الكتابة‭ ‬الجديدة‭ ‬وفكرة‭ ‬الانتهاك

إثر‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الحراك‭ ‬الثوري‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وما‭ ‬رافقه‭ ‬من‭ ‬تغيّرات،‭ ‬هزائم‭ ‬وانتصارات،‭ ‬ظهرت‭ ‬ظواهر‭ ‬ومحددات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬تتمايز‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬سابق،‭ ‬وبل‭ ‬وهذا‭ ‬التمايز‭ ‬نفسه‭ ‬خضع‭ ‬للاختلاف‭ ‬والتصنيف‭ ‬إثر‭ ‬الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬سوريا،‭ ‬داخل‭ ‬وخارج،‭ ‬نظام/ثورة،‭ ‬ثورة/لا‭ ‬ثورة،‭ ‬فكان‭ ‬الانتماء‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬شرعية‭ ‬النصّ‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المرتبط‭ ‬بقوامه‭ ‬الأدبي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬بعض‭ ‬الخصائص‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالمنتج‭ ‬“السوري”‭ ‬المكتوب،‭ ‬والمرتبط‭ ‬بالمنصّة‭ ‬التي‭ ‬ينشر‭ ‬عبرها‭ ‬أو‭ ‬الوسيط‭ ‬“كتاب،‭ ‬موقع‭ ‬تواصل‭ ‬اجتماعي،‭ ‬مدونة،‭ ‬صحف”،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخصائص‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكاتب‭ ‬ووضعيته،‭ ‬كذلك‭ ‬دخلت‭ ‬صناعة‭ ‬النشر‭ ‬كمؤسسات‭ ‬ودُور‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬هذا‭ ‬النص،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬الخصائص‭ ‬البنيويّة‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭ ‬كعمل‭ ‬فني،‭ ‬كما‭ ‬ظهرت‭ ‬الادعاءات‭ ‬والتّوصيفات‭ ‬التي‭ ‬ينتحلها‭ ‬الشخص‭ ‬لنفسه،‭ ‬حاله‭ ‬حال‭ ‬أيّ‭ ‬مؤمن‭ ‬أو‭ ‬نبيّ،‭ ‬ادعاء‭ ‬الفرد‭ ‬بأنه‭ ‬شاعر‭ ‬أو‭ ‬كاتب،‭ ‬كادّعاء‭ ‬شخص‭ ‬بأنه‭ ‬مؤمن‭ ‬يمتلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬والحساسية‭ ‬“الحقيقية”‭ ‬تجاه‭ ‬العالم‭.‬

الجديد  عمار المأمون [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(114)]

لوحة: نور بهجت
هذه الادعاءات‭ ‬أصبحت‭ ‬تكسب‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬الشرعية‭ ‬الأدبية‭ ‬أو‭ ‬تنزعها‭ ‬منه،‭ ‬وفيما‭ ‬يلي‭ ‬بعض‭ ‬الخصائص‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكتابة‭ ‬أو‭ ‬اللاكتابة‭ ‬السوريّة‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أنها‭ ‬حديثة‭ ‬الولادة‭ ‬“حوالي‭ ‬خمس‭ ‬سنوات”‭.‬

شرعية‭ ‬الضحية

النصوص‭ ‬السورية‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬منصّات‭ ‬نشرها‭ ‬نراها‭ ‬تنتصر‭ ‬للضحية،‭ ‬الوَسم‭ ‬ووضعية‭ ‬المهزوم‭ ‬نراها‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬بوصفها‭ ‬ضد‭ ‬المنتصر،‭ ‬أو‭ ‬بصورة‭ ‬أدق‭ ‬ضد‭ ‬القويّ،‭ ‬المتمثل‭ ‬“بالنظام”‭ ‬كموتيف‭ ‬يتغيّر‭ ‬ويأخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬بوجه‭ ‬هذه‭ ‬الضحية،‭ ‬التي‭ ‬أحياناً‭ ‬تغرق‭ ‬في‭ ‬الرومانسية،‭ ‬لترى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬تكالب‭ ‬ضدها‭ ‬وضد‭ ‬أهوائها‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬رومانسية،‭ ‬فالضحيّة‭ ‬السورية‭ ‬(ضمن‭ ‬النص)‭ ‬بداية‭ ‬تتماهى‭ ‬مع‭ ‬“الوسيط‭ ‬MÉDIATEUR-/الثورة”‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها،‭ ‬ثم‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬لاحقاً‭ ‬الاكتمال،‭ ‬لتتقمصـ(ه)‭ ‬–الوسيط-‭ ‬بعدها‭ ‬بوصفه‭ ‬النموذج‭ ‬ويغدو‭ ‬الهدف‭ ‬خفياً‭.‬

الضحية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬انفلتت‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬المهيمن،‭ ‬صاحب‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكليّة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تروي‭ ‬حكاياتها،‭ ‬هزائمها،‭ ‬تعاقب‭ ‬الموت‭ ‬والخسارات‭ ‬التي‭ ‬تعرّضت‭ ‬لها‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬سرديّتها‭ ‬بعد‭ ‬وضعية‭ ‬الضحية،‭ ‬بل‭ ‬تقمّصت‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية،‭ ‬والأهمّ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الضحية‭ ‬تمتلك‭ ‬الشرعية‭ ‬بالحضور،‭ ‬لا‭ ‬أصوات‭ ‬لمنتصرين،‭ ‬لا‭ ‬أصوات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬مركزية‭ ‬الضحية‭ ‬بوصفها‭ ‬وضعية‭ ‬يختارها‭ ‬الراوي‭ ‬أو‭ ‬الشخوص‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الأماكن،‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬ليسوا‭ ‬ضحايا‭ ‬هم‭ ‬بحكم‭ ‬المنطق‭ ‬الأرسطي‭ ‬منتصرون،‭ ‬والكتابة‭ ‬عن‭ ‬اللاضحية‭ ‬تعني‭ ‬نسيانها‭ ‬-الضحية-،‭ ‬لتسود‭ ‬صيغة‭ ‬التعاطف‭ ‬حين‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية،‭ ‬بوصف‭ ‬التعاطف‭ ‬لا‭ ‬مساواة،‭ ‬ونوع‭ ‬من‭ ‬التنازل‭ ‬بل‭ ‬وترسيخ‭ ‬لمفهوم‭ ‬الضحية،‭ ‬لتغدو‭ ‬الأخيرة‭ ‬دور‭ ‬رقيباً‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬ما،‭ ‬“كيف‭ ‬تكتب‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يموت‭..‬؟”‭ ‬هي‭ ‬العبارة‭ ‬الأشهر‭ ‬التي‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرقابة،‭ ‬لتنشأ‭ ‬تهم‭ ‬التخوين‭ ‬والانسلاخ‭ ‬عن‭ ‬“هناك”،‭ ‬عن‭ ‬سوريا‭ ‬الثورة،‭ ‬سوريا‭ ‬الموت‭ ‬اليومي‭.‬

وضعية‭ ‬الضحية‭ ‬أنتجت‭ ‬نصوصاً‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬فنية‭ ‬أو‭ ‬أدبيةً،‭ ‬لكنها‭ ‬تتداول‭ ‬بدافع‭ ‬التعاطف‭ ‬لا‭ ‬اللذة‭ ‬والحساسية‭ ‬الأدبية،‭ ‬وذلك‭ ‬بحكم‭ ‬سيرة‭ ‬كاتبها‭ ‬لا‭ ‬بحكم‭ ‬قيمتها،‭ ‬وهذا‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬واقتسام‭ ‬المأساة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬الجمالي‭ ‬من‭ ‬النص‭.‬

القدسية‭ ‬الثورية

هذا‭ ‬الجانب‭ ‬مرتبط‭ ‬بالأول،‭ ‬مرتبط‭ ‬الثورة‭ ‬بوصفها‭ ‬آلية‭ ‬شرعنة‭ ‬مقدسة،‭ ‬والتي‭ ‬تأتي‭ ‬أيضا‭ ‬بمنطق‭ ‬يشابه‭ ‬منطق‭ ‬الإيمان‭ ‬الديني،‭ ‬النزعة‭ ‬نحو‭ ‬الانعتاق‭ ‬تدان‭ ‬بوصفها‭ ‬غير‭ ‬ثورية،‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوز‭ ‬ثنائية‭ ‬الصراع،‭ ‬يُتهم‭ ‬صاحبها‭ ‬بالخيانة،‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬أًصبح‭ ‬شبه‭ ‬ملزم‭ ‬بتكوينات‭ ‬ومعان‭ ‬محددة‭ ‬كي‭ ‬يكتسب‭ ‬شعريته‭ ‬الأدبية،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬قيمته،‭ ‬بل‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬انتمائه،‭ ‬ما‭ ‬حوله‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬(كيتش)‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬طغيان‭ ‬مؤسساتي‭ ‬وأيديولوجي‭.‬

الكتابة،‭ ‬والمقصود‭ ‬الكتابة‭ ‬المحترفة،‭ ‬تقنيات‭ ‬وبناء‭ ‬فكري‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ضد‭ ‬الفعل‭ ‬الثوري؟‭ ‬وأقول‭ ‬ثوري‭ ‬لا‭ ‬بقصدي‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬النظام‭ ‬-وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ممكناً-‭ ‬بل‭ ‬ببساطة‭ ‬“لا‭ ‬ثوري”،‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬النص‭ ‬مكتوبا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬“مؤيد”‭ ‬حسب‭ ‬التعبير‭ ‬المتداول،‭ ‬هل‭ ‬يفقد‭ ‬نصيّته‭ ‬و”جماليته”؟‭ ‬الجواب‭ ‬بحكم‭ ‬المنطق‭ ‬لا،‭ ‬لكن‭ ‬النزعة‭ ‬نحو‭ ‬تقييم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬ثوري‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سياسي‭ ‬تهيمن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬فني‭ ‬وأدبي،‭ ‬لتكون‭ ‬الثورة‭ ‬فعلا‭ ‬مقدّسا‭ ‬أو‭ ‬مفهوما‭ ‬على‭ ‬رومانسيته‭ ‬عصيّا‭ ‬على‭ ‬الانتهاك‭ ‬أو‭ ‬الانتقاد‭ ‬فنياً،‭ ‬بوصف‭ ‬“الثورة”‭ ‬المرجع‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الشرعية‭ ‬للنص‭.‬

المقدّس‭ ‬الثوري‭ ‬كرّس‭ ‬أسماء‭ ‬وأعطى‭ ‬اعترافات‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يستحقونها‭ ‬فنياً،‭ ‬وحسب‭ ‬منطق‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭ ‬تحوّلت‭ ‬الثورة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬متكامل‭ ‬ذي‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬رمزي‭ ‬ومادي‭.‬

اليومي‭ ‬واللا‭ ‬انتماء

اليومي‭ ‬أصبح‭ ‬طاغياً‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬السورية،‭ ‬لارتباطه‭ ‬بالذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تتداعى،‭ ‬الفقدان‭ ‬والمنافي‭ ‬جعلت‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬مركزية،‭ ‬انهيار‭ ‬العالم‭ ‬والمفاهيم‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬الفرد‭ ‬جعل‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬هي‭ ‬ساحة‭ ‬القتال‭ ‬بوصفها‭ ‬مهدّدة‭ ‬بالغياب،‭ ‬لتنشأ‭ ‬أقاويل‭ ‬كالـ”بوكوفسكيون‭ ‬السوريين”‭ ‬نسبة‭ ‬للشاعر‭ ‬الأميركي‭ ‬تشارلز‭ ‬بوكوفسكي‭ ‬أو‭ ‬مقاربات‭ ‬لجامعة‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬أميركا،‭ ‬أفراد‭ ‬يصنفون‭ ‬أنفسهم‭ ‬كصعاليك‭ ‬وسفلة‭ ‬يكتبون‭ ‬يومياتهم‭ ‬أو‭ ‬تفاصيل‭ ‬حيواتهم‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬المنافي‭ ‬أو‭ ‬الداخل‭.‬

الضحية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬انفلتت‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬المهيمن،‭ ‬صاحب‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكليّة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تروي‭ ‬حكاياتها،‭ ‬هزائمها،‭ ‬تعاقب‭ ‬الموت‭ ‬والخسارات‭ ‬التي‭ ‬تعرّضت‭ ‬لها‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬سرديّتها‭ ‬بعد‭ ‬وضعية‭ ‬الضحية

هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالشلل،‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اللاستقرار‭ ‬جعلت‭ ‬اليومي‭ ‬هو‭ ‬الطاغي‭ ‬بوصه‭ ‬المتوافر،‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬خيارا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الواقع،‭ ‬اللاتعيين‭ ‬المكاني‭ ‬والنفسي‭ ‬الطاغي‭ ‬على‭ ‬حيوات‭ ‬البعض‭ ‬جعل‭ ‬النص‭ ‬يتمسك‭ ‬بآنيته،‭ ‬ليكون‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أدبي/شعري‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مبتذل‭ ‬دقيقاً،‭ ‬وأحياناً‭ ‬يصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬بسبب‭ ‬الكمّ‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تقنية‭ ‬الانتشار‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬(أحياناً‭ ‬الصحف)‭ ‬مرتعاً‭ ‬لهذه‭ ‬النصوص،‭ ‬لتكون‭ ‬الكلمة‭ ‬الطاغية‭ ‬بوصفها‭ ‬سمة‭ ‬للتقييم‭ ‬السلبي‭ ‬“هذا‭ ‬بوست‭ ‬فيسبوك‭ ‬وليس‭ ‬شعرا”،‭ ‬بالتالي‭ ‬الوسيط‭ ‬الرقمي‭ ‬فرض‭ ‬تقنية‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬أو‭ ‬موقفاً‭ ‬جمالياً‭ ‬نتيجة‭ ‬آلية‭ ‬وسيلة‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬“اليومي”‭ ‬بوصف‭ ‬سؤال‭ ‬الفيسبوك‭ ‬الأكثر‭ ‬شهرة‭ ‬هو‭ ‬“بماذا‭ ‬تفكر‭ ‬الآن‭..‬؟”‭.‬

كذلك‭ ‬الأمر‭ ‬مرتبط‭ ‬بدعاوى‭ ‬اللاانتماء،‭ ‬والرغبة‭ ‬لدى‭ ‬الكثيرين‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬السياسي‭ ‬ومنها‭ ‬الفكري،‭ ‬بتجاوز‭ ‬ثنائية‭ ‬“ثورة/نظام”‭ ‬والكتابة‭ ‬لمجرّد‭ ‬الكتابة،‭ ‬دون‭ ‬الانخراط‭ ‬أو‭ ‬الميل‭ ‬نحو‭ ‬أيّ‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي‭ ‬يصنّف‭ ‬النص‭ ‬تحته،‭ ‬أي‭ ‬الرغبة‭ ‬باللاتصنيف،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬سيؤدي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬الأدبي‭ ‬الصرف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي‭.‬

ضد‭ ‬التخييل

الخيال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬أو‭ ‬التخييل ‭ ‬-fictionalization‭ ‬وعوالمه‭ ‬الروائية،‭ ‬لتكون‭ ‬المرجعية‭ ‬الواقعية‭ ‬هي‭ ‬الطاغية،‭ ‬بوصف‭ ‬التخييل‭ ‬أو‭ ‬“الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المرجعية‭ ‬السوريّة”‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تهمة،‭ ‬بحيث‭ ‬يحكم‭ ‬الواقع-الصراع‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬مرجعية‭ ‬واحدة،‭ ‬أمّا‭ ‬إنتاج‭ ‬عوالم‭ ‬مغايرة‭ ‬فقد‭ ‬يعني‭ ‬تجاهل‭ ‬الموت،‭ ‬بل‭ ‬والتخوين‭ ‬أحياناً،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬وجود‭ ‬تقنيات‭ ‬التخييل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النصوص‭ ‬السورية‭ ‬رواية‭ ‬أو‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة،‭ ‬لكن‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬عوالم‭ ‬متمايزة‭ ‬عن‭ ‬“الآن/هنا”‭ ‬وخصوصاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكتّاب‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬أصبح‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬عدا‭ ‬بعض‭ ‬الاستثناءات‭.‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬كاتبا‭ ‬سوريا‭ ‬قرّر‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬رواية‭ ‬خيال‭ ‬علمي‭ ‬وكانت‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬فنيّة‭ ‬عالية،‭ ‬هل‭ ‬ستُنشر‭..‬؟‭ ‬هل‭ ‬ستُقرأ‭..‬؟‭ ‬هي‭ ‬سيتهم‭ ‬صاحبها‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬وطني‭ ‬وبأنه‭ ‬يتجاهل‭ ‬دم‭ ‬الأطفال؟

لوحة: خالد عقيل

شعرية‭ ‬الحكاية

هذه‭ ‬الخاصية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتقنيات‭ ‬السرد،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تنتشر‭ ‬بكثرة،‭ ‬فالتقنية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الرواية،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬الحكاية،‭ ‬التخييل‭ ‬وصناعة‭ ‬الرواية‭ ‬طغت‭ ‬عليها‭ ‬الحكاية‭ ‬بكل‭ ‬رومانسياتها،‭ ‬بوصف‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬مليء‭ ‬بالحكايات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬لنرى‭ ‬أكواما‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُنفى‭ ‬أهميتها،‭ ‬لكنّها‭ ‬لا‭ ‬“تُسرد”‭ ‬عبر‭ ‬تقنية‭ ‬متميّزة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بصنعة‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬القصة‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬-التقنية-‭ ‬أن‭ ‬تطوّر‭ ‬وتشكل‭ ‬تراكم‭ ‬التجربة‭ ‬وتمايزها‭ ‬لا‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تحويها،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الروائي‭ ‬وبين‭ ‬اللاروائي،‭ ‬بوصف‭ ‬الأول‭ ‬محترفا‭ ‬فنياً‭ ‬والثاني‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬متعة‭ ‬“الحكي”‭ ‬المرتبطة‭ ‬باللغة‭ ‬وشعريّتها‭ ‬والحكاية‭ ‬ولذّتها،‭ ‬لا‭ ‬الرواية‭ ‬كبنية‭ ‬متكاملة،‭ ‬فتداخل‭ ‬الأشكال‭ ‬الأدبيّة،”أُقدّر”‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬لا‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬بها‭ ‬و”الاحتراف”‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الاستسهال‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬المتوافر‭ ‬وليد‭ ‬البرهة،‭ ‬لا‭ ‬البحث‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬كل‭ ‬نوع‭ ‬أدبي‭.‬

تهمة‭ ‬الجغرافيا

الجغرافيا‭ ‬وثنائية‭ ‬داخل/خارج‭ ‬أصبحت‭ ‬حقيقة‭ ‬نقدية‭ ‬عوضاً‭ ‬عن‭ ‬وضعية‭ ‬إنسانية،‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬هو‭ ‬حكماً‭ ‬إما‭ ‬خائف‭ ‬أو‭ ‬موال،‭ ‬ومن‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬هو‭ ‬حكماً‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬فالداخل‭ ‬يدّعي‭ ‬شعرية‭ ‬البقاء‭ ‬والنجاة‭ ‬“ضحية”‭ ‬والخارج‭ ‬أيضاً‭ ‬يدّعي‭ ‬شرعية‭ ‬النجاة‭ ‬“أيضاً‭ ‬ضحية”‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التهم‭ ‬المتبادلة،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬وسيلة‭ ‬للسخرية‭ ‬أو‭ ‬التقييم،‭ ‬لا‭ ‬يُنكر‭ ‬أن‭ ‬الخارج‭ ‬يحوي‭ ‬حرية‭ ‬لا‭ ‬متناهية‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬لغياب‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬الجسدي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الداخل‭ ‬عقيم،‭ ‬لا‭ ‬يتمايز‭ ‬عن‭ ‬خطاب‭ ‬السلطة،‭ ‬والمقصود‭ ‬أفراد‭ ‬لا‭ ‬مؤسسات،‭ ‬والأمر‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الخارج،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬تعني‭ ‬“الإبداع″‭ ‬أو‭ ‬تجاوز‭ ‬حضور‭ ‬الطاغية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الروائع،‭ ‬بل‭ ‬تسيّس‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬والداخل‭ ‬جعل‭ ‬مفهوم‭ ‬النص‭ ‬يخضع‭ ‬لعوامل‭ ‬غير‭ ‬فنيّة،‭ ‬ليكون‭ ‬مكان‭ ‬توليد‭ ‬النص‭ ‬الجغرافي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يتحكّم‭ ‬بجماليته،‭ ‬لا‭ ‬المنتج‭ ‬النهائي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬الممارسة‭ ‬الآني‭ ‬للكتابة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتواجد‭ ‬الجسدي‭.‬

المؤسسة‭ ‬والترويج

هذا‭ ‬العامل‭ ‬الأهمّ‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بوصفها‭ ‬محكومة‭ ‬بالنهاية‭ ‬بمؤسسات‭ ‬(لا‭ ‬أتحدّث‭ ‬عن‭ ‬المدوّنات‭ ‬والمحاولات‭ ‬الفردية‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬أغلبها‭ ‬بالاحتضان‭ ‬المؤسساتي)،‭ ‬فالتبنّي‭ ‬وخصوصية‭ ‬السوري‭ ‬الآن‭ ‬حوّلته‭ ‬إثر‭ ‬الخصائص‭ ‬السابقة‭ ‬“ثوري-ضحية-ناج”‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للترويج،‭ ‬سلعة‭ ‬إنسانية‭ ‬يتمّ‭ ‬تبادلها‭ ‬لا‭ ‬لمضمونها‭ ‬بل‭ ‬لشكلها،‭ ‬ينسحب‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬النص،‭ ‬والصفات‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها‭ ‬البعض‭ ‬“كاتب-مفكر-شاعر”‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحاكموا‭ ‬نقدياً،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬أحياناً‭ ‬هو‭ ‬استجرار‭ ‬الشفقة،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التورّط‭ ‬ضمن‭ ‬القطاع‭ ‬“ثورة‭ ‬-نظام”‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الربح،‭ ‬لسنا‭ ‬بصدد‭ ‬التقييم‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬لكن‭ ‬القيمة‭ ‬الفنية‭ ‬أضحت‭ ‬تبادلية‭ ‬وتُكتسب‭ ‬عبر‭ ‬شروط‭ ‬بيروقراطية‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬شروط‭ ‬فنية،‭ ‬فالمعيار‭ ‬سياسي‭ ‬وليس‭ ‬أدبيا‭.‬

غياب‭ ‬الانتهاك

لا‭ ‬تشكيك‭ ‬فيما‭ ‬“حدث”‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬السورية،‭ ‬الـparody‭ ‬والغروتيسك‭ ‬لا‭ ‬تحضر،‭ ‬بوصفها‭ ‬تحمل‭ ‬أبعاداً‭ ‬سياسية،‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬البنى‭ ‬السابقة‭ ‬ومحاكاتها‭ ‬للتشكيك‭ ‬بأحقيّة‭ ‬الضحية‭ ‬أو‭ ‬أحقيّة‭ ‬المنتصر‭ ‬نادرة،‭ ‬وتقتصر‭ ‬على‭ ‬المحاولات‭ ‬الفردية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيشكّل‭ ‬لاحقاً‭ ‬مشكلة‭ ‬ثقافة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالهوية،‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬جسدين‭ ‬للذاكرة‭ ‬السورية‭ ‬ذويْ‭ ‬مرجعية‭ ‬فنية‭ ‬أدبية‭ ‬(بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الإعلام‭ ‬الذي‭ ‬أيضاً‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة)،الأول‭ ‬يمثله‭ ‬النظام‭ ‬وخطابه،‭ ‬والثاني‭ ‬تمثله‭ ‬الثورة‭ ‬وخطابها،‭ ‬الأول‭ ‬يشكك‭ ‬به‭ ‬دوماً،‭ ‬لكن‭ ‬الثاني،‭ ‬مقدّس،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬أن‭ ‬الاثنين‭ ‬سيكونان‭ ‬الصورة‭ ‬المستقبلية‭ ‬عن‭ ‬سوريا‭ ‬للسورين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعيشوا‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬فالأجيال‭ ‬المولودة‭ ‬في‭ ‬المنافي‭ ‬والمخيمات،‭ ‬وكلا‭ ‬هذين‭ ‬الجسدين‭ ‬قائمان‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬السرد‭ ‬أو‭ ‬التخييل‭ ‬أو‭ ‬الكذب‭ ‬أو‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬أيضاً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التشكيك‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مصدرها‭ ‬خطاب‭ ‬الثورة‭.‬

محاولات‭ ‬التشكيك‭ ‬بخطاب‭ ‬الثورة‭ ‬غائبة،‭ ‬لأن‭ ‬التدوين‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاته‭ ‬هو‭ ‬تأريخ،‭ ‬والتشكيك‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬محاكاته‭ ‬بصورة‭ ‬ساخرة‭ ‬يعني‭ ‬التشكيك‭ ‬بتاريخانيّته،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نراه‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬جهود‭ ‬بسيطة‭ ‬وفردية‭ ‬(مقالات‭ ‬وتدوينات)‭ ‬لا‭ ‬بجهود‭ ‬مؤسساتية‭ ‬كجهود‭ ‬التكريس‭ ‬المتّبعة‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭.‬

لاحقاً‭ ‬الهويات‭ ‬السوريّة‭ ‬ستصنع‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬متخيّل،‭ ‬سردي،‭ ‬مقدّس،‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬للمحاكمة‭ ‬مرجعيته‭ ‬جسد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الذي‭ ‬يكوّن‭ ‬الآن‭ ‬عبر‭ ‬النصوص‭ ‬والصور‭.‬


كاتب من سوريا مقيم في باريس