المثقف‭ ‬جاهلاً المثقف‭ ‬قاتلاً

من‭ ‬أين‭ ‬جاء‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الدم‭ ‬على‭ ‬الأرض؟‭ ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير،‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬تبيضها‭ ‬أفكار‭ ‬عمياء،‭ ‬تعرج‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬صاحبها‭ ‬وتستحوذ‭ ‬على‭ ‬أرضيته‭ ‬المسطحة،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬الموت‭ ‬إيمانا‭ ‬وقناعة. ‬الكلمة‭ ‬أو‭ ‬الكلمات‭ ‬هذه‭ ‬نفسها،‭ ‬سواء‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬لكتاب‭ ‬سماوي،‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تدّعي‭ ‬بعدها‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬بينما‭ ‬تستعمل‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬منه‭ ‬مبطنا،‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬هي‭ ‬القاتل‭.‬

الجديد  محمد ناصر المولهي [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(110)]

لوحة: بهرام حاجو
لا ‬تتوقف‭ ‬فكرة‭ ‬الموت‭ ‬عند‭ ‬الجهاديين‭ ‬وأفكارهم‭ ‬المشوهة‭ ‬واللاإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬تنسحب‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يصدّر‭ ‬فكره‭ ‬لإقصاء‭ ‬الآخرين،‭ ‬وحجبهم،‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬لو‭ ‬ملك‭ ‬القدرة‭ ‬لمحا‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يخالفونه‭ ‬وأسقطهم‭ ‬من‭ ‬الوجود‭.‬

يبدأ‭ ‬القتل‭ ‬من‭ ‬إنكار‭ ‬الآخر،‭ ‬تغييبه،‭ ‬حجبه،‭ ‬شتمه،‭ ‬ولا‭ ‬بأس‭ ‬بالتنكيل‭ ‬به‭ ‬ولو‭ ‬معنويا. ‬وهنا‭ ‬ينشأ‭ ‬الفعل‭ ‬وردة‭ ‬الفعل،‭ ‬وهنا‭ ‬تولد‭ ‬دوامة‭ ‬الموت،‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يتمكن‭ ‬بهذا‭ ‬التمشي‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الضفاف‭ ‬واللعب‭ ‬بها‭ ‬كبهلوان‭ ‬قذر‭ ‬اليدين. ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نسمّي‭ ‬هؤلاء‭ ‬“المثقفين”‭ ‬البدائيين‭ ‬بـ”المثقف‭ ‬الجاهل”،‭ ‬أو‭ ‬“مثقف‭ ‬الموت”،‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬الجهل‭ ‬والموت‭ ‬سواء‭ ‬للإنسان‭.‬

في‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتتبّع‭ ‬خطاب‭ ‬شريحة‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬المثقّفين‭ ‬العرب،‭ ‬لنجد‭ ‬دون‭ ‬عناء‭ ‬العنف،‭ ‬عنف‭ ‬الألفاظ‭ ‬الذي‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬الأفكار‭ ‬الناتجة‭ ‬عنه،‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬مهما‭ ‬لبس‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬والزينة‭ ‬والموضوعية‭ ‬والغايات‭ ‬النبيلة‭ ‬أو‭ ‬الذاتية‭ ‬وغيرها،‭ ‬فإنه‭ ‬عنف‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لكن‭ ‬نتساءل‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاء‭ ‬هؤلاء‭ ‬بالعنف؟‭ ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬صدّرت‭ ‬لهم‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬العنف؟‭ ‬أم‭ ‬العكس‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬صدروا‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعاتهم؟

لقد‭ ‬تعرّضت‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬والمثقف‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬هزائم‭ ‬متعدّدة‭ ‬تتالت‭ ‬طيلة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬مرورا‭ ‬بانتصاب‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬والنكسة‭ ‬وحتى‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬تفتيت‭ ‬سوريا،‭ ‬هذه‭ ‬الهزائم‭ ‬تناقلتها‭ ‬الأجيال،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬الانفجار‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬الثورات‭ ‬العربية،‭ ‬أخرجت‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬آسنا‭ ‬راكدا‭ ‬في‭ ‬العمق. ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬ننشئ‭ ‬قطيعة‭ ‬أو‭ ‬تقسيما‭ ‬بين‭ ‬شعب/عوام‭ ‬ومثقفين،‭ ‬إذ‭ ‬المثقف‭ ‬ابن‭ ‬محيطه‭ ‬بالضرورة‭.‬

لن‭ ‬نبحث‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬الهزيمة‭ ‬العربية،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتّهم‭ ‬المثقفين،‭ ‬كما‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نجعلهم‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الضحايا،‭ ‬ضحايا‭ ‬الاستبداد‭ ‬والعنف،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬أيّ‭ ‬دور‭ ‬لفئة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬غير‭ ‬أقلامها‭ ‬وأفكارها،‭ ‬فئة‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬نعلم‭ ‬كلنا‭ ‬أن‭ ‬التغيير‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬دون‭ ‬أفكار‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬موازية‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬ينتج‭ ‬الأفكار‭ ‬غير‭ ‬المثقف‭.‬

هنا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬المثقفين‭ ‬أو‭ ‬النخبة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تصنع‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعاتها،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الوعي‭ ‬سابق‭ ‬للواقع،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المثقفين‭ ‬هم‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الواقع‭ ‬وتقديمه‭ ‬كـ”حبوب‭ ‬وعي‭ ‬جماعي”‭ ‬للرأي‭ ‬المشترك. ‬صناعة‭ ‬الوعي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬الدكتاتوريات‭ ‬والأنظمة‭ ‬تتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المثقفين‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬مختلفة‭ ‬بداية‭ ‬بالكتب‭ ‬ثم‭ ‬التلفزيون‭ ‬ونهاية‭ ‬بالإنترنت‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭.‬

اليوم‭ ‬وأمام‭ ‬مشهد‭ ‬هزيمة‭ ‬أخرى،‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬دمارا‭ ‬وسرعة‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬هزيمة‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية،‭ ‬يحاول‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يسلط‭ ‬وعيه،‭ ‬على‭ ‬تفاوته،‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬والفعل‭ ‬فيه‭ ‬-هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬صنّاعه‭ ‬ولو‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬قصد-‭ ‬وهذا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬لغاية‭ ‬جمعية‭ ‬أو‭ ‬فردية‭ ‬نبيلة‭ ‬أو‭ ‬مصلحية‭ ‬ذاتية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬السريع‭ ‬المحترق‭ ‬سينتج‭ ‬بالضرورة‭ ‬ردودا‭ ‬متسرعة‭ ‬مليئة‭ ‬بالأدخنة‭ ‬والدماء‭. ‬فصناعة‭ ‬الوحش‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬لك‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يتمرد‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬وجد‭ ‬هذا‭ ‬المثقف‭ ‬نفسه،‭ ‬حتى‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يدّعي‭ ‬الحياد‭ ‬والاستقلال‭ ‬التام،‭ ‬أمام‭ ‬فرضية‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬الاصطفاف‭ ‬في‭ ‬طرف‭ ‬من‭ ‬الأطراف،‭ ‬سواء‭ ‬الأطراف‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬انقسم‭ ‬إليها‭ ‬شعبه،‭ ‬أو‭ ‬الخارجية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬دول‭ ‬وكيانات‭ ‬أخرى،‭ ‬وكل‭ ‬طائفة‭ ‬تكيل‭ ‬للأخرى‭ ‬بالقتل،‭ ‬وصعدت‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬خصومات‭ ‬قديمة‭ ‬جدا،‭ ‬ظنا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬الواقع‭ ‬يتمّ‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬قرون‭ ‬خلت‭ ‬وفض‭ ‬نزاعات‭ ‬ماتت‭ ‬ولكنها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬كما‭ ‬صعدت‭ ‬خلافات‭ ‬حول‭ ‬جزئيات‭ ‬صغيرة،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬دونكيشوتيين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الفروقات‭ ‬الصغرى‭ ‬طواحين‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬محاربتها‭.‬

وقد‭ ‬يلتجئ‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفوضى‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بإنتاج‭ ‬أدب‭ ‬أو‭ ‬فكر‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬الدمار،‭ ‬لكنه‭ ‬يفشل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ضرورة،‭ ‬فعزلة‭ ‬المهزوم‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬فكره‭ ‬أو‭ ‬نصه‭ ‬أو‭ ‬واقعه‭ ‬ستنتج‭ ‬أكثر‭ ‬الخطابات‭ ‬وحشية،‭ ‬مغلفة‭ ‬بألفاظ‭ ‬كالزهور‭ ‬والحرية‭ ‬والحمائم،‭ ‬لكنها‭ ‬ألفاظ‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬تخبّئ‭ ‬تحت‭ ‬جلدتها‭ ‬أنياب‭ ‬الرصاص‭ ‬وصرخات‭ ‬القاتلين‭ ‬والمقتولين‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬هنا‭ ‬جليّا‭ ‬اتهام‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬بأنهم‭ ‬هم‭ ‬القتلة‭ ‬الحقيقيون،‭ ‬فالقتل‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬لحظة‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬حشو‭ ‬رأس‭ ‬شاب‭ ‬ذي‭ ‬هويّة‭ ‬مهزومة‭ ‬بأفكار‭ ‬مملوءة‭ ‬توحشا،‭ ‬لمقارعة‭ ‬توحش‭ ‬المال‭ ‬والأنظمة‭ ‬وغيره‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نتمعن‭ ‬أيهما‭ ‬الأسبق‭ ‬القتل‭ ‬أم‭ ‬فكرة‭ ‬القتل،‭ ‬سنجد‭ ‬بالضرورة‭ ‬الفكرة‭ ‬أسبق‭ ‬من‭ ‬الفعل،‭ ‬فنظرية‭ ‬الاعتباطية،‭ ‬اعتباطية‭ ‬الأحداث،‭ ‬ليست‭ ‬بالتماسك‭ ‬الذي‭ ‬يمكّن‭ ‬كفّتها‭ ‬من‭ ‬الرّجحان‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬فكرة‭ ‬القتل؟

ربما‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬فكرة‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬التصريح‭ ‬المباشر‭ ‬بالقتل‭ ‬الجسدي،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬القتل‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الجسد،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك،‭ ‬قتل‭ ‬للأفكار‭ ‬للهويات‭ ‬للزمن‭ ‬وللعقل‭ ‬البشري.. ‬الخ‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬فعل‭ ‬القتل‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬هو‭ ‬ذاك‭ ‬المختبئ‭ ‬خلف‭ ‬كلمات‭ ‬منمّقة‭ ‬إقصائية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تدّعي‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭.‬

إذن‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬القتل‭ ‬والدمار‭ ‬بدآ‭ ‬من‭ ‬أفعال‭ ‬ثقافية‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مقاومتهما‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬مكمنهما،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مثقفين‭ ‬حقيقيين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الحرجة‭ ‬لمقاومة‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭.‬

في‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬تكثر‭ ‬التعريفات‭ ‬للمثقف،‭ ‬لكن‭ ‬ظهر‭ ‬نوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬المزيفين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬“المثقف‭ ‬الجاهل”،‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬كتّاب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬يوزّعون‭ ‬آراءهم‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الفنية‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬يرتدي‭ ‬ثوب‭ ‬المعرفة،‭ ‬يزيّفون‭ ‬الأفكار‭ ‬ويميّزون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بالرفض‭ ‬الهادم،‭ ‬معتبرين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أفعالا‭ ‬ثورية‭ ‬تثبّت‭ ‬بصماتهم،‭ ‬ويمتلك‭ ‬هؤلاء‭ ‬رؤية‭ ‬منغلقة‭ ‬مرتبكة‭ ‬هادمة،‭ ‬ليس‭ ‬هدما‭ ‬للبناء‭ ‬بل‭ ‬هدما‭ ‬لغاية‭ ‬الهدم،‭ ‬وقد‭ ‬منحت‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭ ‬قنوات‭ ‬لهؤلاء‭ ‬للتواصل‭ ‬وإبلاغ‭ ‬أفكارهم‭ ‬ومنتجاتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والفنيّة‭ ‬المزيّفة،‭ ‬يتكتل‭ ‬أغلبهم‭ ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬أشبه‭ ‬بالعصابات‭ ‬والشّلل،‭ ‬هؤلاء‭ ‬ربما‭ ‬كانوا‭ ‬أشد‭ ‬فتكا،‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬يلغون‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬الحقيقي‭ ‬ويشوّهونه،‭ ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬منعزلا‭ ‬لا‭ ‬يصدقه‭ ‬أحد‭ ‬ولا‭ ‬يُسمع‭ ‬منه‭. ‬وهنا‭ ‬تتمكن‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬يخلقها‭ ‬“المثقفون‭ ‬الجاهلون”‭ ‬لتتآكل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تدمير‭ ‬ذاتي‭.‬

أي‭ ‬أن‭ ‬إنتاج‭ ‬للقتل‭ ‬آت‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬ما،‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬للمثقفين‭ ‬الأحرار‭ ‬والصادقين‭ ‬أن‭ ‬يتصدّوا‭ ‬لهذه‭ ‬النتائج‭ ‬المميتة. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬الفكرة‭ ‬والكلمة‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الرصاصة،‭ ‬وسواء‭ ‬أكانوا‭ ‬من‭ ‬مثقفي‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬أم‭ ‬الدينية‭ ‬أم‭ ‬مثقفي‭ ‬العمى‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬السياسي‭ ‬الضيق‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الجهلة،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬القتلة‭ ‬الحقيقيون،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬التصدّي‭ ‬لهم‭.‬


شاعر من تونس