صورة‭ ‬المرأة‭ ‬بعدسة‭ ‬الفوتوغرافية ليلى العلوي

لقد‭ ‬شهد‭ ‬مزاولة‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬وتصاعدا‭ ‬ملموسا‭ ‬في‭ ‬السنين‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والذي‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬الهواية‭ ‬وخصوصا‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬هو‭ ‬الكاميرات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬بممارستها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬والتصوير‭ ‬هو‭ ‬أساسا ثقافة،‭ ‬وفن،‭ ‬وجمال،‭ ‬وأناقة،‭ ‬وامتهان‭ ‬رائع‭ ‬لموهبة‭ ‬ترقى‭ ‬لطبقة‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬المجتمع. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬الفوتوغرافية‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬‮ ‬مع‭ ‬بزوغ‭ ‬تقنيات‭ ‬سهلة‭ ‬المراس،‮ ‬‬غير‭ ‬كافية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬تاريخ‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقافة‭ ‬الفنية‭ ‬والبصرية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬فنية‭ ‬مستقلة‭ ‬تدعم‭ ‬الفنانين‭ ‬وبالتالي‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الاجتماعي‭.‬

الجديد  إكرام عبدي [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(118)]

مع ‭ ‬كامل‭ ‬الأسف،‭ ‬تظل‭ ‬الصورة‭ ‬المهنية‭ ‬هي‭ ‬المهيمنة‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬سواها‭ ‬بأغلب‭ ‬المعارض،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التباين‭ ‬حالة‭ ‬نادرة‭ ‬بين‭ ‬الأعمال‭ ‬المختلفة،‭ ‬أما‭ ‬جوهر‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فنيّ‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مهنيّ‭ ‬فشاسع‭ ‬جدا،‭ ‬فالصورة‭ ‬الصحافية‭ ‬تتسم‭ ‬بطابعها‭ ‬التوثيقي‭ ‬المهني‭ ‬الجاهز،‭ ‬أما‭ ‬الصورة‭ ‬الفنية‭ ‬فهي‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬نظرة‭ ‬متفردة‭ ‬وعميقة‭ ‬وأفكار‭ ‬وأحلام‭ ‬وهواجس‭ ‬وأحاسيس‭ ‬وتطلعات‭ ‬ورؤى‭ ‬خاصة‭ ‬بالفنان‭.‬

وتعد‭ ‬ليلى‭ ‬العلوي‭ ‬التي‭ ‬أطفأت‭ ‬رصاصة‭ ‬إرهاب‭ ‬طائشة‭ ‬فلاش‭ ‬كاميرتها‭ ‬ببوركينا‭ ‬فاسو‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬رسمية‭ ‬لمنظمة‭ ‬أممية،‭ ‬من‭ ‬المصورات‭ ‬الفوتوغرافيات‭ ‬المغربيات‭ ‬التي‮ ‬‭ ‬لها‭ ‬أسلوبها‭ ‬وخطها‭ ‬الفني‭ ‬المتفرد،‭ ‬فقد‭ ‬استعانت‭ ‬بثقافتها‭ ‬الغربيّة‭ ‬وأصولها‭ ‬الدّاخليّة‭ ‬للبلد‭ ‬الأصل،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬العربيات‭ ‬لسْن‭ ‬سجينات‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة،‭ ‬وأن‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬ليس‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الرجال،‭ ‬وأن‭ ‬المرأة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬تكوين‭ ‬غربي‭ ‬منفتح‭ ‬وعمق‭ ‬وغوص‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬وحب‭ ‬للتراث‭ ‬وعين‭ ‬فنية‭ ‬لاقطة‭ ‬للتفاصيل‭ ‬والخفي‭.‬

فليلى‭ ‬العلوي‭ ‬ذات‭ ‬الأصول‭ ‬المغربية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬والتي‭ ‬اختطفتها‭ ‬أيادي‭ ‬الغدر‭ ‬الإرهابية‮ ‬‭ ‬الآثمة،‭ ‬درست‭ ‬السينما‭ ‬والأنتروبولوجيا‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬العام ‭ ‬2008‭ ‬لإنتاج‭ ‬عملها‭ ‬“No‭ ‬pasara”‭ ‬‮ ‬هادفةً‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬المهاجرين‭ ‬المغاربة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تشدّد‭ ‬دول‭ ‬القارّة‭ ‬العجوز‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬مكافحة‭ ‬الهجرة‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬قدّمت‭ ‬عَلوي‭ ‬عملاً‭ ‬حفريا‭ ‬‮ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬“المغاربة”‭(‬The‭ ‬Morrocans‭)‬‭ ‬ سعت‭ ‬إلى‭ ‬إظهار‭ ‬التنوّع‭ ‬الإثني‭ ‬والثقافي‭ ‬المغربي،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب،‭ ‬ماضية‭ ‬على‭ ‬هدي‭ ‬المصوّر‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬الأميركي‭ ‬روبرت‭ ‬فرانك‭ ‬في‭ ‬ألبومه‭ ‬“الأميركيون”،‭ ‬سنة‭ ‬1958،‭ ‬ ومواطنه‭ ‬ريتشارد‭ ‬أفيدون‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬ببورتريهاته‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬والمزاوجة‭ ‬بين‭ ‬التوثيقية‭ ‬وجماليات‭ ‬الواقعية‭.‬

ويتميز‭ ‬أسلوبها‭ ‬التصويري‭ ‬المتأثر‭ ‬بتعبيرية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬النظرات‭ ‬والابتسامات‭ ‬والمشاهد‭ ‬اليومية‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني،‭ ‬حيث‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬والذهاب‭ ‬إليهم،‭ ‬وتبادل‭ ‬المشاعر‭ ‬معهم،‭ ‬والتحول‭ ‬إلى‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭.‬

‬وترحالها‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬الأمكنة،‭ ‬نمّى‭ ‬الفضول‭ ‬الذي‭ ‬كبر‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬للتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭ ‬واكتشاف‭ ‬عوالمه‭ ‬عبر‭ ‬السفر‭ ‬واختراق‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والثقافات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أحكام‭ ‬مسبقة‭ ‬تعمي‭ ‬البصيرة‭. ‬السفر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاكتشاف،‭ ‬كما‭ ‬تعيشه‭ ‬ليلى‭ ‬بنظرة‭ ‬بروست،‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬19،‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬المشاهد‭ ‬الجديدة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتلاك‭ ‬عيون‭ ‬جديدة‮»‬‭.‬

في‭ ‬معرضها‭ ‬الأخير‭ ‬“مغاربة”‭ ‬قبل‭ ‬رحيلها‭ ‬الغادر،‭ ‬تندرج‭ ‬الصورة‭ ‬الفوتوغرافية‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬الفن‭ ‬التعبيري‭ ‬المستقل،‭ ‬لكونها‭ ‬تتناول‭ ‬الرؤية‭ ‬الواقعية‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬متباينة،‭ ‬فهي‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬محيطها‭ ‬بكل‭ ‬أمانة،‭ ‬كما‭ ‬تستخدم‭ ‬الصورة‭ ‬كلغة‭ ‬صامتة‭ ‬للحكي‭ ‬والسرد‭ ‬والمحاكاة. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬سمة‭ ‬مستحوذة‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬المعاصر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الأعمال‭ ‬المطروحة‭ ‬قد‭ ‬التقطت‭ ‬بطابع‭ ‬يحمل‭ ‬سمة‭ ‬التجدّد‭ ‬والخروج‭ ‬عن‭ ‬النمط‭ ‬السائد‭ ‬وعلى‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬والإلمام‭ ‬بكل‭ ‬نواحي‭ ‬المجتمع‭ ‬الإنساني‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬عند‭ ‬ليلى‭ ‬العلوي‭.‬

‬من‭ ‬هنا‭ ‬حاولت‭ ‬ليلي‭ ‬تجاوز‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬التصوير،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬للمرأة،‭ ‬وسعت‭ ‬لتبديل‭ ‬بعض‭ ‬التصورات‭ ‬المسبقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فأصبح‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬أداة‭ ‬ومساحة‭ ‬للتحرير‭ ‬وللخلق‭ ‬وتأكيد‭ ‬شخصيتها‭ ‬وحضورها،‭ ‬كما‭ ‬وظفت‭ ‬الأزياء‭ ‬والحليّ‭ ‬لأغراض‭ ‬عرقية،‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ثقافية،‭ ‬لإبراز‭ ‬هويتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارستها‭ ‬الفنية،‭ ‬وسعت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬هوّيتها‭ ‬البصرية،‭ ‬وعبرها‭ ‬هوية‭ ‬انتمائه‭ ‬بأسلوبها‭ ‬في‭ ‬التصوير المتسم‭ ‬بالبساطة‭ ‬والأصالة‭ ‬والخصوصية التي‭ ‬تكاد‭ ‬تختفي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة،‭ ‬مركزة‭ ‬على‭ ‬نساء‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومن‭ ‬زوايا‭ ‬منظورية‭ ‬عدة‭ ‬وبما‭ ‬يلامس‭ ‬دواخل‭ ‬الشخصيات‭ ‬وتبدّل‭ ‬عالمها‭ ‬النفسي‭ ‬والمشاعري،‭ ‬نساء‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة. ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنهن‭ ‬لسن‭ ‬ضحايا‭ ‬بل‭ ‬إظهارهن‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬جمالهن،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يتعرضن‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حيف‭ ‬مجتمعي. ‬فلا‭ ‬تعتبرهن‭ ‬ضحايا،‭ ‬وإنما‭ ‬نساء‭ ‬يحببن‭ ‬الحياة،‭ ‬جميلات‭ ‬مكافحات‭ ‬مناضلات‭ ‬يقهرن‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬ليكنّ‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬صورة‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬الصور‭ ‬الفوتوغرافية‭ ‬لليلى‭ ‬العلوي‭ ‬في‭ ‬معرضها‭ ‬“مغاربة”‭ ‬لوحة‭ ‬“شفشاون،‭ ‬شمال‭ ‬المغرب”،‭ ‬والتي‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬امرأة‭ ‬مرتدية‭ ‬الزيّ‭ ‬التقليدي‭ ‬لشمال‭ ‬المغرب،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تظهر‭ ‬اللوحة‭ ‬الجانب‭ ‬القوي‭ ‬والثائر‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬رغم‭ ‬بساطتها‭.‬

لم‭ ‬تتقوقع‭ ‬‮ ‬ليلى‭ ‬العلوي‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬‮ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جندري،‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬الفنانات‭ ‬والمصورات،‭ ‬ولم‭ ‬تغوها‭ ‬أبدًا‭ ‬قضايا‭ ‬الحميمية‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬المعاصر،‭ ‬كانت‭ ‬وجهتها‭ ‬إنسانية‭ ‬لذلك‭ ‬اهتمت‭ ‬دومًا‭ ‬بالقضايا‭ ‬الراهنة‭ ‬والحارقة‭ ‬كالحروب‭ ‬والتهجير،‭ ‬والهجرة‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬أفريقيا‭ ‬باتجاه‭ ‬أوروبا‭ ‬سعيًا‭ ‬وراء‭ ‬أحلام‭ ‬وأوهام‭ ‬الرخاء،‭ ‬أو‭ ‬قسرًا‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬هربًا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الطاحنة‭ ‬هناك‭.‬

في‭ ‬معرضها‭ ‬“المغاربة”،‭ ‬كانت‭ ‬الراحلة‭ ‬متيقّنة‭ ‬أن‭ ‬جمال‭ ‬المرأة‭ ‬المغربية‭ ‬وقوتها‭ ‬في‭ ‬خصوصيتها‭ ‬وتشبثها‭ ‬بتراثها‭ ‬بشكل‭ ‬يضع‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬استشراقي‭ ‬وغرائبي‭ ‬ومما‭ ‬يخدم‭ ‬البعد‭ ‬المابعد‭ ‬كولونياني؛‭ ‬فالمرأة‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬ليلى‭ ‬العلوي،‭ ‬تُقَدَّمُ‭ ‬باعتزازٍ‭ ‬وأنفة‭ ‬وعنفوان،‭ ‬في‭ ‬غوص‭ ‬جمالي‮ ‬‭ ‬في‭ ‬تراثها‭ ‬وقصصها،‭ ‬وتعدّديّة‭ ‬الانتماءات‭ ‬فيها،‭ ‬حيث‭ ‬تُقَدِّمُ‭ ‬علوي‭ ‬تراثها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬بورتريهات‭ ‬لنساء‭ ‬بشكل‭ ‬يعكس‭ ‬الغنى‭ ‬الثقافي‭ ‬والهوياتي‭.‬

فمعرضها‭ ‬كان‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحوار،‭ ‬الذي‭ ‬‮ ‬يسمح‭ ‬بإدماج‭ ‬الخصوصيات‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬الكوني،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التلاقح‭ ‬بين‭ ‬الهويات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشييد‭ ‬الهوية‭ ‬المركبة،‭ ‬ويقتضي‭ ‬مبدأ‭ ‬المثاقفة‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬الآنية‭ ‬على‭ ‬الغيرية‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الأنا‭ ‬وجها‭ ‬لوجه‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬وأن‭ ‬يتعايشا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التنافر‭ ‬بينهما،‭ ‬لأن‭ ‬التمايز‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬يقتضي‭ ‬منحه‭ ‬الاعتراف‭ ‬بكرامته‭ ‬وخصوصيته‭ ‬الثقافية‭ ‬والقبول‭ ‬به‭ ‬كآخر‭ ‬والتواصل‭ ‬معه‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشتركة‭.‬

في‭ ‬معرض‭ ‬“ناطرين”‭ ‬لليلى‭ ‬العلوي‭ ‬يعني‭ ‬منتظرين،‭ ‬الذي‭ ‬نظم‭ ‬ببيروت،‭ ‬التقطت‭ ‬ليلى‭ ‬العلوي‭ ‬صورا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬أوجاع‭ ‬اللاّجئين‭ ‬السوريّين‭ ‬وعذاباتهم‭ ‬اليوميّة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬نمطية‭ ‬وعنصرية،‭ ‬وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬الأخبار‭ ‬عن‭ ‬حالات‭ ‬الاغتصاب‭ ‬والتحرّش‭ ‬باللاّجئات‭ ‬السوريات‭ ‬التي‭ ‬ازدادت‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭.‬

في‭ ‬معرض‭ ‬“ناطرين”‭ ‬كانت‭ ‬ليلى‭ ‬عَلوي‭ ‬بصدد‭ ‬تقديم‭ ‬عمل‭ ‬جريء‭ ‬لموضوع‭ ‬حساس‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالغوص‭ ‬في‭ ‬حميمية‭ ‬الأشخاص‭ ‬أو‭ ‬بوضعهم‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬المزري،‭ ‬فكلُّ‭ ‬صورةٍ‭ ‬من‭ ‬معرض‭ ‬“ناطرين”‭ ‬‮ ‬تروي‭ ‬قصّةً‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬قصصًا‭ ‬موجعةً‭ ‬عن‭ ‬شعبٍ‭ ‬ذاق‭ ‬الأمرّين‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬الأم‭ ‬وفي‭ ‬الملاجئ،‮ ‬سيُشاهد‭ ‬زائرُ‭ ‬المعرض‭ ‬وجوهًا‭ ‬شاحبة،‭ ‬لرجال‭ ‬وأطفال‭ ‬ونساء‭ ‬خائفات‭ ‬وتائهات‭ ‬دون‭ ‬شكّ،‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الانتظار،‭ ‬يلملمن‭ ‬‮ ‬بقايا‭ ‬كرامتهن‭ ‬ووجعهن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬آن،‭ ‬‮‬يترقبن‭ ‬الخلاص‭ ‬صحبة‭ ‬أطفالٍ‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬معنى‭ ‬الطفولة‭ ‬أو‭ ‬مذاق‭ ‬الدلال‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬عائلة‭. ‬أطفالهن‭ ‬مصدرُ‭ ‬سعادة‭ ‬الأمهات‭ ‬السوريات‭ ‬ومن‭ ‬يمنحهن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحمل‭ ‬والمضي‭ ‬قدما،‭ ‬ببراءتِهم‭ ‬وضحكاتِهم‭ ‬وطيبتِهم‭ ‬وضجيجِ‭ ‬الحياة‭ ‬والحزن‭ ‬في‭ ‬جفونهم‭.‬

لقد‭ ‬تمكنت‭ ‬ليلى‭ ‬العلوي‭ ‬من‭ ‬تصوير‭ ‬المرأة‭ ‬بشكل‭ ‬باذخ‭ ‬عميق‭ ‬غير‭ ‬فولكلوري،‭ ‬ولا‭ ‬غرائبي‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬المغربية‭ ‬أو‭ ‬العربية‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬تنتصب‭ ‬واقفة‭ ‬بزيها‭ ‬التقليدي‭ ‬لالتقاط‭ ‬الصورة‭ ‬لم‭ ‬تشعر‭ ‬أنها‭ ‬أمام‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬مصورة‭ ‬تتلصص‭ ‬على‭ ‬حميميتها،‭ ‬وتستغل‭ ‬ثقافتها‭ ‬وملابسها‭ ‬وصروحها‭ ‬المعمارية،‭ ‬وتقدم‭ ‬عالما‭ ‬غرائبيا‭ ‬فانتازيا‭ ‬لآخر،‭ ‬ولا‭ ‬أنها‭ ‬أمام‭ ‬كاميرا‭ ‬قد‭ ‬تسلب‭ ‬روحها‭ ‬حسب‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الكاميرا‭ ‬تسلب‭ ‬أرواحهم،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬فنانة‭ ‬مرهفة‭ ‬بأصول‭ ‬وعمق‭ ‬مغربيين‭ ‬وتقنيات‭ ‬ودراسة‭ ‬أجنبية‭ ‬وأفق‭ ‬كوني‭ ‬وإنسانوي‭ ‬رحب‭.‬


شاعرة‭ ‬وكاتبة‭ ‬مغربية

مقالات أخرى للكاتب:

  • حبر الأنوثة ودم الكتابة