الكاتب الضائع في لحظة الدم

قراءة في ملف "الحرائق تكتب والروائيون يتساءلون " المنشور في "الجديد" العدد 15 آذار/مارس 2016

الجديد  مفيد نجم [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(46)]

لوحة: حليم الأحمد
شكل الملف الواسع الذي نشرته مجلة الجديد تحت عنوان "الحرائق تكتب والروائيون يتساءلون" وشارك فيه أكثر من مائة روائي وروائية مناسبة هامة للوقوف على ما يفكر به الكتاب والكاتبات العرب في لحظة الدم العربي المستباح، وما تنطوي عليه مواقفهم عن الكتابة عنها، من دلالات تكشف في الغالب عن حالة الضياع والعجز التي ما زال المثقفون/المثقفات العرب يواجهون به هذا الواقع، أو ينسحبون منه للعيش على هامشه، أو يخلطون فيه بين السياسي والإنساني والأخلاقي للتهرب من مسؤولياتهم، أو لإعفاء أنفسهم من هذه المسؤولية، في وقت لم تتوقف فيه تداعيات هذا الزلزال، ولم يتوقف سيل الدم المهدور بسبب استمرار الطغاة المستبدين، في معركتهم ضد إرادة شعوبهم في الحرية والكرامة.

قبل أن أبدأ قراءة هذه الشهادات كنت أتوقع أن أجد شبه توافق في الرأي حول معنى وأهمية الكتابة في هذه اللحظة العاصفة من تاريخنا المعاصر بين أغلب الكتاب والكتابات، لأن استمرار فصول هذه المذبحة بعد خمس سنوات من عمر الانتفاضات العربية كفيل بأن يجلو الكثير من الحقائق، إن كان أصلا في انتفاضة شباب هذه البلاد على الاستعباد والظلم والفساد ثمة شبهة، أو في هتاف الحرية والعدالة الذي كانت تطلقه حناجرها، ما يشي بمؤامرة كما زعمت كاتبة من بلد الشرارة الأولى لهذه الانتفاضات.

مع انطلاق هذه الانتفاضات/الثورات كنا نعتقد أن المثقف العربي قد وجد اللحظة التاريخية التي كان ينتظرها لاستعادة دوره الطليعي بعد أن غيّبته أو أسكتته بالقوة أنظمة القمع والاستبداد، أو شوّهته أحزاب الأيديولوجيات المفلسة، لكن هذا الاعتقاد بدا نوعا من الوهم، ونحن نشهد حالة العجز أو استمرار الانحياز عند البعض لتلك الأنظمة بحجّة أو بأخرى، وكأن الشعب الذي لم يعد لديه ما يخسره في انتفاضاته، قد ارتكب معصية يستحق العقاب عليها.

يغلب على إجابات العدد الوافر من الكاتبات/الكتاب الشعور بالصدمة المروعة بسبب حجم الكارثة، التي كان يصعب عليه تخيلها نتيجة حجم الإجرام الذي ترتكبه سلطات القتل والإجرام من أجل بقائها ولو على حساب دمار أوطانها وتشظيها، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن الكتابة في هذه اللحظة إما بسبب العجز عن استحالة الخروج من حالة الصدمة المروّعة التي ما زالوا تحت تأثيرها، أو بانتظار أن تنضج لحظة الكتابة، خوفا من الوقوع في المباشرة والمقاربة العاطفية للحدث بسبب ما يكتنفه من تعقيد وتسارع في وقائعه المرعبة.

أول ما يفاجئ القارئ في هذه الشهادات هو هذا الالتباس بين الجمالي والسياسي، والسياسي والأخلاقي-الإنساني في مقاربة ما يحدث، حيث لا يزال البعض لا يفارق خطاب المؤامرة (آمال مختار)، والتعالي على المتحاربين (إبراهيم القاضي)، أو مساواة الضحية والجلاد باعتبارهما شركاء في القتل (شكري المبخوت)، والبحث في الهامش عن يقين ضاع في زحمة المشهد (إبراهيم فرغلي)، أو الاعتراف بالهزيمة العاطفية أمام ما يحدث (أحلام بشارات)، أو رعب الكتابة إزاء رعب ما يحدث من فظاعات، يجعل من الكتابة عنها رعبا آخر (هيفاء بيطار)، وضياع يقين الكتابة وتأثيرها فيما يحدث (روزا ياسين)، وتجاوز ما يحدث على أرض الحرائق والموت لقدرة الكتابة حتى على التخيل (مكاوي سعيد).

في هذا البعض من الشهادات لا تجد قاسما مشتركا بين هؤلاء الكاتبات والكتاب، والسؤال أين يكمن السبب في ذلك؟ قد يكون الخوف من الكتابة أو الضعف أمام أهوال المشهد الدامي، وهو ما يتعلق بطبيعة الشخصية العاطفية، أو رعب الكتابة الموازي لرعب الواقع الدامي وصور الموت المرعبة، وهذا يمكن تبريره، أو قد يكون الموقف مفهوما للمرء كتعبير البعض عن الشعور بعجز الكتابة عن تمثل ما يحدث واستيعابه، لكن ما ليس مفهوما أن نتذرع بالزهد من الكتابة، وهي فعل غير آني، ليس مطلوبا منه أن يوقف الموت أو ينهي نزيف الدم، لأن الكتابة تجسيد لموقف وحالة إنسانية تنتصر لقيم الحرية والعدالة، كما أنها قيمة مضافة إلى رصيد الإبداع الإنساني، في تعبيره عن قيم الحرية والجمال والعدالة في الحياة.

الذين يتذرّعون بالحديث عن الجوانب الرمادية فيما يحدث على أرض الدم المستباح، يخلطون بين السياسي والإنساني في الكتابة عمّا يحدث من موت يومي يفوق الوصف، تحت الأنقاض أو في عراء الضمير الكوني، وبذلك يمنحون أنفسهم الغفران لأنّ الضحية لم تعلن عن هويّتها بعد، ولأن القاتل لم يعترف بجريمته بعد. هذه الإجابات المخيّبة أو الصادمة، هي تعبير عن حالة الثقافة العربية، التي اختلط الأيديولوجي فيها بالجمالي عند كثير من المبدعين، أو تحوّل الجمالي معها إلى تابع للأيديولوجي والسياسي، لأن الملايين التي ملأت شوارع عواصم بلدان الثورات لم تخرج لأن مؤامرة الإنترنت أو الأصابع الخفية، هي من قادتها للتمرد على سلطة الاستبداد والفساد، بل لأن تراكما ثقيلا ومديدا من القمع والاستعباد وتغييب إرادة الناس، هو الذي أشعل شرارة هذا الانفجار، الذي يتحالف الداخل والخارج على وأده، أو إغراقه في صراع دموي طائفي ودولي لا ينتهي، لكي لا تنتصر الثورات على سارقي أوطانها، وتنتهي وظائفهم كوكلاء لأسيادهم.

وعلى النقيض من هذه الإجابات هناك إجابات أخرى من بين أكثر من عشرين إجابة، توقفت عندها في هذا الملف الطويل، عبّرت عن شعور عميق بالمسؤولية تجاه ما يحدث، وعما تتطلّبه الكتابة الروائية في هذه اللحظة الفارقة، وهو اعتراف بمسؤولية الكاتب الأخلاقية والجمالية تجاه ما يحدث، حتى في أشد حالات الكتابة رغبة في الانفصال عن الواقع (منصورة عزالدين)، بينما هناك من لم يعد يحتاج لانكشاف المسؤول عن فظاعة هذا المشهد الدموي ورعبه، ما دامت سلطة الاستبداد والقمع الجاثم على صدور أوطاننا المخطوفة لا تحتاج إلى دليل، لكي ندرك من هو القاتل، ومن هو الضحية (فواز حداد)، الأمر الذي يضاعف من مسؤولية الكتابة والكاتب كما يقول. شهادة الروائي حداد تجاوزت الإجابة الشخصية، إلى الرد على ما سبق من أطروحات وأقوال تخص وضع الكتابة والكاتب، لأن عوامل قيام هذه الثورات ثابت ومعروف، وليست بحاجة إلى اكتشاف بعد أن عايشناه عقودا طويلة وكنا ضحاياه، فهل يحتاج المُعرَّف إلى تعريف، لكي نصوّب بوصلة الكتابة، وندرك ما هو مطلوب منها، لكي لا يخسر الكاتبة/الكاتب ضميره، أو تشهر الكتابة عجزها في لحظة تاريخية فاصلة.

هكذا تصبح الكتابة مطالبة بأن تأخذ في اعتبارها الأسباب الموضوعية التي قادت إلى هذه الانتفاضات (وجدي الأهدل)، وفي هذا إدراك واضح لطبيعة ما يحدث، وتوصيف للطبيعة الإجرامية لقوى الاستبداد والتأبيد المسؤولة عن هذه المذبحة، التي لم تتورع أن تستخدم فيها كل أنواع القتل مستعينة في ذلك بكل القوى الطائفية والقبيلة والدولية، من أجل الحفاظ على بقائها وهزيمة صوت الحرية والكرامة. وبينما لا تختلف (مايا أبو الحيات) في تأكيدها على ضرورة أن يكون الكاتب مبدعا في هذه اللحظة، فثمة من يرى ضرورة أن يعمل الكاتب على تأمل جوانبها ومواكبة أحداثها والتقاط الجوهري فيها للكتابة (ربعي المدهون)، أو أن تتحول الكتابة بفعل تجربة الواقع المعيشة تحت الاحتلال، إلى فعل حياة لا يتوقف لمجابهة ما يحدث (أسامة العيسة).

ويبرز السؤال عند البعض ماذا تكتب، وما هي المسؤولية تجاه ما نكتب تعبيرا عن وعي بمسؤولية الكتابة وقيمتها الجمالية (شهلا العجيلي)، لكن هذا اليقين ببقاء ما نكتب من أين يأتي، أو من أين تستمده الكتابة، عندما لا نجد في ما يحدث إلا حلبة صراع بين مجموعة من المتصارعين على السلطة، بدايات الأشياء، فهل ما زال الوعي الروائي بعد كل هذا لا يجد في هذه الانتفاضات إلا صراعا على سلطة.

نعرف أن هذه الحروب ومن أشعلوها لأجل بقائهم سوف يزولون، كما زال من قبلهم طغاة كثيرون، لكن ما زالت حية وخالدة تلك الأعمال العظيمة التي انحازت إلى جانب الإنسان في كفاحه من أجل الحرية والكرامة والعدالة على مدى التاريخ الإنساني، باعتبارها تجسيدا حيا وعظيما لقيم الجمال والحرية والإبداع في الضمير الجمعي للإنسانية، حافظ وما زال على رسالة الكاتب وجوهر الكتابة ورسالتها في الحياة.


ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي