كوكب‭ ‬الذكورة

الجديد  مختار سعد شحاته [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(110)]

لوحة: محمد أبو الوفا
اللوحة الأولى

المنظر العام:

غرفة «أنتريه” يتمدد رجل أربعيني في وسطها بين الكراسي، يتابع التلفاز، ويقلب في المحطات، تستوقفه محطة ما، فيعتدل في جلسته، يمد يده بآلية إلى علبة السجائر، يشعل سيجارة، ويهرع في حركة فجائية، يبحث في حقيبة ملقاة على أحد الكراسي، وقد خرج منها «جريدة محلية معنونة المصري اليوم”، وغلاف لكتاب ما، يفتش في الحقيبة، ويتحدث مع نفسه:

- «كانت هنا.. كانت هنا.. أين ذهبت؟!”.

يخرج يده من الحقيبة، يتهلل وجهه:

- «ممممم… وجدتها.. وجدتها”.

يرفع بين عينيه «فلاشة إلكترونية”، يقذف بها إلى الهواء، ثم يمسكها في حركة مرحة.

- «مممم.. تعالي يا غالية.. أهلاً” (يضحك).

يتحرك نحو التلفاز، يدخل الفلاشة خلف الجهاز.. يفرك يديه.. يضحك ضحكة تشبه إلى حد بعيد ضحكات الأفلام الكرتونية، ويبدأ في تقليد صوتها:

- «حان موعد التسجيل يا معالي الوزير… هههههههههه”.

يكرر الضحكة وهو يبتعد عن التلفاز، ومغيرًا اتجاه حركته نحو قابس الكهرباء، ويضغط القابس، فيظلم المكان إلا عن التلفاز الذي يعرض أغنية وطنية مشهورة، يبدو في خلفية الشاشة التلفزيونية رجال يتراقصون على نغمات الأغنية ويتقصعون، ويعود إلى جلسته الأولى، ويتمدد.. مع إضاءة الشاشة، وتغير حركة الألوان، تبدأ فرقة في الدخول إلى عمق المسرح على وقع الأغنية.

- «رجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجالة….”. صوت الأغنية والموسيقى يعلوان.

تبدأ إضاءة المسرح في التدرج إلى اللون الأزرق، وتستمر الموسيقى والأغنية، وتضاء بقعة ضوء بيضاء على البطل المتمدد، وتخرج أمام شاشة التلفاز فرقة من الرجال تتقصع مثلما ظهر في الشاشة، ويبدأ الغناء من جديد:

- «رجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجالة…”. صوت الأغنية يتردد.

يتحرك البطل، ثم يصل وسط المسرح، يتمدد في مواجهة الفرقة التي تتراقص في عمق المسرح، ويبدأ في تقليد حركة الراقصين بتهكم مبالغ فيه مصحوبا بصوته:

- «هع.. هع.. هع.. رجالة وطول ولادك يا بلدنا رجالة.. رجالة! أي رجال هؤلاء؟! راقصون؟!، متقصعون.. مسخرة!!”.

تتغير نغمات الإيقاع لتتقاطع مع أغنية جديدة، ومعها تتغير حركة الفرقة في العمق، يهب من مكانه فجأة ويبدأ في التقصع والرقص معهم، ويرفع الفلاشة إلى الأعلى مثلما السيف، ويغني معهم وهم يخرجون، وهو ينضم إلى خلف الطابور الراقص الذي بدأ في مغادرة المسرح:

- «والله وعملوها الرجالة.. ورفعوا راس مصر بلدنا”.

يكررها وهو يحجل على إيقاع الأغنية، وترجع إضاءة المشهد إلى ما قبل دخول الفرقة، وبينما يستمر البطل تحت بقعة الضوء يتقصع ويغني، ويمزج بين الأغنيتين، ويلقي بنفسه إلى مكانه الذي تمدد فيه، ثم يضاء المسرح إضاءة طبيعية من جديد، وقد تقطعت ضحكاته:

يتعالى صوت التلفاز لمذيع يعلن عن نشرة الأخبار:

- «السيدات والسادة.. نشرة الأخبار”. (تتقاطع موسيقى لنشرة الأخبار).

تتداخل الأصوات والمشاهد..

- «هذا وقد بدأ يتفقد سيادته المشروع، وأعطى توجيهاته إلى المسؤولين…..”.

يخف الصوت تدريجيًا مع خفوت الإضاءة، حتى يغرق المسرح في إظلام تام. يصمت المسرح لثوانِ.. تتدرج من جديد أصوات نشرة الأخبار، ويبدأ يظهر صوت المذيع:

- «مقتل ثمانية أشخاص (تتصاعد موسيقي المارش بنفس إيقاع الجمل التي نسمعها من النشرة على المسرح) وفي إطار آخر يفيد شهود عيان بوقوع العديد من الإصابات، هذا وقد أعلن المتحدث باسم الوزارة عن قنص عدد من (يطغى صوت المارش لثوان يستمر وحده على المسرح، ليأتي صوت المذيع) وسنذيع عقب النشرة وقائع المؤتمر الصحفي لمعالي الوزير”.

فجأة في وسط الإظلام، بقعة الإضاءة على البطل، الذي يشعل سيجارة جديدة.. ويتأفف مما يسمع:

- «الله يحرقكم!! قتل قتل قتل.. لا خبر يسر القلب يا اسمع يا بطّل، ولاد التيييت!!”.

ينهض من مكانه، وهو يتحدث إلى نفسه:

- «اسمع يا بطّل، فنجان شايك، سيجارتك، الجلوس في هدوء، يكفينا أن أولاد الأفاعي ضربوا مزاجنا اليوم في مقتل… آه يا ولاد الكلب!!”.

ينهض ويتحرك نحو الخارج، يختفى من المشهد، ويظلم المكان، ويتحول المسرح في عمقه إلى شاشة بيضاء تعرض وقائع مؤتمر الوزير:

- «وأعتقد في غضون الشهور القليلة المتبقية حتى نهاية السنة، هتكون الوزارة سجلت كل المرضى، وأدرجتهم في جدول للعلاج، بما يضمن أنه خلال العام القادم نكون قضينا على هذا الوباء من مصر كلها…”.

صوت لغط، والصورة تتحرك على الشاشة، ويتداخل صوت تقليب الشاي، وأصوات أشياء في المطبخ، ثم صوت كسر زجاج..

- «يووووه!! آخر برطمان عسل!!”.

تنخفض الإضاءة من جديد ليعود المشهد الأول، تدخل الفرقة إلى عمق المسرح من جديد مع تبديل الإضاءة إلى الأزرق مرة أخرى، ويعلو صوت تقليب الشاي، ليدخل البطل، ويدندن حين يكون بدا في الظهور من جديد إلى المسرح:

- «والله وعملوها الرجالة.. ورفعوا راس مصر بلدنا..”. (يضحك).

يحاول التقصع على نغمات دندنته، يكاد كوب الشاي يسقط، فيتداركه بسرعة:

- «الله يحرقكم.. تتآمرون على إفساد اليوم يا كلاب!! آخر كوب في المطبخ.. قلة مزاج يا أولاد الكئيبة!!”.

يتمدد، ويشعل سيجارة جديدة، وينظر إلى شاشة التلفاز الذي تعود إليه صورة المذيع وصوته:

- «السيدات والسادة نقلنا لكم المؤتمر الذي عقده وزير الصحة للإعلان عن العقار الجديد لعلاج المرضى من حاملي الفيرس.. تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر”.

يتعالى صوت التلفاز من جديد على أغنية جديدة:

- «مشربتش من نيلها…”.

تخفت درجة الصوت، ويضاء المسرح تدريجيًا، وينهض معها البطل بهدوء.. وبينما يتلاشى صوت الأغنية يدندن البطل، بعد أن يضع كوب الشاي فوق رأسه ممسكًا إياه بيد، والفلاشة يرفعها باليد الأخرى، ويتمايع على وقع الدندنة، وهو يتحرك نحو عمق المسرح:

- «مشرقتش من نيلها.. حششت في قهاويها.. زبالة في حواريها..”.. (يغني من وسط عمق المسرح، قبل أن يتحرك حركة حرة على خشبة المسرح، ويتابع سخريته من الأغنية، ثم يتحرك في إيحاء بالدخول إلى حجرة أخرى:

- «لنمشِ خلفكم يا وزارة الصحة.. وكما يقول المثل.. (ينطق بالعامية محرفًا المثل الشعبي) خليك وراء الحكومة لحد باب الدار.. قبل الاختفاء مباشرة يتوقف، ثم يغني) ورجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجالة).

إظلام.

اللوحة الثانية

المنظر العام: موقف ميكروباصات، وأصوات المنادين تتعالى وتتداخل، تنادي بأسماء وجهتها، وتختلط بأصوات الباعة والمنادين وباعة الجرائد، ويظهر البطل وفي يده «حافظة أوراق”.. ثم يتقدم نحو مكتب علق على بابه لافتة:

- «احجز مقعدك.. خدمتك متعتنا.. شركة «أبو سريع» للنقل السياحي”.

يقرأ البطل اللافتة بصوت عال، ويكررها:

- «أبو سريع!! يا خوفي يا بدران.. (يتنهد) ما علينا.. توكلنا على الله”.

يتحرك البطل نحو المكتب الذي تجمّع حول شباكه مجموعة من المسافرين، ويتنادون بأسماء وجهاتهم، وتتداخل الأصوات:

- «واحد شبين الكوم”.

- «خمسة منوف”.

- «ميت غمر”.

تتابع الأسماء، ويتقدم البطل مقتربًا من التجمع، ويسأل أحدهم وقد انتحى جانبًا، يتناول طعامه على منضدة أمامه، وأمامه كوب شاي:

- «صباح الخير”.

- «صباح الخير”.

- «فيه حاجة بتروح «كوكب الذكورة” من هنا؟!”.

- «نعم”.. ينظر نحوه باستنكار وريبة؟

- «هههه.. أقصد كفر الإمام”.

- «الله أعلم!!” بحدة، ثم يتابع:

- «اذهب هناك، وسط المعمعة.. ارمِ نفسك في الهوجة واللمة، ثم اركب الموجة.. وأنت ونصيبك”.

- «حضرتك تقصد.. الطوفان البشري” (ويشير البطل نحو تجمع المسافرين وصياحهم حول شباك التذاكر).

- «مممممم…وبالنسبة إلى من لا يعرف العوم حضرتك.. الطوفان يغرقه.. ويموت؟!”. (يبتسم).

ينظر له الرجل بامتعاض، ويكمل كلامه دونما النظر نحو البطل، بينما ينظر نحو الكتلة أمام الشباك:

- «هذا هو المتاح.. هذا المتاح يا شعب.. نضرب الأرض”. (يغير نبرة صوته، ثم يتابع الكلام).

- صرخنا لهم، أغيثونا.. نظموا لنا الدنيا.. الفوضى في كل مفاصل حياتنا.. قالوا، قفوا في الطابور.. الطابور نظام.. الطابور إصلاح وتهذيب” (يضحك، ثم يسخر بصوت متألم).

- ومن يومها.. ظلّ الطابور يطول ويطول.. وطابور يرمينا لآخر.. حتى صارت البلد كلها طوابير.. والطابور صار قطارًا.. والقطار يجري.. يجري.. يجري بخلق الله الغلابة.. وأنت ونصيبك، مرة يحترق، مرة يتعطل، مرة يتأخر.. لكن؛ لم يصل من قطارات الغلابة قطار واحد مهم إلى المحطة.. قطارات تجري من بحريها إلى قبليها، لا تتعب ولا تكل، ولا تنوي التوقف حتى ينزل الغلابة في محطاتهم).

يقاطعه البطل، ويحاول الابتسام ليخفف من انفعال الرجل الذي زاد:

- «معلهش يا أستاذ.. الصبر.. الصبر.. هههه.. مازلنا في أول الطريق..على قدنا”.

- ” معلهش!! أنت أيضًا ستقول دول نامية؟! عالم تالت؟! إلى متى؟! ليقل لي إنسان، إلى متى؟!” (يكاد يبكي، ويتابع).

- «يبدو أن قدرنا مكتوب، وأن نموّنا -نحن وفقط- الذي توقف.. وأناس آخرون هم من يملكون الحق ويسمنون، وتنتفخ بطونهم”.

- «آسف يا حاج.. إن شاء الله المستقبل أحسن”.

- «ههههههههههههههههه… مستقبل؟!! أي مستقبل؟ متى؟ أين؟ المستقبل هنا يا محترم، خلاص.. المستقبل هنا لا يريد الحضور.. أصبح مرعوبًا من الفكرة.. تخيل.. يخاف أن يموت قبل الأوان في حادث سير على طريق، أو أن يقع عليه بيته، أو يقع في بلاعة” (يبتسم بمرارة، ثم يتابع).

- تصدق يا أستاذ…في مرة، منذ سنوات كان مستقبلنا ينوي القدوم.. ولكن هناك ابن حلال، ألقى عليه كيس قمامة من البلكونة.. ومن يومها، قرر ألا يجيء.. المستقبل خلاص يا أستاذ.. «بح” لن يأتي.. (بحسرة بالغة) حتى الأمس لن يرجع».

- «صلّ ع النبي يا حاج.. أنتم بركتنا.. أنتم من سيدفعنا بخبرته نحو المستقبل، وإن لم يأت.. ستشجعوننا لنذهب إليه.. المهم أن تدعوا لنا يا حاج”.

- «ههههه.. قلنا مثلكم هكذا لمن سبقونا.. ادفعونا للأمام.. فدفعونا.. دفعونا أولاد المجنونة.. (يضحك) دفعونا، ولكن كانت يدهم ثقيلة.. فكانت دفعتهم أقوى من اللازم.. فوقعنا.. وارتبك الطابور.. وظاطت الدنيا، وصارت الفوضى.. واللمة والهيصة”.

- «ههههه.. دمك خفيف يا حاج.. (يغير مجرى الكلام) بعد إذنك يا حاج.. سأذهب لأحاول الحصول على تذكرة لكفر الذكورة، (يبتسم) فـ”اللمة” تزيد.. والموجة تكبر.. ثم سيكون الطوفان.. وأنا للحقيقة لا أجيد العوم”.

- «أحسنت!! اذهبوا كلكم وألقوا بأنفسكم في قلب الطوفان.. أما أنا.. أنا ذاهب إلى الطابور.. القطار.. السريع.. (تتبدل نبرة صوته تمامًا وتتغير ملامح وجهه، يبدو منشرحًا للغاية، ثم يتابع كلامه) أنا جااااااي.. وسع يا جدع.. تووووووووت… تووووووت… تيش تيش تيش… تووووووووت… اوعى القاااااااااطر.. تيش تيش تيش تيش”

يقف الرجل، يتحرك بعيدًا عن المنضدة، ويحمل كوب الشاي في يده، ليظهر نصفه الأسفل عاريًا تمامًا.. ويبتعد مقلدًا حركة القطار، بينما يقف البطل مذهولا من المفاجأة:

- «يا نهار أبيض!! أنا ناقص؟!!”.

ينظر نحو الشباك والفوضى التي صارت أمامه.. تتعالى الأصوات وصرخات المسافرين أمام شباك التذاكر، والبطل متجمد مكانه، فتمر من أمامه شابة جميلة، تلفت انتباهه، فيناديها بسرعة وآلية:

- «آنسة آنسة.. لو سمحتي”.

تتوقف وتنظر إليه، وتبدو متحفزة بلا داعٍ.

- «أين ميكروباصات كوكب الذكورة.. أقصد كفر الإمام، لو تسمحي”.

- «نعم!! كوكب الذكورة.. (تنظر إلى جسدها وتفصلة بكفيها مارة عليه).. ذكورة يا ابن الكلب.. أعمى.. اتفووووو عليك”.

وتتابع حركتها وهي تجر حقيبة سفر وراءها، فيمر وراءها آخر يتوقف، وينظر إليه:

- «يا أخي!! عيب!! بطلوا رزالة ومعاكسة”.

ثم يخرج من جيبه سبحة طويلة، ولحية طويلة يركبها مكان لحيته، ويصيح:

-” أترضاه لأختك!!! أستغفر الله العظيم”.. ثم يمشي.

- «الله يخرب بيوتكم.. أي ليوم هذا يا ربي؟! من أوله مجانيين.. أنا ناقص!!”.

ينظر نحو تجمع المسافرين الذي تزايد وتعالى الصوت هناك وتحول إلى صراخ وزعيق.. فيستسلم البطل:

- «أمرنا لله.. سأجرب.. ثم لنرى ما النهاية يا كوكب الذكورة!!”.

يضع حافظة الورق بين فخذيه، ويبدأ يشمر أكمام قميصه، وكأنه سيدخل عراكًا فاصلا:

- «استعنّا على الشقاء بالله.. (يتحرك ويلتحم بالمجموعة أمام الشُباك، ثم يصرخ) يا أستاذ.. لو سمحت.. واحد كفر الإمام.. لو سمحت.. واحد كفر الإمام لو سمحت”.

يضيع صوته وسط فوضى الأصوات والصريخ.، يظلم المسرح، ويستمر الصراخ وتبدأ أصوات واضحة:

- «أنت قليل الأدب” صوت نسائي حاد.

- «عيب يا أستاذ.. هذه سيدة.. ميصحش كده”.

-»تذكرة المنصورة”.

-»حاسب يا أستاذ.. رجلي رجلي”.

- «المحفظة…. المحفظة”.

- «يا قليل الأدب” صوت نسائي بلا حدة.

«طنطا تلاتة.. اثنان اشتراك وواحد عادة”.

- «ابعدوا.. حرام عليكم”.

- «كفر الإمام واحد لو سمحت”.

- «يا قليل الأدب” صوت نسائي بدلع ودلال.

تختلط الأصوات وتتداخل.. اللغط يزيد، والمسرح في إظلامه الذي ينير فجأة في بقعة ضوء في طرف المسرح، وقد تناثرت الأوراق في حافظة الورق مع البطل الذي تمزق قميصه تمامًا، ويحبو يلملم الأوراق التي تناثرت، يتحدث غاضبًا:

- «يا أولاد العبيطة.. الرجل المجنون كان على صواب.. كلامه حق!! الله يخرب بيوتكم”.

يحاول أن يهندم القميص الذي تمزق، ويهز رأسه، ويتحسر وهو يفتش جيوبه:

- «الله يولع فيكم.. القميص الجديد!! بركاتك يا كوكب الذكورة.. يا نهار أسود!! التذكرة.. التذكرة.. يا خرابي.. المحفظة.. المحفظة”.

يفتش في الأوراق، ويذعر:

- «يا خرابي!!”.

يخرج الأوراق، ويبدأ القراءة، غير مصدق أنه فقد حافظته وأوراقه:

- «محكمة الأحوال الشخصية، دعوى طلاق.. يا نهار أسود.. الورق.. حجز النت.. تذكرة الحجز الخاصة بمعهد الكبد؟!! الحقووووووووووونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي”.

إظلام.

اللوحة الثالثة

مشهد (1)

المنظر العام: مبنى ضخم مترب، تعلوه لافتة ذهبية كبيرة بهتت ألوانها تعلن عن كونه «معهد الكبد بكفر الإمام”، والآلاف تجمعوا في مدخل بوابة المبني، والبطل بقميصه الممزق يقف، ويتمم على محفظته والأوراق في حافظته، ثم يخرج محفظته ويمسكها في يد، والحافظة في يد أخرى.

- «يا صلاة النبي!! يا جدعان.. ما هذا؟! البلد كلها مريضة على ما يبدو!(يبتسم، ويحاول أن يجد إجابة وتفسيرًا للزحام الشديد) ممكن؟! معقول؟! بيوزعوا لحمة؟ عيش؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

يأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يضع المحفظة في فمه، يصيح:

- «يا معين.. معنا يا رب”.

ينطلق بعد نفسه العميق نحو «الزحام واللمة”، ثم يختفى البطل في وسطها، وتتصاعد أغنية «حلوة بلادي .. السمرة.. بلادي”.

إظلام.

مشهد (2)

المنظر العام: صالة واسعة تعج بالحركة، ونميز فيها أصوات اللغط وتأوهات لمرضى، ويلاحظ كل المارين في الغالب قد علت بطونهم بشكل واضح، والبطل مع مجموعة قليلة يقف أما الشباك، ويحاول التواصل مع موظفة تجلس خلف الزجاج وقد دست الموبايل في حجابها على أذنها، يمد البطل ذقنه إلى فُتحة الزجاج، ويخاطبها:

- «يا آنسة.. لو سمحتى.. صعدت الطابق الأعلى كما طلبت.. قالوا لي، انزل إلى الأسفل.. عند الاستقبال”.

- «طيب.. اذهب لهم في الاستقبال.. (تغير نبرتها إلى جادة) هنا يا أستاذ مكتب الحجز والتسجيل كما قلت لحضرتك”.

- «ذهبت يا أفندم ، لكن زميل حضرتك قال لي، اطلع فوق”.

- «طيب.. اطلع لهم يا أستاذ فوق.. (تغير وجهها وتتحدث إلى هاتفها واضعة كفيها كبوق أمام الموبايل) ليس أنت يا حاج.. انتظر.. انتظر”. (تعود للنظر نحو البطل).

- «يا آنسة.. ذهبت لهم مرة أخرى.. فأرسلوني من جديد إلى موظف الاستقبال”.

- «وما المطلوب مني الآن.. (تعود للحديث في تليفونها بنفس الحركة من كفها لضمان جودة صوتها في الموبايل) لا.. لا.. أنا مع مريض والله.. واقف قدامي.. (تعود للبطل بوجهها) ستجده في العيادة بعد العصر.. اذهب، وقل له، إنك من طرفي”.

- «يا آنسة.. أيّ عيادة ؟؟!!”.

- ” يا أستاذ!! ليس أنت.. أنا أتكلم في التليفون.. وبعدين!!”.

يتأفف البطل، ويُشيح بوجهه، بينما تتابع الموظفة التي تبتسم، وتتحدث في الموبايل:

- «أنت زعلت.. آسفة يا بيبي”.

ينظر نحوها البطل باستغراب:

- «نعم!!”.

- «يووووه.. وبعدين.. أنت هنا جي تعذبني يا أستاذ.. (بحنق وهي تشيح بوجهها بعيدا عن البطل) بلا قرف… يووووه.. مش أنت.. مريض يقف أمامي يا بيبي”.

- «يا آنسة لو سمحت.. اتركي الموبايل.. وأجيبيني من فضلك.. أين ينبغي الذهاب بالضبط”.

- «جرى إيه يا أخ.. (بغضب) يووووه.. بيبي!! (للبطل بحدة) هنا مكتب الحجز التسجيل.. أطرش؟! أم لم تفهم كلامي؟!!”.

- «يا أفندم..منذ الصباح وأنا دايخ.. وكل من يرى ورقة حجز الإنترنت خاصتي، يقول لي: تحت.. أنزل، فيقولون لي: فوق.. دوخت.. ولم أعد أفهم.. أريد أن أفهم أرجوكم!!”

- «النت!! أنت من هؤلاء.. حجز النت؟! طيب.. ولماذا لم تتحدث من البداية.. (لنفسها بتبرم وبصوت مسموع) شعب يحير الملك… يوووووووه.. مش أنت.. بيبي.. اهدى”.

- «آسف يا أفندم.. ها أنا أعيد من البداية لحضرتك.. هذه ورقة الحجز بالميعاد، والتي طبعتها من الإنترنت كما تحدث سيادة الوزير بالمؤتمر في التليفزيون”.

- «طيب.. طيب.. انتظر معي دقايق”.

- «تاني.. انتظر؟!! لماذا الانتظار؟! ليه؟!”.

- (بحدة) «يا أستاذ ليس أنت.. أنا أكلم خطيبي على التليفون”.

تفتش الموظفة أمامها.. تفتح درجًا.. تخرج كراسة بالية، تتصفح الكراسة، وتقطع منها قطعة من الورق، وتكتب فيها شيئًا ما، ثم تناولها إلى البطل:

- «أي خدمة يا أستاذ.. اتفضل.. يا رب ترحمني” تمد يدها بالورقة من خلال الفُتحة الزجاجية نحو البطل، فيأخذ الورقة، ويقرأ بصوت مسموع:

- «17.. غرفة 17؟! ما هذا الرقم يا آنسة؟!”.

- (بتهكم وسخرية بالغة) «ألست من هؤلاء الذين هبطوا بمظلات النت حضرتك.. هذا رقمك، ورقم اللجنة التي ستعرض عليها، وهي بالطابق الأعلى.. اتفضل.. أرجوك لا تعطلني.. عندي شغل.. يوووووه… (تعود للموبايل).. والله مريض من مرضى النت أمامي.. بيبي.. (تنظر نحو البطل” ألا تثق في؟!”.

- «أي ثقة يا أستاذة!!”.

- «يووووه.. ليس أنت يا أستاذ.. هذا خطيبي”.

- ” آسف، ولكن أهذه تذكرة التسجيل؟!”.

- «تمام يا حضرة.. اطلع لهم فوق.. ستجد اللمة والهيصة.. اذهب، وأعطهم هذه الورقة فقط، ثم انتظر التعليمات هناك”.

- «ولكن.. حضرتك لم تسجلي أيّ بيانات.. لا اسمي ولا رقم تذكرة حجز الإنترنت!!”.

- «يا أستاذ أنت من مرضى النت.. هذا هو النظام”.

- «نظام!!”.

- «أيوه يا حبيبي.. صباح السُكر”.

- «نعم!!”.

- (بامتعاض وعصبية) «يا أستاذ.. وبعدين.. خطيبي معي على الموبايل”.

يقف مذهولا يتفحص الورقة، ويقلبها في يديه في عجب وحيرة، يعود للموظفة بوجهه:

- «يا آنسة لو سمحتي.. آخر حاجة.. أين تلك اللمة والهيصة؟”.

لوحة: محمد أبو الوفا

دون أن تنظر إليه، ومنشغلة بالتفتيش في الأدراج، وتخرج إبرة وأصوافًا، وتنهمك في حياكة الصوف.

- «فوق.. اطلع فوق.. ستجدها.. أرجوك بقى.. اتفضل.. ليس أنت يا حبيبي.. هذا مريض أمامي”.

- «اللهم طولك يا روح.. وأخرجنا من هنا سالمين”.

- «اتلمّ يا قليل الأدب.. لا داعٍ للقباحة وقلة أدب.. عيب!!”.

ينظر إليها ويبتسم:

- «طبعًا ليس أنا.. خطيبك أكيد على التليفون”.

يتحرك مبتعدًا، بينما تستمر في حياكة الصوف بإبرتها، الحديث مع تليفونها:

- «عيب.. والله أنقل كلامك إلى حماتك لو ملمتش روحك”.

يظلم المسرح على صوت ضحكة رقيعة، وصوت الموظفة في الإظلام:

- «خلي النت ينفعك يا حبيبي”.

تختلط الأصوات بعودة صوت الضحكة الرقيعة من جديد.

إظلام.

المشهد (3)

المنظر العام: عشرات من المرضى انتفخت بطونهم، ويحملون في أياديهم مغلفات ورقية لما يبدو أنها «صور لفحوصات وأشعة تلفزيونية”، ومنهم من استند إلى الحائط، ومع البعض آخرون يسندون مرضاهم، وأصوات الآهات تتداخل، ودعوات مترامية بالشفاء، وكلمات للصبر والأمل، وأمام باب خشبي ضخم تجمع غالبيتهم أمامه، ويبدو أنهم ينتظرون الإذن بالدخول إلى القاعة المغلقة التي حملت لافتة أعلاها «مقر لجنة الكبد رقم 17).

البطل يتحرك نحو آخر يدخن، ويسأله:

- «صباح الخير.. لجنة 7 ؟”.

- «أيوه يا أستاذ.. حضرتك (يبتسم) مثل حالي.. مريض من الإنترنت؟”.

- «ههههه.. لا أنا هنا مع الحاج الجالس هناك.. (يشير نحو مسن مبطون يجلس على كرسي، وربط رأسه بمنديل، ويبدو شاحبًا مصفرًا).. أخي الأكبر.. 38 سنة.. ونأتي هنا منذ سنتين”.

- «فيرس؟”.

- «أيوجد غيره.. كل هؤلاء (يشير نحو المرضى) فيرس وكبد”

- «ربنا يشفيه”

- «آمين.. الحمد لله في كل الأحوال”.

- «ممكن سؤال؟ هل مسموح بالتدخين هنا؟!”.

- (ينظر نحو البطل في دهشة، ويبتسم) «تبدو غريبًا.. يا أستاذ هنا كل شيء عادي.. وماذا سيفعل التدخين لهؤلاء من ضرر.. (يشير نحو مريض نام على الأرض، وفي يده سيجارة، ثم يخرج علبة سجائره ويمدها نحوه).. اتفضل .. ولّع).

- «شكرًا.. لكن”.

- «يا أستاذ ولع.. ولع.. أكيد أنت غريب؟”.

- (يبتسم البطل) «أنا من الإسكندرية، ولكن من مواليد كفر الإمام.. وجئت لأجل موعدي مع لجنة الكبد.. يقولون أنه هناك علاج جديد للفيرس».

- «حمد الله على السلامة.. نورت كفر الإمام، ولكن اعذرني، لماذا لم تتابع اللجنة في الإسكندرية؟ المشوار متعب.. يهد الحيل؟”.

- «النظام يا سيدي.. العلاج حسب مكان الإقامة الموجود في بطاقة الرقم القومي، وأنا للأسف راجل وطني.. (يبتسم) لم أغير محل إقامتي حتى اللحظة.. (يتهكم) في النهاية كُلنا تحت أمر النظام”.

- «نظام!! هههههه.. أي نظام يا أستاذ؟!.. تخيل.. أترى هؤلاء (يشير نحو تجمع المرضى).. أعرف معظمهم منذ سنة أو أكثر.. منهم من يأتي هنا منذ عشر سنوات.. كل فترة يقولون وجدوا علاجًا جديدًا.. وهكذا جعلوا هؤلاء فئران تجارب لأدويتهم، وللأسف أخي رفض أن يصدق أنهم يكذبون.. يعطونهم مسكن للشكوى.. (يبتسم بحسرة) يعطونهم أمل.. وهذى النتيجة.. انظر إليهم..”.

- «ربنا يعافينا ويعافي السامعين”.

- «ياأستاذ والله أنا اعترضت على مجيء أخي هنا، لكنه صمم، ومنذ عامين نأتي، واليوم صرت مثله، أتمسك بالأمل.. فحجزت له بالإنترنت، وقلت حرام، ضاع عمره علينا بعد موت والدنا، وأكله المرض في عز شبابه”.

- «ربنا يعافيه”.

- «حين ظهر العلاج الأخير، قدمنا.. وقلنا تحقق الأمل.. وانتظرنا سنة، وبعدها.. أخذوا عينات منهم، ومن يومها وصحته تتدهور يومًا بعد الآخر (يشير نحوه هناك إلى جوار الحائط يدخن مع مريض آخر) انظر إليه.. اتبهدل.. يموت ببطء، وما يزال في انتظار ذاك الأمل”.

- «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. ربنا يشفي كل مريض.. أعرف صعوبة العينة.. أجريت ذلك الاختبار منذ سنوات.. وعانيت الأمرّين وقتها”.

- «والله يا أستاذ، الحمد لله.. نحن نتابع حالته مع دكتور شاطر من المعهد، ولكن في عيادته الخارجية، يمكن أن تراه بعد قليل.. هو الكبير هنا.. رئيس هذه اللجنة.. قال لنا إن العينة هي اللي «هيجت” الفيرس.. كان كامنًا، نائمًا.. لكن حين أجرينا العينة.. نشط الفيرس.. وهاج.. (يبتسم، ويقدم إليه سيجارة) ولع يا أستاذ”.

- «أنا كذلك.. أجريتها كما قلت، وفعلاً أرهقتني.. ربنا كبير.. نأمل في علاج جاد وحقيقي هذه المرة”.

- «تصدق بالله، الدكتور قال لنا من يومين في آخر مرة، إن الحكومة ستحتاج من كل مريض عينة جديدة، وقال لنا إن هناك إشاعات بأن الحكومة لم تجد أيّ علاج، وأنها تريد أن يهيج الفيرس، ليقض على المرضى الغلابة.. بصراحة.. صرتُ خائفًا جدًا عليه.. انظر حالته.. لن يحتمل عينة جديدة”.

- «لكن، أنا سمعت أنهم سيلغون العينة.. وأن العلاج جاد وحقيقي هذه المرة.. الوزير نفسه قال في المؤتمر على شاشة التلفزيون.. ربما سيحتاجون إلى إجراء بعض التحاليل البسيطة والأشعّات”.

- (يضحك) «يا أستاذ يبدو أنك مستجد.. هههههه.. بمن يؤمن يا رجل؟! قل بالله.. أمي قالت لأخي، إن البطن مثل البطيخة.. متى ضربت فيها سكين، ثم تُركت، عليه العوض.. تخيل يا أستاذ.. كانت مصممة أن تذهب إلى بعض المعارف لأسرتنا هناك في سيوه، وأن تأخذه معها ليشرب من بول الجمال والنوق.. والمشكلة أنه وافق.. كان يعتقد أن ذلك هو شفاء لآلامه، وأنه سيعود كما كان”.

- «معلهش.. الغريق يتمسك بقشة بالأمل”.

- «أمل!! أي أمل يا أستاذ؟ ذاك الأمل الزائف الذي تبثه لنا الحكومة كل فترة؟ صدقني لم يعد أيّ أمل في شيء!! (يغير الحديث) أتسمح لي بسيجارة، فأنا أنهيت علبتي؟”.

مشهد (4)

صوت جلبة كبيرة، وهمهمة وتدافع للحضور أمام الباب الكبير، ويبدأ الجميع في التحلق حول شخص ضخم وقصير يعاني عرجًا بإحدى رجليه، ويلبس نظارة سوداء رفعها على جبهته، وأشعل سيجارة ملونة الفلتر، ويرتكن على رجله السليمة ويسند ظهره إلى باب القاعة الضخم، ويمسك بمقبض الباب وقد تدلّت سلسلة مفاتيح كثيرة من يده، ونفس الشخص مع البطل بالمشهد السابق:

- «يبدو أنه وصل”.

- «الدكتور؟”.

- (يضحك) أي دكتور؟! أنت مستجد فعلا.. (يشير نحو التجمع) إنه العامل.. مجرد عامل يفتح الباب إلى اللجنة، تعال.. هيا.. أسرع وقدم له ورقتك ورقمك.. أسرع نحو اللمة والهيصة”.

- (يقولها لنفسه) «اللمة والهيصة من جديد؟!! الله يخرب بيت اللمة والهيصة”.

يندفع نحو المتكدسين، ويسمع المعامل يصيح فيهم:

- «جرى إيه يا شوية فلاحين!! ما تتلموا وكل واحد يحترم نفسه واتعلّموا النظام”.

- «أنت.. تكلم بأدب!!” صوت أحدهم.

- (صوت ثان) «يا أستاذ اسكت الله يسترك.. يا أستاذ عطوة، قلبك كبير.. تفضل هذا رقمي”.

- «لن آخذ أي ورقة إلا إذا انتظم المرضى في طابور”.

- (صوت الرجل الأول نفسه) «نحن في الطابور منذ الصباح.. أنت تماطلنا.. ألا يكفي ما نحن فيه؟!”.

- (صوت ثالت) «يا جماعة!! أرجوكم قفوا في طابور.. لن تموتوا من مجرد طابور.. بجملة الطوابير”.

- (عطوة بغضب) «طيب.. والله لن أفتح إلا بمزاجي.. ولتجلسوا مكانكم للعام القادم.. لن أفتح.. شعب همج!!”.

- (صوت الأول) «وبعدين، وما الداعي لكل هذا الغلط «.

- (صوت الثاني) «يا حاج.. والنبي.. اسكت.. لعل الله يهديه ويفتح لنا باب اللجنة وندخل”.

تعلو الأصوات وتسود الفوضى المكان، وتختلط التأوهات مع التوسلات إلى عطوة ليفتح، ويتشنج عطوة ويتحول المشهد إلى خناقة فعلية.

- «لسنا هنا كشحّاتين”.

- «طول بالك يا أستاذ”.

- «يا جماااااعة.. اخزوا الشيطان”.

- «صلوا على النبي يا جماعة.. أنا هنا والله الأول.. واسألوا الحاج”.

- «هذا ظلم.. كوسة.. والله لن أقبل.. على جثتي”.

- «فليتأسف لي أولاً”.

- «يبدو أنه ابن كلب”.

- «والنبي.. يا أستاذ عطوة.. ربنا يخليهم لك”.

- «اخبطوا رأسكم في الحائط.. انتهى.. مزاجي تعكر”.

وسط المعمعة صوت صراخ حاد يتكرر بسرعة وتكرار، فيصمت الجميع وينتبه:

- «يا جميلة.. يا جميلة.. البنت ماتت.. البنت ماتت” صوت لامرأة تندب أمام جثة فتاة سقطت وسط الكتلة البشرية.

يظلم المسرح تدريجيًا على أصوات الحوقلات والحسبنة التي تختلط ببعضها، ويضيء المسرح في أقصى اليسار على البطل واقفًا يدخن، وتبدأ أغنية «عظيمة يا مصر.. يا أرض النعم…” تتهادي مع الإظلام التام.

إظلام.

اللوحة الرابعة

المنظر العام:

قاعة كبيرة يتصدّرها مكتب ضخم كبير، يجلس إليه ثلاثة دكاترة، وأمامهم تجلس موظفة ممتلئة وغاضبة، وضعت كتلة من الأوراق أمامها، وإلى جوارها يقف عطوة متحفزًا ومشعلا سيجارته، بينما وسط القاعة مائدة مستديرة تحلّق حولها العشرات، وقريبًا من المنصة تكدس عشرات آخرون، وثمة جلبة تسمع.

- «يا دكاترة.. أنا سأتوكل على الله وأمشي.. وكما أفهمتكم.. تلك هي الأوامر الصادرة لنا من فوق” صوت الدكتور الكبير بينهم.

يقف الدكتور، ويهم بالانصراف:

- «وأنت يا عطوة.. (يشير إلى سيجارته).. أطفئ تلك الهبابة.. وبعد أن تنتهي هنا، تجري على العيادة.. إياك أن تتأخر”.

يهز عطوة رأسه بأنفة وتأفف، ثم يحولهما إلى نفاق بالغ:

- «حاضر يا باشا.. حاضر يا باشا”. ثم يعرج وراء الدكتور الذي يغادر القاعة، ويغلق الباب وراءه ويرجع إلى مكانه.

- «يا مدام بوسي.. بسرعة.. نريد أن ننتهي من تلك الليلة”.

- (تشير مدام بوسي) «نادِ عليهم يا عطوة.. مرضى النت هنا.. ومرضى المتابعة هناك”.

يتحرك عطوة خطوة للأمام، وخلفه الدكتوران، وينشغل أحدهم في ترتيب أوراق وختم أوراق أمامهما، والآخر يبدو منشغلا تمامًا مع الموبايل، يحرك أصابعه سريعا على شاشته ويبتسم.

- «هيا.. أنت وهو.. الجماعة المرضى من النت يقفون هنا.. والجماعة من المرضى القُدامى هناك.. النت على اليمين، والمتابعة على الشمال.. خلصونا”.

ينتبه الدكتور صاحب الموبايل، وينظر إلى عطوة ويبتسم، ثم يعيد رأسه نحو شاشة هاتفه، بينما يظل الآخر منشغلا في ترتيب الأوراق أمامه، ثم يضع وجهه بين راحتيه.

- «رقم واحد.. أين رقم واحد؟”. تصيح الموظفة، فيكررها عطوة بلكنة الباعة الجائلين في الأسواق.

- «واحد.. رقم واحد يا جدعان… من بعده”.

تستمر النداءات على الأرقام، ويستمر عطوة في التأفف كلما نادى على الأرقام:

- «رقم 17.. رقم 17» يصرخ عطوة:

- «أيوه.. موجود حضرتك”.

يتقدم البطل، ويقدم الورقة إلى عطوة، ينظر نحوه باندهاش، ويبادر بالسؤال:

- «النت أم المتابعة ؟”.

- «من النت حضرتك”.

ترفع الموظفة رأسها نحوه، وتتفحصه بامتعاض بالغ، ترفع جانب شفتها العليا من ناحية اليمين حتى تقترب من أنفها، ويبدو عليها الامتعاض من شعره المربوط خلف رأسه، وتنظر إلى قميصه الذي فقد هندامه تمامًا، وتسأله:

- «أنت من كفر الإمام؟!”.

- «أيوه يا أفندم”.

- «وعامل في نفسك كده ليه؟”.

- «نعم”.

- «ولا حاجة.. هات يا أخ ورقة الكشف.. (تمصمص شفتيها وهي تقلب في الأوراق) عشنا وشفنا.. رابط شعره البيه!!”.

- «نعم حضرتك”.

- «مفيش.. اتفضل.. هناك.. عند الدكتور”.

تشير إلى الدكتور الذي كان منهمكًا في أوراقه، فيتحرك البطل إلى الدكتور الآخر، فيصرخ فيه عطوة:

- «أنت يا عم.. يا أبا ضفيرة.. ليس هنا.. مرضى النت هناك، في آخر الترابيزة”.

ينفخ البطل، ويتمتم بجملة، بينما، تنادي الموظفة:

- «التالي بعده يا عطوة.. إففف..نريد أن ننتهي من ذلك الهباب الذي ابتلونا فيه.. (بقرف واضح) قطيعة!!”.

يتحرك نحو الدكتور الذي تركه يقف أمامه لحظات دون أن يخاطبه أو ينظر نحوه، ويبدو منشغلا في ختم مجموعة من الأوراق، ويسلمها لعطوة:

- «والنبي يا عطوة.. انزل إلى الأرشيف، وسلمها لهم هناك أو لأيّ موظف تحت”.

يتناول عطوة الأوراق ويهم بالانصراف، فتتدخل الموظفة:

- «الله!! دكتور.. أين يذهب عطوة؟ّ سيبح صوتي مع هؤلاء المرضى.. لا.. حرام والله!!”.

- «لا تقلقي يا مدام بوسي.. حمامة.. ثوانٍ وأرجع على الفور.. (يغير كلامه إلى المرضى) وأنتم.. اتلمّوا.. ارجعوا إلى الوراء.. المدام ستختنق.. النَفَس!! خنقتونا.. من يسمع رقمه فقط يتحرك إلى الداخل”.

ينصرف خارج القاعة، ويترك المشهد، بينما يمد البطل يده بأوراقه نحو الطبيب:

- «مساء الخير يا دكتور”.

- «وعليكم السلام.. أيوه؟”.

- «اتفضل يا دكتور؟”.

- «أيوه .. خير؟”.

- «أنا من النت”.

- «بمعنى”.

- «أنا هنا لأجل العلاج الجديد للفيرس، تفضل (يقدم له أوراقه) هذا الحجز على الإنترنت للعلاج الجديد.. وهذه التحليلات اللي أعلن عنها الوزير في المؤتمر حين كان في التلفزيون؟”.

- ” أي وزير؟”.

- «نعم حضرتك!!”.

- (يتدارك الأمر) «أقصد أي تحاليل؟”.

- «يا دكتور تحاليل الوزير.. أقصد التي طلبها الوزير في المؤتمر لأجل العلاج الجديد”.

- «أي علاج بالضبط؟ (باهتمام مصطنع) مم تشكو حضرتك؟”.

- «نعم يا دكتور”.

- «آه.. آه.. أنت فيرس.. طيب.. هات الأوراق”.

ينظر في الورق سريًعا، ومن دون اهتمام يسحب ورقة حمراء من أمامه، ويعلم علامة «صح” أمام بعض الجمل في جدول بالورقة.

- «اعمل لنا هذه التحاليل والأشعة، ثم عُد إلينا في الأسبوع القادم”.

ثم يخطف ورقة حجز الإنترنت، ويختمها بخاتم أمامه.. والبطل في ذهول يسأله:

- «أي تحاليل يا دكتور؟ أنا أحضرت معي كل التحاليل التي أعلن عنها الوزير في المؤتمر، والتي أعلنت عنها لجنة العلاج في موقعها على الإنترنت”.

- «أي مؤتمر تقصد يا أستاذ؟”.

- «يا دكتور.. المؤتمر الوزاري لأجل العلاج الجديد للقضاء على الفيرس!!”.

- «علاج!! (يضحك) يا أستاذ.. أنت تقول الوزير.. ومؤتمر.. وتلفزيون.. يا أستاذ افهم!! أين العلاج في كل ذلك.. ذلك كان مجرد مؤتمر كسابقيه.. افهموا أرجوكم!!”.

- «يعني؟! تقصد.. لا يوجد علاج”.

يرد الدكتور بانفعال ويرفع نظره نحو البطل، ويحتد:

- «لا.. لا.. لا… أنا لم أقل ذلك.. أرجوك.. أنا لم أصرح لك أو لغيرك أنه لا علاج.. بص حضرتك، اعمل لنا هذه لتحاليل فقط، وعُد إلينا بعد أسبوع».

- «أيوه يا دكتور.. ولكن الوزير في المؤتمر قال…”.

يقاطعه الدكتور بحدة:

- «أستاذ لو سمحت.. أنت تعطل سير عمل اللجنة”.

تتدخل الموظفة الغاضبة:

- «جرى إيه.. أنت يا عم المقمع.. يا أبا ضفيرة.. اسمع وافهم الكلام.. خلصونا”.

- «نعم.. وما دخلك يا أستاذة.. لم يكن كلامي معك؟”.

-” نـــــــــــــــــــــــــــــعم!!! (تقولها ممطوطة) دخلي!! عُمــــــــــر!!! لم يكن ينقصنا غيرك اليوم!!”.

يتدخل الطبيب الآخر، وينقذ الموقف:

- «يا أستاذ.. يا أستاذ.. لو سمحت تعال هنا.. بعد إذنك يا دكتور.. اتفضل يا أستاذ” (يشير إلى البطل للجلوس).

يتحرك البطل في حالة من الذهول مما يحدث، بعد أن توتر الجو في غرفة اللجنة، وبدأت تعلو الأصوات ويزيد الصخب، ثم يفتح عطوة الباب، ويصيح مباشرة في الجميع:

- «جرى إيه؟!! يا عالم يا رزلة!! اتلموا.. صوتكم.. نحن في مستشفى ومعهد محترم… لمصلحة الجميع هنا التزموا بالأوامر.. اللجنة تريد أن تعمل في هدوء.. بهذا الهرج والمرج لن نستكمل العمل.. قفوا في الطابور، وامنعوا الصوت”.

لوحة: محمد أبو الوفا

يصمت المكان بتدريج سريع، بينما يقف البطل أما الطبيب الآخر صاحب الموبايل، والذي يضع الموبايل أمامه، ثم يبتسم:

- «أيوه يا أستاذ.. ألف سلامة.. اهدأ من فضلك.. ما المشكلة؟”.

- «أنا الذي أهدأ؟! وهم؟!”. (يشير نحو عطوة والمدام والطبيب الآخر.

- «أنا آسف لحضرتك.. خير.. اتفضل.. ما الحكاية بالضبط؟”.

- «الحكاية يا حضرة الدكتور.. أني جئت من الإسكندرية، وقطعت كل تلك المسافة، لأني لم أغير محل إقامتي، وحسب كلام معالي وزير الصحة في المؤتمر، وحسب التوجيهات أن العلاج الجديد للفيرس سيتوافر في المستشفيات والمعاهد التي تعالج مرضي الفيرس حسب محل الإقامة، فتقدمت كما أعلن سيادته عبر الإنترنت، وحجزت الاستمارة للعلاج الجديد.. وها أنا أقدم أوراقي حسب التعليمات، وأنت رأيت ما حدث”

- «بص يا أستاذ.. بصراحة.. وحتى لا ترهق نفسك.. والله، من الآخر كما يقولون.. حضرتك ستأخذ العلاج القديم؟”.

- «لا طبعا.. أنا هنا لأجل العلاج الجديد الذي أعلنت عنه الحكومة، العقار الجديد”.

- «أي عقار يا أستاذ.. (يبتسم) يبدو أنك إنسان محترم، وستفهمني.. أنت قلت إعلام وتلفزيون ومؤتمر.. منذ متى وكل تلك الأشياء فعلت جديدًا في بلدنا.. يا أستاذ من فضلك. انتبه”.

- «ماذا تقصد يا دكتور؟!”.

- «أقصد باختصار.. إنك مطلوب منك عمل كل تلك التحاليل في الورقة الجديدة التي أعطاها لك الدكتور.. وأن تكون التحاليل في هذا المركز الكبير المدون اسمه والذي نصحك به الدكتور.. ثم تعود إلينا في الأسبوع القادم، وسترى اللجنة، وتتابع معنا ما يطلب بعد ذلك، وهي غالبًا ستكون صورة جديدة للأشعة والتحاليل من نفس المركز إياه.. ثم تأتي بعد ستة أشهر، هذا إن تمكنت من عمل تلك التحاليل والأشعة خلال الشهور الستة القادمة أصلاً.. فالضغط كبير على ذاك المركز، وهو ما يضعك أمام قائمة انتظار لن تقل عن شهور ستة، فإن نجحت، وأشك في ذلك للأمانة.. ستأتي هنا مرة جديدة، ونجرب أولا العلاج المتداول”.

- «نعم.. بعد كل ذلك أجرب العلاج القديم”.

- «للأسف هذا هو النظام.. وبعدها تتابع معنا هنا في اللجنة المستجدات، وهذا لن يتم قبل مرور تسعة أشهر من الآن”.

- «يا دكتور.. ولكن العلاج الجديد.. الأمل الذي أعطانا الوزير.. الحلم الذي تسوّقه الحكومة لملايين المرضى عبر الإعلام والصحف والتلفزيون”.

- «إعلام.. مجرد إعلام كغيره من الإعلامات التي فعلتها عشرات الحكومات السابقة، ها هي الحكومة الجديدة تفعلها من جديد”.

يميل على البطل، وبصوت شبه هامس:

- «حضرتك.. ما عملك؟”.

- «كاتب”.

- «كاتب.. إنسان يفهم إذن.. اسمعني.. أنا بشكل شخصي.. أشك أن هناك مرضًا بهذا الاسم أصلاً، ولا أستبعد أن الحكومة هي التي نشرت هذا الفيرس بين الناس ليمرضوا”.

- «يا ربي!! هذا كلام خطير يا دكتور”.

يعود الدكتور إلى الوراء، ويرفع صوته قليلا قبل أن يتورط أكثر معه في الهمس:

- اسمع يا أستاذ.. حاول أن تعمل المطلوب بأيّ شكل (يغمز بعينيه للبطل)، ثم تعال وتناول العقار القديم، وإذا رفضه الجسم، ربما تضعك اللجنة على قائمة الانتظار”.

- «يا دكتور.. يا دكتور”.

- «يا أستاذ.. أقسم بالله، أنا بأختصر لك الوقت.. (يهمس من جديد) وحكيت لك بصراحة.. والعلاج الجديد مازال قيد التجريب”. (يبتسم بسخرية).

- «والمؤتمر؟! وكلام الوزير؟!”.

- (يبتسم) ” أستاذ؟ حضرتك تعيش معنا هنا في مصر؟! أمتأكد؟ أنت تقول مؤتمر وصحافة وتلفزيون.. ثم تسأل أين العلاج الجديد؟ يا أستاذ.. أهلا بك.. أنت في بلدنا المحروسة”.

- «والعمل؟!”.

- (يقترب من البطل، ويهمس) «اسمع يا أستاذ.. هذا وعدي وكلام بيني وبينك.. افعل ما قلته لك، ثم تعال.. وهذا بيني وبينك أيضًا.. ربما أساعدك في إدراج اسمك للشهور الستة القادمة.. وهذا بشكل ودي، واحترامًا لك فقط”.

- «يا دكتور.. اللجنة متعطلة” صوت الموظفة بغضب.

- «انجز يا أستاذ.. الناس تعبانة خلفك.. رقم 45.. أين 45.. ما هذا اليوم المقندل”. صوت عطوة.

يسود اللغط من جديد ويعترض أحد المرضى، ويبدأ الموقف في التصاعد التدريجي، وينهار البطل على الكرسي إلى جوار الطبيب، وتخفت الإضاءة وتتدرج نحو الإظلام على صوت أغنية «خدوا بالكو دي مصر المحروسة خدوا بالكوا دي مصر”.

إظلام.

اللوحة الخامسة

المنظر العام:

نفس المشهد السابق أمام قاعة اللجنة، والبطل، يدخّن في يأس وقد افترش الأرض، ويحاول أن يعيد هندامه مرة جديدة، بما يوحي بما تعرض له، وقد اقترب منه شاب عشريني، وشيخ، وبدأ الحوار بينهما:

- «يا حاج.. والله أنتم الجماعة الكُبار.. كفاية عليكم كده.. واتركونا نحن الشباب لنأخد دورنا في العلاج”.

- «يا ابني ليه بس؟! ربنا يكفيك شر المرض”.

- «يا حاج.. بصراحة .. أنتم دخلتم دنيا.. تزوجتم يا حاج”. (يبتسم بسخرية).

- «يا ابني، كلنا على باب الكريم”.

- «نعم يا حاج.. ولكن، أنا 27 سنة وخطيبتي تركتني.. وأنت ترى حالي وجسدي (يشير نحو بطنه وجسده) كل أملى في الحياة مجرد أن ينام جسدي المتعب هذا إلى جوار امرأة.. ولو على باب التجريب ليوم واحد ثم أموت.. أدخل دُنيا يا حاج”. (يضحك).

- «ربنا يعطيك الصحة يا ابني”.

- «طيب يا حاج.. بذمتك.. هل تصدق كلام الحكومة وأنه يوجد علاج جديد”.

- «يا ابني.. لا يهم يوجد أو لا يوجد.. بارك الله في الحكومة.. تجعلنا نعيش بالأمل يا ولدي، وهذا منتهي الإنسانية”.

- (يبتسم) «إنسانية؟! لا أريد أيّ إنسانية.. ولا أريد أمل.. أريد انتصار زميلتي يا حاج (يضحك، ويتابع) أريد أن أدخل دُنيا وغلاوة النبي، وأن أتمدد في طولها وجمالها.. وفي الحلال.. أتزوجها مثل كل من تزوج وأنجب في هذا البلد”.

- «كله بأوان يا ابني.. اجعل أملك في الله كبير”.

يقف البطل ويتابع ترتيب ملابسه وهندامه، ويبدأ الحركة نحو باب كتب عليه «الخروج” وسهم يشير نحو السلم، وتبدأ الإضاءة تخفت تدريجيًا، ويأتي في الخلفية صوت أغنية «كلمة حلوة وكلمتين.. حلوة يا بلدي”.

إظلام.

اللوحة الأخيرة

المنظر العام:

محطة قطارات كبيرة وأصوات كثيرة تختلط، تتداخل مع أصوات الباعة ونفير القطارات الداخلة أو الخارجة من المحطة..

يجري أحد الرجال ويحمل طفلا بين يده، يبدو بطن الطفل عاليًا، ووجه شاحب للغاية، ويحاول اللحاق بقطار يتحرك، لكنه لم يدركه؛ فيجلس منهكًا على رصيف المحطة، ويجلس القرفصاء، ويريح الطفل على ركبتيه فتبدو بطنه أكثر علوًا، وشحب لونه حتى الاصفرار التام، وإلى جوارهما مغلف ورقي كبير عليه إعلان لأحد مراكز التحاليل والأشعة يحمل نفس الاسم المقترح في اللوحة السابقة لعمل التحاليل، وكذلك مغلف آخر يحمل اسم «اللجنة القومية لعلاج الفيرس».. يتحرك نحوهما أحد رواد المحطة، أشعث أغبر، ويقف أمامها؛ فينتبه الرجل إليه، ويبادر:

- «والنبي يا ريس.. متى يتحرك القطار المتوجه إلى المعهد القومي لعلاج الفيرس».

يجلس الرجل الأشعث إلى جوارهما، ويلتفت يمينًا ويسارًا في حذر غريب، ثم يهمس له بعد أن يطالعنا وجهه، فيظهر لنا البطل، وقد علا بطنه قليلا، وطالت لحيته وتغبرت:

- «أنتم من مرضى النت؟!”.

- «أيوه يا ريس».

- «الفيس أم الموقع؟”.

- «الفيس».

- «الصفحة أم الجروب؟”.

- «لا أعرف.. لكن العلاج الجديد”.

- «إممممممم.. إذن (بشكل يبدو أنه خبير ومطلع) اركب القطار القادم.. أنا أيضًا ذاهب إلى كفر الإمام.. نفس القطار.. لا تقلق.. قطار قشاش.. ويمر على كل المحطات.. ولكن، انتبه.. القطار لا يقف في محطات الغلابة.. ولا يهدأ السرعة هناك.. (بلهجة الناصح الأمين) اسمع.. حين تجيء محطتك اقفز.. نعم.. اقفز إلى محطتك، أو أيّ محطة.. (يضحك بشكل مبالغ فيه).. كل المحطات واحدة.. محطات الغلابة لا تختلف.. (يهب واقفًا بعد أن كان جالسًا إلى جوار الرجل وولده) خلي بالك.. اوعى.. جاااااااي… رجلك يا جدع.. فضوا الرصيف.. (يقلد صوت القطار) توووووووت .. توووووت.. تووووووت… اركب بسرعة يا حاج.. القطر يفوتك.. تووووت.. تيش.. تيش .. تيش.. تيش.. اوعى .. تووووووت”.

يتحرك البطل مقلدا حركة وصوت القطار.. ويبتعد عن الرجل وطفله المبطون قليلا، وقبل أن يختفي يلملم الرجل أوراقه ويحمل طفله بين يديه ويناديه:

- «استنى.. خدنا معااااااااااااك”. ينطلق خلف البطل.

ويبدأ الإظلام التدريجي على نغمات أغنية «يا أحلى اسم في الوجود يا مصر”.

إظلام.


كاتب‭ ‬من‭ ‬مصر