سيارة‭ ‬جدي‭ ‬الملقب‭ ‬بشريف‭ ‬روما

الجديد  فيصل عبدالحسن [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(122)]

لوحة: ياسر أبو الحرم
‎“قال‭ ‬أبو‭ ‬دحية‭ ‬القاص‭ ‬لتلاميذه‭ ‬ذات‭ ‬يوم: ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬الذئب‭ ‬الذي‭ ‬أَكل‭ ‬يوسف‭ ‬هملاج،‭ ‬فقال‭ ‬له‭ ‬أحدهم‭:‬‮ ‬ولكن‭ ‬الذئب‭ ‬لم‭ ‬يأكل‭ ‬يوسف‭ ‬يا‭ ‬مولانا‭ ‬بل‭ ‬ألقى‭ ‬به‭ ‬إخوته‭ ‬في‭ ‬البئر‭!‬‮ ‬فقال‭ ‬أبو‭ ‬دحية: ‬إذن‭ ‬فـ”هملاج”‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬الذئب‭ ‬الذي‭ ‬لمْ‭ ‬يأكل‭ ‬يوسف‭!!‬”‭.‬

‮(1)

‎ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مغفَّلاً؟‭ ‬هل‭ ‬يضحك؟‭ ‬أيبكي؟ أيتغافل‭ ‬عمّا‭ ‬أصابه؟ أيمضي‭ ‬أيامه‭ ‬في‭ ‬لوم‭ ‬نفسه‭ ‬حتى‭ ‬يموت‭ ‬كمدا؟‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬واعياً‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية،‭ ‬ولولا‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬صار‭ ‬مغفلاً‭ ‬هكذا‭. ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاسئلة‭ ‬ردّدها‭ ‬أبي‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬وعلى‭ ‬الآخرين‭ ‬ليُخفّف‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬أصابه‭ ‬من‭ ‬حَيْف‭.‬

‎لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬بعيني‭ ‬جدّي،‭ ‬ولا‭ ‬بعيون‭ ‬إخوته،‭ ‬ولم‭ ‬يختلِ‭ ‬بزوجته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الأسود،‭ ‬الذي‭ ‬رجع‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬الدار،‭ ‬وقرر‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أبلغ‭ ‬إخوته،‭ ‬وأباه‭ ‬بتلك‭ ‬الفجيعة‭.‬

‎وأخبرهم‭ ‬أيضاً‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬إليهم‭ ‬حتى‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬سرق‭ ‬سيّارة‭ ‬جدي‭ ‬ويعود‭ ‬بها،‭ ‬وسكتوا‭ ‬جميعاً،‭ ‬ولم‭ ‬يثنه‭ ‬أحد‭ ‬عن‭ ‬عزمه‭ ‬مخافة‭ ‬أن‭ ‬تقتله‭ ‬العبرة،‭ ‬والحسرة‭ ‬بين‭ ‬أربعة‭ ‬جدران‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬يلوم‭ ‬نفسه‭ ‬هكذا‭.‬

‎عاد‭ ‬أبي‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬العادي‭ ‬الصاعد‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬رافضاً‭ ‬أن‭ ‬يصطحب‭ ‬أحداً‭ ‬من‭ ‬إخوته،‭ ‬ورفض‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬المتاع‭ ‬الذي‭ ‬أعدّته‭ ‬له‭ ‬جدتي‭ ‬من‭ ‬التمر‭ ‬المديوف‭ ‬بالدهن‭ ‬الحر،‭ ‬والدقيق‭ ‬وحبة‭ ‬الحلوى‭..‬

‎كان‭ ‬يشعر‭ ‬بالاستهانة‭ ‬بنفسه‭ ‬ومتطلبات‭ ‬جسده‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬إخوته‭ ‬أقسموا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬سمعوه‭ ‬يدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يميته،‭ ‬ويريحه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬وروى‭ ‬لنا‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حرقة‭ ‬الغدر‭ ‬به‭ ‬قد‭ ‬أشعلت‭ ‬عليه‭ ‬ملابسه،‭ ‬واضطرته‭ ‬إلى‭ ‬ركوب‭ ‬مركب‭ ‬التشرد‭.‬

‎فأخذ‭ ‬يعمل‭ ‬حمالاً‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الشورجة‭ ‬ببغداد‭ ‬ليلاً،‭ ‬وفي‭ ‬النهار‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬والدروب‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬سيارة‭ ‬جدّي‭ ‬المسروقة‭..‬

‎زار‭ ‬الكراجات‭ ‬ومرآب‭ ‬تفكيك‭ ‬السيارات،‭ ‬وزار‭ ‬مواقف‭ ‬شرطة‭ ‬المرور‭ ‬ليطّلع‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬المقبوضة،‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬الجوامع،‭ ‬وراقب‭ ‬الوجوه‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬طلبته،‭ ‬وزار‭ ‬قبور‭ ‬الأولياء‭ ‬والصالحين‭ ‬طالباً‭ ‬عونهم‭ ‬في‭ ‬محنته‭ ‬الأليمة‭.‬

‎ولم‭ ‬يغب‭ ‬عنه‭ ‬وجه‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬بغداد‭ ‬لم‭ ‬يطالعه،‭ ‬ويتحراه‭ ‬مردداً‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬لَيْتَ‭ ‬الزمان‭ ‬يجود‭ ‬عليّ‭ ‬بمن‭ ‬غدرني‭ ‬فأعلمه‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭ ‬الغدر‭ ‬بالناس،‭ ‬ويريه‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬قوم‭ ‬يبحثون‭ ‬عمّن‭ ‬غدر‭ ‬بهم‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمسهم‭ ‬جناح‭ ‬النصب‭ ‬والإحباط‭ ‬واليأس‭.‬

‎وإنه‭ ‬من‭ ‬قوم‭ ‬ما‭ ‬استكانوا‭ ‬لمغتصب،‭ ‬وما‭ ‬هجعت‭ ‬رؤوسهم‭ ‬على‭ ‬وسائد،‭ ‬وما‭ ‬ضمتهم‭ ‬أفرشة‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬نسائهم‭ ‬مادام‭ ‬مغتصب‭ ‬حقوقهم‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬طليق‭ ‬اليد‭ ‬واللسان،‭ ‬خالي‭ ‬البال‭.‬

‎وأقسم‭ ‬بأن‭ ‬لن‭ ‬يجمعه‭ ‬فراش‭ ‬الراحة‭ ‬والهناء‭ ‬مع‭ ‬امرأة‭ ‬حلالاً‭ ‬أو‭ ‬حراماً‭ ‬ويلمه‭ ‬معها‭ ‬موطن،‭ ‬ويهنأ‭ ‬له‭ ‬رزق‭ ‬حلال‭ ‬أو‭ ‬حرام،‭ ‬مادام‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬قلبه‭ ‬وقلب‭ ‬أبيه‭ ‬حراً‭ ‬طليقاً‭.‬

‎هذا‭ ‬الذي‭ ‬أضاع‭ ‬مستقبل‭ ‬أسرة،‭ ‬ليست‭ ‬أسرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أتعبها‭ ‬بل‭ ‬أهان‭ ‬فخذاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬عشيرة‭ ‬بل‭ ‬عشيرة‭ ‬بكامل‭ ‬أفخاذها‭ ‬وبطونها،‭ ‬من‭ ‬شيخها‭ ‬إلى‭ ‬عبدها‭ ‬ومواليها‭ ‬من‭ ‬الأغراب‭ ‬والباحثين‭ ‬عن‭ ‬حماية‭.‬

‎ودابة‭ ‬المرء‭ ‬حين‭ ‬تسرق‭ ‬كأنما‭ ‬سرق‭ ‬شرف‭ ‬المرء،‭ ‬واستبيح‭ ‬عرضه،‭ ‬وما‭ ‬السيارة‭ ‬إلا‭ ‬دابة‭ ‬هذا‭ ‬العصر،‭ ‬ووسيلته‭ ‬في‭ ‬التنقل،‭ ‬وناقته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬بين‭ ‬الأصائل‭..‬

‎ذهب‭ ‬جدّي‭ ‬إلى‭ ‬إخوته،‭ ‬لتعريفهم‭ ‬بما‭ ‬جرى‭ ‬لسيارته،‭ ‬التي‭ ‬سُرقت‭ ‬من‭ ‬ولده‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وذهبوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬شيخ‭ ‬العشيرة‭.‬

‎كانت‭ ‬عينا‭ ‬الشيخ‭ ‬مصابتين‭ ‬بالرَّمد،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬إرسال‭ ‬موفديه‭ ‬إلى‭ ‬كافة‭ ‬أفخاذ‭ ‬العشيرة‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬والقرى‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬وإلى‭ ‬المدن‭ ‬الأخرى،‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬منها،‭ ‬والعمارة‭ ‬والناصرية،‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬السارق‭ ‬والسيارة‭ ‬المسروقة‭.‬

‎كانت‭ ‬كل‭ ‬عشائر‭ ‬آل‭ ‬محمد،‭ ‬والبيضان‭ ‬والسودان‭ ‬والحمران،‭ ‬وآل‭ ‬أزيرج‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬تعترف‭ ‬لعشيرتنا‭ ‬وشيخها‭ ‬بالكفاءة،‭ ‬والسرعة‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬تسوية‭ ‬قضايا‭ ‬الثأر،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يجرّب‭ ‬أحد‭ ‬كفاءته‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬المسروقات‭ ‬والسارقين،‭ ‬وكانت‭ ‬قضية‭ ‬السيارة‭ ‬المسروقة‭ ‬اختباراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لإمكانياته‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والتقصّي‭ ‬ومعرفة‭ ‬مكان‭ ‬اختباء‭ ‬الجاني‭.‬

‎في‭ ‬البداية‭ ‬هرش‭ ‬شيخ‭ ‬العشيرة‭ ‬لحيته‭ ‬البيضاء،‭ ‬وعدّل‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬الخرقة‭ ‬على‭ ‬عينيه‭ ‬الرَّامدتين،‭ ‬وركز‭ ‬عقاله‭ ‬حول‭ ‬رأسه،‭ ‬وقال‭:‬

‎–‭ ‬إن‭ ‬أمراً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬لم‭ ‬تجرّبه‭ ‬العشيرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

‎وتنهد‭ ‬وبعد‭ ‬قليل‭ ‬أكمل‭:‬

‎–‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المسروق‭ ‬قطيعاً‭ ‬من‭ ‬البقر،‭ ‬لعرفنا‭ ‬كيف‭ ‬نتقصّاه‭ ‬حتى‭ ‬نجده‭ ‬ونعثر‭ ‬على‭ ‬سارقه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬حوافره،‭ ‬وطريقة‭ ‬سرقته،‭ ‬ففينا‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬تمييز‭ ‬الطريقة،‭ ‬ومعرفة‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الفاعل‭ ‬من‭ ‬المعدان‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬العشائر‭ ‬الأخرى‭ ‬الموتورين‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الحضر‭ ‬وسكّان‭ ‬المدن،‭ ‬فلكل‭ ‬واحد‭ ‬طريقته‭ ‬بالسرقة‭! ‬وله‭ ‬أسلوبه‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬الهرب‭ ‬بما‭ ‬سرق،‭ ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬يناسبه‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬ذلك،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬نستدل‭ ‬عليه‭.‬

‎وتنهد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وقال‭ ‬متمنياً‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ثأراً‭ ‬لأرسلنا‭ ‬من‭ ‬يأخذه‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬شيخ‭ ‬العشيرة‭ ‬المطلوبة! ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬رجالها‭ ‬المهمين،‭ ‬تاركين‭ ‬الفاعل‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لأنّ‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬له‭ ‬أمام‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬سنقتص‭ ‬منها‭.‬

‎وسيكون‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬تدفعه‭ ‬العشيرة‭ ‬المطلوبة‭ ‬مضاعفاً‭ ‬بقتل‭ ‬أحد‭ ‬وجهائها‭!‬

‎وضرب‭ ‬كفاً‭ ‬بكف‭ ‬وقال‭:‬

‎–‭ ‬أما‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سيَّارة‭ ‬مسروقة،‭ ‬وسارق‭ ‬حضري‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬البلاد‭ ‬وأزقتها،‭ ‬فهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬فعله‭ ‬إلا‭ ‬المجانين‭.‬

‎وهنا‭ ‬ابتسم‭ ‬وقال‭:‬

‎–‭ ‬ونحن‭ ‬منذ‭ ‬زمان‭ ‬بعيد‭ ‬والعشائر‭ ‬تنعتنا‭ ‬بالجنون‭ ‬والتهور‭ ‬والرّعونة،‭ ‬ومنذ‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ستبحث‭ ‬فيه‭ ‬العشيرة‭ ‬عن‭ ‬السيَّارة‭ ‬المسروقة‭ ‬سنؤكد‭ ‬لهم‭ ‬صدق‭ ‬ما‭ ‬تقولوه‭ ‬عنا‭ ‬وحسبنا‭ ‬الله‭ ‬ونعم‭ ‬الوكيل‭!‬

‎وبهذا‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬فاه‭ ‬به‭ ‬الشيخ،‭ ‬فهم‭ ‬أبناء‭ ‬عمه‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬تقرر‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬السيَّارة‭ ‬المسروقة،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬النتائج،‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الليلة‭ ‬سافر‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬العشيرة‭ ‬الأشداء‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬باحثين‭ ‬عن‭ ‬السيَّارة‭ ‬المسروقة،‭ ‬وفي‭ ‬جيوبهم‭ ‬رقمها‭.‬

‎وقد‭ ‬جرت‭ ‬كتابته‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬بطريقة‭ ‬خاطئة،‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬يصادف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حامل‭ ‬الورقة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وفي‭ ‬ساعة‭ ‬الحاجة،‭ ‬وعند‭ ‬الاشتباه‭ ‬بسيَّارة‭ ‬يكلف‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬قريباً‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬الصبيان‭ ‬والرجال‭ ‬بقراءة‭ ‬الرقم،‭ ‬ومقارنته‭ ‬بالرقم،‭ ‬الذي‭ ‬يحمله،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬دور‭ ‬هؤلاء‭ ‬العشرة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر ‬سوى‭ ‬تبليغ‭ ‬الأخبار‭ ‬لمئات‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬عائلات‭ ‬العشيرة‭ ‬المنتشرين‭ ‬في‭ ‬طول‭ ‬البلاد‭ ‬وعرضها‭.‬

‎ويكتفي‭ ‬هؤلاء‭ ‬بتوجيه‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬أفراد‭ ‬العشيرة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬يحلّون‭ ‬بها‭ ‬ضيوفاً‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬فخذ‭ ‬العشيرة‭ ‬هناك‭.‬

‎وبعد‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬سفرهم‭ ‬بدأت‭ ‬النتائج‭ ‬تظهر‭ ‬أمام‭ ‬دار‭ ‬جدي‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬سيارات‭ ‬كبيرة‭ ‬مخطوفة‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬سيَّارته‭ ‬المفقودة،‭ ‬وداخل‭ ‬كل‭ ‬سيَّارة‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬عشيرتنا‭ ‬الملثّمين‭ ‬باليشماغ‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬وقد‭ ‬وضعوا‭ ‬فوهات‭ ‬مسدساتهم‭ ‬باتجاه‭ ‬رأس‭ ‬السائق‭ ‬المسكين‭.‬

‎طالبين‭ ‬منه‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬دارنا‭ ‬لمعرفة‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬السائق‭ ‬الذي‭ ‬سرقنا،‭ ‬وجعل‭ ‬عشيرتنا‭ ‬أضحوكة‭ ‬أمام‭ ‬العشائر‭ ‬الأخرى‭.‬

‎وتهرع‭ ‬عائلتنا‭ ‬صغيرها‭ ‬وكبيرها‭ ‬لتفحّص‭ ‬رقم‭ ‬السيارة‭ ‬ووجه‭ ‬السائق،‭ ‬والمسكين‭ ‬يتوسل‭ ‬إلى‭ ‬خاطفيه‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬مشيناً‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭.‬‮ ‬وحالما‭ ‬تنتهي‭ ‬عمليات‭ ‬التدقيق‭ ‬برقم‭ ‬السيارة‭ ‬وصاحبها‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬لا‭ ‬ترضينا‭ ‬يطلقون‭ ‬سراح‭ ‬صاحب‭ ‬السيارة‭ ‬مع‭ ‬تعويض‭ ‬مالي‭ ‬يدفعه‭ ‬جدّي‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬السيارة‭ ‬لقاء‭ ‬ما‭ ‬سببه‭ ‬له‭ ‬الخطف‭ ‬من‭ ‬خسائر،‭ ‬وقطع‭ ‬أرزاق‭.‬

‎ولكن‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الاحوال‭ ‬تأبى‭ ‬كرامة‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬تعويضاً‭ ‬مادياً‭ ‬عمّا‭ ‬أصابه‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬بأعقاب‭ ‬المسدسات،‭ ‬والشتائم‭ ‬والمهانة،‭ ‬واتهام‭ ‬باطل‭ ‬بالسرقة،‭ ‬فيرفعون‭ ‬رؤوسهم‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬طالبين‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬الانتقام‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬عشيرتنا‭ ‬وشيخها‭ ‬ومواليها‭ ‬وبطونها‭.‬

‎وبعد‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬السيَّارات‭ ‬المختطفة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سيَّارات،‭ ‬ودون‭ ‬فائدة‭ ‬تذكر،‭ ‬وكان‭ ‬السائقون‭ ‬يتواصلون‭ ‬بينهم‭ ‬ويروون‭ ‬قصصاً‭ ‬خرافية‭ ‬عمّا‭ ‬أصابهم‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬رجال‭ ‬عشيرتنا‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬المهانة‭ ‬والعنف‭.‬

‎فصار‭ ‬الواحد‭ ‬من‭ ‬السائقين‭ ‬لا‭ ‬يشغل‭ ‬محرك‭ ‬سيَّارته‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬مسدس‭ ‬معبأ‭ ‬بالعتاد‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬سيَّارته‭ ‬لرد‭ ‬غارات‭ ‬عشيرتنا‭ ‬وعلى‭ ‬لسانه‭ ‬شتيمة‭ ‬للصوص‭ ‬أبناء‭ ‬اللصوص‭.‬

‎وخلال‭ ‬ذلك‭ ‬الشهر‭ ‬من‭ ‬الخطف‭ ‬والترحيل‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬جدي‭ ‬الكبيرة‭ ‬وقعت‭ ‬مصادمات‭ ‬عنيفة‭ ‬بين‭ ‬رجالنا،‭ ‬والسائقين‭ ‬ووقع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭.‬

‎وازداد‭ ‬دعاء‭ ‬المظلومين‭ ‬على‭ ‬شيخ‭ ‬عشيرتنا،‭ ‬فأصيب‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأربعين‭ ‬من‭ ‬رمده‭ ‬واليوم‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬خطف‭ ‬السيَّارات‭ ‬بالعمى‭ ‬التام‭!‬

‎ولم‭ ‬يعد‭ ‬يميز‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬فاضطرت‭ ‬العشيرة،‭ ‬وبجلسة‭ ‬طويلة‭ ‬مفعمة‭ ‬بالصراخ‭ ‬والسباب‭ ‬والاتّهامات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بالغباء،‭ ‬وقلة‭ ‬النخوة،‭ ‬والشهامة‭ ‬وسوء‭ ‬التدبير،‭ ‬واللصوصية‭ ‬إلى‭ ‬تنحيته‭ ‬عن‭ ‬مشيخة‭ ‬عشيرتنا‭ ‬لصالح‭ ‬ابنه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬الصلاحية‭ ‬الشرعية‭ ‬لقيادة‭ ‬مركب‭ ‬أولاد‭ ‬عمه‭ ‬وعشيرته‭.‬

‎وحسبما‭ ‬تنص‭ ‬قوانين‭ ‬العشائر‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬توفّر‭ ‬السلامة‭ ‬البدنية‭ ‬والعقلية‭ ‬لشيخ‭ ‬العشيرة،‭ ‬وكما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬زاير‭ ‬عاتي،‭ ‬وبمجيء‭ ‬ابنه،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‮ ‬‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬يستنكف‭ ‬أفراده‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬اليشماغ‭ ‬والعقال‭ ‬على‭ ‬الرأس،‭ ‬وكان‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يفرق‭ ‬شعره‭ ‬بمشط‭ ‬الخشب‭ ‬من‭ ‬مفرق‭ ‬الرأس،‭ ‬ويزيته‭ ‬بزيت‭ ‬نباتي،‭ ‬ويرفض‭ ‬لبس‭ ‬العباءة‭ ‬الجوخ‭ ‬والصاية‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬سرواله‭ ‬القطني‭ ‬الأبيض‭ ‬الطويل‭..‬

(2)

‬‎في‭ ‬بداية‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬‭(‬الابن‭ ‬الميمون‭)‬‭ ‬أمر‭ ‬بتوقيف‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬الجارية‭ ‬عن‭ ‬سيَّارة‭ ‬جدّي‭ ‬التي‭ ‬كلفت‭ ‬العشيرة‭ ‬خيرة‭ ‬رجالها‭ ‬توقيفاً‭ ‬في‭ ‬أقسام‭ ‬الشرطة،‭ ‬والمستشفيات‭.‬

‎وطلب‭ ‬طيَّ‭ ‬صفحة‭ ‬الماضي‭ ‬المخجل،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬شرطة‭ ‬المرور‭ ‬للبحث‭ ‬عمّا‭ ‬ضاع‭ ‬منهم،‭ ‬وأخبر‭ ‬جدّي‭ ‬لتلطيف‭ ‬وقع‭ ‬الأمر‭ ‬الجديد‭ ‬عليه‭ ‬بأنهم‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لجمع‭ ‬المال‭ ‬اللازم‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬العشيرة‭ ‬لشراء‭ ‬سيارة‭ ‬تماثل‭ ‬المسروقة،‭ ‬وإعطائها‭ ‬لجدّي،‭ ‬وإنهاء‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬الدامي،‭ ‬الذي‭ ‬لطّخ‭ ‬سمعة‭ ‬العشيرة‭ ‬بأردأ‭ ‬النُعُوت‭ ‬وجرَّ‭ ‬رجالنا‭ ‬إلى‭ ‬أسوا‭ ‬العواقب‭.‬

‎فنظر‭ ‬جدّي‭ ‬إليه‭ ‬باحتقار‭ ‬شديد،‭ ‬وفي‭ ‬ذهنه‭ ‬أنه‭ ‬شاب‭ ‬ناعم‭ ‬أفسدته‭ ‬المدارس،‭ ‬وعلّمته‭ ‬تمشيط‭ ‬شعره‭ ‬بالزيت،‭ ‬مثلما‭ ‬تفعل‭ ‬البنات،‭ ‬وأطرق‭ ‬الشيخ‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬ضريراً،‭ ‬ولا‭ ‬حَوْل‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬رأي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬العشيرة،‭ ‬وقال‭ ‬جدّي‭ ‬بصوته‭ ‬الجهوري‭ ‬ليسمعه‭ ‬الجميع‭:‬

‎–‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬لجمع‭ ‬الصدَّقات‭ ‬من‭ ‬أولاد‭ ‬عمه‭ ‬وعشيرته،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الحادث‭ ‬قضاءً‭ ‬وقدراً‭ ‬لاشترى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬سيارتين،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحك‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬لحيته‭ ‬أو‭ ‬يستشيرهم‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬لكنهم‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المهانين‭ ‬المعتَدى‭ ‬عليهم،‭ ‬وسيشجع‭ ‬خنوعهم‭ ‬العشائر‭ ‬الباقية‭ ‬على‭ ‬هضم‭ ‬حقوقهم،‭ ‬والاستهانة‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬حدِّ‭ ‬تلفيق‭ ‬النكات‭ ‬والمفارقات‭ ‬الضاحكة‭ ‬بحق‭ ‬وجهائهم‭ ‬وكبرائهم‭.‬

‎وترك‭ ‬المجلس‭ ‬العشائري‭ ‬المنعقد‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬أزمته‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬له‭ ‬ومؤيد‭ ‬لشيخ‭ ‬العشيرة‭ ‬الجديد،‭ ‬وخرج‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلقي‭ ‬بتحية‭ ‬الوداع‭ ‬على‭ ‬أهله‭ ‬وأولاد‭ ‬عمه،‭ ‬ولكن‭ ‬الشيخ‭ ‬الجديد‭ ‬ملس‭ ‬شعر‭ ‬رأسه‭ ‬المفروق‭ ‬من‭ ‬الوسط‭ ‬بكلتا‭ ‬كفيه‭ ‬وضحك‭ ‬بعد‭ ‬انصراف‭ ‬جدي‭ ‬وقال‭:‬

‎–‭ ‬يريد‭ ‬عمنا‭ ‬يحفظه‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬بعقولنا‭ ‬القديمة،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬تطور،‭ ‬وأصبحنا‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬أفواه‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬فرط‭ ‬حمقنا‭ ‬أضحوكة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

‎وبقي‭ ‬جدّي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬يلف‭ ‬لفافات‭ ‬التبغ‭ ‬ويحرقها‭ ‬مالئاً‭ ‬صدره‭ ‬بذلك‭ ‬الدخان‭ ‬الأزرق،‭ ‬الذي‭ ‬يتصاعد‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬خارجاً‭ ‬من‭ ‬فمه،‭ ‬وأنفه‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬سحابات‭ ‬من‭ ‬الغيظ‮ ‬‭ ‬المنطفئ،‭ ‬وجدَّتي‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬إلقاء‭ ‬المُطَّال،‭ ‬في‭ ‬الكانون،‭ ‬لغرض‭ ‬زيادة‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الموقد‭ ‬لتسخين‭ ‬القهوة‭ ‬والشاي‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر،‭ ‬لمجاراة‭ ‬ذلك‭ ‬الغضب‭ ‬الساحق،‭ ‬الذي‭ ‬يموج‭ ‬به‭ ‬صدر‭ ‬جدّي‭.‬

‎وكان‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬يتحدث‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬بصوت‭ ‬عال،‭ ‬كأنما‭ ‬لايزال‭ ‬ذلك‭ ‬الاجتماع‭ ‬العشائري‭ ‬منعقداً،‭ ‬وهو‭ ‬يصول‭ ‬فيه‭ ‬ويجول‭ ‬مثل‭ ‬الفرس‭ ‬الرهوان،‭ ‬وحين‭ ‬يلتفت‭ ‬ولا‭ ‬يرى‭ ‬غير‭ ‬زوجته‭ ‬بحزنها‭ ‬الأبدي،‭ ‬وانعقاد‭ ‬حاجبيها،‭ ‬كأنما‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬البكاء‭ ‬لا‭ ‬تتكلم،‭ ‬ولا‭ ‬تعلّق‭ ‬بكلمة‭ ‬أثناء‭ ‬ساعات‭ ‬ضيقة،‭ ‬مكتفية‭ ‬بتحريك‭ ‬دلال‭ ‬القهوة،‭ ‬وإبريق‭ ‬الشاي‭ ‬المسودّ،‭ ‬وتجمع‭ ‬حولها‭ ‬بالمنكاش‭ ‬جمرات‭ ‬النار،‭ ‬فيصرخ‭ ‬بها‭:‬

‎–‭ ‬القهيوة‭ ‬يا‭ ‬ابنة‭ ‬الأخيار‭..‬

‎وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬جدَّتي‭ ‬تجاوزت‭ ‬الستين‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬النداء‭ ‬عليها‭ ‬واصفاً‭ ‬إياها‭ ‬بالصبية‭ ‬الصغيرة‭ ‬الجميلة‭ ‬الحَبّابة‭.‬

‮ ‬( 3 )

‬‎عاد‭ ‬أبي‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬بعد‭ ‬مدة‭ ‬تشرد‭ ‬دامت‭ ‬طويلاً،‭ ‬لم‭ ‬يسأله‭ ‬أحد‭ ‬أين‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬فعل،‭ ‬وأمّي‭ ‬التي‭ ‬تجللت‭ ‬بالسواد‭ ‬طيلة‭ ‬تلك‭ ‬المدة‭ ‬التي‭ ‬فارق‭ ‬بها‭ ‬أبي‭ ‬البيت‭ ‬ظهرتْ‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬الذابل‭ ‬ابتسامة،‭ ‬وبدت‭ ‬فرحة‭ ‬مشدودة‭ ‬إلى‭ ‬حلم‭ ‬ما،‭ ‬وهي‭ ‬تضع‭ ‬قدر‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬البريمز‭ ‬الضخم‭ ‬استعداداً‭ ‬لتسخين‭ ‬الماء‭ ‬لاستحمام‭ ‬أبي‭.‬

‎كان‭ ‬جدّي‭ ‬في‭ ‬مشراقة‭ ‬البيت،‭ ‬مستمتعا‭ ‬بأشعة‭ ‬الشمس،‭ ‬وبيده‭ ‬ماكينة‭ ‬حلاقة‭ ‬يدوية‭ ‬قديمة،‭ ‬وهو‭ ‬يحلق‭ ‬لحيته،‭ ‬ويجعل‭ ‬هيئتها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مثلث‭ ‬متساوي‭ ‬الساقين،‭ ‬متتبعاً‭ ‬آخر‭ ‬تقليعة‭ ‬للّحى‭ ‬عند‭ ‬الشيوخ‭ ‬كانت‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنة‭.‬

‎ارتجفت‭ ‬كفا‭ ‬جدتي،‭ ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬ابنها‭ ‬مقبلاً‭ ‬دافعاً‭ ‬باب‭ ‬الصفيح‭ ‬الخارجي‭ ‬على‭ ‬سعة‭ ‬الفتحة‭ ‬بملابسه‭ ‬القديمة‭ ‬المرقعة،‭ ‬وعليه‭ ‬تلك‭ ‬السترة‭ ‬العتيقة‭ ‬التي‭ ‬اشتراها‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أسواق‭ ‬بغداد‭ ‬للأشياء‭ ‬المستعملة‭.‬

‎وبدا‭ ‬عليه‭ ‬أنه‭ ‬كبر‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭..‬‮ ‬كنت‭ ‬جالساً‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬جدي‭ ‬في‭ ‬المشراقة‭ ‬أسمع‭ ‬أصوات‭ ‬شهقات‭ ‬جدتي،‭ ‬وهي‭ ‬تحتضن‭ ‬أبي‭ ‬وتقبله‭..‬‮ ‬جدي‭ ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬ابنه‭ ‬قال‭ ‬ضاحكاً‭:‬

‎–‭ ‬ها‭ ‬هو‭ ‬أبوك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فارساً‭ ‬صنديداً‭ ‬كما‭ ‬تركنا،‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬لتقبيل‭ ‬يديه‭ ‬اذهب‭ ‬وانظر‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الدار‭ ‬إلى‭ ‬الطريق.. ‬هل‭ ‬استعاد‭ ‬سيارتي‭ ‬المسروقة‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬أضاف‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العار‭ ‬لعائلتنا‭ ‬بتشرده‭ ‬طوال‭ ‬الشهور‭ ‬الماضية؟

‎لم‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬باتجاه‭ ‬أبي،‭ ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬غريباً،‭ ‬ولا‭ ‬أعرفه،‭ ‬ومازلت‭ ‬أتذكر‭ ‬أني‭ ‬فكرت‭ ‬لحظتها،‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬كبرت‭ ‬مثله،‭ ‬وتزوجت‭ ‬امرأة‭ ‬كأمّي،‭ ‬وتساءلت،‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬مثله‭ ‬بهذه‭ ‬اللحية‭ ‬السوداء‭ ‬النامية‭ ‬بكثافة،‭ ‬وذاك‭ ‬الشارب‭ ‬الكثّ،‭ ‬والشعر‭ ‬الملفوف‭ ‬كالأسلاك‭ ‬الرفيعة‭ ‬المجدولة،‭ ‬وتلك‭ ‬الحدبة‭ ‬الصغيرة‭ ‬الظاهرة‭ ‬بين‭ ‬الكتفين؟

‎في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬كرهت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬بقذارته،‭ ‬ويأسه‭ ‬وحزنه‭ ‬وفقره‭ ‬الظاهر،‭ ‬وعدم‭ ‬مقدرته‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وقت‭ ‬الفشل،‭ ‬كرهتُ‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مثله‭ ‬تاركاً‭ ‬امرأتي‭ ‬وابني‭ ‬طيلة‭ ‬تلك‭ ‬الشهور‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬يسمونه‭ ‬سيارة‭ ‬مسروقة‭!‬

‎ولم‭ ‬أكن‭ ‬أفهم‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬المعاني‭ ‬الكبيرة‭ ‬المترددة‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الكبار،‭ ‬حول‭ ‬الشرف‭ ‬والعار،‭ ‬ونظرات‭ ‬الشماتة‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الأعداء،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬أخذني‭ ‬أبي‭ ‬والفرحة‭ ‬تطل‭ ‬من‭ ‬عينيه،‭ ‬وهو‭ ‬يرفعني‭ ‬إلى‭ ‬صدره‭ ‬صارخاً‭ ‬بفرح‭ ‬حقيقي‭:‬

‎–‭ ‬ابني‭ ‬صار‭ ‬كبيراً‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬أستطيع‭ ‬حمله‭!‬

‎كانت‭ ‬أمّي‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬الدار،‭ ‬وبيدها‭ ‬مغرفة‭ ‬الطعام،‭ ‬والحشد‭ ‬العظيم‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬عمومتي‭ ‬الصغار،‭ ‬ونساء‭ ‬أعمامي‭ ‬وأعمامي‭ ‬الكبار،‭ ‬والصغار‭ ‬يركضون‭ ‬صاخبين‭ ‬باتجاه‭ ‬القادم‭.‬

‎شعرت‭ ‬بقلب‭ ‬أبي‭ ‬ينبض‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬قلبي‭ ‬عندما‭ ‬رفعني‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬بصعوبة،‭ ‬واحتضنني،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الضاجة‭ ‬بالحنين‭ ‬غفرتُ‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مثل‭ ‬جدتي،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تخفِ‭ ‬فرحتها،‭ ‬واشترت‭ ‬بما‭ ‬ادّخرت‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬عجلاً‭ ‬سميناً‭.‬

‎وقدم‭ ‬جدي‭ ‬خروفين‭ ‬من‭ ‬خرافه‭ ‬التي‭ ‬يرعى‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬أولاد‭ ‬عمي‭ ‬في‭ ‬مزابل‭ ‬المدينة،‭ ‬وأطراف‭ ‬المزارع،‭ ‬ووجّه‭ ‬جدي‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬أفراد‭ ‬عشيرتنا،‭ ‬والجيران‭ ‬واستثنى‭ ‬شيخ‭ ‬العشيرة،‭ ‬قائلاً‭ ‬لمن‭ ‬سأله‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬دعوته‭ ‬للشيخ‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬يفرق‭ ‬شعره‭ ‬بالمشط‭ ‬من‭ ‬الوسط،‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الصبيات،‭ ‬ويدهن‭ ‬شعره‭ ‬بالزيت‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬الجلوس‭ ‬مع‭ ‬الرجال‭!‬

‎وذهبت‭ ‬مقولة‭ ‬جدي‭ ‬بحق‭ ‬الشيخ‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬بطون‭ ‬العشائر‭ ‬وبيوتها،‭ ‬وتناقلها‭ ‬الأفراد،‭ ‬كما‭ ‬يفعلون‭ ‬مع‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجيد،‭ ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات،‭ ‬التي‭ ‬قالها‭ ‬جدي‭ ‬بالقضاء‭ ‬تماماً‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬ذلك‭ ‬الشيخ‭ ‬بين‭ ‬العشائر،‭ ‬وصار‭ ‬أضحوكة،‭ ‬ولم‭ ‬يحترم‭ ‬كلمته‭ ‬أحد‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ونظر‭ ‬إليه‭ ‬شيوخ‭ ‬العشائر‭ ‬حين‭ ‬التقوا‭ ‬به‭ ‬أثناء‭ ‬عقد‭ ‬الفصول‭ ‬والحشوم‭*‬‭ ‬والأفراح‭ ‬والمعازي‭ ‬نظرتهم‭ ‬إلى‭ ‬مدّع،‭ ‬وبدعة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬البدع‭ ‬التي‭ ‬يبتلي‭ ‬بها‭ ‬الله‭ ‬العشائر‭ ‬بين‭ ‬وقت‭ ‬وآخر،‭ ‬ليجرّب‭ ‬إيمانهم‭ ‬وصبرهم،‭ ‬وتمسكهم‭ ‬بدينهم‭ ‬الحنيف،‭ ‬وأعرافهم‭ ‬العشائرية‭.‬

‎وأقسم‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬مدَّ‭ ‬أيديهم‭ ‬لمصافحته‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الضرورة‭ ‬القصوى،‭ ‬وإذا‭ ‬فعلوا‭ ‬ذلك‭ ‬عمدوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬غسل‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬صافحته‭ ‬أربعين‭ ‬مرة،‭ ‬لمسح‭ ‬نجاسته،‭ ‬والتي‭ ‬أشاعوا‭ ‬أنها‭ ‬تبطل‭ ‬الصلاة‭!‬

‮‬‭(‬‭ ‬4‭ ‬‭)‬

‎ظهر‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتفال‭ ‬الكبير،‭ ‬الذي‭ ‬أقامه‭ ‬جدي‭ ‬بمناسبة‭ ‬رجوعه‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬بعد‭ ‬تشرده‭ ‬الطويل‭ ‬بثياب‭ ‬بيض‭ ‬جديدة،‭ ‬وعقال‭ ‬أسود‭ ‬رفيع‭ ‬ويشماغ‭ ‬أحمر،‭ ‬بوجه‭ ‬حليق‭ ‬ذابل‭ ‬تبرز‭ ‬منه‭ ‬عظام‭ ‬الفكين،‭ ‬كأنما‭ ‬عانى‭ ‬طويلاً‭ ‬من‭ ‬جوع‭ ‬وحرمان‭ ‬مريرين‭.‬

‎لن‭ ‬أنسى‭ ‬شكله‭ ‬ذاك‭ ‬أبداً،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬جاءني‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬النوم،‭ ‬كملاك‭ ‬أبيض‭ ‬له‭ ‬أجنحة‭ ‬كثيرة،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الصورة،‭ ‬التي‭ ‬طلّ‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬المدعوين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬البعيد‭.‬

‎وفي‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬أصداؤها‭ ‬في‭ ‬رأسي‭ ‬غنّى‭ ‬الموهوبون‭ ‬بالغناء‭ ‬من‭ ‬عشيرتنا‭ ‬أغنيات‭ ‬جنوبنا‭ ‬الحزينة‭ ‬عن‭ ‬الفراق،‭ ‬وحكوا‭ ‬في‭ ‬إحداها‭ ‬عن‭ ‬مفاخر‭ ‬جدي،‭ ‬الذي‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬مع‭ ‬محمد‭ ‬العريبي،‭ ‬أكبر‭ ‬إقطاعيي‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الملكي،‭ ‬واستطاع‭ ‬أن‭ ‬يصرع‭ ‬مصارعي‭ ‬روما‭ ‬في‭ ‬“المصارعة‭ ‬الزيتية”،‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬يُغمر‭ ‬فيها‭ ‬المتصارعون‭ ‬أجسادهم‭ ‬وملابسهم‭ ‬بالزيت،‭ ‬والفائز‭ ‬بالبطولة‭ ‬يُلقب‭ ‬بـ”باش‭ ‬بهيلوان”،‭ ‬لكن‭ ‬جدي‭ ‬لم‭ ‬يلقب‭ ‬بهذا‭ ‬اللقب،‭ ‬لأنه‭ ‬بعد‭ ‬فوزه‭ ‬الكبير‭ ‬ذاك،‭ ‬كافأوه‭ ‬بثلاث‭ ‬نساء‭ ‬متبرّعات،‭ ‬ليقضي‭ ‬ليلته‭ ‬معهن،‭ ‬حسب‭ ‬تقاليد‭ ‬أهل‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان،‭ ‬لكنه‭ ‬رفض‭ ‬اصطحابهن‭ ‬إلى‭ ‬غرفته‭ ‬بالفندق‭ ‬ورعاً‭ ‬وخوفاً‭ ‬من‭ ‬الله،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬سُمّي‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬العشيرة‭ ‬بشريف‭ ‬روما‭.‬

‎وحكت‭ ‬الأغنية‭ ‬عن‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬للحظة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬فورة‭ ‬الحياة‭ ‬وديمومتها،‭ ‬وعن‭ ‬جمال‭ ‬نسائنا‭ ‬وألحاظهن‭ ‬القاتلة،‭ ‬وإخلاصهن‭ ‬العبودي‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬وعودهن‭ ‬لأحبابهن،‭ ‬وعن‭ ‬حماية‭ ‬العشيرة‭ ‬للدخيل،‭ ‬وعدم‭ ‬خوفنا‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬ومداعبتنا‭ ‬لأهدابه‭ ‬كل‭ ‬يوم‮ ‬‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬حياتنا‭..‬

‎كانت‭ ‬أمي‭ ‬مسرورة‭ ‬بذلك‭ ‬الاحتفال‭ ‬بعودة‭ ‬زوجها،‭ ‬وقد‭ ‬لبست‭ ‬أجمل‭ ‬ثيابها،‭ ‬وغسلت‭ ‬شعرها‭ ‬من‭ ‬الحناء،‭ ‬وعطّرت‭ ‬ثيابها‭ ‬بالبخور،‭ ‬ورأيت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬أبي‭ ‬شبح‭ ‬ابتسامة‭ ‬مستدقة‭ ‬على‭ ‬شفتيها‭.‬

‎وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬ضبطت‭ ‬جدتي‭ ‬ابن‭ ‬عمي‭ ‬مرهون،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬شيطنة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أبناء‭ ‬أعمامي‭ ‬قاطبة،‭ ‬أثناء‭ ‬نقل‭ ‬طعام‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬المدعوين،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬جالساً‭ ‬فوق‭ ‬سور‭ ‬البيت،‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬البوابة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬منها‭ ‬الرجال،‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬على‭ ‬رؤوسهم‭ ‬صحاف‭ ‬الطعام‭ ‬المعدنية‭ ‬الواسعة،‭ ‬فيعمد‭ ‬إلى‭ ‬سرقة‭ ‬قطع‭ ‬اللحم‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬تل‭ ‬الأرز،‭ ‬ويضعها‭ ‬في‭ ‬قدر‭ ‬وضعه‭ ‬في‭ ‬حضنه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬أحد‭.‬

‎وبعد‭ ‬أن‭ ‬يمتلئ‭ ‬قدره‭ ‬يفرغه‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬أصحابه،‭ ‬وقفوا‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬الاحتفال‭ ‬متظاهرين‭ ‬بعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬يجري،‭ ‬لكنهم‭ ‬يزدردون‭ ‬بأكفهم‭ ‬غير‭ ‬المغسولة،‭ ‬ما‭ ‬غنموه‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬مرهون‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬بفظاظة‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬جيراننا‭ ‬المعدان‭ ‬في‭ ‬الولائم‭.‬

‎أمسكت‭ ‬به‭ ‬جدتي،‭ ‬وهو‭ ‬يسرق‭ ‬أكبر‭ ‬قطعة‭ ‬لحم،‭ ‬وحاول‭ ‬أن‭ ‬يفلت‭ ‬من‭ ‬قبضتها‭ ‬الحديدية‭ ‬فوق‭ ‬السور،‭ ‬وبيده‭ ‬قدر‭ ‬المسروقات،‭ ‬ولشدة‭ ‬ارتباكه‭ ‬وقع‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬السور‭ ‬فوق‭ ‬رأس‭ ‬أحد‭ ‬أولئك‭ ‬الأوغاد‭ ‬الصغار،‭ ‬فشج‭ ‬القدر‭ ‬رأس‭ ‬الصبي،‭ ‬وأخذ‭ ‬الدم‭ ‬يسيل‭ ‬من‭ ‬رأسه‭.‬

‎كان‭ ‬منظر‭ ‬الصبي‭ ‬وهو‭ ‬مشجوج‭ ‬الرأس،‭ ‬والدم‭ ‬يسيل‭ ‬على‭ ‬ثوبه‭ ‬القديم‭ ‬يذيب‭ ‬أكثر‭ ‬القلوب‭ ‬قسوة،‭ ‬وفي‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الصبي‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭.‬‮ ‬‭ ‬فحنَّ‭ ‬قلب‭ ‬جدتي‭ ‬عليه‭ ‬واصطحبته‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الدار،‭ ‬وغسلت‭ ‬جرحه‭ ‬من‭ ‬الدم،‭ ‬وأحرقت‭ ‬قطعة‭ ‬قماش،‭ ‬وأطفأتها‭ ‬ووضعت‭ ‬ذلك‭ ‬الرماد‭ ‬على‭ ‬جرحه،‭ ‬فتوقف‭ ‬سيل‭ ‬الدم،‭ ‬وأمرتْ‭ ‬له‭ ‬بطعام‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬اللحم‭.‬

‎وما‭ ‬زلتُ‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬ذلك‭ ‬الصغير‭ ‬يزدرد‭ ‬قطع‭ ‬اللحم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مضغ،‭ ‬والدموع‭ ‬تسيل‭ ‬من‭ ‬عينيه‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬جرح‭ ‬رأسه،‭ ‬ومخاطه‭ ‬يسيل‭ ‬من‭ ‬أنفه‭ ‬مختلطاً‭ ‬بخيط‭ ‬متقطع‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬والدم،‭ ‬مقرفصاً،‭ ‬كالمتسول‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬الدار،‭ ‬ورؤوس‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬أوغاد‭ ‬المدينة‭ ‬الصغار،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يحاولون‭ ‬تسلق‭ ‬سور‭ ‬بيتنا‭ ‬لرؤية‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬لصاحبهم‭ ‬الذي‭ ‬شُج‭ ‬رأسه‭.‬

‎وحين‭ ‬رأوا‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬عليها،‭ ‬أخذوا‭ ‬يطلقون‭ ‬صيحات‭ ‬الحسد،‭ ‬والتمني‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يحلّوا‭ ‬محله،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كلفهم‭ ‬ذلك‭ ‬قطع‭ ‬رؤوسهم،‭ ‬وليس‭ ‬شجها‭ ‬فقط،‭ ‬وأحدهم‭ ‬صرخ‭: ‬هنيئا‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬عم‭ ‬باللحمة‭ ‬الهنيئة،‭ ‬ويا‭ ‬ليتنا‭ ‬كنا‭ ‬معك‭ ‬مولاي‭..‬‮ ‬ألف‭ ‬عافية‭.‬‮ ‬

‎‭**‬‭ ‬الفصول‭ ‬والحشوم: ‬مفردها‭ ‬فصل‭ ‬وحشم،‭ ‬وهو‭ ‬المال‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬دية‭ ‬عن‭ ‬مقتول‭ ‬أو‭ ‬تعويضاً‭ ‬عن‭ ‬خسارة.


كاتب من العراق مقيم في المغرب