أكاذيب صغيرة

مسرحية من فصل واحد

الجديد  درويش الأسيوطي [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(54)]

لوحة: خالد تكريتي
الشخصيات:

(1) الشيخ: قصير هادئ فوق الستين يلبس نظارة طبية.

(2) رجل1: شاب في العشرين حاد الملامح والطباع يلبس ملابس عادية.

(3) رجل2: في الأربعين متوسط الذكاء تبدو عليه آثار العلة.

(4) رجل3: ضخم الجثة فوق الأربعين يبدو مسالما.

(5) رجل4: ضئيل الجسم حركي.

(6) المرأة: متوسطة الجمال في الأربعين من العمر.

(7) العالم: في الخمسين يلبس ملابس مختلفة عن السائد يمسك حقيبة أنيقة بيده.

(8) العامل: يلبس نفس طراز ملابس العالم في العشرين ضخم الجثة.

(9) العامل2: يلبس نفس ملابس العالم في الثلاثين ضخم الجثة.

المنظر :

[الساحة الرئيسية بالمدينة، نحن أمام ساحة تاريخية، شيخ على كرسي متحرك في وسط المكان تحت بقعة إضاءة يقرأ في صحيفة قديمة في وقار وصمت واستغراق. تدخل مجموعة أهل المدينة من الرجال وبينهم امرأة. الجميع يتقدمون في خطوات رتيبة شبه موقعة. وقد رفعـوا في أيديهم وأمام وجوههم تماما أوراقا أشبه بالمنشورات، يقتربون بهدوء والشيخ مستغرق في القراءة لا يبدو أنه يشعر بهم إلا عندما تضيق الدائرة حوله، يلقى الجميع بأوراقهم عند قدميه ويجلسون حوله في شبه دائرة كاملة].

الشيخ[: [ضاحكا] ما هذا؟

يقدم إليه أحد الحضور واحدا من المنشورات في صمت، ينظر إلى المنشور من تحت نظارته ويعاود الضحك] أتصدقون هذه الأكاذيب الصغيرة؟!!

[ملوحا بالصحيفة القديمة في وجوههم [

علينا أن نثق في صحفنا!

رجل1 : ولكنها قديمة؟

الشيخ : [هاربا إلى وسط الدائرة]

أتظن أن العالم تغير منذ صدورها؟!! لا شيء جديد.. [مغن] مع الإنسان..

منذ وجود الإنسان..

وجد الخير..

كما وجد الشر.. سيان..

رجل1 : [مقاطعا] أريد أن أعرف.. الجميع: نريد أن نعرف.. كلنا..

الشيخ : [مغنيا بسخرية] كلنا.. نحب القمر..

[ضاحكا] ماذا تريدون ؟

رجل2 : هل ما جاء في هذه الأوراق.. صحيح أم لا.. ؟

الجميع : نريد أن نعرف

رجل1 : نريد..

الشيخ : لا.. لا تنزعجوا.. إنها مجرد أكاذيب.. والأكاذيب يا أحبتي.. كالعالم.. لا تتغير.. ستظل برغم كل شيء.. مجرد أكاذيب صغيرة..

المرأة : زوجي يا شيخ.. لم يعد من يومين إلى البيت..

الشيخ : مخطئ.. زوجك مخطئ يا سيدتي الجميلة.. من له امرأة مثلك.. لا ينبغي أن يتأخر عنها إلى هذا الحد..

المرأة : أخشى عليه..

الشيخ : وأنا موجود ؟!!.. لا لا..

رجل1 : هل سنظل هنا إلى الأبد؟

رجل2 : نريد أن ننام..

الشيخ : ناموا..!

رجل1 : أين؟

الشيخ : أرض الله واسعة..

رجل3 : أرضنا ضاقت بنا..

المرأة : بناتنا تشكو العنوسة أيها الشيخ..

رجل4 : لا أجد مسكنا لأعيش فيه.. أريد أن أتزوج..

الشيخ : ولماذا الزواج.. ؟ أتريد أن تعقّد المشكلة أكثر؟ الناس لا تجد المأوى.. هل تريد أن تضيف مشاكل جديدة ؟!!

رجل1 : أنت المسئول عنا..

الشيخ : [يقرأ في الجريدة] ارتفاع حقيقي في الأجور..

الجميع : ماذا؟

الشيخ : هذا.. من الأخبار الخارجية..

الجميع : [بامتعاض].. يووه..

الشيخ : [عائدا بكرسيه للخلف] نحن حريصون كما ترون.. على متابعة شؤون الدنيا في صحفنا..

رجل3 : لكن ماذا عنّي أنا؟!!

رجل2 : ماذا عنك؟

الشيخ : أتظن أنك حققت إنجازا بتوقفك عن التدخين؟!!

رجل4 : [يخرج نصف سيجارة ويعيد إشعالها في عصبية] قل له هذا الأحمق..!! وما الفائدة؟!!

رجل2 : أستطيع أن أشتري اللحم كل أسبوع..!!

رجل4 : [متفلسفا] هناك ملايين لا تدخن.. ولا تأكل اللحم.. وملايين أخرى تأكل الحم ولا تدخن..!!

الشيخ : [يقرأ] الترويكا تزور المنطقة…

المراة : التروي.. ماذا ؟أهي نوع جديد من العطور؟

رجل4 : أظنها من أدوية الأمراض المتوطنة.. وإلا ما الذي جاء بها إلى المنطقة؟!!

المرأة : أنا أبحث عن زوجي

الشيخ : إن لم يعد.. تزوجتك أنا..

[ضحك من الجميع] اضحكوا..!! أزيحوا ما تضعونه على قلوبكم من غم.. !! نحن رغم ما نحن فيه نعيش على تلّ من ذهب!!..

الجميع : تلّ من الذهب؟!!

الشيخ : نعم.. هكذا قال الخبراء.. التاريخ..التاريخ يا أحبتي..

رجل1 : وما دخل التاريخ والجغرافيا في الذهب؟!!

الشيخ : إن كان عمرك 4000 عام.. أليس هذا إعجازا؟ هناك دول عظمى.. عمرها مئات السنين.. بل عشرات السنين..!!

المرأة : ومن هذا الذي يعيش 4000 عام؟

الشيخ : أنت..

المرأة : بعد الشر.. أنا بنت كذا وعشرين.. لكنه الحزن يغير الإنسان..

الشيخ : هذا التاريخ القديم الذي يقف في هذه الساحة.. يكفينا لأن نعيش بلا مشاكل.. ما بقي لنا من عمر..

الجميع : كيف؟

الشيخ : بالتخطييييييط..

رجل1 : طيط ؟!!

الشيخ : نعم.. لا أقصد طبعا التخطيط.. أي التخطيط.. ولكن أقصد التخطيط التخطيط..

رجل2 : [مندهشا] لا أفهم..!!

الشيخ : أحبتي.. لا بد أن نعترف أن هناك مشكلة.. هل تعترفون؟

الجميع : نعترف

رجل2 : قلت لك لا أفهم..

الشيخ : أعلم.. أعلم.. ولهذا أحدثكم باستفاضة مملة.. نحن في ضائقة.. أتعلمون ؟

الجميع : نعلم..

الشيخ : لكنكم لا تعلمون أننا لسنا وحدنا..

رجل3 : هل هناك من هو مثلنا في الدنيا

رجل2 : لا أظن..

الشيخ : بل تأكد.. واحمدوا الله..

المرأة : السلع عندنا غالية

الجميع : نعم..

الشيخ : لكنها موجودة.. هناك من لا يجد القوت..!!

الجميع : يا ستار..

الشيخ : ولا الماء..

الجميع : يا حفيظ

الشيخ : مجاعات

الجميع : يا لطيف

الشيخ : جفاف وقحط..

الجميع : يا رحمن

الشيخ : الحمد لله.. كدنا نخرج من عنق الزجاجة

رجل1 : لثلاثين سنة أسمعه يقول ما يقول..

الشيخ : أنا لا أملك عصا موسى.. ولا بساط علاء الدين..

رجل3 : أتعني أنك لا تجد حلا لمشكلتنا؟!!

الشيخ : من قال هذا.. سألنا أهل العلم..

رجل4 : أهل العلم من؟

[يدخل من الخلفية رجل في ملابس غريبة مخططة بالعرض]

الشيخ : أقدم لكم.. نابغة التخطيط.. وبحوث العمليات.. عالم حقيقي..

الجميع : عالم؟!!

العالم : عفوا.. أنا جاهز.

[يعلق حقيبته التي يحمل على كتفه ويفرك يديه]

الشيخ : اسمح لي يا سيدي بتقديمك.

العالم : لا وقت لديّ.. لا وقت

رجل1 : اشرب شايا..!!

العالم : في الخامسة تماما

المرأة : لقمة على ما قسم..!!

العالم : في السادسة تماما.

رجل4 : نصف سيجارة.

العالم : [يخرج من جيبه ساعة غريبة ويقربها من أذنه]

بعد أربعين دقيقة وربع.. يمكن أن أعاود التدخين..

الجميع : يا سلام..

لوحة: خالد تكريتي

الشيخ : دقة..

العالم : هل أنتم مندهشون؟

المرأة : بل أنا معجبة..

العالم : [في مراهقة مفاجئة ] بل أنا المعجب.. !! تصوري.. لم أكن أتوقع أن أجد بين هذه الخرائب.. من لها هذه العيون.. أو هذا القوام.. أو هذه الـ.. [ مشيرا إلى الأرداف] الجميع : والمشكلة؟

العالم : المشكلة أنكم تعقدون الأمور.. [للمرأة] طبعا تعرفين ما أعنيه؟

المرأة : أعرف.. وأعرف أنكم تسهلونها..

الشيخ : يا مسهل.. هل ندخل في الموضوع..؟

الجميع : ندخل..

الشيخ : نحن نعرف أن وقتكم ثمين.. ونحن سعداء برأيكم في المرأة عندنا.. ماذا نفعل

العالم : [هارشا رأسه ثم بعد لحظات] الأمر بسيط.. يلزمكم مشروع قومي للإسكان.

رجل2 : إسكان؟

رجل1 : أين؟

رجل3 : لا يوجد شبر في المدينة من الأرض الفضاء..؟!!

العالم : لا بد من إخلاء هذه الساحة..

الجميع : ماذا؟

رجل2 : وبيوتنا؟

رجل3 : مقابر أجدادنا.

رجل4 : كل ما نملك هنا..

الشيخ : صبرا.. صبرا.. لا تقلقوا.. نحن أصحاب القرار..

العالم : لا تقلقوا.. كله في الخطة..

رجل2 : بيوتنا.

رجل3 : مقابر أجدادنا.

المرأة : أطفالنا.

العالم : هناك خطة للحل على مراحل.. خطة مرحلية.. برنامجنا له قلب.. وعيون..

المرحلة الأولى قلب..

الشيخ : قلب..

العالم : إخلاء المباني العامة فقط.. لا مساس بغير ذلك

الشيخ : لا مساس [جانبا] في هذه المرحلة..

العالم : المدارس.. الملاجئ.. دور الحضانة.. المسارح.. المسارح يجب إزالتها أولا.

رجل2 : والموظفون..

العالم : كله في الخطة.

رجل2 : ماذا عن الموظف.

العالم : سيتحمل المشروع راتبه..

رجل3 : دون عمل؟

العالم : يكفي أن نعمل نحن.. نيابة عنكم.. ويمكن لمن يريد أن يعمل في الفنادق.. في المطاعم.. في دور النقاهة والاستشفاء والملاهي..

رجل3 : ألا يوجد في خطتكم.. مصانع مثلا..؟

العالم : [منزعجا] أووه.. لا بالتأكيد..!! هل تريد أن نلوث البيئة..؟!! نحن نريدكم كما أنتم.. مدينة خضراء.. مزارات تاريخية.. فنادق.. حدائق.. ملاهي.. لا ينبغي أن نلوث جلال التاريخ..

رجل1 : ومن يرفض..

العالم : يمكنه أن يهاجر..

الشيخ : لم لا.. نحن بلد حر.. لا نمنع أحدا من السفر.. ليس لدينا قائمة منع..

رجل1 : ويترك بلده..

العالم : يا عزيزي.. الهجرة سلوك حضاري.. طبيعي.. الحشرات تهاجر.. الأسماك تهاجر.. الطيور..

رجل2 : والمرحلة الثانية؟

العالم : سنكون مستعدين لاستيعابكم في شقق مفروشة.. مضاءة…

المرأة : شقق مفروشة؟ مضاءة؟

العالم : بالطاقة الشمسية.

رجل4 : بالطاقة الشمسية؟

العالم : وأطباق التقاط البث المباشر..

رجل3 : البث المباشر؟

العالم : ستشاهدون ما يحدث في العالم لحظة بلحظة.. منوعات رائعة.. 24 ساعة.

رجل4 : هذا جميل.

الشيخ : ألم أقل لكم.. لا تقلقوا..

العالم : تبقى لدينا مشكلة بسيطة..

الجميع : يووه.. مشكلة مرة أخرى؟

الشيخ : يقول بسيطة.. بسيطة إن شاء الله.. لا تعقدوا الأمور..

رجل2 : وما هي؟

العالم : مشكلة.. هندسية..

رجل3 : هندسية؟

العالم : بحتة..

رجل1 : ومالنا ومال الهندسة البحتة؟

رجل2 : عندنا مهندسون..

الشيخ : المشكلة تحتاج لرأي الخبراء..

العالم : فعلا..

الشيخ : ونحن نحب أن نترك العيش لخبازه..

العالم : لا أفهم

رجل1 : لا تفهم.. وتحل مشكلتنا ؟

الشيخ : نحن نفوضك في حل المشكلة بالطريقة الهندسية المناسبة..

العالم : أنا ديمقراطي.. هل توافق الأغلبية على رأيك هذا؟

الشيخ : طبعا.. أتوافقون؟

أصوات : موافقون..

العالم : هذا جميل.. هذا حسن..

[يخرج من الحقيبة ورقة مطوية بشكل معين يبسطها على الأرض ويخرج بعدها ختامة كبيرة يضعها إلى جوار الورقة] عليكم توثيق هذا الرأي بالتوقيع عليه بأقدامكم..

الجميع : بأقدامنا؟

العالم : نعم.. بأقدامكم اليمنى.. هذا مهم.. إخلعوا أحذيتكم..

رجل2 : كنا نبصم بأصابعنا.

الشيخ : هنا المفاجأة.. حذاء لكل مواطن..

[يبدأ الحضور في خلع الأحذية]

رجل3 : يذكرني هذا بأول حذاء اشتريته.

رجل4 : هل يزول هذا الحبر؟

المرأة : ومتى كان آخر حذاء اشتريته؟

رجل3 : لا أذكر..

رجل1 : لن يزول هذا الحبر..

رجل4 : ومن يحتاج إزالته؟

العالم : ماذا قلتم؟

الشيخ : [يخلع حذاءه] موافقون..

الجميع : موافقون..

[يتقدم الشيخ ويضع بصمة قدمه على الورقة فيتبعه الجميع] العالم : هذا جميل.. هذا حسن.. هذه وثيقة حسن النوايا..

[يطوي الورقة ويعيدها والختامة إلى الحقيبة في حرص ثم يعطي إشارة بيده للخارج]

الآن.. نبدأ العمل..

الجميع : الآن..

العالم : نعم الآن.. لا وقت لدينا نضيعه.. علينا أن نفعل شيئا للإنسانية..

رجل3 : إنسان والله.

رجل4 : مخلص.

المرأة : ورقيق..

الشيخ : ودقيق..

رجل3 : عالم..

[يدخل رجلان يدفعان أمامهما آلة تقترب في شكلها الخارجي من آلة درس القمح، لكنها تأخذ الشكل البشري. ولها فتحتان أحدهمـا الفم، وقد رسمت عليه ابتسامة عريضة وينبغي أن نلاحظ الشبه بين الآلة وتمثال الحرية] العالم : اقتربوا..

[الشيخ والعاملان يرددان خلف العالم] أصوات : اقتربوا.

العالم : اصطفوا..

أصوات : اصطفوا

العالم : الأطول فالأطول..

أصوات : فالأطول.

العالم : هنا خلاصكم..

أصوات : هنا خلاصكم

العالم : أدخلوا إلى فردوسنا الحضاري..

اصوات : أدخلوا ادخلوا..

العالم : تخلصوا من كل ما يثقل نفوسكم من عنصرية.. من الشك والقلق.. والخوف والضغينة..نحن أبناء أمّ واحدة.. هي الأرض.. [مشيرا لفم الآلة] هذا مدخلكم للحل العلمي لمشاكلكم.. أبشروا..

أصوات : أبشروا

العالم : الأمر ليس صعبا.. وليس معقدا.. بهذه الآلة.. سنحل مشاكلكم الهندسية

[يضع العالم في الآلة مفتاحا فتصدر عنها نغمات مختلطة لنشيد بلادي بلادي والماسليز وحفظ الله الملك ودينج دونج في لحن عبثي]

[الشيخ يصفّ الناس صفّا واحدا أمام فم الآلة ] رجل1 : ما هذا يا مجانين؟

المرأة : لعلها آلة تبخير.. لن تضر.

رجل4 : أمراض الصيف زادت.

رجل3 : لن نخسر شيئا..

المرأة : سنوفر الصابون.

العالم : أدخلوا … أدخلوا في صمت..

أصوات : أدخلوا أدخلوا..

العالم : رددوا اللحن الإنساني.. لحن الخلاص من مشاكلكم المزمنة.. من عقدكم القديمة.. أمامهم أيها الشيخ..

[ينهض الشيخ من على كرسيه المتحرك نشيطا، يبدأ في الدخول وخلفه الجميع واحدا واحدا إلى داخل الآلة، وعندما يختفي الجميع داخل الآلة أو هكذا يبدو، تبدأ الآلة في إصدار أصوات مزعجة وتتحول إلى ثعبان ضخم بعد لحظات

يسقط من الجانب الآخر من ناحية الذنب مكعب صغير في حجم علبة السجائر أزرق اللون يسرع العالم ويلتقط المكعب في حرص ويتجه للصالة]

لقد كانت مشكلتنا في حجمكم.. أنتم تشغلون مساحات أكبر من اللازم.. وهكذا يكون الحل العلمي.. أن تكونوا بهذا الحجم المناسب.. أيها الأصدقاء.. لن نحتاج إلى كل هذه الأرض لتسكنوا فيها.. لن نحتاج إلى كل هذا التاريخ.. نحن نريدكم بهذا الحجم..

[يفتح المكعب ويخرج دمية للشيخ]

الحجم المثالي.. التاريخ الإنساني أيها الأصدقاء.. دائرتان.. فاعل.. ومفعول به.. لقد كنا في يوم من الأيام في الدائرة الثانية..! يومها جئتم أنتم لكي تمارسوا الفعل الحضاري بشروطكم.. من فوق ظهور خيولكم.. والآن.. جاء دورنا نحن لنعبر إليكم فوق آلاتنا..!! ونمارس نحن الفعل الحضاري الذي توقفتم أنتم عن ممارسته..!! وبإتقان..

العامل1 : [يحضر مكعبا آخر] هل هذا الحجم مناسب يا سيدي؟

العالم : أعتقد.. وأعتقد أيضا.. أن مترا مربعا واحدا يكفي لاستيعاب كل هؤلاء.. بعد أن وضعناهم في الحجم الأمثل.. أما بقية هذه الأرض.. كل الأرض.. فهي لنا…..!! دورنا الحضاري هو الاستغلال الأمثل لكل الموارد.. أليس هذا هو التعريف العلمي للإدارة؟ الاستغلال الأمثل لكل الموارد المتاحة..

العامل2 : إنهم يتصرفون في مكعباتهم وكأنهم ما زالوا بحجمهم القديم؟

العالم : دعهم في وهمهم.. يظنون أن العالم لا يتغير.. هذا في مصلحتنا.. دائما.

[يضحك بشيطانية] العامل1 : أستطيع أن أحضر أسرتي؟

العالم : طبعا.

العامل2 : كلبي سيجد مساحة واسعة ليجري..

العالم : ذكرتني.. كيف حاله الآن.. أما زالت تنتابه المخاوف النفسية.

العامل2 : لا.. عالجه الأخصائي النفسي.. وهو الآن بخير..

العامل1 : كلما تذكرت حالته.. صوته الضعيف.. بكيت..

العالم : نعم.. نعم.. أنا كذلك..وكلما تذكرت النظرة الحائرة في عينيه.. استعصى عليّ النوم..

العامل1 : رقة مشاعر إنسانية..

العالم : نحن البشر.. نملك الحس الإنساني.. ولهذا نحن أفضل المخلوقات.. ولكن هذه الأفضلية لا تعطي لنا الحق أن نتجاهل حيواناتنا البائسة.. علينا أن نعاملها بلطف.. ورقة وحنان.. علينا أن نعطي لها من الحرية ما يمكنها من العيش

دون مشاكل نفسية.. تذكروا إننا رسل حضارة.. وأن علينا أن نقيم مجتمع الحرية.. والإخاء.. والمساواة.. لكل البشر..

العامل1 : [منزعجا] كل اليشر يا سيدي؟!!

العالم : [يضحك] لا أظنك تقصد.. [يلقي بالمكعب على الأرض وبدمية الشيخ في يده] إشش.. بدأ الشيخ يفيق.. [مخاطبا الدمية] ماذا تقول يا سيدي.. ارفع صوتك.. تريد أن تنام ؟! لا تقلق.. عندي بيت جميل.

[يخرج من الحقيبة نموذجا لبيت خشبي ملون] لا تقلق.. عندي بيت جميل.. بحديقة صناعية.. لا تحتاج إلى ريّ.. انظر يا سيدي.. حجرات واسعة.. بالنسبة إليك طبعا.. حمامات.. ملاعب.. كل شيء مناسب لحجمكم الجديد.. [ينصت] ماذا ؟ لا لا لا تصدق.. تكلفة المشروع

مناسبة.. لا تصدق.. إنهامجرد أكاذيب صغيرة..

[يضحكون والثعبان يعود مرة أخرى إلى شكل تمثال الحرية]

إظلام

كاتب مسرحي من مصر


شاعر من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • أكاذيب صغيرة
  • الشعر‭ ‬الحال