أصوات الغابة

تكييف عن نص “النصب التذكاري” لكولين واغنر

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(98)]

لوحة: أسامة دياب
الشخصيات:

زعور: جندي أسير، 20 سنة

كريمة: أرملة شهيد، 50 سنة

المشهد الأول

(زعور مربوط بسير جلدي إلى كرسي، فوقه مصباح يشكّل مصدر الضوء الوحيد. يبدو صغيراً في الظلمة الفسيحة)

زعور: هل حقاً أن سلوكي متأثر باسمي.. أزعر، سيء الخلق، لأن اسمي زعور.. لكن لا شأن لي بهم، فأنا لست الرجل الوحيد الذي مارس الاغتصاب والقتل..

(تدخل كريمة مرتديةً ملابس سودا، وتقف إلى يمين زعور بحيث يتعذر عليه رؤيتها. تنظر إليه بجمود)

زعور: هل أنتِ الجلاد؟ أظن أنه مما يناسب المرأة أن تفعل ذلك. المرأة لا تستطيع أن تغتصب الرجال. ذلك أمر سيء ها؟ أنا أبدو جاهزاً. أفترض أن الذهاب إلى المرحاض قبل أن نبدأ أمر خارج السؤال. (يضحك، في حين تظل هي صامتة). إذا كنت تنتظرين أن أقول آسف فلن أقولها. ما الذي سيختلف لو أنني قلتها؟ إنها لن تعيدهن، ولن تبطل ما فعلت، ولن تجعلني رجلاً أفضل.

كريمة: لن تفعل ذلك؟

زعور: آه، إنها تمتلك لساناً. (ساخراً) أنا آسف، هل تشعرين بالارتياح؟

كريمة: هل ينبغي عليّ؟

زعور: أليست هذه الكلمة هي كل ما ينبني عليه العفو؟ أنا أقول آسف والعالم يغفر لي. أنا آسف، أنا لا أقصدها طبعاً، ولذا كيف أستطيع أن أتوقّع العفو.

كريمة: أليس ذلك ما تريده؟

زعور: أريد أن أتبوّل.

كريمة: إذن تبوّل. هل تعتقد بأننا لم نر رجلاً يبول على بنطاله؟ لو كنتَ كلباً لاستطعت أن تبول على ساقك بسهولة، لكنك لستَ كلباً، أليس كذلك؟ ولذا لا تستطيع أن تبول على بنطالك. يجب عليك أن تفكّر في أن آخرين يفعلونها مثل الحيوانات، لكن ليس أنت، أنت شخص جيد.

زعور: هل أنت طيبة؟

كريمة: لا.

زعور: شريرة؟

كريمة: لا.

زعور: داعية؟

كريمة: لا.

زعور: ولستِ الجلاد؟

كريمة: ربما أريد لك الراحة.

زعور: حقاً؟

كريمة: أجل.

زعور: هل هذه مزحة؟

كريمة: لا مزاح، ولكن بشرط.

زعور: أيّ شرط؟

كريمة: يجب أن تفعل ما أقوله لك كي تنال الراحة.

زعور: أفعل فقط كل ما تقولين؟

كريمة: أجل.

زعور: مثل أيّ شيء؟

كريمة: كل شيء.

زعور: لا اتفاق.

كريمة: كما تشاء. (تبدأ بالخروج)

زعور: انتظري. ماذا لو طلبتِ مني أن أقتل نفسي؟

كريمة: عليك أن تنفّذ.

زعور: هل ستطلبين مني ذلك؟ أهذا كل ما في الأمر؟ إنني أعجز من أن أفعلها. إنها طريقة جديدة لجعل الأسرى يفعلونها بأنفسهم، هذا كل ما في الأمر، أليس كذلك؟

كريمة: كما تشاء.

زعور: ماذا سيحدث لو لم أفعل ما تطلبينه مني؟

كريمة: ماذا تعتقد أنت، ترفض ثم لن تتعرض إلى عواقب وخيمة؟ تركض وتختبئ مثل كلب مرعوب؟ إلى أين تستطيع الذهاب؟ الكل يعرفون وجهك. أنت أبغض رجل في العالم.

زعور: هل هذه حقيقة؟

كريمة: ماذا تعتقد أنت؟ لقد قتلت ثلاثاً وعشرين امرأةً وتريد من الناس أن يحبوك لذلك؟

زعور: لماذا إذن تريدين إراحتي؟

كريمة: عليك أن توافق على الشروط إن أردتَ أن تعرف. (تنظر إلى ساعتها) لقد حان الوقت.

زعور: (تمرّ عليه لحظات مسعورة. تبدأ كريمة بالمغادرة) أكيد، موافق، ما الذي سأخسره؟

(ظلام)

المشهد الثاني

(يستولي زعور على لقمات الطعام الأخيرة في الزبدية ويلتهمها، ثم يمص أصابعه لتبدو نظيفةً)

زعور: (بعد أن يتجشأ) جيد جداً. طعام الأسر هو الأردأ، أحياناً لا أود أن آكله.

كريمة: هل الراحة تجعل من كل شيء يبدو جيداً؟

زعور: حتى أنها تجعل من وجهك العبوس يبدو جيداً. هل لك زوج؟

كريمة: كان لي وقُتل.

زعور: أين، في الغوطة أم في داريا؟

كريمة: لا شأن لك.

زعور: أمر مؤسف. هل عندك رِد بول؟

كريمة: أجل، لكنك لن تناله قبل أن تقول الحقيقة.

زعور: كل الناس قالوا إن ما فعلته كان خطأً، ولذلك سأموت بسبب ما ارتكبته. الأشرار يُعاقبون، أليست هذه حقيقة؟ أما الخيّرون، الأبرياء فيظلون أحراراً. أخبريني، هل أنا شرير أم خيّر؟ ما هي الحقيقة؟

كريمة: أنت لست خيّراً.

زعور: لكن الأمور تبدو من خلال حذائي مختلفةً.

(بسرعة تلتقط كريمة من الأرض منجلاً، وبحركة رشيقة تضرب زعور على أذنه، وحين يسقط على الأرض تضع حول رقبته كلاّباً معدنياً، وتربطه بترباس مثبت في الأرض، فيبدأ يتنفس الهواء بصعوبة).

كريمة: انهض.

(ترفسه بشدة، فيبكي ويلهث وهو ممدد على الأرض)

انهض!

(يحاول النهوض ببطء، لكنه يستدرك أنه مقيد)

زعور: ما هذا…؟!

(تضربه على وجهه وصدره)

ماذا تفعلين؟

(تصفعه على فمه)

كريمة: (بأمر) ستكون أخرس.

زعور: لماذا تفعلين هذا؟

(تضربه على فمه مرةً ثانيةً)

كريمة: ستكون أخرس.

(يحاول زعور أن يتكلم، لكنه يفكّر في أن الصمت أفضل. تبدأ كريمة بصفعه على نحو متناسق، وبهدوء، صفعةً إثر صفعة. فيهيج زعور ويحاول أن يصدها).

زعور: كفي!

كريمة: ستخرس وتتلقى الضرب مثل رجل.

زعور: لماذا؟

كريمة: هذا هو الاتفاق.

زعور: وهل أنت عازمة على ضربي حتى الموت؟

كريمة: سأستمر في ضربك إلى أن تنهار على الأرض، أو أصبح أنا عاجزةً عن ضربك.

(تضربه فينهار على الفور).

انهض.

زعور: لقد أصبت بالانهيار.

كريمة: انهض أنت جبان.

(ينهض زعور مذعناً على مضض)

قف على طول قامتك.

( يحني زعور رقبته، ويهيئ نفسه لاستقبال الضرب. تقف كريمة أمامه وتشرع في ضربه ضربات كأنها تستمر إلى الأبد، لكنها تتوقف لتتنفس)

كريمة: اركع.

(يركع زعور على ركبتيه متزعزعاً، في حين ترفع كريمة وشاحاً، وتضمد أذنه)

زعور: لماذا فعلتِ ذلك؟

كريمة: لأنك لا تعرف الفرق بين الحقيقة والكذب.

زعور: حتى أنت لا أعرفك. هل أعرفك؟ هل التقينا من قبل؟ هل فعلت لك شيئاً يوماً ما؟

كريمة: أنت لا تعرفني. نحن لم نلتقِ من قبل.

(تنتهي من تضميده)

لم أضمدك مثلما تضمدك ممرضة، ولا مثل حبيبتك، لكنه يفي بالغرض.

زعور: هل تعرفين حبيبتي؟

كريمة: أعرف أنها ميتة.

زعور: (مصعوقاً) أنت تكذبين. هل ماتت حقاً؟

كريمة: قل لي أنت.

زعور: أرني دليلاً.

كريمة: لماذا عليّ أن أفعل؟ من أنت حتى أعطيك دليلاً؟

زعور: لديّ الحق في أن أعرف الحقيقة. إنها حية، أعرف ذلك. لماذا تتلاعبين بعقلي؟

كريمة: حان وقت النوم، ستنام خارج هذا المكان.

زعور: في الخارج؟

كريمة: نعم في الخارج.

زعور: ألا تخافين أن أهرب؟

كريمة: أهرب إن استطعت، ستقتل في أول حاجز.

(تخرج كريمة، في حين يقف زعور بعناد)

زعور: عليكِ اللعنة. سحقاً لك.

المشهد الثالث

(زعور مقيد وقد شُدّ إلى محراث خشبي، وخلفه كريمة ترشده)

كريمة: ألا تستطيع أن تسحب بشدة أكثر يا زعرور؟

زعور: اسمي زعور، زع- ور.

كريمة: أنا أفضّل زعرور.

زعور: وأنا لا أفضّل أن أسحب بشدة أكثر.

كريمة: ليس لك قول في الموضوع.

(يستند زعور على النير)

زعور: يصعب تحريكه.

كريمة: (ضاحكةً) زعرور، أنت أحمق جداً ومضحك.

زعور: لا تسميني زعرور، حسناً؟ أقصد رجاءً.

كريمة: حسناً.

(يحاول أن يحرك المحراث مرةً أخرى لكنه لا يتحرك).

زعور: الأرض صلبة. ومن المحتمل أن تكون مسممةً. نحن كنا نرشها أحياناً.

كريمة: ثمة ألغام أرضية أيضاً.

زعور: هنا؟

كريمة: هل تخاف أن تموت؟

زعور: كل الناس يخافون أن يموتوا، عدا حين تكون الحياة رديئةً. في هذه الحال يرغبون في الموت.

كريمة: هل كانت النساء اللواتي قتلتهن من هذا النوع؟

زعور: بعضهن.

كريمة: من منهن؟

زعور: لا أتذكر.

كريمة: ما أسماؤهن؟

زعور: لا أعرف. لماذا تسألين؟

كريمة: اسحب.

زعور: إنه لا يتحرك. كيف أستطيع؟ (ناظراً إلى الأعلى) الطقس يصيب بضربة شمس. (تنظر إليه كريمة بغضب فيكفّ عن تكشيرته) ارفعي عنّي النير، كريمة. لقد قابلت أناساً عنيدين مثلك من قبل. هكذا هم العنيدون، لا يعرفون متى يُضربون حينما يحتاجون إلى مساعدة الآخرين، حتى لو كانوا لا يحبونهم.

كريمة: هذه الصخرة لم تكن موجودة هنا من قبل.

زعور: ربما ليست صخرةً، بل لغماً.

(تفك كريمة بسرعة النير عن رقبة زعور، وتصفعه على جبهته، وتجرجره من قيده إلى الصخرة)

كريمة: أحفر..

زعور: كيف؟

كريمة: بأقدامك، بفمك، بأنفك. أنا لا أبالي، احفر فقط.

(يتفحص زعور الصخرة للحظات، ثم يشرع في تحريكها بقدم واحدة، ويصفر بنغمة طويلة).

زعور: إنها كبيرة.

كريمة: احفر.

( يعمل زعور بشدة مستخدماً كلا قدميه، تتطور هذه الحركة إلى نوع من الهزهزة، يغني ويرفس في القذارة إلى أن يتعب).

زعور: هذا طقس يصيب بضربة شمس.

كريمة: بالنسبة للمعتوهين، نعم. احفر.

زعور: اخلعي قميصي، الجو حار، أنا أحب الشمس. لم أر ضوء النهار في الأسر. إنه أول يوم حار من أيام السنة.

كريمة: أنت لا شيء، لا أحد، كلب، عبد، قاتل.

زعور: أعرف من أكون. أعرف أني كلبك وعبدك. أنا زعرور القاتل، ثم ماذا؟

(تجلس كريمة على الصخرة)

كريمة: ثم ماذا؟ صحيح، ثم ماذا؟ ماذا نفعل مع الكلاب والعبيد والقتلة؟ ماذا تود أنت أن تفعل؟ إن كنتَ قادراً على أن تكون أحمق فأنا أحتقرك.

لوحة: أسامة دياب

زعور: أطلقي عليّ النار إذن. هل تعتقدين بأنني أبالي، ها؟ ما الذي أمتلكه كي أبالي من أجله؟

كريمة: لا تبحث عن الشفقة. احفر.

(يبدأ بالحفر، هائجاً أول مرة، ثم يكشرّ ويزيح التراب إلى أن تنكشف الصخرة، فيتحول إلى رقصته المجنونة، ثم يشبك ذراعيه حول الصخرة ويزحزحها بكل قوته، ويرفعها بنجاح إلى صدره، ويدور كما لو أنه يريد أن يرميها على كريمة).

كريمة: هيا، أرني من أيّ طينة أنت حقاً. هشّم وجهي بها.

(يضحك زعور على عجزه)

أسقطها على قدمك.

زعور: (شاعراً بالخطر فجأةً) لا أستطيع.

كريمة: لماذا؟

زعور: لا أعرف.

كريمة: (تضع قدميها أسفل الصخرة) أسقطها على قدميّ أنا.

(يفلت زعور الصخرة على الفور، لكن كريمة تسحب قدميها بسرعة. يضحك زعور على عجزه)

حاول مرةً ثانيةً.

زعور: (ضاحكاً) إنها ثقيلة جداً.

كريمة: احملها.

زعور: أنت امرأة غريبة الأطوار.

كريمة: من أنت حتى تحكم عليّ؟ احملها.

(يحاول زعور أن يرفع الصخرة، لكنه يعجز)

زعور: مستحيل.

كريمة: قبل لحظة كان حملها ممكناً. احملها وإلاّ دفنتك هنا.

زعور: لا أستطيع حملها الآن. ستكون عندي طاقة لحملها فيما بعد. لقد استنفدتها كلها. من تتصورينني، عنتر؟ لا أستطيع أن أرفع جبلاً بأمر.

كريمة: ألم تقتل بأمر؟

(لا إجابة)

أيهما أصعب، قتل الناس أم حمل الجبل؟ أهذه حدود طاقتك يا زعرور؟ في الكراهية؟ إن كنتَ تكره بشدة فإنك تستطيع أن ترفع جبلاً، وتقتل الناس بأمر.

زعور: أنا لا أكرههم.

كريمة: هل تقتل الناس الذين تحبهم؟ تعلّم كيف تكرهني يا زعرور، لأنك سترفع تلك الصخرة بأمر أو ستُدفن حيّاً في هذا المكان.

زعور: أتمنى لو أنك لم تأتِ لإنقاذي.

كريمة: أنا لم آتِ لإنقاذك.

زعور: أنت قلت إنك منقذتي، هل ستطلقين سراحي من الأسر؟

كريمة: لتعود إلى الاغتصاب والقتل مجدداً؟

زعور: لا، سأهرب إلى الخارج.

كريمة: لقد كذبت. أنت تعرف كل شيء عن الأكاذيب، أليس كذلك؟ ألم تقل أبداً للفتاة الشابة سأريكِ الغابة؟

زعور: كلا، لم أقل لها ذلك أبداً.

كريمة: ستأخذني يوماً ما إلى تلك الغابة.

زعور: ماذا تقصدين؟

كريمة: أنت تبدو متوتراً. نحن كلنا نعرف الغابة، عن الأجساد الميتة. رغم ذلك فإن حبيبتك ليست بينها، لقد ماتت في الشارع.

(يبكي زعور)

أنت محق يا زعرور. والآن احمل تلك الصخرة لأنك مدين لي. احملها من دون امتنان عوضاً عن الكراهية. هيا.

(يحاول زعور رفع الصخرة، لكنه يفشل)

زعور: أنت تكرهينني.

كريمة: أجل.

زعور: لماذا؟

كريمة: كنت أستطيع قتلك قبل أن أتمكن من إنهاء جملتي.

زعور: أنتِ واحدة من الإرهابيين، أليس كذلك؟

كريمة: هكذا كانوا يحشون أدمغتكم.. كل مَن يقاومهم يسمّونه إرهابياً..

زعور: أولاد خالتي كانوا منهم.. ولي أقارب آخرون من طرف أمي. لكني قطعت علاقتي بهم جميعاً.. خشيت أن يأخذوني بجريرتهم.

كريمة: ماذا كان يحدث لو أنك انضممت إلى الثوار؟

زعور: يقتلونني.. يشنقونني.

كريمة: ألم أقل لك إنك جبان؟

زعور: يا امرأة! كانوا سيتهمونني بالخيانة ويقطعون رأسي.

كريمة: خيانة مَن؟

زعور: خيانة الوطن.. الرئيس.. الأهل.

كريمة: هذا ديدنهم.. هيا احمل الصخرة وأسقطها على قدمك.

زعور: لكن ليس من الطبيعي أن يؤذي المرء نفسه.

كريمة: وهل من الطبيعي إيذاء شخص آخر؟

زعور: أنا لم أفعل شيئاً لك.

كريمة: (تغضب فجأةً) احمل الصخرة.

زعور: لا أستطيع. (يكشّر عن أنيابه) أنت أمرك مضحك. قبل قليل قلت إنك هنا لإنقاذي.

كريمة: أو لدفنك حيّاً.

زعور: أنا أومن بأنك تشبهينني، لكنك كبيرة في السن، وبشعة جداً بالنسبة إلى شاب مثلي.

كريمة: أنا أبشع من أن أكون صالحةً للاغتصاب، وأكبر سناً من أن أكون صالحةً للإخصاب، لكني صالحة للقتل فقط.

زعور: بالتأكيد. كان ينبغي أن نطلق عليك النار.

كريمة: إذن يجب أن أعتبر نفسي محظوظةً.

زعور: عالم غريب، ها؟

كريمة: احملها.

زعور: لا أستطيع.

(تبدأ كريمة بضرب زعور بيدها على أماكن حساسة في جسده)

ماذا تفعلين؟

كريمة: خمّن.

زعور: أنت عاهرة مجنونة، عليك اللعنة.

(يرفع الصخرة إلى صدره)

كريمة: (تصفعه على وجهه) إياك أن تتفوه بهذه الكلمة مرةً ثانيةً.

زعور: ماذا دهاك؟ لقد رفعتها. لقد أسقطتها. لا يهم ماذا أفعل فأنا أتلقى صفعات. أنت ما كنت تريدين أن تمسيني لو لم أكن مقيداً.

كريمة: وأنت ما كنت تستطيع أن تغتصب نساءً لو كنّ مسلّحات.

زعور: هل تعرضتِ لاغتصاب؟

كريمة: هذا أمر لا يعنيك.

زعور: أعتبر ردك بمثابة نعم.

كريمة: أنا لا أبالي كيف تعتبره.

زعور: فكّيني يا كريمة.

كريمة: ليس بعد يا زعرور.

زعور: هذه الصخرة اللعينة ثقيلة جداً.

كريمة: أمامك خياران، إما أن تسقطها على قدميك، أو أدفنك حيّاً.

زعور: ما معنى هذا؟

كريمة: السبيل الصحيح للاختيار.

زعور: حدّك! أكسرُ قدميّ أو أُدفن حيّاً؟

كريمة: لقد عرفت أنك تمتلك بعض القدرة على التحمّل يا زعرور.

(تخرج)

زعور: لا تناديني زعرور، اسمي زعور، زع.. ور.

(يتوقف قليلاً عندما تسمعه. يحمل الصخرة خلال إشارة الإضاءة إلى حلول الليل، ويصفّر بلحن بركاكة وازدراء)

(ظلام)

المشهد الرابع

(تدخل كريمة حاملةً كيساً)

كريمة: (تفتح الكيس وتخرج منه نباتاً) إنه لك، هذا كل ما موجود من طعام.

زعور: ما هذا؟

كريمة: فجّيلة. لقد نمت قرب النهر.

زعور: أي نهر؟

كريمة: نهر العلان.

زعور: لم أسمع بهذا النهر من قبل.

كريمة: لأنك غبي لا تعرف سوى الاغتصاب والقتل والطاعة العمياء.

زعور: شكراً. لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالفجيلة.

كريمة: هذه كل ما متوفر.

زعور: هناك شيء آخر في الكيس.

كريمة: رِد بول، لكني لن أعطيك إياه الآن.

زعور: متى إذن؟

كريمة: بعد أن تتناول عشاءك.

زعور: وماذا تناولت أنتِ في درعا، ها؟ صيّادية سمك؟ أوزي؟ شيش برك؟

كريمة: لم أذهب إلى درعا.

زعور: أنا سأموت إن أكلت هذه! أنت ماضية في تجويعي حتى الموت (يبدأ بمضغ الفجيلة).

(صمت)

بالمناسبة كانت توجد نبتة برية هناك (يشير إلى طرف قصي).

كريمة: ماذا تقصد بكانت؟ أنا زرعتها هذا الصباح. إنها هندباء برية. وجدتها بمحاذاة النهر وجلبتها إلى هنا.

زعور: لا أعتقد بأنها ستنمو.

كريمة: سوف نحضر لها ماءً، وستنمو، يجب أن تنمو.

زعور: (يبدو مرتبكاً) أرجو أن تعذريني.

كريمة: ما الأمر؟ ماذا فعلت يا زعرور؟ أنت تبدو مضحكاً. (تتجه إلى النبتة) أين النبتة؟ هل أكلتها؟ أنت خنزير.

زعور: كلا.

كريمة: أين هي إذن؟

زعور: سحقتها بقدمي من دون قصد.

كريمة: أنت أبله! تفعل كل ما تفعله من دون قصد!

زعور: لقد ظننت أنها ضارّة. ما كنت سأفعلها لو كنت أعرف. لماذا لم تخبريني؟

كريمة: لا يتوجب عليّ أن أقدّم لك تقريراً.

زعور: لا، لكنك لو أخبرتني، لو قلتِ: هيه، زعرور، أنا غرست هندباء بريةً اعتنِ بها.

(صمت)

كريمة: عرفت شيئاً عن حبيبتك، لقد اغتُصبت.

زعور: أنت تكذبين.

كريمة: اغتصبها عدد من الشبّيحة ثم قتلوها.

زعور: أنت تكذبين.

كريمة: أنا لا أكذب، كانت تريد الانضمام إلى الثوار فوشى بها أحدهم.

زعور: لا أصدّق. كيف تفعل ذلك وأنا حبيبها جندي نظامي؟

كريمة: قررت أن تفعل حينما علمت أنك اغتصبت وقتلت نساءً بريئات.

زعور: (ينظر إلى كريمة بشزر) أنت تكذبين، من أخبرك بذلك؟

كريمة: قرأته في سجلّك.

زعور: من أنت حتى يسمحوا لك بقراءة سجل الأسرى؟

كريمة: (تصرخ في وجهه) أنا أم شهيدة وأرملة شهيد يا كلب.

زعور: تكذبين، لم تُغتصب ولم تُقتل.

كريمة: (بحدة أقل) أنا لا أكذب، بل أنت مَن يكذب. تكذب لتجعل الحياة أسهل بالنسبة إليك. اغتصبت نساءً وقتلتهن لأن ذلك كان أسهل من مخالفة الأوامر.

زعور: أجل، أجل إنه أمر سهل.

كريمة: ولهذا كان من السهل اغتصاب حبيبتك.

زعور: هي لم تُغتصب.

كريمة: بلى، اغتصاب جماعي..

(يغطي زعور أذنيه)

لا تتحمل ذلك ها؟ ألم تفعلوا أنتم الأمر نفسه؟ (تستخرج علبة الرد بول وترميها له) اشرب.

زعور: (يفتح العلبة ويكرع جرعةً كبيرةً) إنه ساخن. لكن لا يهم! (يشرب) أنت أقسى امرأة عرفتها، أنت تكرهينني، لماذا جئتِ بي إلى هنا؟

كريمة: اشرب يا زعور.

زعور: شكراً، لأنك لم تنادني زعرور. هل اغتُصبتْ حقاً؟ أخبريني بالحقيقة يا كريمة.

كريمة: ما هي الحقيقة؟ قلتُ لك إن حبيبتك ميتة، مغتصبة.

زعور: ربما تكون معتقلةً. أشياء كثيرة تحدث في الحرب. نحن كنا ننفذ الأوامر بشكل آلي. الجنود لا يُفترض بهم أن يفكروا، بل يطيعوا فقط.

كريمة: الذين اغتصبوا وقتلوا حبيبتك لم يكونوا جنوداً بل شبّيحةً؟ هل كانوا ينفذون الأوامر أيضاً؟

زعور: (يشرب) أتمنى ألا يكبر سني، ولا أكون حاداً مثلك.

كريمة: لكن لسوء حظك ستموت شاباً.

زعور: (يهز كتفيه) ماذا بوسعي أن أفعل؟ أنا أسير. لم أفعل شيئاً. نحن ضحايا القدر.

كريمة: ما يحدث ليس قدراً، بل حرب إبادة.

(تلاحظ كريمة أن زعور يفكر بالموضوع)

هل الحرب قدر؟

زعور: لا أعرف. اختلطت عليّ الأمور. بعضهم يصوّرها ثورةً، وبعضهم يصفها بالحرب الأهلية، وبعضهم الآخر يقول إنها مؤامرة على البلد، وها أنت تسمّينها حرب إبادة.

كريمة: كل واحد يرى الأمور من منظاره.. وماذا عن النساء؟

زعور: (يهز كتفيه) في الحرب يمكن اغتصابهن. الاغتصاب مجرد جزء من الحرب. أنا رأيت رجالاً يركضون صوب رشقات الرصاص فيُصاب أغلبهم ويسقط. أما الذين لا يُصابون فيعودون وهم يشعرون بالبهجة لأنهم سينالون أول نخبة من النساء. أنا لم أفعلها، لم أركض وسط رشقات الرصاص.

كريمة: أنت كنت تطلق النار على النساء فقط.

زعور: نعم، ذلك ما كان. قالوا لنا إنهن إرهابيات (يشرب) ذلك قدرهن.

كريمة: لقد قطعوا لسان حبيبتك، وشقوا بطنها، وحشوا جوفها بالقذارة، وبالوا عليها.

زعور: أنا لا أصدقك. كيف يفعلون ذلك بحبيبة جندي نظامي؟

كريمة: صدّق أو لا تصدّق، تلك هي الحقيقة.

(صمت)

غداً نذهب إلى الغابة.

(تخرج)

(يُطفأ الضوء الشاحب)

(ظلام)

المشهد الخامس

(زعور وكريمة في الغابة)

كريمة: دلني على مكانها، أين هي؟

زعور: في قبر.

كريمة: أنت دفنتها؟

زعور: لقد حفرنا قبراً جماعياً ودفنا فيه الكثير منهنّ.

كريمة: أين يقع هذا القبر؟

زعور: لا أتذكّر، ثمة عشرات من القبور الجماعية.

كريمة: خذني إليه.

زعور: كيف آخذك إليه وأنا لا أعرف أين يكون؟

كريمة: ما الذي يجعلك تتذكّر؟

زعور: لا أدري، كانت ثمة شجرة، شجرة كبيرة، توجد في لحائها خروق رصاصات، ويتدلّى منها غصن كبير رُبطت إليه واحدة من الفتيات، لكنني لا أعرف أين تلك الشجرة الآن.

(يلف هائماً في ناحية واحدة، يتوقف، يهز رأسه، ثم يلف في ناحية أخرى، ويصرخ فجأةً) هذا هو.

(تتقدم كريمة إلى الموضع)

كريمة: هل أنت متأكد؟

زعور: نعم متأكد.

كريمة: كيف عرفت؟

زعور: بإمكاني القول إني أحس به. كنت أقود سيارة الجيب وأنا أضحك، فوجدت نفسي في نهاية المطاف وحيداً. وحين أصبحت الفتاة إلى جانبي شعرت بالراحة حقاً. كنت أنظر إليها وهي لا تبتسم. تبحلق إلى الأمام فقط. لقد نسيت ماذا كان يفترض أن أفعل.

ولكن مهلاً (كمن يمثل) هكذا: ربطت يديها ورميت الحبل على غصن الشجرة. قطع أحدهم الحبل فسحبته حتى ارتفع عن الأرض. كانت تبدو جميلة جداً. عينان مائيتان واسعتان كعيني غزالة. مزقت ملابسها لأن يديها مربوطتان، وإلاّ فلن أستطيع أن أخلعها. استخدمت حربتي. كانت ذات جلد شديد البياض، لم ير الشمس مطلقاً. تمتلك شعراً أسود كثيفاً وطويلاً يدور حول سرّتها. كان شهوانياً إلى حد بعيد. أخبرتها بذلك، وأحطتها بذراعي، وقبلتها من رقبتها. تصورت أنني أستطيع أن أفعلها معها. سألتها إن كانت تشعر بالبرد، قالت “لا”، ثم سألتها إن كانت تريد أن أتعرّى فأغلقت عينيها بشدة، قلت لها لا أريد أن أخلع ملابسي، ففتحتهما ثانيةً وأخذت تبكي، سألتها ماذا تريد أن تكون حينما تكبر، قالت إنها تريد أن تصبح معلمةً، فقلت لها إنها مثل حبيبتي ليس إلاّ، وأسررتها بأنها جميلة، وأريد أن أفعلها معها. توسلت إليّ أن لا أفعلها، لكنني على أيّ حال حاولت، حاولت فقط ولم أستطع أن أفعلها.. وكل شيء انتهى. توسلت إليّ أن أطلق سراحها، ففكرت ماذا لو أطلق سراحها، ماذا سيحدث؟ ارتعبت من اكتشاف الآخرين ذلك، سيقتلونني لتركي الخصم يفلت، قالت إنها لن تخبر أحداً. لاحظت أن الوقت يتأخر، الشمس تميل إلى الغروب، ويجب أن أعيد سيارة الجيب، لذا عليّ أن أتركها للقدر. قلت “لأرى إن كان مكتوباً لها أن تحيا”. عدت أدراجي وأغلقت عينيّ، وصوّبت بندقيتي إليها، وقلت لنفسي إذا أخطأت الهدف لا يهم ماذا سيحدث، سأسمح لها أن تمضي إلى سبيلها. (يصمت قليلاً) لكن الرصاصة أصابتها في الوجه. (يخاطب كريمة) قطعت وثاقها ومددتها على الأرض، وسحبتها إلى قبر كنا قد حفرناه مسبقاً، لكنني لم أكفّنها بل وضعتها في القبر ودفنتها.

كريمة: انبشه.

زعور: ماذا؟

كريمة: انبش القبر.

زعور: إنها ميتة.

كريمة: ستنبشه، أو ستحفر لنفسك قبراً وتتمدد فيه، اختر.

(يأخذ زعور المجرفة ويبدأ بالحفر)

زعور: لقد حدث ذلك منذ مدة، ولا يمكن العثور على شيء. (يستمر في الحفر) سمعت أن الجثث تحمل أمراضاً.

كريمة: ليست أسوأ مما يحمله الأحياء.

(يحفر أعمق)

زعور: ربما لا يكون هذا هو المكان الصحيح.

كريمة: سيكون المكان الوحيد الصحيح بالنسبة إليك.

(يحفر أعمق فأعمق)

زعور: كانت توجد أجساد كثيرة. كيف لي أن أعرف أياً منها جسدها؟

كريمة: لأن روحها ستعود وتصرخ باسمها.

(يترك زعور المجرفة ويغادر الحفرة، فتسد عليه كريمة طريقه)

تخاف من الأرواح؟

زعور: ما كان علينا أن نفعل ذلك.

كريمة: لماذا؟ أتخاف أن تعود ثانيةً؟ هل تشعر أن القبور مسكونة بالأرواح، أعني أن أرواح الموتى تمكث إذا ما فنيت أجسادها؟ هيا أحفر..

زعور: أنا نفذت ما طلبوه مني فقط.

كريمة: مثل ولد مطيع! ماذا لو أنك قلت لا؟

زعور: كانوا سيقتلونني.

كريمة: أنا أو أنت. لقد جاءت الحرب من أجل ذلك. أنا أو أنت.

زعور: الحرب تغير كل شيء. حينما تكونين في أتونها ليس ثمة اختيار.

كريمة: بلى ثمة اختيار، احفر.

زعور: صحيح، الطاعة أو الموت. الناس طبعاً يفضلون الطاعة على الموت.

كريمة: أحفر. كان عليك أن تنظر إلى كل امرأة وكأنها أختك.

زعور: (يتوقف عن الحفر)لا أستطيع.

كريمة: بل تستطيع، وستحفر.

زعور: (يحفر) حسناً. صفقة كبيرة.. صفقة حقيرة. أعتقد.. (ينظر بانتباه، ويقفز من الحفرة خارجاً) إنه الرأس!

كريمة: اسحبه إلى الخارج.

(ينظر إليها هائجاً)

اسحبه إلى الخارج.

زعور: لا أستطيع.

كريمة: بل تستطيع

زعور: (يسير زعور صوب القبر ويدخل ويسحب الجثة) حسناً! لقد سحبت الجثة كاملةً.

كريمة: هاتها إلى هنا.

زعور: آه يا إلهي.

(يشد الجثة إلى الأعلى، ويرميها عند قدمي كريمة)

كريمة: من تكون؟

زعور: لا أعرف.

كريمة: ماذا كان اسمها؟

زعور: لا أعرف

كريمة: استخرج البقية.

زعور: آه يا إلهي! اللعنة على الجحيم.

لوحة: أسامة دياب

(يطبطب بقدميه داخل القبر ويحفر)

كريمة: (تنظر إلى الجثة، وتنفض القذارة الناتجة عن تحلل الجمجمة. يستخرج زعور جثةً أخرى متحللة ويرميها على الأرض، فتتجه كريمة إليها وتضع إصبعها داخل فتحة في القفص الصدري)

كريمة: هل كانت ميتتها سريعةً أم أنك خنقتها داخل القبر؟

(يرمي زعور جثةً أخرى وأخرى إلى الخارج، فتذهب كريمة إلى واحدة منها وتنحني إليها) أليست هذه أنتِ يا حبيبتي؟ (تجثو على ركبتيها) أليست هذه أنتِ؟ (تهز الجثة من ذراعيها وتحتد. يخرج زعور من القبر، فتراه كريمة وتتوقف) تعال إلى هنا.

زعور: (يذهب إليها من دون أن يتكلم).

كريمة: أجثُ على ركبتيك.

(يتردد زعور، لكنه يطيعها)

احملها.. (تقدم له الجثة) احملها.

(يفتح زعور ذراعيه على مضض ليستلم الجثة)

اسمها رباب. في التاسعة عشرة من عمرها. أنجبتها في بركان دمشق حي القابون. أرادت أن تكون معلمة موسيقى.. كانت تحترم كل الناس.. كانت شجاعةً وعطوفةً في الوقت نفسه، ولها خصلات شعر سوداء نحيفة تنسدل على ظهرها، وعينان دامعتان مثل عيني أيّل. كانت تحس بكل الناس المهدرة كرامتهم، وتؤمن بأن الحب هو الجواب، وأن الصبر هو المعلم، والرأفة هي المرأة. أرادت أن تقول “أنا انعكاس للحب والثقة والفرح..”، (تخاطب الجثة) أنتِ كل ذلك يا حبيبتي.

(صمت)

لقد شعرتْ بأنها منذورة لتعليم الناس الحب والجمال. لم أعلمها شيئاً عن الشر.. اعتقدت بأنني أستطيع حمايتها من خلال إخفاء الحقيقة عنها.. (صمت.. ثم تشير إلى زعور بأن يضع الجثة على الأرض، فيفعل ويظل جالساً على ركبتيه) تستطيع أن تنهض الآن.

زعور: لا أستطيع.

كريمة: ستحفر البقية، ثم سيكون لديك عمل شاق آخر. ستحكي قصة النساء اللواتي قتلتهن مرات عديدةً. ستسمّيهن.. سنبني نصباً لهم.. ونسمح للأمهات بأن يستردن بناتهن.

زعور: لكنهن سيقتلنني ولن تظهر الحقيقة.

كريمة: للحقيقة طريقها في الظهور، ولا شيء يستطيع إيقافها.

(ظلام)

المشهد السادس

(نصب تذكاري مكون من كومة جثث على شكل دائرة. تقف كريمة إلى جوار النصب حاملةً جثة رباب بذراعيها. زعور أيضاً يقف في وسط المسرح حاملاً إحدى الجثث بذراعيه، غير موقن، عصبي المزاج).

زعور: آه.. (ينظر إلى كريمة)

كريمة: أذكر لي أسماءهن.

زعور: كيف لي أن أعرف أسماءهن؟

كريمة: لقد أزف الوقت.

زعور: (ينظر إلى النصب التذكاري) لا أعرف. إنها غشاوة وأنت فقط من عملها.

كريمة: أنا؟ أنا عملتها؟

زعور: لا.. بل أنا عملتها فقط.. أنا قتلتهن.

كريمة: سمّ لي كل النساء اللواتي قتلتهن يا زعور.

زعور: أنا لم أسألهن عن أسمائهن.

كريمة: صفهنّ لي.

زعور: لا أستطيع.

كريمة: ابدأ من الأولى. كانت تشبه من؟

زعور: كانت أكبرهن سناً، ربما في الأربعين، بعد أن أطلقت عليها النار أخفيت جسدها تحت جذع الشجرة.

كريمة: تذكّرها.

زعور: (يضع الجثة التي يحملها إلى جانب الجثث المرمية على الأرض، ويحصر ذاكرته) كان عندها أطفال، فقد رأيت علامات حمل سابق على بطنها، ولها وحمة قرب كتفها الأيسر لونها أرجواني، وتشبه حبة فول. قتلت صبيةً في الخامسة عشرة اسمها منال، لها وجه لفحته الشمس، وكذلك إسراء، ربما كان عمرها واحداً وعشرين عاماً، وكذلك فتاة شابة لها شعر مائل إلى الحمرة يصل إلى خصرها، وفتاة اسمها سارة تضع نظارات على عينيها، كانت مقيدةً وبدينةً قليلاً، وكذلك امرأة متزوجة في إصبعها خاتم زواج، وفي حزامها حجر صغير يشبه الألماس، وكذلك شيماء، وهي فتاة لها فجوة بين أسنانها الأمامية، وفتاة ذات ملامح وثياب قروية، وواحدة اسمها ميادة، كانت حاملاً على ما أظن، وفتاة اسمها وفاء، كانت سباحةً تتمنى الاشتراك في الأولمبياد، وفتاة قالت إنها كانت تعمل في مصنع للنسيج وقد صبغت شعرها باللون الأشقر وبان جذره الداكن، وكذلك فاطمة، وهي في السادسة عشرة وأكبر أخواتها، وفتاتين توأم في الثالثة عشرة، تبدوان متشابهتين تماماً، وأمّ لصبيين، وفتاة ذات ندبة في الجهة اليمنى، وامرأة كبيرة السن ترتدي سوارين في معصميها، وفتاة ذات شامة بجانب حلمة ثديها الأيسر، وأخرى ذات بثرات في جسدها، وفتاة ذات ضفيرة تصل إلى أعلى حذائها الطويل، وفتاة ذات شفتين كبيرتين رخوتين..

(يحس بصعوبة المواصلة)

كريمة: وابنتي رباب؟ لماذا لم تذكرها؟ (تهجم على زعور بالمجرفة، وتضربه على ظهره فيسقط على الجثث، ويزحف خلف النصب، فتتبعه كريمة وتضربه على رأسه بقوة، فيظل صامتاً، باسطاً قدميه وراء الجثث، وتظن كريمة بأنها قتلته، فتشعر بالرعب، وتكافح من أجل ألاّ تتقيأ، وتتطلع إلى عدة جهات، وتحاول أن تصرخ لكنها لا تستطيع. تهرع إلى زعور مقررةً أن تطمره، وبعد أن تتطلع إلى ما حولها بحثاً عن موضع ملائم تتقدم إليه لتسحبه من قدميه، ثم تبدأ بتهيئة حفرة له، وحين تسمع زعور يتأوه تندفع إليه، وتخطف رأسه بيديها) زعور؟ زعور! هل أنت؟ (تفحص تنفسه، وبلهفة ومن دون شعور تضمه إلى صدرها. يتحرك زعور، فتسقِط كريمة رأسه فجأةً، وتنهض مستعيدةً صلابتها. يجلس زعور ويدلك رأسه).

زعور: أنت سعيدة إذن لأنني ما زلت حياً ها؟ أنت مثلي تماماً يا كريمة قاتلة، عبدة، وكلبة.

كريمة: لا تشابه بيننا.

زعور: هل تعتقدين بأنك فوق الجميع ها؟ لقد نلتِ ما أردته منّي مرةً، ثم تصرفتِ معي مثلما كنا نتصرف نحن مع الأسرى. نعم أنت تريدين أن تتصرفي مثل جندي جيد يا كريمة.

كريمة: لقد فعلت ذلك من أجل ابنتي، من أجل الحب.

زعور: ذلك ما يقوله الجندي أيضاً “الحب من أجل بلدي”.

كريمة: الأمر مختلف، ابنتي كانت بريئةً.

زعور: الحرب ليست مكاناً للبريء.

كريمة: كيف تتجاسر…؟

زعور: ستقتلينني مرةً أخرى؟ أنا أو أنتَ، أليس هذا ما قلته؟ أنا أو أنت، من ذا الذي سيكون؟ أنت لا تستطيعين كسب الحرب من خلال الموت. هل ترغبين في الموت من أجلي يا كريمة؟ فكرة جيدة جداً ها؟ من السهل أن يكره المرء، من السهل أن يقتل مرةً. أنتِ غذيتِ ذلك الكره. أليس هذا صحيحاً يا كريمة؟

كريمة: أنت تجعل الحياة لا تُطاق.

زعور: لكننا هنا، أنتِ هنا، أنا هنا، نحن من جعلها لا تُطاق.

كريمة: نعم، لا توجد عدالة في هذا العالم.

زعور: كلا، كلاب وعبيد.

كريمة: كلاب وعبيد. ابتعد من هنا (ترمي إليه مفتاح قيده) تستطيع أن تذهب. (زعور يظل في مكانه) اذهب (كريمة تستدير لتغادر).

زعور: إلى أين ستذهبين؟

كريمة: أعود إلى هناك.

زعور: هل باستطاعتي أن أذهب معكِ؟

كريمة: كلا.

زعور: أنت تحتاجين إلى أحد.

كريمة: ليس أنت.

زعور: مَن إذن؟ لا يوجد أحد غيري، أليس كذلك؟ أنت وحيدة.

كريمة: اذهب إلى بيتك وأسرتك.

زعور: يمكن أن يأسروني عند الحاجز.

كريمة: ليكن، اذهب.

زعور: كريمة؟

(كريمة لا ترد)

أنا آسف. آسف على ما فعلت. انسِني.

كريمة: كيف؟ كيف أستطيع أن أنساك؟ أرني، أرني كيف أنسى، لا أعرف كيف.

(يتقدم زعور خطوةً غير واثقة صوب كريمة)

زعور: (بهمس تقريباً) أنا آسف، انسِني.

(يمد إصبعه لا شعورياً ليلمس يد كريمة ويجمد المشهد. خفوت بطيء للإضاءة على النصب)

النهاية


كاتب من العراق