الإضاءة الأولى

السيرة والذات

الجديد  زبير بن بوشتة [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(60)]

لوحة: أسامة دياب
«يضاء مكان مهجور يشبه خلاء أو مقبرة بلا أيّ انتماء ديني، ليست بمسيحية ولا بيهودية ولا بإسلامية. مقبرة تشبه كل هذه المقابر ولا تشبهها. مريودة، قيِّمة المقبرة، سيدة في منتصف العمر، بملامح غير محددة. تتفحص باستغراب هندام شخصين يقفان منغرسين في مكانهما ظهرا لظهر دون حراك في هيئة تمثال واحد بوجهين يتشابهان وكأنهما نفس الوجه يتكرر في كلتا جهتي التمثال نفسه. تتملاه مستقرئة ملامحه»

مريودة:

أنف معقوف، شاربان أشقران، معطف بُنيّ ناعم، بريه باسكي، يبدو هذا الوافد الجديد وكأنه قادم للمنادمة وليس للدفن حيث الموت سيد المكان.

«تمعن في سجلّ مفتوح بين يديها»

أرسلوا الجثة من المستشفى العسكري بلباس مدني. «لحظة» موتى آخر الزمان! لم يعد ثمة من يقيم للمصاب الجلل ما تستحقه هيبة الموت من إجلال وتقديس. «لحظة» يتجرأون على إرسالنا ميّتهم مجردا من كفنه بل وبملابسه الحياتية؟ كيف يجرأون على فعل مقيت مثير للقرف كهذا؟!

«تتفحص رأس التمثال»

يبدو رأسه غير حليق. لم يمسس المقص شعرة منه. استكثروا فيه حلق شعر الرأس والعنة والإبطين، وأكيد أن الجثة لم تمر بمغسل، أما الكفن فلا شك أنهم احتفظوا به لاستعمال أهم.

«تتطلع إلى سجل بين يديها وتقرأ بإمعان»

يسجلون في كناش موته أن الوافد ليس غريبا على المقابر فالسجل يذكر عن زمن أخطائه بالحرف:

«تقرأ نقلا عن السجل. وكل ما تقرأه ينعكس كتابة على سور المقبرة»

(لا أعرف ما يحفزني دائما إلى التجوال في المقابر؟ أهو سلامها أم هي عادتي أيام نومي فيها؟ أم حبا في الموت؟) كما يذكر أن الوافد كان يمتهن الكتابة لذلك فإنهم وضعوا جردا لمرفقات جثته والتي تحتوي على أقلام متنوعة في الأشكال والأحجام التي عادة ما كان يحتفظ بها في الجيب المستور من معطفه.

«تخرج أقلاما من الجيب الداخلي للمعطف. بتلقائية تجرب الكتابة بها على السجل. كل ما تخطه ينعكس مباشرة على سور المقبرة»

(كتبتُ.. في المقابر اليهودية، والنصرانية، والإسلامية خاصة المقابر التي يرجع عهدها إلى القرن التاسع عشر في طنجة، ربما لأن المقابر القديمة أكثر إيحاء أو لأني أحب الموت القديم.) ]

«تخاطب التمثال»

الآن وأنا أكتشف السر وراء إرسالهم إياك بكامل هندامك الدنيوي، فأنت تأتي إلى هنا لتحيا حياتك الأخرى التي فاتك أن تحياها هناك.

«تدخل يدها في جيب المعطف وتفتشها»

عشتَ اسثناء وها أنت تموت استثاء لتنبعث هنا مرتديا معطفك المعتاد بجيوب ما خلت يوما من علبتي سجائر اثنتين:

«تخرج علبة أولمبيك الزرقاء»

أولمبيك الزرقاء لاحتراق الصباحات السوداء،

«تتبعها بإخراج علبة مارلبورو»

ومارلبورو لرماد المساءات الشقراء،

«تخرج ولاّعة»

وما بينهما ولاّعة بيضاء بلا انتماء، قد تضيّعها وقد تضيّعك في زحمة الكلام والقهقهات العابرة.

أين لي بك وافدا غريب الطلعة والأطوار؟ «لحظة» في الغالب الأعم يظهر على دفناء المقبرة العجز والوهن بأطراف حجَّرها جمود بارد بمجرد دفنهم. لا تعدو تنتفض أرواحهم الهادئة على إثر زيارة قريب أو صديق ثم تعود مستكينة إلى مثواها. ما إن توضع رؤوسُهم على أوسدة أتربتهم حتى يستسلمون لسبات الأواخر.

«صمت طويل، تتأمل التمثال، ثم تخاطبه»

ما بي أرى في فيك نبع حياة، كأنك لم تمت، منذ أن حللتَ هنا وجثمانك في شغب وصخب! هل يُعقل أن يكونوا هناك في المستشفى العسكري قد أخطأوا إرسالك إلى هنا عوض إرسالك إلى حفل توقيع كتبك في المكتبة الوطنية؟

«تقترب من التمثال أكثر لتتملّى ملامح وجهيه»

بأنفك المعقوف تبدو متعجلا قلقا. ما إن يستقر بك مقام حتى تتعجل استبداله. مددناك وقفتَ، أقعدناك انتصبت. كل الدفناء غارقون في نومهم الأفقي تحت أرضي، إلا أنت فقد أصررت على الرقاد وقوفا كجبل تدغين لا تمل من معاندة عصف الأيام بقوارص بردها وبقوارض قيظها. في نظرتك ما يكفي من الرؤيا وفي أنفتك شظايا من عنف العشيرة. «لحظة»

وافد لا تُشبه باقي الدفناء. فمن أين جاءك الكتاب؟ من الخلف أم من الأمام؟ أُنزل عليك أم أصعدته من جحيم القاع؟ وهل أوتيتَ كتابك بيمينك أم بشمالك؟

شك:

«الوجه الأول للتمثال» بيميني أوتيتُ كتابيَ.

«يمدها كتابا باليد اليمنى بعنوان: الخبز الحافي»

ري:

«الوجه الثاني للتمثال» بشمالي أوتيتُ كتابيَ.

«يمدها كتابا باليد اليسرى بعنوان: «زمن الأخطاء»

مريودة:

«تستلم الكتابين وتتأملهما محدثة نفسها»

دفين بكتابين هذا ما أُنزل به من سلطان!

«بشكل استعراضي»

أنت هو محمد شكري الملقب برجل الخبز الحافي؟

«ينشطر التمثال إلى شخصين بسرعة فجائية. يفترق كل واحد منهما عن الآخر في تقابل»

شك وري:

«الاثنان معا وبإيقاع سريع وتلغرافي»

نعم أنا هو محمد شكري الملقب برجل الخبز الحافي.

مريودة:

للتو كنتما واحدا فكيف صرتما بغتة اثنين؟

شك وري:

اثنان في واحد!

مريودة:

«تصرخ فيهما بصرامة» باختصار! من منكما محمد شكري الملقب برجل الخبز الحافي؟

شك وري:

«الاثنان» أنا

مريودة:

أنتما واحد أم اثنان؟

شك وري: اثنان في واحد

مريودة:

بلغة أهل الدنيا، اثنان في واحد تساوي اثنان. أما بلغة دار الحساب والعقاب فالمفروض أن تكونا واحدا بكتاب واحد. أنتما اثنان بكتابين. فمن منكما محمد شكري الملقب برجل الخبز الحافي؟ أنت أم أنت؟

شك وري:

«الاثنان» أنا

مريودة:

واش بغيتو تحمقوني؟ أنتما واحد أم اثنان؟

شك وري:

اثنان في واحد…

مريودة:

تساوي اثنان. وأنا أريد واحدا بكتاب واحد.

لوحة: أسامة دياب

شك:

أنا كاتب وما كتب.

مريودة:

باليمنى أم باليسرى؟

ري:

أخذت الكتاب بقوة…

شك:

«يكمل»…حتى أحيا

مريودة:

كما لو أنك يحيى!

شك:

أنا من أحيا الكاتب والكتابة.

ري:

أنا من عاش الكاتب والكتابة.

«على إيقاع سريع تتداخل حواراتهما إلى أن تصير أهزوجة يتغنيان بها»

أنا من أحيا الكاتب والكتابة.

أنا من عاش الكاتب والكتابة.

مريودة:

أنا هنا القيمة على سير حياتكم في مماتكم، والسجل يقول إنكما دفين واحد فلا يعقل أن أمنحكما قبرين، هذا ليس عدلا، حتى وإن تعلّق الأمر بكاتب ذاع صيته بين سائر البشر بل وحتى العفاريت. لكما الحق في قبر واحد كما يحق لجميع الأموات. كما تعرفان، كثرت الوفيات وأثمان القطع الأرضية ارتفعت فلا يعقل أن نظل نوزع المقابر على ذوي النزوعات التجريبية في استنساخ الأصل والمفصل. «لحظة»

ري:

أنا لست استنساخا…

شك:

«يكمل»…. أنا كاتب وما كتب.

مريودة:

«تصرخ فيهما» اسكااااااات! أريد منكما أن تتقمصاكما لتحكيا لي عن الكاتب وما كتب لأدرك مَنْ مِنْكما الأصل ومَنْ مِنْكما النسب! «لشك» أريد منك أنت، أن تتقمصك كاتبا بأناقة فتوتك وحلم نظراتك. أما أنت «لري» لك أن تتقمص الطفل الشريد الذي كنته.

«يسرع شك إلى الجانب الآخر من الركح ويقتعد كرسيا بجانب طاولة تكدست فوقها كتب وقواميس وينكب على الكتابة»

شك:

أنا كاتب وما كتب وإن لم تصدّقيني فها أنا ذا في مقهى السينطرال أكدس حولي الكتب والقواميس، أكتب ما تيسر لي من السيرة والذات.

«في هذه الأثناء يتأبط ري صندوق ماسح أحذية ويتوجه إلى حيث شك ليعرض عليه خدمته. يضع شك إحدى قدميه على صندوق تلميع الأحذية منشغلا بالكتابة دون إعارة أدنى انتباه للطفل ري ماسح الأحذية الذي انكب على تلميع الحذاء»

ري:

أنا هو السيرة، والذات أنا، وإن لم تصدقيني فهأنا ذا في ريعان الطفولة ألمع حذاء كاتب يكتبني فأعيشه.

«تعم الظلمة أرجاء المكان إلا حزمة ضوء خافتة مسلطة على شك وري في وضعيتهما»

‏ ‏ post=338025&action=editب l ا_ftnref1ب [1]تذ زمن الأخطاء. محمد شكري. ص: 42. الطبعة الأولى. الرباط. 1992

‏ post=338025&action=editب l ا_ftnref2ب [2]تذ نفسه

‏ post=338025&action=editب l ا_ftnref3ب [3]تذ تدغين أعلى قمة جبلية في سلسلة جبال الريف ويبلغ ارتفاعها 2465 مترا

الإضاءة الثالثة

وردة أرناها أريجها

«تلاطم قوي لأمواج هادرة. أنطيوس منكب على منضدة. يبدو أن تجاربه العلمية تستحوذ على تركيزه. تزمجر العواصف بحدة أعنف من تلاطم الموج. لحظات. يسمع وقع حوافر حصان، حينا يقترب وحينا آخر يبتعد. ينتبه أنطيوس على إثر تصاعد الوقع».

أنطيوس: وكأن كائنا يقترب! أو لربما هو شيء يُتدبر! «لحظة إنصات»

بلى إنها حوافر تبتعد! تراها تركض أم أنها ترقص؟

لعلها تطوي المسافات! أم تراني أستهيم بأوهام فراغ يلفني داخل هذه المغارة المشرعة على الظلمات؟

منذ أن زج بي هرقل ههنا، لم يناجِ أذني إلا زئير البحر وعويل العواصف..

عشر سنوات، وجها لوجه أنا وهذا الصخب الصامت وهو يلوح لي بطيف موتي، يحصي علي أنفاسي. فأنّى لك أن تقبض على روحي يا هرقل الانتصار؟

«وقع الحوافر يزداد حدة ممزوجا بهدير البحر وصفير العواصف»

وهذا الوقع، ما يعنيه يا ترى؟ أحصان يقترب أم تراه يبتعد؟

كدت أنسى وقع حوافر الأحصنة، إيقاعَها حتى! أتراه إيقاع ركض أم رقص أم رفس للأحشاء؟

أم تراه هرقل هذا الذي

يلهو الآن بالبحار وبالأشجار

يؤجج جحيم الآلهة بغابات الغار.

يعبث بالسحب ويبعثر مجاري الأنهار.

ينفخ في الناي صولة الانتصار

فيتزوبع الكون على رقصة الإعصار…

وكأن الحرب لهو والحرائق متعة…

«يصيخ السمع باهتمام أكبر»

كم هو حي فيّ هو هذا الموت، وكم هي متجبرة فيّ هذه الهزيمة.كأنه هرقلٌ يتعملق في الخلايا، يتجذر في أعماق الكيان والأعمدة. يجثم على صدر أمي الأرض. يجتث الموج من قلب نيپتون: أبي!

«يقترب من الفجوة المطلة على البحر ويخاطبه»

أبي يا بحر الهزيمة…

منذ أن لملم هرقل حدائقي

وانتزع من رأسي

إكليل مملكتي

واستباح تفاح جداتي

الهيسپيريديات

وأنا أتعايش وموتي..

أنّى لأجنحتي أن تسترد حرية تحليقاتها؟

أنّى لزوجتي طنجيس أن تستعيد شهقة الحب في أحضاني؟

… وهرقل يكبلني بخيار مشروط: أن أخترع سلاحا فتاكا يستعين به على إتمام أشغاله الإثني عشر و إلا أعدمني

على مرأى من الطيور والوحوش

على مرأى من أمّي الأرض

على مرأى منك أنت! نيبتون!

أبي! يا بحر الظلمات!

على مرأى من كل الآلهة والأقزام

أوَ لازال للكون رب يستحق أن نموت من أجله؟

«يعود إلى داخل المغارة. كما لو يخاطب طنجيس المنزوية خلف عمود»

عشر سنوات وجها لوجه أنا وموتي ولا ثالث لنا إلا هذا المختبر… أستقطر من إنبيق الاحتضار قطيرة حياة أزرعها في مسام المادة لتصير روحا يشتهيها هرقل آلة تحصد الأرواح.

وكأن الصلاةَ حرب والآلهةَ خدعة.

«يصير الوقع أقوى أو ربما أقرب»

أنطيوس: نهاري شمس تطلع في المغيب.

طنجيس: ليلي قمر يطل من فجوتي ويمرق في البعيد.

أنطيوس: تراني صرت شبحا في مهب كيمياء وقت أخلطه نهارا بليل علني…

طنجيس:…. أعثر على أصل لظلي المتلاشي في الغياب…

أنطيوس: علني…

طنجيس:… أقبض على نصفي المتوحد في اليَباب.

أنطيوس: وكأني في ظلمات كينونتي…

طنجيس: وجه يطارد ملامحه.

«تصير طنجيس أقرب من أنطيوس. لا يبدو على الاثنين أيّ تعبير بالمفاجأة وكأنهما لم يفترقا كل هذه السنين»

أنطيوس: أريج أرنته وردته.

طنجيس: وردة أرناها أريجها.

أنطيوس: أستنشق عطرها في عفونة جسدي المنخور بالرطوبة.

طنجيس: أستنشق عطره في تحليقة نورس.

أنطيوس: أستنشق عطرها في تراتيل لا تنتهي لموجة غضبى تأبى الموت على عتبة المغارة.

«تحضنه»

طنجيس: أشتاق إليه وقد استسلم لأحضاني ككسيح أقعدته عزلة المغارة…

«تحضن وجهه بكلتا يديها»

أنطيوس: أشتاق إلى راحتي كفيها تحضنان وجهي…

«يعبث بضفائرها ويفكّها واحدة واحدة»

طنجيس: أشتاق لخشونة أصابعه وهي تتغلغل بين ضفائري وتفكها بجنون حنون.

أنطيوس: تشتاق شفتاي الجافتان لرحيق شفتيها المبتلتين حنينا…

«تحضنه»

طنجيس: هو يصير أنا.

«يحضنها»

أنطيوس: هي تصير أنا.

«يلتحمان للحظات»

الاثنان: روحان تحلقان في نورس واحد، يصير آثنانا.

أصوات تغني: أنا من أهوى، ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتَني أبصرتَه

وإذا أبصرتَه أبصرتَنا

أيها السائل عن قصتنا

لو ترانا لم تفرق بيننا

روحه روحي وروحي روحه

من رأى روحين حلّت بدنا [1]

«ينتبه أنطيوس كما المستيقظ من حلم»

أنطيوس: ياه وكأنني أفيق من غفوة!

«يتفقد ما حوله»

كدت أنسى الكون وما يعنيه الزمن! عشر سنوات مرت وكأنها غفوة!

أحقا هي من كنت أعانق منذ لحظة؟ أم تراها دياجير المغارة وقد تفجرت فجأة ضَيا؟

«طنجيس متهالكة على عمود في الحديقة تعصر بين يديها تفاحة ذهبية»

أم ترى هذا النور المحزوم في غمد روحي جرعة حياة تقتحم علي موتي المؤجل من فجوة جسد بلوري؟

«يصيخ السمع. وقع حوافر الأحصنة وهي تبتعد»

يا حراس! أما آن لهذه الحوافر أن تتوقف… ها قد عاثت في الأحشاء عُتُوا؟

«يسود ظلام تدريجي فضاء المغارة»

[1] ديوان مولانا الحلاج الحسين بن منصور. قصيدة «روحان في جسد».


كاتب ومسرحي من المغرب