التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية

منذ‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬باريس‭ ‬مرتين‭ ‬وبروكسيل‭ ‬مؤخرا‭ ‬والمحللون‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تخصصهم‭ ‬يجهدون‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬ظاهرة‭ ‬التطرف‭ ‬الجهادي‭ ‬لفهم‭ ‬دوافعها،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭: ‬كيف‭ ‬يغدو‭ ‬الفرد‭ ‬متطرفا‭ ‬ثم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬إرهابيّ‭ ‬يقتل‭ ‬باسم‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬تقوم‭ ‬لديه‭ ‬مقام‭ ‬التقديس؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تدفعه‭ ‬إلى‭ ‬ذلك؟‭ ‬هل‭ ‬يتأتى‭ ‬العنف‭ ‬من‭ ‬يقينية‭ ‬دينية‭ ‬وحدها‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬ترفدها؟‮ ‬ رأينا‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬عدّ‭ ‬المقاربة‭ ‬السوسيولوجية،‭ ‬عبر‭ ‬وسط‭ ‬المنشأ‭ ‬والعائلة‭ ‬والبطالة‭ ‬ومقر‭ ‬الإقامة‭ ‬محاولة‭ ‬يائسة‭ ‬للتبرير‭ ‬بدل‭ ‬التفسير‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬المقاربة‭ ‬الدينية‭ ‬أحسن‭ ‬حظا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أجمع‭ ‬عديد‭ ‬المحللين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أتباع‭ ‬مختلف‭ ‬ديانات‭ ‬التوحيد‭ ‬ليسوا‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يتماثلون‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والأفعال،‭ ‬ففيهم‭ ‬أغلبية‭ ‬صامتة‭ ‬من‭ ‬أناس‭ ‬طيبين‭ ‬لا‭ ‬تسيء‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬بعوضة‭. ‬فأين‭ ‬يكمن‭ ‬إذن‭ ‬السبب‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬الإجرامية‭ ‬التي‭ ‬تهز‭ ‬أعتى‭ ‬الديمقراطيات؟‮ ‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(157)]

المؤرخ ‭ ‬البلجيكي‭ ‬بيير‭ ‬فيرمرين‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬التطرف‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬نظرة‭ ‬شاملة،‭ ‬ويرتد‭ ‬إلى‭ ‬تصفية‭ ‬الاستعمار‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬نقطة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬فقط،‭ ‬لأن‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬تلتها‭ ‬لم‭ ‬تلبّ‭ ‬تطلعات‭ ‬الشعوب‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬وتعميم‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحقوق‭ ‬السياسية‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المستقلة‭ ‬لم‭ ‬تعبأ‭ ‬بآمال‭ ‬شعوبها‭ ‬ومارست‭ ‬عليها‭ ‬استبدادا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬نتيجته‭ ‬تواصل‭ ‬تلك‭ ‬التطلعات،‭ ‬تحت‭ ‬شعارات‭ ‬ثورية‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬تتوالد‭ ‬كالقومية‭ ‬العربية‭ ‬والعالم‭ ‬ثالثية‭ ‬والماركسية‭ ‬اللينيية‭ ‬والاشتراكية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬والسلفية‭ ‬والجهادية‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬تلك‭ ‬الحركات‭ ‬والأيديولوجيات‭ ‬حاولت‭ ‬تغيير‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬أقامته‭ ‬الدكتاتوريات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬بتواطؤ‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العظمى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬اللتين‭ ‬وجدتا‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬العمالة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التكفير‭ ‬عن‭ ‬ذنب‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ومناسبة‭ ‬لتجديد‭ ‬نسيجها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وفتحتا‭ ‬حضنيهما‭ ‬للجاليات‭ ‬العربية‭ ‬المسلمة‭ ‬وأرادتا‭ ‬أن‭ ‬تبدآ‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬وكأن‭ ‬الشعوب‭ ‬والأفراد‭ ‬لا‭ ‬ذاكرة‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬ضغينة‭. ‬فمنذ‭ ‬الأزمة‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭ ‬وتفشي‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المهاجرين،‭ ‬بدأ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التفكك‭ ‬الأسري‭ ‬وانحراف‭ ‬أبناء‭ ‬المهاجرين‭ ‬وأخيرا‭ ‬تطرفهم‭ ‬ومرورهم‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬المستعمِرين‭ ‬والمستعمَرين‭ ‬ولّد‭ ‬ظاهرتين‭ ‬متناقضتين‭: ‬إرسال‭ ‬ملايين‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬المغاربيين‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬أوربية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬مستعمراتها‭ ‬القديمة‭ ‬وتاريخها‭. ‬وتغذية‭ ‬احتجاج‭ ‬إسلاموي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬ينزع‭ ‬إلى‭ ‬التطرف،‭ ‬شجّع‭ ‬عليه‭ ‬دعاة‭ ‬ظلاميون‭ ‬يحقدون‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومفكرون‭ ‬وناشطون‭ ‬سياسيون‭ ‬وحقوقيون‭ ‬طوباويون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬غفلوا‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬وجرائره‭ ‬على‭ ‬شبيبة‭ ‬مهتزة‭ ‬الهوية‭.‬

أما‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬ألان‭ ‬فراشون‭ ‬فيذهب‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬تبعات‭ ‬انهيار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بتفكك‭ ‬العراق‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬ونشوء‭ ‬نزاع‭ ‬طائفي‭ ‬بين‭ ‬شيعة‭ ‬وسنّة‭ ‬غذّته‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬حتى‭ ‬ظهور‭ ‬داعش‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أولا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجتاح‭ ‬سورية،‭ ‬مشكّلا‭ ‬هزة‭ ‬عنيفة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬وجوده‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬واستطاع‭ ‬بفضل‭ ‬خطاب‭ ‬دعوي‭ ‬محكَم‭ ‬أن‭ ‬يلامس‭ ‬شباب‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الهذيان‭ ‬النيهيلي‭ ‬والشمولي‭ ‬لداعش‭ ‬فتن‭ ‬شرائح‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وكما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬مولنبيك‭ ‬البلجيكية،‭ ‬يبدو‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬الأوربية‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬التراجيديا‭ ‬الشرقأوسطية،‭ ‬كفرنسا‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬أشبه‭ ‬بالخلايا‭ ‬السرطانية،‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬الرومانسية‭ ‬الثورية‭ ‬بالإجرام‭ ‬والجنون‭ ‬القاتل‭ ‬المستوحى‭ ‬من‭ ‬ألعاب‭ ‬الفيديو‭.‬‮ ‬

هذا‭ ‬الافتتان‭ ‬بالموت‭ ‬يؤكده‭ ‬رولان‭ ‬كوتانسو‭ ‬عالم‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬يتردد‭ ‬على‭ ‬المتطرفين‭ ‬الجهاديين‭ ‬داخل‭ ‬السجون‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أنهم،‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬ينكرون‭ ‬قناعاتهم‭ ‬وانبهارهم‭ ‬بداعش،‭ ‬يختلفون‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬بينة‭ ‬شخصياتهم،‭ ‬وينقسمون‭ ‬إلى‭ ‬أربع‭ ‬فئات‭. ‬الأولى‭ ‬طيّعة،‭ ‬تتأثر‭ ‬بالخطاب‭ ‬الجهادي‭ ‬بسهولة،‭ ‬وترتدّ‭ ‬عنه‭ ‬بسهولة‭ ‬أيضا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬يهديها‭. ‬والثانية‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬مثاليين‭ ‬متحمسين‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأنهم‭ ‬إنما‭ ‬يرومون‭ ‬الالتحاق‭ ‬بسورية‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬إنساني‭ ‬مزعوم‭. ‬والثالثة‭ ‬لها‭ ‬قناعة‭ ‬من‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬المضي‭ ‬قُدما‭ ‬حتى‭ ‬النهاية،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بإيمان‭ ‬ديني‭ ‬مطلق‭.‬‮ ‬‭ ‬والرابعة‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬مجرمي‭ ‬الحق‭ ‬العام،‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬سيكوباتية،‭ ‬ويجدون‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬داعش‭ ‬هوية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وهدفا‭ ‬لحياة‭ ‬تسير‭ ‬بنفسها‭ ‬إلى‭ ‬الخسران‭. ‬كثير‭ ‬ممن‭ ‬قابلهم‭ ‬كوتانسو‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬افتراضي،‭ ‬وينبهرون‭ ‬بفيديوهات‭ ‬داعش،‭ ‬ويؤمنون‭ ‬إيمانا‭ ‬راسخا‭ ‬بصدقية‭ ‬خطابها،‭ ‬ويتمثلون‭ ‬أنفسهم‭ ‬محاربين‭ ‬يجوبون‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬كالأبطال‭. ‬ولكنه‭ ‬يلاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬اتكاء‭ ‬المنجذبين‭ ‬على‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬منهم‭ ‬يعترف‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لينخرط‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أخا‭ ‬أو‭ ‬صديقا‭ ‬يرافقه‭.‬

الفيلسوف‭ ‬نيكولا‭ ‬غريمالدي‭ ‬يعالج‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬ففي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الراديكالية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬طبيعة‭ ‬البشر‭ ‬وشخصيتهم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬والإثنولوجيا‭ ‬هي‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بالمبدأ‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬التطرف‭ ‬ويغذيه‭. ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬أخيرا‭ ‬بعنوان‭ ‬“المسرنَمون‭ ‬الجدد”‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬وعي‭ ‬الإرهابيين‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬الوعي‭ ‬بالواقع‭ ‬واللاوعي‭ ‬الواهم‭. ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مثال‭ ‬القتلة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬“شارلي‭ ‬هبدو”،‭ ‬يصفهم‭ ‬بكونهم‭ ‬علّقوا‭ ‬الواقع‭ ‬باللاواقع،‭ ‬وأطلقوا‭ ‬النار‭ ‬بعيون‭ ‬مفتّحة‭ ‬كالمسرنمين‭ ‬الذين‭ ‬يصعدون‭ ‬السطوح‭ ‬مفتحي‭ ‬الأعين‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬بما‭ ‬يجابهون‭ ‬من‭ ‬أخطار‭. ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬يتنقلون‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬يقظة‭ ‬بين‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬وفردوس‭ ‬متخيل‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬بالِغوه‭ ‬بقتل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يشاطرونهم‭ ‬أفكارهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬بعيدي‭ ‬المنال‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬العادي‭ ‬أو‭ ‬الفكر‭ ‬الجدلي‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬المطلق‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬القتلة‭ ‬أنهم‭ ‬رسُلها‭ ‬وشهداؤها‭ ‬هي‭ ‬بنية‭ ‬ذهنية،‭ ‬سرديةٌ‭ ‬متخيلة،‭ ‬مَثلها‭ ‬كمثل‭ ‬رواية‭ ‬يقتنع‭ ‬القارئ‭ ‬بأحداثها‭. ‬وما‭ ‬يهم‭ ‬بعدئذ‭ ‬ليس‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬مصير‭ ‬الإنسان‭ ‬بعامة،‭ ‬بل‭ ‬الشرنقة‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬ينغلق‭ ‬فيها‭ ‬أولئك‭ ‬الشبان‭ ‬بفعل‭ ‬عمل‭ ‬بيداغوجي‭ ‬أو‭ ‬بإيعاز‭ ‬ممن‭ ‬يروجون‭ ‬خطاب‭ ‬الوهم‭ ‬ذاك‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭.‬‮

بيير فيرين ونيكولا غريمالدي ورولان كوتانسو وألان فراشون

‭ ‬بشيء،‭ ‬إلهًا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬ثورة‭ ‬أم‭ ‬كتابا‭ ‬أم‭ ‬كلمة،‭ ‬فإن‭ ‬المنطق‭ ‬الداخلي‭ ‬لأي‭ ‬اعتقاد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الغلو،‭ ‬والقناعة‭ ‬المطلقة‭ ‬بأننا‭ ‬على‭ ‬صواب،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لنا‭ ‬الحق،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬الاعتقاد‭ ‬مطلقية،‭ ‬في‭ ‬إخراس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬إيماننا‭ ‬ولو‭ ‬بالقتل‭. ‬يقول‭ ‬غريمالدي‭:‬‭ ‬“إحدى‭ ‬أعراض‭ ‬التطرف‭ ‬الأكثر‭ ‬تميزا‭ ‬وجلاء‭ ‬هي‭ ‬العمى‭ ‬أمام‭ ‬الواقع‭. ‬فالواقع‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المتطرف‭ ‬هو‭ ‬منطقة‭ ‬ضبابية‭ ‬لا‭ ‬يتبين‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬فلئن‭ ‬كان‭ ‬النازيون‭ ‬يحرقون‭ ‬البشر‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬شيب‭ ‬وشباب،‭ ‬بين‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬بين‭ ‬أغنياء‭ ‬وفقراء،‭ ‬بين‭ ‬علماء‭ ‬وأميين،‭ ‬فإن‭ ‬مجرمي‭ ‬داعش‭ ‬هم‭ ‬أيضا‭ ‬يقتلون‭ ‬بلا‭ ‬تمييز،‭ ‬حتى‭ ‬الأقرب‭ ‬إليهم‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬مخاطبتهم‭ ‬وتفهّم‭ ‬مشاكلهم،‭ ‬لأنهم‭ ‬انقطعوا‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬وصاروا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬حلم‭.‬‮ ‬‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المسرنم،‭ ‬أي‭ ‬السائر‭ ‬في‭ ‬المنام،‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتصرف‭ ‬داخل‭ ‬الواقع‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يراه‭ ‬ويواصل‭ ‬سرديته‭ ‬المتخيلة‭ ‬بمنهجية‭ ‬وكأنه‭ ‬يؤدي‭ ‬مهمة‭. ‬كذلك‭ ‬كانت‭ ‬تتم‭ ‬عمليات‭ ‬التقتيل‭ ‬الجماعي‭ ‬والتصفية‭ ‬العرقية‭ ‬والإبادة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬بصفة‭ ‬عمياء،‭ ‬وكأن‭ ‬مرتكبيها‭ ‬يعيشون‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭. ‬‮ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬البشر،‭ ‬الذين‭ ‬اقترفوا‭ ‬أبشع‭ ‬الجرائم،‭ ‬لم‭ ‬ينفكوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬متخيلهم‭ ‬كحقيقة،‭ ‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬المتطرفين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬لدى‭ ‬الشيوعيين‭ ‬الذين‭ ‬كانت‭ ‬لهم‭ ‬جنة‭ ‬سوفييتية‭ ‬وهمية‭ ‬يغصبون‭ ‬الناس‭ ‬عليها،‭ ‬والنازيين‭ ‬زمن‭ ‬الرايخ‭ ‬الثالث‭. ‬وغريمالدي‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬لتأكيد‭ ‬وجهة‭ ‬نظرة‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يستكشف‭ ‬التاريخ‭ ‬المسيحي‭ ‬ويستشهد‭ ‬بفلاسفة‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬فولتير‭ ‬وروسو‭ ‬وديدرو‭ ‬إلى‭ ‬لاميتري‭ ‬ودو‭ ‬دوكور‭ ‬وسواهم‭ ‬ممن‭ ‬انتقدوا‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬لكونها‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التسامح‭ ‬شهادة‭ ‬إيمان‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬سالف‭ ‬العصور‭ ‬إلهٌ‭ ‬خاص‭ ‬به،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬عبادته‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬لأن‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬اعتقاد‭ ‬الأقدمين‭ ‬مسألة‭ ‬محلية،‭ ‬قبلية،‭ ‬جاءت‭ ‬الديانة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬لتدعي‭ ‬أنها‭ ‬كونية،‭ ‬فشنت‭ ‬حروبا‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى‭ ‬لترغمها‭ ‬على‭ ‬اعتناقها‭ ‬وممارسة‭ ‬شعائرها‭. ‬‮ ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ابتدعت‭ ‬حروب‭ ‬الدين،‭ ‬وأوكلت‭ ‬للسلطة‭ ‬الملكية‭ ‬اجتثاث‭ ‬أدنى‭ ‬هرطقة‭. ‬كذلك‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬التي‭ ‬مارست،‭ ‬باسم‭ ‬الأنوار‭ ‬والتسامح،‭ ‬سياسة‭ ‬رعب‭ ‬وعدم‭ ‬تسامح‭. ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬الإيديولوجيات‭ ‬التي‭ ‬سببت‭ ‬مجازر‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬أليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬محبة‭ ‬وإخاء‭ ‬وعدالة‭ ‬ومساواة‭ ‬كان‭ ‬دعاتها‭ ‬يقتلون‭ ‬الأبرياء؟

والخلاصة‭ ‬أن‭ ‬التطرف‭ ‬الجهادي‭ ‬الذي‭ ‬يصيب‭ ‬أوروبا‭ ‬ويقتل‭ ‬أناسا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجنسيات‭ ‬وكل‭ ‬المهن‭ ‬وكل‭ ‬الأديان‭ ‬ليس‭ ‬ذا‭ ‬طبيعة‭ ‬أخلاقية‭ ‬ولا‭ ‬سوسيولوجية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬مقترفيه‭ ‬ينحدرون‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأوساط،‭ ‬فمنهم‭ ‬العاطل‭ ‬والعامل،‭ ‬الفقير‭ ‬والميسور‭ ‬الحال،‭ ‬ومن‭ ‬مناطق‭ ‬غير‭ ‬ضواحي‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يوحّدهم‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬العمى‭ ‬أمام‭ ‬الواقع،‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يبصرون‭ ‬شيئا،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬ضحاياهم،‭ ‬يستعملون‭ ‬راية‭ ‬الدين‭ ‬كغطاء‭ ‬لمعتقد‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬السردية‭ ‬المتخيلة‭ ‬ذروة‭ ‬الواقع،‭ ‬ثم‭ ‬يلغون‭ ‬الواقع‭ ‬لأنه‭ ‬يقف‭ ‬حائلا‭ ‬أمام‭ ‬تلك‭ ‬السردية‭.‬‮ ‬‭ ‬وذلك‭ ‬منتهى‭ ‬اللاوعي،‭ ‬وربما‭ ‬الجنون‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬العادي‭.‬ عندما‭ ‬وصف‭ ‬أندريه‭ ‬بروطون‭ ‬الإنسان‭ ‬بـ”الحالم‭ ‬النهائي”،‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬هيّأنا‭ ‬كي‭ ‬نفهم‭ ‬التطرف‭ ‬بكونه‭ ‬الجنون‭ ‬الأكثر‭ ‬عادية؟


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية