‭ ‬تقاسم‭ ‬البلاد،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بلاد‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭. ‬وكان‭ ‬الشُغل‭ ‬الاستعماري‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬“الدول‭ ‬الجديدة”‭ ‬كأمم،‭ ‬كبديل‭ ‬عن‭ ‬الأمة‭ ‬العربية. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يدفع‭ ‬الدول‭ ‬المستعمِرة‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬نخب‭ ‬تنظّر‭ ‬للأمة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتدافع‭ ‬عنها‭. ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تكريس‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة،‭ ‬الدينية‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية،‭ ‬والطائفية‭ ‬عبر‭ ‬تشجيع‭ ‬تميُّزها‭ ‬وميلها‭ ‬للاستقلال،‭ ‬والإثنية‭ ‬وحتى‭ ‬القبلية‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬بناها‭ ‬المتخلفة،‭ ‬مع‭ ‬إخضاعها‭ ‬لمصالح‭ ‬رأسمالييها‭ ‬فقط،‭ ‬ولهذا‭ ‬أرادت‭ ‬بقاء‭ ‬عناصر‭ ‬تفككها،‭ ‬واستثارة‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭. ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬ظلت‭ ‬متمسكة‭ ‬بالهويات‭ ‬المتقادمة‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬تأسيس‭ ‬هوية‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬هوية‭ ‬“الدولة‭ ‬القطرية”‭.‬

ورغم‭ ‬نشوء‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬كان‭ ‬الصراع‭ ‬الأساسي‭ ‬يتمحور‭ ‬بين‭ ‬التفكيك‭ ‬الاستعماري‭ ‬والميل‭ ‬الوحدوي‭ ‬التحرري‭. ‬حيث‭ ‬ظهرت‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬كافتعال‭ ‬استعماري‭ ‬في‭ ‬الغالب‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬كانت‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الهويّات‭ ‬القديمة‭ ‬مسألة‭ ‬تخدم‭ ‬السياسة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التي‭ ‬جهدت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأجيجها،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬الممكنة‭ ‬بينها. ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بـ‭ ‬“انتصار”‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية‭ ‬وتهميش‭ ‬التيارات‭ ‬الأخرى،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬وفرض‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬التيارات‭ ‬القديمة‭ ‬كممثلة‭ ‬لهويات‭ ‬متقادمة‭. ‬بالتالي‭ ‬كانت‭ ‬الهوية‭ ‬الحداثية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تنتصر،‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وبالضد‭ ‬منها. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعطي‭ ‬الأمل‭ ‬ببناء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭ ‬عبر‭ ‬توحيد‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭.‬

ما‭ ‬يظهر‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهيمن،‭ ‬الدينية‭ ‬والطائفية،‭ ‬وحتى‭ ‬الإثنية. ‬تواجهها‭ ‬هوية‭ ‬أخرى‭ ‬تطرحها‭ ‬النخب‭ ‬الليبرالية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬“دولة‭/‬أمة”‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وكرّسها‭ ‬الاستعمار،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬تسمى: ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭. ‬وأصبحت‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬محط‭ ‬تهديم،‭ ‬بحجة‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجية‭ ‬نظم‭ ‬استبدادية‭ ‬وحشية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سقطت‭ ‬“القومية”‭ ‬من‭ ‬القاموس،‭ ‬وباتت‭ ‬تهمة‭ ‬لأنها‭ ‬محملة‭ ‬بكل‭ ‬ضخامة‭ ‬الاستبداد‭ ‬التي‭ ‬صورتها‭ ‬تلك‭ ‬النخب‭. ‬لهذا‭ ‬جرى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بديل‭ ‬هو‭ ‬هذه‭ ‬“الدولة‭ ‬الوطنية”،‭ ‬وباتت‭ ‬“مثالية”‭ ‬لأنها‭ ‬الأساس‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬الهويات‭ ‬المتعددة‭ ‬التي‭ ‬يزخر‭ ‬المجتمع‭ ‬بها،‭ ‬والتي‭ ‬تبدو‭ ‬على‭ ‬شفير‭ ‬تحقيق‭ ‬التفكك‭ ‬المجتمعي‭.‬

إذن،‭ ‬باتت‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة‭ ‬هي‭ ‬الفاعلة‭ ‬بينما‭ ‬تهمّشت‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭. ‬وأصبحت‭ ‬ميول‭ ‬القوى‭ ‬الفاعلة‭ ‬تتحدد‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬للهوية‭: ‬الأصولية‭ ‬تسعى‭ ‬لفرض‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية،‭ ‬وهي‭ ‬وغيرها‭ ‬تسعى‭ ‬لفرض‭ ‬الهويات‭ ‬الطائفية،‭ ‬والنخب‭ ‬الليبرالية‭ ‬تسعى‭ ‬لفرض‭ ‬الهوية‭ ‬“الوطنية”،‭ ‬أي‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية‭ ‬التي‭ ‬كرّسها‭ ‬الاستعمار،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬يحدِّد‭ ‬الهوية،‭ ‬هل‭ ‬تحدِّد‭ ‬هوية؟‭ ‬كتجاوز‭ ‬للهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الهوية‭ ‬القومية. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انهار‭ ‬المشروع‭ ‬القومي،‭ ‬وأبانت‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تحكمها‭ ‬نظم‭ ‬قومية‭ ‬عن‭ ‬استبدادية‭ ‬مفرطة‭ ‬‭(‬وهنا‭ ‬يجري‭ ‬تجاهل‭ ‬كل‭ ‬التغيير‭ ‬المجتمعي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬هذه‭ ‬النظم‭)‬‭ ‬ليجري‭ ‬اعتبار‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬لهذا‭ ‬تسعى‭ ‬كل‭ ‬هوية‭ ‬لأن‭ ‬تفرض‭ ‬ذاتها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدّى‭ ‬تلاشي‭ ‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬إلى‭ ‬ظهورها‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بديلاً،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬ذاتها‭ ‬كهويات‭ ‬مهيمنة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬عادت‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة؟

ما‭ ‬يظهر‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهيمن،‭ ‬الدينية‭ ‬والطائفية،‭ ‬وحتى‭ ‬الإثنية. ‬تواجهها‭ ‬هوية‭ ‬أخرى‭ ‬تطرحها‭ ‬النخب‭ ‬الليبرالية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬“دولة‭/‬أمة”‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وكرّسها‭ ‬الاستعمار

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬الآخر،‭ ‬وهو: ‬لماذا‭ ‬انهار‭ ‬المشروع‭ ‬القومي؟‭ ‬لكن‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬معنى‭ ‬كل‭ ‬هوية،‭ ‬ورصد‭ ‬العلاقة‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬هويات‭ ‬ليست‭ ‬متشابهة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬“نمط”‭ ‬واحد،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬هويات‭ ‬تخص‭ ‬تكوينا‭ ‬بشريا،‭ ‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬شكّلت‭ ‬هوية‭ ‬شاملة،‭ ‬بمعنى‭ ‬ما،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬المراحل‭. ‬وكذلك‭ ‬سنلمس‭ ‬بأن‭ ‬بعضها‭ ‬كان‭ ‬يشملها‭ ‬جميعاً،‭ ‬ويتضمنها‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭.‬

فالقبيلة‭ ‬هي‭ ‬رابط‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬“الدم”‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬لهم‭ ‬“أصلا”‭ ‬واحدا،‭ ‬وكذلك‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القبيلة،‭ ‬والتي‭ ‬حلّت‭ ‬محلّها‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع‭ ‬البشري‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الرابط‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية،‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬منطقة‭ ‬واحدة‭. ‬وهي‭ ‬الشكل‭ ‬الأوّلي‭ ‬للتطور‭ ‬البشري‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬وضع‭ ‬‮«‬القطيع‮»‬‭. ‬بالتالي‭ ‬هي‭ ‬رابط‭ ‬“مادي”‭. ‬بينما‭ ‬يكون‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬نقل‭ ‬للرابط‭ ‬من‭ ‬“علاقة‭ ‬الدم”‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬مجرّدة‭ ‬فوق‭ ‬البشر‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬“وحدانية‭ ‬الله”،‭ ‬لكنها‭ ‬تؤسس‭ ‬لوعي،‭ ‬وتخضع‭ ‬لقيم،‭ ‬أي‭ ‬تصاغ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بشكل‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬يتضمن‭ ‬“مبادئ‭ ‬تخص‭ ‬المجتمع‭ ‬والحياة”‭ ‬و”عبادات”. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تشكّل‭ ‬عنصر‭ ‬تميّز،‭ ‬أي‭ ‬هوية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الأديان‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬المتعلق‭ ‬بوحدانية‭ ‬الله،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تتميّز‭ ‬‭(‬وبالتالي‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬هويات‭)‬‭ ‬نتيجة‭ ‬اختلاف‭ ‬المبادئ‭ ‬والقيم‭ ‬والعبادات‭. ‬والطوائف‭ ‬هي‭ ‬انشقاقات‭ ‬عن‭ ‬الأديان،‭ ‬حيث‭ ‬تتميّز‭ ‬بقيم‭ ‬محدَّدة‭ ‬تختلف‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬وربما‭ ‬تعيد‭ ‬لـ‮«‬مرجع‮»‬‭ ‬مختلف. ‬ولقد‭ ‬لعب‭ ‬الانهيار‭ ‬المجتمعي‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭ ‬‭(‬الإمبراطورية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭)‬‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الاختلاف‭ ‬الفكري‭ ‬إلى‭ ‬بنى‭ ‬متميّزة‭ ‬‭(‬أي‭ ‬طوائف‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬فرض‭ ‬انتشار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬مجتمعي‭ ‬فرض‭ ‬“استقلال”‭ ‬تيارات‭ ‬فكرية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬خاصة‭ ‬بها،‭ ‬لينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تشكّلها‭ ‬في‭ ‬طوائف‭. ‬وهذه‭ ‬الوضعية‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬الانهيار‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬“استعادة”‭ ‬الوضع‭ ‬القبلي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬دمار‭ ‬المدن‭ ‬وانهيار‭ ‬الزراعة‭.‬

وتشكّل‭ ‬التكوين‭ ‬القومي‭ ‬عبر‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وكان‭ ‬يؤسس‭ ‬لـ”شعور”‭ ‬عام‭ ‬مشترك‭ ‬لدى‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬تجمعها‭ ‬اللغة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الثقافة‭ ‬والعادات،‭ ‬وارتباط‭ ‬“الأصل”،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬تكوّن‭ ‬الشعوب‭ ‬يتضمن‭ ‬عناصر‭ ‬اختلاط‭ ‬وتفاعل‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬التطور‭ ‬البشري،‭ ‬وأشكال‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها. ‬وبهذا‭ ‬يصبح‭ ‬عنصر‭ ‬اللغة‭/‬الثقافة‭ ‬هو‭ ‬العنصر‭ ‬المحدِّد‭ ‬لمجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مترابطة‭. ‬هنا‭ ‬نلمس‭ ‬بأن‭ ‬الأمة‭ ‬هي‭ ‬ترابط‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬لها‭ ‬“خلفية‭ ‬وجودية‭ ‬واحدة”،‭ ‬ونشأت‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬لغة‭ ‬يتواصل‭ ‬عناصرها‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬وجودهم‭ ‬ثقافة‭ ‬مشتركة. ‬بالتالي‭ ‬فهي‭ ‬“تدمج”‭ ‬القبيلة‭ ‬بالرابط‭ ‬الموحد‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬مع‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬تركيب‭ ‬جديد،‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬هي‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التاريخي،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬يفرض‭ ‬شكلاً‭ ‬مهيمناً‭ ‬لهوية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭. ‬فالقبيلة‭ ‬هي‭ ‬الشكل‭ ‬القائم‭ ‬قبل‭ ‬تشكل‭ ‬المجتمع‭ ‬والطبقات‭ ‬والدولة،‭ ‬وربما‭ ‬ظل‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬التطور‭ ‬الأولى‭ ‬للإمبراطوريات،‭ ‬لكن‭ ‬بات‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬الشكل‭ ‬المعبّر‭ ‬عن‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬كونه‭ ‬كان‭ ‬يفرض‭ ‬تجاوز‭ ‬القبيلة‭ ‬لكنه‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأمم،‭ ‬لأن‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬تضم‭ ‬أمماً،‭ ‬وكانت‭ ‬حينها‭ ‬حاجة‭ ‬موضوعية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التطور‭. ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬تشكّل‭ ‬الأمم‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬نشوء‭ ‬الإمبراطوريات‭.‬

الآن،‭ ‬فرض‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والفكري‭ ‬مع‭ ‬نشوء‭ ‬الصناعة‭ ‬تجاوز‭ ‬هويتين‭: ‬الدين،‭ ‬لأن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬كانت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجية‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬منظومات‭ ‬ومفاهيم‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متضمنة‭ ‬في‭ ‬الدين. ‬وبهذا‭ ‬كانت‭ ‬تنهي‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية‭ ‬لمصلحة‭ ‬تحويل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬“شأن‭ ‬شخصي”. ‬والهوية‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬القبيلة‭/‬العائلة،‭ ‬لأن‭ ‬العمل‭ ‬الرأسمالي‭ ‬‭(‬أي‭ ‬الصناعة‭)‬‭ ‬كان‭ ‬يفرض‭ ‬وجود‭ ‬العامل‭/‬الفرد. ‬وبهذا‭ ‬نشأ‭ ‬الشعب‭ ‬المكوّن‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬أفراد،‭ ‬والذي‭ ‬يشكّل‭ ‬الأمة‭.‬

إذن،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬فرض‭ ‬سيادة‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬وتجاوز‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬هو‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬نشوء‭ ‬الصناعة،‭ ‬والذي‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬قام‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬وانتصرت‭ ‬الحداثة. ‬لهذا‭ ‬ارتبط‭ ‬الميل‭ ‬القومي‭ ‬بتحقيق‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المنطلق‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الصناعة. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وجدناه‭ ‬منذ‭ ‬تجربة‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا،‭ ‬ومع‭ ‬نشوء‭ ‬الفكر‭ ‬القومي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تشكّل‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية،‭ ‬التي‭ ‬حين‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الصناعة‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬البنى‭ ‬القديمة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬يفرض‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الصناعة،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ذلك‭.‬‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الموضوعي‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الأمة‭. ‬وسنلمس‭ ‬بأن‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬تبلور‭ ‬كان‭ ‬يلحظ‭ ‬كذلك‭ ‬العلمنة. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يعيدنا‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬البرجوازية‭ ‬التي‭ ‬نشأت،‭ ‬والتي‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬والتفوق‭ ‬التقني‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬نشطت‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المكمّل‭ ‬لدورة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الاستعمارية‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تتعرّض‭ ‬للهزيمة‭ ‬في‭ ‬تنافس‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭. ‬لهذا‭ ‬نشطت‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والخدمات‭ ‬والبنوك،‭ ‬وربما‭ ‬الزراعة،‭ ‬وأحجمت‭ ‬عن‭ ‬النشاط‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطاع‭ ‬منتج‭. ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬تحتج‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬الحداثة‭ ‬ولا‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم،‭ ‬أو‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تحالفت‭ ‬مع‭ ‬الإقطاع‭ ‬وكرّست‭ ‬أيديولوجيته،‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬التقليدي‭ ‬والبنى‭ ‬التقليدية‭. ‬طبعاً‭ ‬هذا‭ ‬فيما‭ ‬عدا‭ ‬تجربة‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬كما‭ ‬أشرت،‭ ‬وأيضاً‭ ‬تجربة‭ ‬بنك‭ ‬مصر‭ ‬الذي‭ ‬تشكّل‭ ‬من‭ ‬رأسماليين‭ ‬هدفهم‭ ‬تطوير‭ ‬الصناعة‭ ‬والثقافة‭ ‬والتعليم‭.‬

لوحة: عمار النحاس

النظم‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬هدّمت‭ ‬الإقطاع‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الصناعة‭ ‬ومجانية‭ ‬التعليم،‭ ‬وتحقيق‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعمل‭ ‬الكامل‭ ‬وغيرها،‭ ‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ملتبسة‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬العلمنة،‭ ‬ومن‭ ‬تحديث‭ ‬التعليم،‭ ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬طموح‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬أسستها‭ ‬إلى‭ ‬الترسمل‭ ‬السريع،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬انهيارها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنجز‭ ‬التطور‭ ‬الضروري‭ ‬لقطع‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬البنى‭ ‬القديمة،‭ ‬و”دمج”‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬حديثة‭ ‬كما‭ ‬أشرت‭. ‬لهذا‭ ‬لم‭ ‬تذوّب‭ ‬الهويات‭ ‬القديمة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬بل‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬رغم‭ ‬تراجع‭ ‬فاعليتها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إلى‭ ‬الثمانينات‭ ‬منه‭. ‬وبالتالي‭ ‬عادت‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الواقعي،‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬ميول‭ ‬فئات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وتصارع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الهيمنة‭.‬

نحن‭ ‬إزاء‭ ‬هويات،‭ ‬هذا‭ ‬واقع،‭ ‬لكن‭ ‬أولاً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬اختلاف‭ ‬طابعها‭. ‬فالقبيلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجال‭ ‬استغلال‭ ‬فئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الصراع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬ذاتها‭ ‬كهوية‭ ‬مهيمنة،‭ ‬بالضبط‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬مشروعاً‭ ‬يحقق‭ ‬مطالب‭ ‬الشعب،‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬“شمولية”‭ ‬أصلاً،‭ ‬لكي‭ ‬تحمل‭ ‬مشروعاً‭ ‬مجتمعياً‭. ‬والهوية‭ ‬الدينية‭ ‬تحمل‭ ‬منظورات‭ ‬وقيما‭ ‬وتصورات‭ ‬عصر‭ ‬مضى،‭ ‬وهي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬الإعادة‭ ‬إليه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬ضد‭ ‬“حركة‭ ‬التاريخ”،‭ ‬هي‭ ‬ارتداد‭ ‬ماضوي‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أزموي‭ ‬وليست‭ ‬حلاً‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬فئات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬فقط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستغلّ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬كفئات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيطرة‭ ‬رأسمالية‭ ‬منفلتة،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬ليبرالي،‭ ‬وهي‭ ‬تخضع‭ ‬لمنظومته‭ ‬لأنها‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬رأسمالييه‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬قطاعات‭ ‬مجتمعية‭ ‬قد‭ ‬انخرطت‭ ‬في‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬‭(‬خصوصاً‭ ‬هنا‭ ‬الشباب‭)‬‭ ‬لأسباب‭ ‬موهومة‭ ‬بعد‭ ‬صدام‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬مع‭ ‬النظم،‭ ‬فإن‭ ‬بحث‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬لمشكلاتها‭ ‬يدفعها‭ ‬حتماً‭ ‬لتجاوز‭ ‬الارتباط‭ ‬بها‭. ‬فقد‭ ‬حكمت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان،‭ ‬مثل‭ ‬السودان‭ ‬ومصر‭ ‬وتونس‭ ‬وإيران،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التطور‭ ‬الضروري‭ ‬الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬مطالب‭ ‬الشعوب،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬إما‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬التفكيك‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تحوّل‭ ‬الشعب‭ ‬ضدها‭.‬

منظور‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية‭ ‬يؤسس‭ ‬لتفكيك‭ ‬المجتمع،‭ ‬لأنه‭ ‬يؤسس‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬واقعه،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الدين،‭ ‬أو‭ ‬الطائفة،‭ ‬أو‭ ‬القبيلة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬تناقضات‭ ‬جديدة‭ ‬تتنافى‭ ‬مع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التطور،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تُطرح‭ ‬لشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬مواجهة‭ ‬التطور‭. ‬لقد‭ ‬تبلور‭ ‬الطابع‭ ‬القومي‭ ‬بشكل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسمح‭ ‬بالتمييز‭ ‬في‭ ‬بنيته،‭ ‬وتبلورت‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬بما‭ ‬يتنافى‭ ‬مع‭ ‬منظور‭ ‬الدين. ‬وبهذا‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬بحاجة‭ ‬لأن‭ ‬تتراجع‭ ‬لمصلحة‭ ‬الفرد‭/‬الشعب‭ ‬من‭ ‬طرف،‭ ‬وتحويل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬شأن‭ ‬شخصي،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الحداثة‭ ‬الضرورية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬تحقيق‭ ‬مطالب‭ ‬الشعب‭. ‬بهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬فاعلية‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قائمة،‭ ‬وهي‭ ‬تظهر‭ ‬حين‭ ‬انهيار‭ ‬المجتمع‭ ‬وتلاشي‭ ‬منظورات‭ ‬التطور‭ ‬والحداثة‭.‬

أشرت‭ ‬إلى‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬الهويّة‭ ‬والوضع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬هويّات‭ ‬مثل‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬القبيلة،‭ ‬أو‭ ‬التكوين‭ ‬الإقليمي‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬تطور‭ ‬معيَّن،‭ ‬وليست‭ ‬جوهرا‭ ‬قارّا‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تتعلق‭ ‬ببنية‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬تكوين‭ ‬مناطقي،‭ ‬أو‭ ‬شكل‭ ‬أوّليّ‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭. ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬لا‭ ‬تؤسس‭ ‬لهوية‭ ‬“مستقرة”،‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الطابع‭ ‬القومي،‭ ‬فهي‭ ‬“خلاصة”‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التكوين‭ ‬البشري،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬عالم‭ ‬موحد‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تكون‭ ‬“الدولة‭ ‬الوطنية”‭ ‬هي‭ ‬البديل‭ ‬لدى‭ ‬تيار‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬النخب،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬ليبرالي‭ ‬رغم‭ ‬خلفيات‭ ‬أعضائه. ‬وينطلق‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬كأساس‭ ‬لتشكيل‭ ‬الهوية،‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬أشتاتا‭ ‬من‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬أي‭ ‬الدينية‭ ‬والطائفية‭ ‬والقومية،‭ ‬وحتى‭ ‬القبلية. ‬ربما‭ ‬هنا‭ ‬تستطيع‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬العلمنة،‭ ‬والمواطنة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تهمش‭ ‬الهويات‭ ‬المتقادمة،‭ ‬فهذه‭ ‬كما‭ ‬أشرت‭ ‬“أيديولوجية”،‭ ‬ومعتقدات‭ ‬يمكن‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬الشأن‭ ‬الشخصي،‭ ‬وتكريس‭ ‬الفردية‭ ‬كأساس‭ ‬لمبدأ‭ ‬المواطنة‭ ‬ووجود‭ ‬الشعب،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تهمّش‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬والتاريخ،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يتبلور‭ ‬في‭ ‬“شعور‭ ‬مشترك”؟‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية‭ ‬التي‭ ‬تحب‭ ‬النخب‭ ‬تسميتها‭ ‬“الدولة‭ ‬الوطنية”. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ميل‭ ‬نخب‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يوحّد‭ ‬المجتمع‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬ليست‭ ‬هنا‭ ‬كما‭ ‬أشرت‭.‬

إذن،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬فرض‭ ‬سيادة‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬وتجاوز‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬هو‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬نشوء‭ ‬الصناعة،‭ ‬والذي‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬قام‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬وانتصرت‭ ‬الحداثة

ما‭ ‬هو‭ ‬تاريخي‭ ‬هو‭ ‬نشوء‭ ‬الأمة،‭ ‬وكل‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬التاريخ‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العصر‭ ‬الصناعي‭ ‬يفرض‭ ‬نشوء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭ ‬بالتحديد‭ ‬كما‭ ‬أشرت‭. ‬لهذا‭ ‬تحمل‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬لبناء‭ ‬الصناعة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭/‬الأمة،‭ ‬وتقوم‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬بمواجهة‭ ‬لهذا‭ ‬المسار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تكريس‭ ‬التفكيك‭ ‬والتخلف‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الريعي‭. ‬لقد‭ ‬تشكّل‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬هويات‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬الطويل،‭ ‬ولكي‭ ‬يعود‭ ‬شعباً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬“تهميش”‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬القبلية‭ ‬والدينية‭ ‬والطائفية‭ ‬والمناطقية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬“الوطنية”. ‬وهذا‭ ‬يرتبط‭ ‬بمسار‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬يؤسس‭ ‬الحداثة‭ ‬ويبني‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭.‬

من‭ ‬السهولة‭ ‬تحوّل‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬القبلية‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬فردية،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تحويل‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬فردية،‭ ‬فهي‭ ‬الطابع‭ ‬العام‭ ‬لشعب‭ ‬ما،‭ ‬وتتمظهر‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬والشعور‭ ‬المشترك‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬هذين‭ ‬العنصرين‭ ‬وعن‭ ‬التاريخ‭ ‬المشترك. ‬وهي‭ ‬لذلك‭ ‬ليست‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬وإنْ‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حوّلها‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬أو‭ ‬اعتقد‭ ‬ذلك،‭ ‬وليست‭ ‬علاقة‭ ‬دم‭ ‬لأنها‭ ‬صهرت‭ ‬أجناسا‭ ‬واختلطت‭ ‬بأجناس. ‬إنها‭ ‬تكوين‭ ‬بشري‭ ‬لغوي‭ ‬ثقافي‭ ‬تشكّل‭ ‬عبر‭ ‬مسار‭ ‬تاريخي‭ ‬طويل. ‬وهي‭ ‬الضرورة‭ ‬لتحقيق‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬كل‭ ‬حداثة. ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬هو‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬بالتحديد،‭ ‬وكل‭ ‬محاولة‭ ‬لتفعيل‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لتكريس‭ ‬التفكك‭ ‬والتخلف‭. ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬شرذمة‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬بات‭ ‬الأمر‭ ‬صعباً. ‬فالتاريخ‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬رغم‭ ‬حدوث‭ ‬انكفاءات‭ ‬أو‭ ‬انكسارات‭.‬


مفكر من فلسطين مقيم في القاهرة