العقلانية طريقة حياة

يمكن أن يقول المرء في العقلانية ما يشاء، ويبدع من المفاهيم ما لذّ وطاب، ويبحر في محيطات الكتب ويذكر من أسماء الأعلام ما قرأ وما لم يقرأ. كما يمكن أن يتفلسف ويختار عقلانية ما لبلده أو للوطن العربي برمّته، ويمكن حتى إقناعنا لفظيا بأنّ هناك عقلانيات متعدّدة لا عقلانية واحدة.

الجديد  حميد زناز [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(37)]

لوحة: أسامة بعلبكي
ولكن هل ذاك ينفع الناس ويؤسّس لشيء ما؟ هل يقطع التنظير وكثرة الكلام مع اللاعقلانية التي تنخر حياة الناس وتعطّل حياتهم وتقف حجر عثرة أمام دخولهم في العصر؟ ولئن وجدنا تمجيدا نظريا معيّنا للعقلانية في الوطن العربي، فإننا لا نجد لذلك ترجمة سلوكية على أرض الواقع. فهل تكفي دروس في العقلانية ما لم تعزّز بسلوك عقلانيّ حاسم؟ ما هو أخطر هو محاولة عقلنة اللامعقول إذ كثيرا ما يعكّر ذلك صفو العقل ويحوّل الإنسان إلى كائن مستلب، ممزّق تتنازع في داخله العلوم العقلية التي تلقى منهجيا والعقائد التي ورثها من الآباء تلقائيا. فلا هو يعيش وفقا للموروث كليا ولا هو تبنّى منطق الحداثة العقلانية. وهكذا يبقى الفرد المسلم في منزلة بين منزلتين إذ لم يحسم الصراع بين العقل والنقل، بل لا يريد أن يحسمه أصلا مستنجدا بابن رشد الفيلسوف. ألم يوفّق جدّه أبو الوليد بينهما؟

ولكن ينسى المسلم الأخير أنّ هذه المحاولة اليائسة هي التي حرمت العرب من الخروج من أسر الأيديولوجية الإسلامية وأغلقت باب الحداثة في وجوههم. فمحنة العقلانية العربية جاءت من ذلك الوهم القائل بإمكانية الجمع بين العقلانية واللاعقلانية. ما موقف الإنسان البسيط حينما يرى مهندسين وأطباء وأساتذة فلسفة يرتادون المساجد ويسبّحون ويحمدلون ويقبّلون حجرا أسود؟ هل يقدم المتعلّم العربي المثال الذي يحتذى به؟ كيف لا يتشبّث البسطاء من الناس بالغيب حينما يرون النخبة تؤمن بالدعاء وترفع الأيدي متضرّعة للسماء؟ بتعبير شوبنهاور، أليسوا كهؤلاء العمالقة الذين ينتعلون أحذية أقزام؟ ألم يحن الوقت للاعتراف أنّ العقلانية لم تكن سوى شطحات عابرة في الفكر الإسلامي قديمه وحديثه وأن اللاعقلانية هي جوهره ومنهجه ومبتغاه؟

ستصبح الدعوة للعقلانية مجرّد ثرثرة إن لم تقرن بتصرّفات يومية ملموسة تعطي مع الوقت تراكما عقلانيا قد ينتج وثبة نوعية يمكن أن تغيّر ذهنية الفرد والمجتمع بشكل عامّ. العقلانية هي ما بعد اللاهوت، هي أوّلا وقبل كل شيء تحرّر من قبضة الفقه وهيمنة التقليد وسلطة المقدّس.

تكمن معضلة العقلانية العربية في المعادلة المفقودة التالية: لا يعيش “العقلانيون” كما يفكّرون. فكأنهم يفرضون على أنفسهم العيش في سريّة أبدية وكان الأحرى بهم أن يعيشوا كما يفكّرون، ولو فعلوا لكانوا قد خرجوا من حالة الفصام المزمنة ودخلوا مملكة العقلانية ولكانوا جرّوا معهم الكثير من مواطنيهم. هل يبقى عقلانيا من يمارس همجية الختان على ابنه إرضاء لوالديه ومحيطه وهو يعرف أنها عادة بدائية مشينة؟ وهل من العقلانية في شيء أن تصبّ أغلبية حاملي الأقلام جام نقدها على ختان البنات بينما لا تنبس ضدّ ختان الأولاد ببنت شفة؟ هل هي أنتلجنسيا تلك “النخبة” المتمسّكة تمسّكا مرضيا بتقاليد ونصوص فاق عمرها الـ15 قرنا؟ ما علاقة العقلانية بتلك الزوائد الدودية في خطاب القوم المتعقلنين: إن شاء الله، بقدرة الله، بنصر الله، باسم الله..؟ هل هو عقلاني، بيطري يشرف على ذبح بربريٍّ للحيوانات؟ هل هو عقلانيّ من يقبل أن تذبح دون تخدير ولا يتأثّر بألمها والخنجر يسري في أعناقها وهي حيّة تتعذّب بدعوى أنّ الإسلام يأمر بذلك؟ وربما نفس الشخص يتحفك بخطبة عصماء حول دين الرحمة والعقل! هل يمتّ إلى العقلانية بصلة ذلك الامتناع الذي لا مبرّر له عن الأكل والشرب نهارا مدّة شهر كامل؟ وهل يبقى طبيبا من لا يجد في ذلك ضررا ولا يرى في ذلك العنف الممارس على الجسد والنفس ابتعادا عن العلم والعقل؟ هل من العقل أن تفرض جماعة دينية حدادا على أفرادها كل عام وتمارس الجلد الذاتي العنيف دون أدنى اعتبار لبراءة الأطفال الذين يشاهدون؟ كيف يمكن الجمع بين عقلانية متبجّح بها ومعتقدات مستحيلة رياضيا ومقززة أخلاقيا؟

مثلها مثل الحرية والديمقراطية، للعقلانية ثمن أيضا.. إذ من الواضح أنه من الأريح للإنسان أن يكون لا عقلانيا في البلدان العربية الحالية، بل من الأسهل أن يكون حتى أصوليا متزمتا. وحده العقلاني يقاوم، أفقيا وعموديا. يتصارع مع السلطة القائمة والثقافة اللاعقلانية السائدة وأسسها الرمزية ومرجعيّاتها المقدسة. وعليه أن يدفع الثمن. وربما ذلك هو الطريق الوحيد الكفيل ببناء أمن عقلانيّ عربيّ يخرجنا من عصر “إبطال الفلسفة وفساد منتحليها”.


كاتب من الجزائر مقيم في باريس